الرئيسية / أدب وثقافة / متابعات / كوجيطو الكائن العربي

كوجيطو الكائن العربي

عبد الكريم لمباركي

عبد الكريم لمباركي

 لقد أتبث لنا تاريخ البشرية أنه تاريخ صراع وتطاحن من أجل البقاء، فمنذ قابيل وهابيل اتخذ الكائن البشري العنف لغة وحيدة وواحدة للدفاع عن ملذاته وميولاته، دون أن يبحث عن كيفيات وسبل آخرى أكثر فاعلية، وأقل ضرر ا لتحقيق ذلك، وهذا دليل واضح على أننا كائنات خاضعة لانفعالاتنا، ولم نكن نلجأ للعقل بغية ضبط انفعالاتنا. لذا فالكوجيطو الحقيقي الذي يتبث وجودنا وهويتنا، يمكن صياغته كالآتي: ” أنا أنفعل، أنا اتصارع، إذن أنا موجود”، ومنه فوعينا بذواتنا يتحدد إنطلاقا من ذلك الصراع الذي تشنه الذات على الغير، معتبرة إياه الوسبلة التي تؤسس للهيمنة على العالم وامتلاكه، فالأنا تحاول دوما أن تتعامل مع الغير كموضوع مثل موضوعات الطبيعة، ولا تحترم خصوصيته كنظير وجودي، على الأقل فيما هو مشترك عند الإنسان بما هو كذلك. وبما أن منهج المماثلة غائب فإن التسلط والهيمنة سيحضران في حسابات الشخص لكي يستمر في الوجود، ومن شروط هذا الإستمرار؛ القضاء على الآخر الذي ينافسني من  حيث هو انسان له نفس الرغبات.
الرغبات إذن هي المحرك الرئيسي لحقيقة “كوجيطو الاحتقان” والإحتقار الذي تحمله كل “أنا” ولا تعلن عنه، بل تضمره لكي يتحقق واقعيا، و يظهر بجلاء في اللحظة التي يتلذذ فيها إنسان ما بعذاب إنسان آخر، الأمر الذي يتبث لنا وبطريقة بديهية أن الحيوانات أكثر رأفة منا، فقبل أن يكتسح الحيوان فريسته، لابد له من قتلها أولا، لكن الإنسان لا يقتل بل يعذب، وهو أمر لا يجب أن نأخده من باب التعجب، فكل مطلع على فلسفة الصراع بين “العبد والسيد” التي دشنها “هيجل” سيكتشف  أن إبقاء الآخر على قيد الحياة أمر ضروري لكي تعي الذات نفسها باعتبارها وعيا وحرية، فالأخر بوعييه التابع سيقر ويعترف بالسيادة والتحكم الذي تفرضه الانا المتعالية، وبالتالي فما نعيشه من علاقات ننسجها مع الآخر ماهو إلا وسيلة للإقرار والإعتراف بالوجود الذاتي المتأصل في طبيعتنا.
نحن إذن أمام ذوات ناقصة وغير مكتملة، وإذا كان ديكارت قد توصل عن طريق الكوجيطو ، على أن عملية الشك لا يمكن أن يشعر بها كائن كامل، وبالتالي – ومن خلال هذه المقدمة- سيستنبط ديكارت وجود الله ككائن كامل  أعطاه فكرة الكمال التي يبحث عنه باعتباره كائنا ناقصا، فإن عامة الناس قد بنوا كوجيطو آخر ذا صبغة هيجلية؛ إنه “كوجيطو النقص” الذي لا يمكن أن يكتمل إلا عن طريق التطاحن مع الآخر والتصارع معه، لكي يتملك ما يوجد لديه من خيرات وملذات، لذا فالقول بالغيرية هو ضرب من ضروب العبث الأنطلوجي الذي لا يستوي إلا بالأنانية والنرجسية، فكل ذات تحاول أن تتبث  للأخرى أنها الأفضل، وهو الأمر الذي تؤكده  قولة  توماس هوبس “الإنسان دئب للإنسان”ويجري على مقاس القولة موقف اجتماعي تشعر فيه الذوات بالتهديد الخارجي ؛فلماذا يعمد الغالبية الي التترس بالشبابيك الحديدية على النوافذ والشرفات في مجال يغلب عليه التمدن؟
فالأنا إذن منذ أول وهلة وهي تضع كوجيطو الجدار بينها وبين الغير، والوسيط الذي يجمع بينهما هو “قاتلني حتى يفوز أحدنا بالوجود وخيرات العالم” هو كوجيطو يجعل الإنسان عبدا لرغباته أولا قبل أن يكون سيدا على إنسان آخر، وبالتالي فالمحرك الرئيسي لهذا العالم متجذر في غريزة حب البقاء،  لم يصدق الكائن البشري  بعد أن انتقل من القبيلة إلى الدولة، والسبب طبعا يرجع إلى عدم إحساسه بالأمان، فقد كان يحلم بنوع من تنظيم اقتتاله الاصلي  فالممارسات التي يعيشها في مرحلة اللادولة تجعله اكثر تحررا من القيود المؤسسية ليحتج، ولكنه حينما  لا يجد وسيلة للإحتجاج يتحول الى التطاحن مع الكائن  الذي ألف معه الصراع، حيث يتساوى الفعل ورد الفعل.
إن  “الكوجيطو العنيف” الذي تسرب الى ذهنية الإنسان العربي، جعله اليوم واقفا مصدوما ومرتبكا أمام ما يقع في العالم فلا ينفعل بغير لغة الصراع مع قرينه في الوجود، لأنه لم يفهم بعد قوانين الحالة المدنية ومبادئ الدولة الحديثة التي تحترم الفرد وتدعو إلى احترامه، لهذا فهو يساعد قوى النكوص على سلب حريته وحرية الغير، ولا يستكين ويتصالح مع هذا الأخير، هنا يصبح العقل العربي في مقابل العقل الغربي الذي يأخد من الصدمات وسيلة لبناء ذاته وبناء مجتمعه، فبسبب الحروب وسطوة الكنيسة تأسس له وعي بضرورة تتشييد الحداثة والتقدم، الذي ينبني على الإعلاء من قيمة العقل والفرد والوعي والذات، بدل التطاحن مع الغير،حيث ركز العقل الغربي على الذات بدل الذوبان في الهوامش، عكسنا نحن، ركزنا على الآخر وتجاهلنا الذات والنتيجة أن العقل العربي مصاب بعقدة النقص ، لأن الذات ذابت  وتحللت في استيهامات الصراع اللا متكافئ مع الغير، وسيطرة مشاعر الدونية الحضارية. 
الغرب إذن أسس “كوجيطو الدهشة” بدل “كوجيطو الصدمة” الذي بني عن طريق الصراع، الأمر الذي جعل من سؤال الفلسفة سؤالا نبت في تربتهم وليس في تربتنا، وما نشهده اليوم من احتجاجات ضد الشرطي الأمريكي العنصري، هو دليل على فهمهم قواعد ومبادئ الدولة الحديثة، التي لا تتأسس  بشكل فعلي إلا عن طريق تقدير الغير وفاعليته وكذا معاملته معاملة إنسانية، كما أتبث أن إجتماع الغرب هو إجتماع إيجابي و تعاقدي معقلن، أما نحن فاجتماعنا اجتماع سلبي طبيعي، الأمر الذي جعلنا غارقين في تصرفات الطبيعة التي لطالما إتخدت القتال الوسيلة الوحيدة من  أجل البقاء.
خلاصة القول إذن؛ كيف يمكننا نكران هذه الحقيقة؟ الواقع ان الغرب تقدم فكريا وعلميا، وأننا تأخرنا فكريا وتاريخيا، فثراتنا يشهد بأننا سفهنا ابن رشد وأحرقنا كتبه، وبالتالي أحرقنا ما تبقى من عقل وعقلانية  ، فيما تاريخهم يتبثت أنهم استقبلوا ابن رشد من من بابهم الواسع وفهموا كوجيطو ديكارت وسؤال كانط في الأنوار، أما حالنا فلن يتغير إلا إذا ما قمنا بنقد عاداتنا وتصرفاتننا وكذا محاكمة عقولنا المحكوكة بقهر النقص الحضري وزنازين الجهل القيمي وضمور الوازع الانساني.

الموت كطريقة لفهم وجودنا في العالم

11 مايو 2020 عامةمفاهيمنصوص 0

عبدالكريم لمباركي. عبد الكريم لمباركي. لقد حاولت الفلسفة الوجودية أن تجعلنا نعي الموت كواقعة.. بإمكاننا ملاحظتها باعتبارها الإنقطاع العنيف عن الحياة، إلى الوعي الداخلي للكائن البشري بأن وجوده يقترب من الموت خطوة تلو الأخرى، ومن اليقين أن يستشعر بالموت، هذا الإحساس يتضح له بصورة حتمية في “وجدانية القلق”. فالقلق حيال …أكمل القراءة »

هيغل والحضارة الشرقية القديمة؛ الصين أنموذجا

29 مارس 2020 أخرىتغطيةدردشةمقالات 0

بقلم عبد الكريم لمباركي لقد عاش الإنسان منذ بداية خلقه صراعا قويا مع الطبيعة، لا لشيء سوى لفهم هذه الأخيرة وسبر أغوارها، لكن طالما كان منهزما في هذه الحرب وخاضعا لها، فالطبيعة تمّاز بصفة المكر والخداع مما يجعلها تصنع من الإنسان ما تريد وفي أي وقت تريده؛ إنه عقل ما …أكمل القراءة »

متى تتحول الوطنية من حجة إلى احتجاج على الوطن؟

‏4 أسابيع مضت عامةنصوص 0

عبد الكريم لمياركي عبد الكريم لمباركي يقف الإنسان المقهور  اليوم مندهشا حيال ما يجري حوله  في العالم من تحولات طبيعية، أكتفي هنا بالتحول الطبيعي لأن الإنسان المقهور لا يهتم بالتحولات السياسية والإقتصادية، وحينما يغيب هذا الجانب يغيب الفعل الاجتماعي الراشد. وتصبح ممارسة السياسة عبثا ،  إذ يكتفي المواطن بالمشاهدة دون …أكمل القراءة »

سؤال الميتافيزيقيا بين الموراء، والمابعد. حينما يطرح سؤال؛ ما الميتافيزيقا؟

26 أبريل 2020 عامةمفاهيممقالات 0

عبدالكريم لمباركي يكون الجواب؛الميتافيزيقا؛ هي ما وراء الطبيعة.إنه الجواب  السائد في كل لحظة يطرح فيها هذا السؤال، بمعنى أن الميتافيزيقيا لا تتعلق بالوجود في شقه المادي، وإنما هو مبحث يبقى في حدود الماورائي، ويستمد مشروعيته من هذا الأخير، وهي فكرة تولدت في ذهن المطلع منذ لحظة تكوينه في سنوات الأولى …أكمل القراءة »

في الفرق بين العقل الأداتي والعقل الموضوعي عند مدرسة فرانكفورت

30 سبتمبر 2019 مفاهيممقالات 0

عبد الكريم لمباركي عبد الكريم لمباركي       سأحاول في مقالي هذا أن أركز على مدرسة فلسفية لم تحظ بالإهتمام الذي تستحقه إلا مؤخرا، ألا وهي مدرسة فرانكفورت النقدية، هذه الأخيرة التي لا يعرف عنها أغلب القراء العرب شيئا ،وأغلب من يعرفونها لا يعرفون عنها إلا أسمها، على حد …أكمل القراءة »

علموية الأخلاق النتشوية وتاريخها

6 سبتمبر 2019 عامةفلاسفة 0

عبد الكريم لمباركي            يعتبر موضوع الأخلاق من بين أهم المباحث الفلسفية الكبرى التي شغلت تفكير العديد من الفلاسفة والمفكرين،ليس فقط من جانب القيم التي يتضمنها هذا المبحث فحسب،بل بإعتباره منهاجا يسير ويوجه الإنسان بإعتباره كائنا أخلاقيا،مما يجعله متميزا عن باقي الكائنات الأخرى ،وهذا واضح من خلال مراحل التاريخ البشري …أكمل القراءة »

نداء للم شمل شعوب المنطقة المغاربية

26 يونيو 2018 عامة 0

أصدرت فعاليات مغاربية نداء من اجل الاسراع بلم شمل شعوب المنطقة : ————————————————— هذا النداء هو لحظة تفاعل وتعبير عن إحساس ومشاعر تنتاب الكثير من المناضلين والمواطنين، يهدف إلى التحفيز والتشجيع، والدعوة للتفكير في اقرب الآجال في مبادرة سياسية تنهض بها القوى الديمقراطية والتقدمية والفعاليات المدنية والثقافية، من اجل حوار …أكمل القراءة »

بيان مثقفين مغاربة بشأن الحراك الشعبي في الرّيف

12 يونيو 2017 متابعات 0

أصدر أكثر من 500 مثقف و مبدع مغربي بيانا يؤيدون فيه الحراك السلمي و الحضاري في منطقة الريف..ويؤكدون فيه على أن أول خطوة لإيجاد حلّ ناجعٍ لما يقع في الريف المغربي هو إطلاق سراح كافة المعتقلين من نشطاء الحراك الشعبي، والدخول في حوار فوري وحكيم مع نشطاء الحراك قصد الاستجابة …

شاهد أيضاً

كورونا ونظرية الفراشة؟!

هايل المذابي هايل علي المذابي ربما كان صحيحا أن نظرية الفراشة الفيزيائية تشير في أبعادها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *