الرئيسية / منتخبات / عامة / إيكُولُوجْيَا النَّفَس: الجائحة والعنصرية على المحك

إيكُولُوجْيَا النَّفَس: الجائحة والعنصرية على المحك

محمد شوقي الزين

محمد شوقي الزين

I can’t breathe!”

«لا أستطيع التنفُّس!»

كانت هذه آخر مخارج الهواء المتقطِّع إلى ألفاظ للسيِّد جورج فلويد قبل أن يلفظ أنفاسه. وكانت أيضاً الريح الهوجاء التي عصفت بالولايات المتَّحدة ضدَّ الممارسات العنصرية لبعض الشرطة ضدَّ الأمريكيين السُّود. ما معنى ألا نستطيع التنفُّس؟ ما النَّفَس؟ ما الأمر الذي يجعل الجو خانقاً وهنا نتجاوز محض الغلاف الجوي (atmosphère) نحو الغلاف العقلي (noosphère)؟ ما سرُّ هذا التباغض الإثني على أساس اللون والانتماء؟ ما لعنة هذا الاختناق الحضاري بانغلاق الأبواب والنوافذ التي تحول دون تجدُّد الهواء المنعش؟ بل وأضيف ما سمَّيته بالغلاف البَشَري (dermosphère) أو «البَشَرة» التي هي الفاصل العنيد والمروِّع بين البشر على أساس اللون، مع أنها مسمَّى البَشَر ووجودهم المشترك في العالم. هناك شيء في الراهن، بسبب الجائحة كوفيد-19 أو العنصرية المقيتة، ما يحول دون التنفُّس، لخَّصته ببراعة الفيلسوفة الإيطالية دوناتيلا دي سيزاري في كتابها الصادر حديثاً: «سيادة الفيروس؟ الاختناق الرأسمالي»[1]. كل شيء اليوم هو عُرضة للاختناق صحيًّا أم اقتصادياً أم عنصرياً. هناك الحاجة الماسَّة والعاجلة لإيكولوجيا الترويح والتنفيس، بإعادة إزاحة المسألة من محض الطرح الميتافيزيقي العريق في روح أو نفْس (بسكون الفاء) إلى الطرح الواقعي في النَّفَس (بفتح الفاء)، من سكون الفاه إلى فتح الفاه للتنفُّس العميق والمنعش.

1

مع أن النَّفَس (بفتح الفاء) له ميتافيزيقا قائمة بذاتها من الرواقية صاحبة النَّفَس (pneuma) أصل العالم إلى ابن عربي صاحب نظرية النَّفَس الإلهي دون نسيان التقنيات العريقة لليوغا (Yoga) التي لا تزال فاعلة اليوم في إطار حصري من التأمُّل ومداواة انفعالات النفْس. لقد حصل نسيان شبيه بنسيان الكينونة لدى هايدغر وهو حجب السكون (النَّفْس) للفتح (النَّفَس)، بالارتقاء بالنفْس إلى مصاف الاعتبار الفلسفي حول العلاقة بالجسد ومسألة الخلود والبعث، وإرجاع النفَس إلى مجرَّد إجراء ميكانيكي في دخول الهواء إلى الرئتين وخروجه منهما منذ الرسائل الطبية الأولى لأبقراط وجالينوس. كيف احتجب سؤال النَّفَس في الدَّرس الفلسفي مع أن له نتائج واعدة وخطيرة منذ الرواقيين وابن عربي حول نظام العلاقة بالذات والانتماء للعالم؟ لا يمكن فقه المسألة سوى بالتغلُّب على الأشباه والنظائر والتمييز في غسق الغابة اللغوية بين الذئب والكلب من أجل إنزال الألفاظ من السماء الميتافيزيقية إلى الأرضية العادية إذا جاز لنا اللجوء إلى فتغنشتاين من أجل نَحْوٍ فلسفي يكون فيه الاستعمال في السياق هو الفيصل.

بالفعل نجد أنفسنا أمام أشباه ونظائر تفوَّق فيها الاعتبار الميتافيزيقي بتجاوز (أي حجب) الاشتقاق اللغوي الأصلي والمنطلق العادي الأصيل: لا يمكن الولوج في الدقائق الصغيرة والمماحكة حول التفاصيل المتعبة في جذور الكلمات، لكن حسبنا بعض الإشارات والتنبيهات وهي أن اللغات العريقة لها توافق في المدلول حول الكلمات التي تهمنا هنا[2]: سواء أتعلَّق الأمر بـ«النَفَس الإغريقي» (pneuma) أم بـ«النَّفَس-الرُّوح-النَسَمَة» العربي ومقابلها العبري (nèfèš, rūaḥ, nešāmāh)، هناك دائماً إشارة إلى النَفْخَة (souffle) التي تجعل النظائر بين النفْس والنفَس أو بين الروح والريح صعبة التمييز. التمييز الوحيد هو ذلك الذي سقط من الاستعمال التاريخي بفعل الفاصل بين الميتافيزيقي والطبيعي وأضحى مجرَّد متحفٍ من الكلمات الاشتقاقية المقنَّنة في القواميس والموسوعات. ليست الكلمات الأوروبية (esprit, spirit, Geist ; âme, soul, Seele) أقل التباساً، لأنها تشكَّلت هي الأخرى على أساس ذلك الفاصل الذي أضحى قانوناً فلسفياً في اعتبار سؤال الذات أو الأنا، وسؤال الفكر والتفكير، وأسئلة الفلسفة التحليلية حول الذهن (mind) والأسئلة المتفرِّعة عنها مثل المعرفة الإدراكية (cognition) والذكاء الاصطناعي. يمكن القول بأن هذا المركَّب الفلسفي والابستمولوجي حجب نوعاً ما السؤال البسيط والبديهي للنَفَس بداهة البَشَرة عينها، جوهر البَشَر.

هل يمكن بالفعل اختزال المشكلة الإنسانية إلى مجرَّد مسألة في النَّفَس؟ هل المسألة هي السقوط في شراك «التطبيع» بإرجاع البُعد الأنثروبولوجي والوجودي والميتافيزيقي الواسع إلى قضية عضوية أو إيكولوجية، أي البيئة الطبيعية أو الذهنية للوجود الإنساني في العالم؟ يساعدنا الإجراء النحوي والتأويلي في الاحتراس من افتراس الصور الكثيفة والغازية كالخواطر التي تهجم على الذهن وتعيق النظر العقلي الصحيح. الرهان هو كيف نقوم بتنقية اللغة والذهن معاً من مجموع الغزاة القادمين من كل حدبٍ وصوب، من المعجم الميتافيزيقي المبهم وإلى غاية الاستعمال الفلسفي المزيَّف. هذه الغزوة التعيسة هي التي تحول دون الرؤية الواضحة للشرط الإنساني المعاصر، لأنها توفِّر فقط خداعاً بصرياً ومعوجًّا حول نمط رؤيتنا للأشياء.

2

عبارة بول فاليري «الشيء العميق في الإنسان هو البَشَرة!»[3] مذهلة وهي تناقض في الحدود. غير أن الأمر يتعلَّق بتناقض ظاهر (oxymore) يختزن على قيمٍ نفيسة. نقول بأن البَشَرة هي عُمق الكائن مثلما نقول بأن النَّفَس هو جوهر هذا الكائن. يكمن وجه الإشكال والالتباس في جعل سطح البَشَرة هو العُمق وقد يكون هذا الإجراء نزوعاً سفسطائياً مشيناً. هل الأمر كذلك؟ هل بالفعل البَشَرة هي عُمق الكائن؟ وهل النَّفَس هو جوهر هذا الكائن؟ إذا أردنا مجاوزة الخداع البصري الذي توفره لنا العدسة الميتافيزيقية، فليس لنا بدٌّ سوى اللجوء إلى النقائض لفكِّ النظائر. يأتي عُمق البَشَرة من حيث كونها مسقط الأحاسيس والبرزخ الفاصل/الواصل بين الجسد والعالم الذي صوَّره موريس ميرلوبونتي بالإجراء الأسلوبي «التَّدَاخُل» (chiasme)، حيث يجد الجسدُ العالمَ في ذاته ويحتوي العالمُ الجسدَ برمَّته. هذا التَّبَادُل الذي يتَّخذ صورة التَّدَاخُل مهمٌّ جدًّا في ثقف نظام البَشَرة التي يحجبها غازٍ من الغُزاة وهو اللَّون. لا تتميَّز البَشَرة باللَّون، إن كانت بيضاء أم سوداء، لأن هذا مجَّرد تمثُّلٍ تركَّب تاريخياً وثقافياً وأيضاً عنصرياً من عُمر البشرية (مسألة الرق والعبودية)، بل تتميَّز بما يُؤسِّس جوهرها وصلتها الحميمية بالعالم وهو استقطاب الأحاسيس بصفتها تجربة الإنسان في العالم، في الوقت نفسه تجربة حسيَّة من «شعور» بالأحوال المتناقضة (حر، برد…) وتجربة حميمية من «استشعار» بالأحوال النفسية والعاطفية (حب، كره…).

يمرُّ نظام الحقيقة نفسه على سطح الجسد، من فوكو إلى دو سارتو[4]. اقتلاع الاعتراف مرهونٌ بتسليط تأثيرٍ على الجسد في شكل قهر أو تعنيف. بل إن العنصرية ذاتها هي إجراء في نفي الجسد، إمَّا رمزياً بنزع مرئيته ووضعه في المكان اللائق به عندما تشكَّل تمثُّل اجتماعي حول المهن اليدوية الخاصة بالأفارقة أو العرب، وإمَّا حسيًّا بمحاولة التخلُّص منه؛ والجرائم العنصرية لا تُعدُّ ولا تُحصى، آخرها محاولة اعتقال جورج فلويد التي انتهت بإماتته بقطع التنفُّس عنه. كيف نقرأ النَّفَس في هذه القصَّة الأليمة؟ أليس انقطاع النَّفَس هو انهيار سؤال الفهم والتفاهم بين الثقافات؟ كانت هذه مثلاً الأطروحة التي انطلقت منها الفيلسوفة الإيطالية دي سيزاري في محاولة أخرى حول أستاذها غادامير: «الفهم مثل التنفُّس»[5] (Verstehen ist wie Atmen). لا يمكن القبض على حقيقة الفهم ولا تعقُّله ابستمولوجياً مثلما لا يمكن القبض على الهواء، بل إن الفهم هو نمط في الوجود وليس نظاماً في المعرفة.

بغياب الشرط الإيكولوجي في الهواء المنعش للعالم المحيط (Umwelt)، فإن الفهم يتعكَّر هو الآخر بمختلف اللَّوْثات الأيديولوجية والعنصرية ويجعل التفاهم بين الثقافات أمراً صعباً وتحدِّياً جبَّاراً. لا نغالي إذا قلنا بأن الشرط التأويلي والإيكولوجي للوجود البشري المشترك في العالم له أصله في النَّفَس وفصله في الفهم. كل سوء فهم هو لوثة عقلية جاءت لتُعكِّر صفو الانجلاء الذاتي في مرآة الغير وانجلاء الغير في مرآة الذات، وكل سوء تفاهم هو الإجهاز الفعلي على مقوِّمات الحضارة التي أضحت معتلَّة في عمرانها البشري ومختلَّة في وظائفها الحيوية. هذا ما سمَّته دي سيزاري بـ«الاختناق الرأسمالي» على شاكلة «المتلازمة التنفسية الحادَّة الوخيمة» (Sars) التي يحملها فيروس كورونا (كوفيد-19). التماثل بين عمل الفيروس واختلال الحضارة مدهش ويُفهَم نيتشوياً، أي بإزاحة المسألة من نموذج الحقيقة/الخطأ الذي هيمن من أرسطو إلى مدرسة فيينا إلى نموذج الصحة/المرض: هناك شيء في الحضارة ما يُقوِّض عنصر الحياة، وهناك شيء في الإنسان ما يُدمِّر عنصر الفهم والتفاهم، عنيتُ لوثة التَّمركز.  

3

كان ابن عربي قد ربط بين النَّفَس والرَّحمة[6] بناءً على قول نبوي غذَّى به النسق الميتافيزيقي والأنطولوجي المعقَّد لديه: «إنِّي لأجِدُ نَفَس الرَّحْمَن يَأتِيني من قِبَل اليَمَن»[7]. معكوس ذلك أن اختناق العقل البشري هو انتزاع الرَّحمة من العالم وهو عَرَض من أعراض الهزال، بحكم أن ابن عربي يؤوِّل «اليَمَن» رمزياً بالرُّكن المتين، وتُقال «اليمين» للقوَّة والبأس. النَّفَس ساري في العالم[8] بموجب الرَّحمة السَّارية مسرى الدَّم في الشَّريان. لكن بتلوُّث مساري العقل ومسالك الحضارة، فإن الرَّحمة التي ترتبط مصيرياً بالنَّفَس قد احتجبت. تتعدَّى الرَّحمة هنا مجرَّد الاستشعار والعطف. إنها بالأولى منبت البشرية، «الرُّحم» الجامع لأواصرها الأصلية. تحتجب الرَّحمة عندما تتنكَّر البَشرية لبَشَرتها الجامعة باسم الألوان وتُميِّز هكذا بين الأصناف والأشكال. التَّمييز إجراء معرفي ينتهي بأن يصبح إجراءً سلطوياً، لأن التمييز هو مدخل عنصري للعزل والإقصاء. نُدرك لماذا جاء الفهم نظير النَّفَس، نمطاً في الكينونة وليس مجالاً في المعرفة ومن ثمَّ إجراءً في السلطة. باختراق اللَّوثة المعاصرة ولإعادة صقل المرآة غير المجلوة التي يتعذَّر أن يرى فيها البشر بعضهم بعضاً، أطرح ثلاثية هي في نظري جوهر الوجود البشري في العالم وألخِّصُها في «النَّفيس-التَّنفيس-التَّنافس».

فلأن الإنسان غاية في ذاته، فهو العزيز النَّادر من حيث التميُّز الوجودي عن غيره من الكائنات. إنه النَّفيس الذي يتعالى على كل قيمة زائدة ما دامت قيمته في ذاته وفي كينونته. كل القيم الأخرى الزائدة ما هي سوى قيم التميُّز والتمييز من مال بين ثري وفقير، ومعرفة بين عالم وجاهل، وسلطة بين حاكم ومحكوم. في كل تميُّز وتمييز هناك فاصل يُؤسِّس للتراتب والإقصاء. كان بوئثيوس قد قدَّم في «عزاء الفلسفة» أروع درسٍ حول القيم الزائدة التي تُعكِّر صفو الجوهر الخالص للنَّفيس الذي تكمن قيمته وغايته في ذاته وفي نمط كينونته في العالم. فهي قيم زائدة تنخرط في نظام التَّنافُس من أجل الملكية والسُّمعة. بين النَّفيس والتَّنافس هناك الحدُّ الأوسط التَّنفيس الذي هو نتيجة بديهية للإنسان كائناً صادراً عن النَّفَس. التَّنفيس عن كربٍ أو عن عبقريةٍ في ما بات يُعرف بالروح الموضوعي الذي يتجلَّى في مختلف الصَّنائع والرَّوائع الحضارية. يؤدِّي التَّنفيس لا محالة إلى التَّنافس تحت طائلة ما سمَّاه رونيه جيرار بالرَّغبة في المحاكاة التي هي أصل الثقافة البشرية وفصلها التاريخي والسياسي. هناك رغبة دفينة في النوع البشري، لاشعورية في مبناها وصراعية في معناها، تجعل التَّنافس حول الموضوع ينزاح نحو التَّنافس بين الذوات على أساس المصلحة والحظوة: «غياب الموضوع هو الذي يجعل ممكناً التنافس الذي لا يزداد حِدَّةً فحسب، بل ينتشر كالعدوى في الجوار»[9].

يكشف التَّنافس عن مقلوب النَّفيس الذي يتحوَّل في أعراضه دون جوهره أو ماهيته، كأن يسْلُب نَفَس الغير (القتل) أو نَفَسه هو (الانتحار). مقلوب النَّفيس هو تعكُّر الوجه الأصلي والخالص الذي يحمله بين جنبيه كما تكشف عنه رمزية العلاقة بين قابيل وهابيل. يمكن إذاً للنَّفيس المتفرِّد في سُلَّم الوجود أن يسقط في معكوس العزيز والنَّادر عندما يتكدَّر صفوه كما تشهد عليه مختلف الاختلالات الحضارية من استعمار وعنصرية وحرب وإرهاب، هي الوجه البشع لما بَطُن في النَّفيس عينه وأسقط التفرُّد والتميُّز الوجودي الحقيق به. إعادة قراءة سقوط النَّفيس في معكوس ما يُشكِّل جوهره مرهون بالقيام بإزاحة جليلة من الفكرة إلى الكلمة، وبشكل أوسع من الأيديولوجيا إلى علاجيات اللغة. هناك معالم في العصر تُبيِّن العودة الضرورية إلى الكلمة، ليس فحسب بموجب مقتضى روحي: «في البَدْءِ كَانَ الكَلِمَةُ» (إنجيل يوحنَّا، 1:1)؛ «اقْرَأ باسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ» (العلق:1)، بل كذلك بداعٍ إيكولوجي: إرجاع الاستحقاق للنَّفَس، أصلاً طبيعياً وفهمياً.

4

منذ بوئثيوس، كان العلاج بالكلمة لا بالفكرة لمقتضى الحال، وهو أن العليل كان بحاجة لما يُخفِّف فزعه من الانقضاء الحتمي وهو الكلمة المداوية للكلوم، ولم يكن بحاجة إلى الفكرة أفقاً ممتدًّا. جاء العلاج بالكلام (Logotherapy) عند فيكتور فرنكل ليُوطِّد هذه الحاجة في توصُّل الإنسان بجذوره الطبيعية والروحية وهو النَّفَس. إذا كان الجسد يعتلُّ عضوياً وإذا كانت النَّفْس تختلُّ ذهنياً، فإن الرُّوح لا يعرف الفتور أو التَّلف، لأنه يَسْبح في المجال العقلي (noosphère = Noos). مجاله هو الكلمة، ومن ثمَّ النَّفَس: «الكلمة، على النقيض من اللوغوس الإغريقي، حدثٌ خالص»[10]. الحدث هو مطلع الأصيل، إشراق النَّادر. هل لذلك علاقة بعبارة غادامير «نور الكلمة» (das Licht des Wortes)؟ قد نستخلص من هذه العبارات أدباً دينياً قائماً بذاته يرتبط أساساً بحدث الميلاد[11]. غير أن أنطولوجيا النَّفس هي عينها حَدَث، لأن النَّفَس «هنا والآن»، لا ينقطع ليلاً أم نهاراً، سرًّا أم جهاراً، شعورياً أم لاشعورياً، ويعقد صلة وطيدة بحدث التفكير: «لا تُصاغ الكلمة الكاملة إلا في التَّفكير» و«الكلمة تعكس على نحوٍ تام ما يُفكِّر فيه العقل»[12].

لقد حصلت راهناً إزاحة نحو الفكر رائدها هايدغر[13] ومتمِّمُها حنه أرنت[14]. قد نجد منقشعاً في اللجوء إلى ما يُؤسِّس الروح وهو البُعد الفكري (noèsis)، على اعتبار أن أرنت نفسها وفي مناقشتها لتفاهة الشَّر بناءً على تحقيق مفصَّل[15] حول شخصية أدولف آيخمان وإسهامه في الحل النهائي (Endlösung) للمسألة اليهودية، كيف أن هذا الشَّخص كان في نظر أرنت مسلوب الفكر، لأن نمط التذهُّن لديه كان آلياً على صورة الآلة البيروقراطية التي وصلت إليها الدولة المعاصرة تحت حكم الحزب الواحد، عنيتُ الحزب النازي. لم يكن الموظَّف يُفكِّر أخلاقياً ولا حتى فلسفياً، بل كان يُفكِّر آلياً وذرائعياً، كاشفاً بذلك عن تفاهته واندحاره بتعكُّر صفو النَّفيس بين جنبيه وسقوطه في الابتذال. مع ذلك، يبقى الفكر أو التَّفكير دائماً تحت مغناطيس التفاهة عندما يتحوَّل الفيلسوف نفسه إلى شريك الطَّيش والمتواطئ مع الشَّر. نجد أنفسنا إذاً أمام لُبس النَّظير بين الفيلسوف الحق والسُّفسطائي، بين الذئب والكلب في الغسق الغابي.

وحده النَّفَس، أي الكلمة المنظور إليها بعيون التدبُّر والوعي الكامل (Mindfulness) والفكر الخالص من أجذاب الحماقة والمصلحة، يمكنه أن يؤسِّس للنَّفيس التبوُّء في مقعد البشرية، بجعل الحدَّين الآخرين (التَّنفيس والتَّنافس) ضرورة طبيعية وثقافية، لكن دائماً باليقظة الوجودية المتمرِّس عليها النَّفيس نفسه، أو ما جاز لي نعته بـ«الاحتراس من الافتراس». إنه الرِّهان الجليل في التأسيس لإيكولوجيا الفكر والعمل، ولتفادي أن نجد أنفسنا من جديد أمام خطأين، أحدهما طبيعي وهو «الجائحة» والآخر ثقافي وهو «العنصرية». جورج فلويد هو عَرَض الاعتلال الحضاري لنظام الحكم الامبريالي. تطلع دائماً من هذه الاختلالات والاعتلالات أعراض تُبيِّن لنا عتمة النَّفيس عندما يكون في مقام التَّمركز، ليس فحسب إزاء نفسه في نوعٍ من التَّحايُل على ذاته، بل كذلك إزاء غيره من الكائنات التي منحها عنوان الدُّونية. لعل جائحة كورونا هي منتهى الحُمق في الانقضاض على الشَّرط الحيواني، والعنصرية هي منتهى التَّفاهة في نسف الشَّرط الإنساني: نشهد «اختناق» الحضارة.   


[1] Donatella Di Cesari (2020), Virus Sovrano ? L’asfissia capitalistica, ed. Bollati Boringhieri.

[2] Art. « Âme », in Barbara Cassan (éd., 2010), Vocabulaire européen des philosophies : le dictionnaire des intraduisibles, Paris, Seuil-Le Robert, p. 72.

[3] Paul Valéry (1960), « L’idée fixe », in Œuvres II, Paris, La Pléiade, p. 215.

[4] مثلاً: ميشال فوكو (1990)، المراقبة والمعاقبة: ميلاد السجن، ترجمة علي مقلد، مراجعة وتقديم مطاع صفدي، مركز الإنماء القومي: بيروت؛ ميشال دو سارتو (2019)، «أجساد معذبة وأقوال محتجزة»، ترجمة محمد شوقي الزين، موقع مؤمنون بلا حدود، 6 أبريل 2019.

[5] Donatella Di Cesari (2009), Gadamer. Ein philosophisches Porträt, Mohr Siebek: Tübingen, p. 47. 

[6]  ابن عربي، الفتوحات المكية، 3، ص420: «وصف نفسه بأن له نفساً بفتح الفاء وأضافه إلى الرحمن لنعلم إذا ظهرت أعياننا وبلغتنا سفراؤه هذا الأمر شمول الرحمة وعمومها».

[7] أحمد ابن حنبل (2008)، المسند، حديث رقم 11269، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية: بيروت، 4، ص965؛ ابن عربي، الفتوحات المكية، 3، ص197.

[8] ابن عربي، الفتوحات المكية، 3، ص420.

[9] René Girard (2004), Les origines de la culture, Paris, Pluriel, p. 63.

[10] غادامير (2007)، الحقيقة والمنهج: الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، مراجعة جورج كتوره، دار أويا، طرابلس (ليبيا)، ط1، ص546-547.

[11] المايستر إكهرت: «يقول القديس أغسطين: إن هذا الميلاد يحدث دائماً».

Meister Eckharts Mystische Schriften, Berlin, 1903, p. 13, « Der heilige Augustin sagt, diese Guburt geschehe immer ».

[12] غادامير، الحقيقة والمنهج، صص554-555.

[13] Heidegger M. (1990), « La fin de la philosophie et la tâche de la pensée », Questions III et IV, trad. Jean Beaufret et François Fédier, Paris, Gallimard, coll. « Tel »., p. 278-306.

[14] Hannah Arendt (1981, 1983), La vie de l’esprit, 1. La pensée, 2. Le vouloir, trad. Lucienne Lotringer, 4e édition, Paris, PUF, coll. « Philosophie d’Aujourd’hui ».

[15] Hannah Arendt (1966), Eichmann à Jérusalem : Rapport sur la banalité du mal, Paris, Gallimard.

للكاتب ايضا:

ما بعد الكورونا أو النموذج العالمي الرابع

26 مارس 2020 مجلاتمفاهيممقالات 0

بقلم محمد شوقي الزين في مقال قصير عنوانه «ما الذي سيَنتُج عن الكورونا؟»[1]، بحدس مستقبلي لكن برؤية نقدية تراجعية، قدَّم المفكر جاك أتالي (ولد بالجزائر سنة 1943) انطباعه حول حالة العالم في شقَّين رئيسين؛ هما الصحَّة/المرض والاقتصاد. يُخيَّل إليَّ أن فكرة أتالي نتشوية في جوهرها، لأن منذ نهاية القرن

لم التفلسف؟ سبل الحرية – لورانس فانين

10 يونيو 2018 كتب 0

ترجمة محمد شوقي الزين ستصدر قريباً ترجمة كتاب لما التفلسف؟ من تأليف لورانس فانين، ترجمة المفكر الجزائري محمد شوقي الزين، الذ قال عن الكتاب: بعد “التفلسف الأول” (جون غرايش)، هذا “التفلسف الثاني” للفيلسوفة الفرنسية لورانس فانين. إذا كان “تفلسف” غرايش، بلغته الدقيقة والأكاديمية، موجّه إلى جمهور المفكرين والأساتذة والباحثين وطلبة الدكتوراه، …

أنا أمشي، إذن أنا أفكر (كوجيتو المشي)

13 أكتوبر 2019 مجلاتمفاهيممقالات 0

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين لكل ظاهرة عتبة مبدئية تُقاس بها، كدرجة سيلسوس بالنسبة للحرارة وسُلَّم ريشتر بالنسبة للهزة الأرضية. تزخر الحياة اليومية بأفعال وممارسات عتبتها المبدئية هي «المشي». المشي هو المقياس الذي تتحدَّد به السلوكيات البشرية في رواحها وإيابها، في مختلف نشاطاتها وأغراضها اليومية. للمشي منطق خاص يفلت …

شهادة جاك دريدا: محمد شوقي الزين باحث وفيلسوف من نوعية نادرة

7 أكتوبر 2018 تغطيةمجلات 0

«… أعرف السيّد محمد شوقي الزين منذ عدة سنوات، في الحقيقة منذ قدومه إلى فرنسا. التقينا عدة مرات وأصبحنا صديقين. فهو قادم من جامعة أكس أن بروفونس، التي يعمل بها منذ عدة سنوات، ليحضر حلقات دروسي في باريس ويحضر الملتقيات التي أشارك فيها أو المحاضرات التي ألقيها في فرنسا أو …أكمل القراءة »

حوار كوة مع المفكر الجزائري محمد شوقي الزين

31 مايو 2018 حواراتفلاسفة 0

  حوارات كوة:  دشن موقع كوة السنة المنصرمة سلسلة حوارات أسميناها الفلسفة بصيغة المؤنث، وكان طموح الموقع هو التعريف بالمهتمات بالدرس الفلسفي في سياقنا المغاربي والعربي، وفي الآن ذاته تشجع الفلسفة بصيغة المؤنث لتحتل مكانتها العادية في الساحة الفكرية، وقد كانت حوارات متميزة وبالغة الأثر في الساحة الفلسفية المغاربية والعربية، …أكمل القراءة »

الأمير والداهية: جديد محمد شوقي الزبن

18 أكتوبر 2018 تغطيةدراسات وأبحاثصدر حديثاكتب 0

قريباً: “الأمير والداهية: ثقافُ السياسة والأخلاق”. من التقديم:  الأمير والداهية استعارتان لشخصيتين هما نيكولا مكيافيلي (ت. 1527م) في الفكر الأوروبي الحديث وعبد الرحمن العتائقي (ت. 1388م) في الفكر العربي الإسلامي الوسيط. عندما نستحضر سؤال السياسة والأخلاق، فإننا ندرس بالأولى «الفعل» البشري في فرادته، في عفويته، في سلوكه، وأيضاً في قصديته …

شاهد أيضاً

كورونا ونظرية الفراشة؟!

هايل المذابي هايل علي المذابي ربما كان صحيحا أن نظرية الفراشة الفيزيائية تشير في أبعادها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *