الرئيسية / منشورات / مجلات / التفكيكية والريبيّة

التفكيكية والريبيّة

نصير فليح

نصير فليح

من اهم الجوانب التي اثارت الجدال عن التفكيكية، بين مناهضيها ومناصريها، هي التهمة التي وجهت لها بانها في نهاية المطاف منهج او فلسفة او فكر شكوكي ريبي، بل وحتى عدمي ايضا. ونتوقف في هذه المقالة عند هذه النقطة تحديدا، اي محاولة استجلاء الصورة بخصوص النزوع الشكي او العدمي الذي يتهمها به مناهضوها ويرفضه مناصروها.

كما يعرف القراء الذين لديهم بعض الاطلاع على التفكيك والتفكيكية deconstruction انها تتسم بتفتيت وحدة المعنى المقدمة في خطاب او نص ما، عبر الكشف عن تناقضاته الداخلية، وقولها ان الدال لا يؤدي الى مدلول محدد ونهائي بل ان هناك دائما ارجاء لذلك الاختلاف بين الدال والمدلول (الاختلاف المرجأ différance)، وان لكل نسق فضلة تتبقى منه ولا تتسق معه، وان مركزية الحضور والصوت، التي تضفي سمات التكامل النسقي على المواضيع والخطابات والنصوص، هي نوع من ميتافيزيقا وسمت الفكر الغربي عموما عبر تاريخه.

وواضح من هذه الملامح الرئيسية للتفيكية ان متهميها بالسقوط في الريبية او مذهب الشك (skeptic) او العدمية (النهلستية nihilistic) لديهم مبررات كافية وقوية لهذا الاتهام.

بالمقابل، ينافح مناصرو التفكيكية، وعلى رأسهم دريدا طبعا، بان اتهامات كهذه تسيء الفهم. وكما تقول بينولوبي دويتشر Penelope Deutscher في كتابها How to read Derrida ( = كيف نقرأ دَرِيدا) بان دريدا “شدد بالمقابل على انها طريقة قراءة توكيدية (affirmative) وذات قدرة تحويلية كامنة”. وهذه الاخيرة فقرة مهمة جدا في سياق موضوعنا ونتوقف عندها هنا بمزيد من التفصيل.

السمة “التوكيدية” هنا تعني ان التفكيكية طريقة قراءة لا تكتفي بنفي المعنى. اي انها ليست مجرد طريقة تنفي المعاني والصفات التي يمكن ان يتضمنها موضوع ما بان تقول ان الشيء الفلاني مثلا هو “لا كذا” ولا كذلك” دون ان تقدم بالمقابل افقا او معنى بديلا.

اذا جاز لنا هنا ان نقدم تشبيها توضيحيا لهذه النقطة الحرجة في الخلاف بين مناهضي التفكيكية من جهة، ومناصريها من جهة اخرى، نستطيع ان نقول ان مناهضيها يقولون انها “تذيب” اي نقاط متماسكة صلبة للمعنى، وتحيل كل الموضوع الى سائل واحد خال من كل نقطة يمكن الرجوع اليها او الارتكاز لها، وهذه هي سمات الريبية والعدمية. اما مناصري التفكيكية وعلى راسهم دريدا، يقولون انها إذ “تذيب” النقاط الصلبة المتماسكة هذه في سياق المعنى او النسق المقدم على انه نسق متكامل ومعنى محدد ومفترض، فإنها لا “تذيب” كل شيء، بل تفتح بالمقابل افقا لنقاط متماسكة جديدة، قد لا تكون بصلابة نقاط المعنى المعتادة او المتعارفة، ولكن لها تماسكها الخاص الذي يتوجب على القاريء “تكييف” نفسه معه لا مع الطريقة المألوفة التقلدية للمعاني. هذه مجرد صورة تشبيهية رأينا انها يمكن ان تقرب نقطة الخلاف الرئيسية حول هذا الموضوع الحساس والهام.

او ربما يمكننا ان نقارب الموضوع ايضا من تشبيه اخر، وهو منهج ديكارت في الشك ايضا. فرغم ان منهج ديكارت تأسس وانطلق من الشك في كل شيء، بما في ذلك وجود جسده هو نفسه، فانه في نهاية المطاف وصل نقطة متماسكة ضمن تصوره في ذلك المنهج، وهي انه “يفكر”. وحتى لو شك هو نفسه في “انه يفكر” فستظل هذه الحقيقة قائمة، اي ان شكه نفسه بها دليل على “أنه يفكر” باعتبار الشك نفسه نوعا من التفكير. او اذا تحولنا من مذهب الشك المستند الى العقل (على الطريقة الديكارتية) الى مذهب الشك التجريبي (اي المستند الى التجربة) على طريقة هيوم Hume فاننا ايضا نستطيع ان نلاحظ ان الخلاصة التي يخرج بها هيوم هي ان الحقائق لا يمكن اثباتها الا عن طريق التجربة. بالطبع ما ذكرناه هنا مجرد تشبيهات لتقربب الصورة لا أكثر، فطريقة القراءة التفكيكية مختلفة كثيرا كمنهجية.

كما انه من واضح ايضا العلاقة الوثيقة لنزعة الشك هذه – ما لم تفض الى نتائج ايجابية positive او توكيدية affirmative – مع العدمية. فالعدمية nihilism، من وجهة النظر النظرية الفلسفية لا من زاوية الاستخدام المتداول اليومي، هي نظرية عدم الايمان باي شيء، او عدم اية فرضية او مقولة ايجابية توكيدية، اللهم الا العدم نفسه.

هذا السؤال الاساسي، بخصوص النزوع الريبي والعدمي للتفكيكية، ما يزال فاعلا ومتوالدا بطرق جديدة الى يومنا. فمثلا، ترى الفلسفات ذات الطابع التوكيدي للحقيقة، مثل فلسفة الان باديو، ان التفكيكية جزء من الاتجاهات العدمية والريبية التي نشطت في القرن العشرين لا سيما منذ فلسفة نيتشه، وخصوصا في الاتجاهات ما بعد البنيوية، وانها في نهاية المطاف انعكاس لحالة الوضع البشري التي مرت بكوارث وحروب كبرى في القرن العشرين جعلت من النزوع العدمي والريبي هذا جزءا من “المزاج الفلسفي” العام، فاننا نستطيع ان نرى بالمقابل كيف ان التفكيكية لعبت وتلعب دورا مهما في تطبيقات كثيرة تثمر عن نتائج ايجابية ايضا. فكثير من فلاسفة عصرنا ومنظريه ومفكريه في المجالات المختلفة يستخدمون العدة المنهجية التفكيكية في تناول مواضيعهم بما يثمر عن نتائج هامة. ولعل من ابرز هذه الحالات الدراسات ما بعد الكولونيالية، حيث تلعب التفكيكية دورا مهما في فلسفة وفكر هومي بابا Homi Bhabha وغاياتري سبايفاك Gayatri Spivak مثلا، وهما اثنان من ابرز منظري عالمنا المعاصر، ويعتبران، بالاضافة الى ادوارد سعيد ابرز منظري الدراسات ما بعد الكولونيالية. وهو ما يشير، اذا ما تمعنا جيدا، الى ان المنهج نفسه شيء، وما يمكن ان يستخلص منه ويترتب على استخدامه شيء آخر، حسب المقاربة المحددة له في سياق محدد.

للكاتب أيضا:

ترامب والماركسية…فهد وسلام عادل…تساؤلات…

التواصل والاعلام الرقمي ما بين حرية الرأي وحق الخصوصية

‏12 دقيقة مضت

المؤمن الساذج

‏4 ساعات مضت

فلسفياً: لماذا نكره الإرهاب؟!

‏15 ساعة مضت

نصير فليح

نصير فليح

ان يتشنج داعشي او بعثي او طائفي عند الانتقاص من ترامب امر مفهوم، فالعنصر المشترك هو ان ايران – والشيعة عموما – عدوهم اللدود وكل ما هو ضد ايران هو صحيح وجيد. ولكن ان يتشنج بعض المدنيي

“السايبورغ” ومستقبل البشر… بين هاراوي وبوتون

‏5 أيام مضت بصغة المؤنثمفاهيمنصوص 0

نصير فليح نصير فليح فكر دونا هاراوَي Donna Haraway يمتد في مجالات متعددة مثل أغلب الفلاسفة والمنظرين النقديين المعاصرين في عالمنا الحالي، وكتاباتها ونتاجها الفكري ما يزال مستمرا من عقود والى زمننا الحاضر. لكن ابرز مجالات فكرها يرتبط بما بعد الانسانوية ومفهوم “السايبورغ” فضلاً عن العلم والنظرية النسوية. وكتابها المعروف …

كتاب الفلسفات في آسيا ترجمة نصير فليح

‏3 أسابيع مضت صدر حديثا 0

نبذة عن الفلسفات في اسياــــــــــــــــــــرغم أن الفكر الفلسفي النَسقيّ (systematic) ظهر أولاً في الـ أوْبَنِشَدْ (Upanishads) والأنساق الفلسفية المبكرة في القرنين من السابع الى الخامس ق.م، فإن الفكر التبصّري العميق موجود أصلاً في رِغْ فيدا (Rig Veda)، التي تمّ تأليفها قبل ذلك بألف عام على الأقل. فمنذ تلك البدايات المبكرة، أنتج …أكمل القراءة »

سلافوي جيجيك: أو ما بعد دريدا

21 يناير 2019 صدر حديثاكتب 0

قريبا..عن دار ومكتبة عدنان..صدور اول عددين من سلسلة (ما بعد دريدا: فلاسفة وفلسفات معاصرة من القرن الحادي والعشرين) بحث واعداد وتقديم نصير فليح…العددان سيكونان عن الان باديو وسلافوي جيجك…ومن المؤمل توفرهما في معرض بغداد الدولي المقبل…أكمل القراءة »

ألان باديو: أو ما بعد دريدا

21 يناير 2019 صدر حديثاكتب 0

قريبا..عن دار ومكتبة عدنان..صدور اول عددين من سلسلة (ما بعد دريدا: فلاسفة وفلسفات معاصرة من القرن الحادي والعشرين) بحث واعداد وتقديم نصير فليح…العددان سيكونان عن الان باديو وسلافوي جيجك…ومن المؤمل توفرهما في معرض بغداد الدولي المقبل…أكمل القراءة »

بعد ما بعد الحداثة: دلالة المعنى وغرابة المصطلح

‏5 أيام مضت متابعاتمفاهيممقالات 0

نصير فليح نصير فليح ــــــــــــاذا كانت “ما بعد الحداثة” تشير الى العقود الاخيرة التي تم فيها تخطي سمات “الحداثة” ثقافيا، فما الذي يمكن ان يشير اليه مصطلح من قبيل “بعد ما بعد الحداثة”؟ هل هي عودة الى “الحداثة” مرة اخرى، ام هي عودة لبعض السمات في الحداثة دون غيرها؟ وما …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: كل مقالات وترجمات موقع كوة

‏أسبوع واحد مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

نقدم لكم في هذه الوصلة مجموع ما نشره موقع كوة لفوكو وعنه من مقالات وترجمات ودراسات وابحاث باللغة العربية من لغات مختلفة. ميشال فوكو: المراقبة و العقاب ‏يوم واحد مضت علم الإجتماع, فلاسفة, مقالات 0 أسامة البحري بقلم : أسامة البحري – طالب في مسلك علم الإجتماع – بني ملال “السجن أقل حداثة عندما …أكمل القراءة »

أغامبن..”المهدور الدم” ..واشكالية ترجمة المصطلح النظري

‏أسبوع واحد مضت ترجمةمفاهيممقالات 0

نصير فليح نصير فليح مشكلة ترجمة المصطلح مشكلة رئيسية في ثقافتنا العربية، ذات الترجمة المتدهورة اصلا كما بينا في اكثر من منشور سابق. وهذا ما يتكرس بوجه خاص في المصطلحات ذات الاهمية المحورية في فكر او فلسفة معينة. فضلا عن توظيف المفاهيم والافكار لقراءة واقعنا العربي، التي نحن بعيدون جدا …أكمل القراءة »

جوديث بتلر..الجندر والفلسفة و”معاداة السامية”

‏أسبوعين مضت بصغة المؤنثترجمةمفاهيم 0

نصير فليح نصير فليح ـــــــــــــــــــــ ثمة اسماء عديدة نشطت في الدراسات النسوية (الفمنستية)، والفيلسوفة والمنظرة النسوية جوديث بتلر Judith Butler (1956) من ابرزها. وفي هذا المضمار تمثل بتلر شخصية فكرية مثيرة للسجال والجدال، بحكم اطروحاتها الجذرية التي تتقاطع مع الكثيرين بمن فيهم بعض الاسماء البارزة في حقل الدراسات الفمنستية. لكن …أكمل القراءة »

دريدا: عن ما يتبقى من عمله بعد موته

‏3 أسابيع مضت فلاسفةكتبمتابعات 0

نصير فليح نصير فليح “…هذا السؤال أكثر اهمية اليوم مما كان سابقا. انه يشغلني باستمرار. لكن زمن ثقافتنا التقنية تغير جذريا في هذا المضمار. الناس من “جيلي”، ومن بابٍ أوْلى اولئك السابقون، تعودوا على ايقاع تاريخي معين: الشخص يعتقد انه يعرف ان عملا معينا قد يبقى أو لا ، بالاستناد …أكمل القراءة »

أسئلة الجمال في الفلسفة: بين امانويل كانت وروجر سكروتن

‏3 أسابيع مضت أخرىشاشةمقالات 0

نصير فليح في فلسفة الجمال مجالات متعددة، كالابداع الفني والادبي، واسئلة جمال الطبيعة، ومواضيع الجمال في الحياة اليومية أيضا كما نعيشها جميعا من اختيار الملابس الى اشكال الاقداح التي نشرب بها الى اثاث بيوتنا وما شابه، فضلا عن الجمال في الكائن الانساني وعلاقته بالرغبة الجنسية (الايروتيكي). أما مصطلح “الاستطيقا” aesthetics …أكمل القراءة »

جيجك..ومعضلة الايديولوجيا

‏4 أسابيع مضت فلاسفةكتبمقالات 0

نصير فليح موضوع الايديولوجيا من المواضيع التي تهم المثقف العراقي والعربي عموما، والمصطلح نفسه في تداول مستمر. كما ان الكثير من مثقفينا العراقيين والعرب اطلع على هذا الموضوع بدءا من خلال الارث الماركسي. لكن ثمة محطات مهمة تطورت فيها مقاربة الايديولوجيا، مرورا بانطونيو غرامشي، ولويس التوسير، وبيتر سلوتردك، ولعل اخر …

تطبيقات “التفكيك” في الدراسات النسوية المعاصرة

19 أبريل 2020 أخرىبصغة المؤنثمفاهيم 0

نصير فليح التطبيقات المعاصرة التي توظف التفكيكية في المجالات البحثية المختلفة تؤكد الخصوبة والأهمية الكبيرة لها. فتأثيراتها وتوظيفاتها الفاعلة مستمرة في زمننا الحالي في مجالات متعددة، حتى بعد موت رائدها ومؤسسها جاك دريدا باكثر من خمسة عشر عاما، ورغم التعارضات الحادة في ما يخص النظرة الى التفكيكية نفسها. ـــــــــــــــــــ ومن …أكمل القراءة »

دريدا..في أيامه الأخيرة

15 أبريل 2020 فلاسفةمجلاتمقالات 0

نصير فليح نصير فليح قبل خمسين يوما من موته، الذي كان بسبب السرطان، اجرت صحيفة اللوموند حوارا صحفيا مع جاك دريدا، فاصبح بذلك الحوار الصحفي الاخير معه. فماذا يمكن ان يكون كلام فيلسوف مثل دريدا في حوار صحفي من هذا النوع والمرض في مراحل متطورة في جسده؟ الحوار الصحفي تعرض …أكمل القراءة »

ما سر اختلاف الان باديو عن مفكري وفلاسفة العالم المعاصر

6 أبريل 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةكتب 0

نصير فليح كما ظهر ديكارت ذات يوم ليضع كل ما قبله على طاولة التساؤل والشك، وكما ظهر كانْت ليفعل شيئا مشابها ولكن من زاوية مختلفة، بأن يضع حدوداً للعقل وتمييزاً بين نطاقاته ليمسي ما هو خارج ذلك “ميتافيزيقيا”، أو كما ظهر هيغل، ليراجع كل ما قبله وأيضاً من زاوية مختلفة …أكمل القراءة »

سلافوي جيجك ونكتة الرجل المجنون

20 أبريل 2019 عامةفلاسفةمقالات 0

نصير فليح المرح والطرافة في الأدب والفن والفكر عموماً أمر معروف في تاريخ الثقافة البشرية وحاضرها، وله تجسدات كثيرة في كل هذه الجوانب. لكن أن يتم استخدام المرح والطرافة، بشكل النكات مثلا، لتوضيح افكار نظرية وفلسفية، فأمر ليس بالمعتاد كثيرا، وقد يظنه البعض يتعارض مع رصانة الفكر. ولكنه ليس كذلكتحرير

شاهد أيضاً

ميكائيل فوسيل (1): اجتثاث الشر نهائيا، معناه المساس بالحرية(2)

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة في هذا الحوار الشيق، يستعرض الفيلسوف الفرنسي ميكائيل فوسيل، مُختلف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *