الرئيسية / أدب وثقافة / متابعات / اللامرئي من الفيروس إلى الإله

اللامرئي من الفيروس إلى الإله

محمد جديدي

محمد جديدي

     كلما أمعنا النظر في ما حولنا بدا لنا ما نعتبره واقعا هو الوهم بعينه ولم نعد نعرف ما هو الواقع حقيقة؟ حتى وإن  كان الحقيقي هو الواقعي بحيث يمتزجان إلى حد عدم إمكانية الفصل بينهما، يصير ما هو واقعي حقيقي والعكس صحيح. قديما يذكّرنا أرسطو في كتاب “النفس” بأن للإنسان شوق وتطلع للمعرفة وهذه الأخيرة يحصلها بنسبة كبيرة بما يراه بحاسة بصره، أي العين التي يلتقط بها المرء معظم معطيات ومعلومات ما يُشكّل أفكاره ومنها كان النظر الذي لا يكون بالعين فحسب بل يتجاوزها إلى النظر بالعقل والفكر في اليقظة والمنام (الرؤية والرؤيا).

حياتنا معلقة ومشدودة باللامرئي في الأرض(الفيروس) وفي السماء(الإله)

     قد تبدو لنا معرفتنا أنها مشروطة بما نراه بأكثر من أي حاسة أو أداة أخرى، علما أننا على يقين تام بأن ليس كل ما نراه حقيقي، بل إن ما لا نراه هو الأجدر من الحقيقي بالحقيقة . وليست الأمثلة هي ما ينقص في هذا السياق، إذ يكفي التذكير بالأفكار التي في أذهاننا ونحن نُسلّم يقينا بوجودها الواقعي وإن لم يكن عينيا كذلك الأمر في التيار الكهربائي، الذي لا نراه ولكنه هو ما يجعلنا نرى في الظلمة الحالكة بل إن جل ما تعج به حياتنا العصرية يعود فيه الفضل إليه. ويخبرنا أيضا علماء الفيزياء أن واقعنا ينحل في كل ما يؤثثه من أجسام ومواد إلى ذرات لا ترى بالعين المجردة.  والأمر نفسه في الكائنات المجهرية، التي تحيط بنا وتعيش معنا صباحا مساء، حيث يذكر الأطباء وعلماء البيولوجيا أن الطفيليات التي تصاحبنا في حياتنا يفوق عددها سبعمائة نوع وتتطلب رؤيتها أجهزة ومعدّات إلكترونية دقيقة ومتطورة . كذلك الأمر في جميع ما يحيط من المتناهي في الصغر إلى اللامتناهي في الكبر فمن الفيروس، هذا الكائن المجهري، الذي صار متحكما في حياة الإنسان وتصرفاته وسلوكاته ونشاطاته، فرض عليه الحجر في الدول وفي المدن وفي البيوت، قلّص حركاته وعطّل اقتصاده وكبده خسائر مالية بالملايير، غيّر من تعاملات البشر مع بعضهم وتواصلهم فيما بينهم من التقارب إلى التباعد، وأخطر ما كان من عواقبه حصده الأرواح بالآلاف، مع زرع رعب وهلع غير مسبوق وترقب لما سيؤول إليه الوضع ما بعد الفيروس.

     إذن من هذا اللامرئي، اللامتناهي في الصغر إلى اللامرئي اللامتناهي في الكبر (الإله) تشرئب الأعناق إلى السماء باحثة عن خلاص من المطلق وبعد أن نفدت حلول الأرض والإنسان لم تبق إلا حلول السماء والإله . وعلى أمل أن يأتي الفرج من لامرئي أعلى يزيل به لا مرئي أسفل. يظل المرء مرتبطا باللامرئي وهو معتقد أنه الأقدر على إخراجه من أزمته بعد أن رأى أن المرئي لم يسعفه في مخرج فعال.

     حينما نقف على حقائق الذرة والفيروس والإله المطلق وهي كلّها من اللامرئيات، حقائق لا تكشف عن نفسها إلا بقدر ما تنكشف في نتائجها، ألا يثير فينا هذا التساؤل عن الواقع الذي نحيا  فيه لدرجة السذاجة ونركن إلى مكوناته وكأنها أصل للحقيقة وهي بخلاف ذلك لأن أبسط وأصغر مكوناته كذّبت اعتقاداتنا الساذجة.

     هكذا أصبحت حياتنا معلقة ومشدودة باللامرئي في الأرض(الفيروس) وفي السماء(الإله).

للكاتب أيضا:

فردريك فورمس: بِــمَ نتعَلّــــــــق؟ مُدّونة للزمن الحاضر

29 أبريل 2020 ترجمةفلاسفةمقالات 0

ترجمة : محمد جديدي محمد جديدي يباغتنا شعور مزدوج، عندما تحدث كارثة ما: فهي لا تكشف لنا عن هشاشة فحسب أو تبعية بصورة عامة (نحدث أنفسنا بتعجب “ماذا علينا أن نفعل؟”)، لكن الهشاشة أو التبعية لشيء ما نتعلق به، بشكل إيجابي وليس هو الحياة فقط: إنما العلاقات، وأيضا الأفكار والعدالة، …

حوار كوة مع المفكر والمترجم الجزائري محمد جديدي

22 يوليو 2018 تغطيةحوارات 0

يدشن موقع كوة حواره الثاني مع المفكر والمترجم الجزائري محمد جديد – أستاذ بجامعة قسنطينة ونائب رئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية- ومهتم بالفلسفة المعاصرة وعلى الأخص الإسهام الأمريكي، وهو مهتم أيضا بالاشكالات التي تطرحها البيو-إثيقا في سبيل بناء وعي فلسفي نقدي اتجاه المشكلات الراهنة التي تعترض إنسان اليوم والتي ستتنامى …

أندريه كونت ـــ سبونفيل: حدود البيوإتيقا

9 مارس 2020 ترجمةفلاسفةمقالات 0

محمد جديدي / الجزائر ترجمة؛ محمد جديدي ما هي البيوإتيقا ؟ إنها الإتيقا التي لا تطبق بالتأكيد على الحي (وإلا كانت الإتيقا ذاتها) إنما على المشكلات التي طرحها التقدم في علوم وتقنيات الحياة والصحة. لن نبالغ في التأكيد بأن البيوإتيقا ليست جزءا من البيولوجيا ؛ بل هي جزء من الإتيقا، …

شاهد أيضاً

كورونا ونظرية الفراشة؟!

هايل المذابي هايل علي المذابي ربما كان صحيحا أن نظرية الفراشة الفيزيائية تشير في أبعادها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *