الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / في وصف المَسْخِ الاستهلاكي: كائنٌ أَلْحَوِيٌّ هَجِينٌ وبلاهة طليقة!

في وصف المَسْخِ الاستهلاكي: كائنٌ أَلْحَوِيٌّ هَجِينٌ وبلاهة طليقة!

عبد الرحمن بسيسو

عبد الرحمن بسيسو

“يتفاقم النَّهم فينتجُ جشعاً يتفاقم بدوره ليصبح ضرورة وحاجة تتطلبان المواجهة والإشباع. وهنا، في هذه الوضعية على وجه التحديد، يجدُ الكائنُ الأَلْحَويُّ الهَجَينُ نفسه في خضم معتركٍ غريزيٍّ ضَارٍ يأخذهُ إلى توحُّشٍ يمعن في إشباع غرائزَ سوداء.”
عبد الرحمن بسيسو

ثمَّة قدم تهتزُّ هُنَا، وقدمٌ أخرى تهتزُّ هُنَاك، وقد حَكَمَ كلتا القدمين عجزٌ مسكونٌ بالتَّردُّدِ عن الرسوخ الثَّابت هنا، أو الثَّبات الرَّاسخ هُناك. وثمَّة يدٌ حديديَّة هائلةُ الكفِّ، مفتوحةُ الأصابعِ على أقصى اتساعٍ يُمكنها بلوغه، تمتدُّ، على نحو آليٍّ، أو ميكانيكي مُبرمج، وفي وتيرة ذات تواتر متصل ومتسارع، لتلتقط شيئاً من هُنَا، فيما تمتدُّ يدٌ ثانية، بوتيرة اليد الأولى، أو بوتيرة انهماك وتسارع أقلَّ أو أكثر قليلاً منها، لتلتقطَ شَيئَاً مِنْ هُنَاكَ.
وفي تناوبٍ مُتسارع ومُتَّصل، تُلْقِي كُلُّ يدٍ بالشيء الذي تلتقطهُ من هنا أو من هُناك، ومن دون أدنى التفات إليه يَتَوَخَّى تفحُّصَهُ، في سلَّة مربوطةٍ في عُنق هذا الكائن الهجين صاحب اليدين المنهمكتين، طيلة الوقت، في صيرورة التقاط الأشياء الاستهلاكية الجاهزة ومتابعة إلقائها، بنهم فادحٍ وبلاهة مطلقة، في جوف السَّلة المربوطة في عنقه، والتي لا تمتلئ أبداً!
تظلُّ السِّلالُ الاستهلاكيَّةُ فارغةً طيلة الوقت، إذْ سرعان ما يختفي، أو يتبخر تماماً، أيُّ شيء يُلقى فيها، وكأنَّما هي سِلالٌ بلا قاع، أو كأنَّما تُوجد تحت قيعانها المتهتِّكة المخرومة ذات الفتحات المنفرجة والتَّشقُّقات الواسعة والانفراجات العريضة، أيادٍ تلتقط ما يُلقى فيها لتقذفه في جوف أفواهٍ كلبيَّة نهمة لا تشبعُ ولا ترتوي، بل تزدادُ ظمأً وجوعاً مع تزايد حاجة هذه الكائنات الألحوية الهجينة، وأشباهها ونظائرها، إلى إشباع حاجاتٍ جديدة تمَّ تقرير حاجتهم إليها من قِبَلِ مَنْ قام بتنزيلها في خلايا أدمغتهم الإلكترونية الجامدةالصَّلدَة التي يجري تحديثها باستمرار، أو في شعاب جماجمهم (أدمغتهم!) المتَكَلِّسة الصَّلبة المُسْتَلَّة من دياميس قبو قديم لا يُحَدَّثُ، ولا يمعن إلا في سواد عتمته!
يتفاقم النَّهم فينتجُ جشعاً يتفاقم بدوره ليصبح ضرورة وحاجة تتطلبان المواجهة والإشباع، وهنا، في هذه الوضعية على وجه التحديد، يجدُ الكائن الألحويُّ الهجين نفسه في خضم معتركٍ غريزيٍّ ضَارٍ تتحفَّزُ في مجرى إمعانه في إشباع حاجات غريزة معيَّنة غرائزُ حيوانيةٌ أُخرى؛ غرائز حيوانيِّة توحُّشية سبق للحضارة الإنسانية أن تعاملت معها فاستئنستها وأنسنتها على مدى صيرورة الصراع الأبدي ما بين التَّوَحُّش والإنسانيَّة، بدءاً من أوَّلِ حكاية أو أسطورة أو سردية، نُقِشَتْ على حجرٍ أو رُويت شِفَاهةً عبر أثير الكلام، عن قتلِ الإنسانِ للإنسانِ (المُتَحَضِّر) على يد أخيه (!) الإنسان الوحش، ومروراً بالرؤية الفلسفيَّة السُّقْراطِيَّةِ الأولى التي تُعْلِي من شأن العقل على حساب الغريزة، وتحثُّ الإنسان على إعمال الأوَّل بغية التَّحكم، بوعيٍّ، في الثانية، حتَّى آخر رؤية فلسفيَّة، صادقة وصافية، تُقيم التَّوازن الخلَّاق ما بين العقل والغريزة، فلا تُضَحِّي بأيٍّ منهما على مذبحِ أيٍّ منهما!
فما الَّذي يُمكنُ لهذا الكائن الألحوي الهجين أنْ يصطفيه لنفسه من بين الخيارات والبدائل المتاحة أمامهُ في هذا الخضم؟! وهل ثمَّة، أصلاً، من حريّة اختيار متاحة له، أو أمامه، أو بين يديه المُهَيَّأَتينِ للالتقاط الآلي فحسب، ليمارسها، فيصطفي ما يشاءُ منها، أو يختارُ ما يعتقدُ أنَّه خيرٌ لهُ؟!
وهل ثمَّة من مشيئة لهذا الكائن يُمكنُ أنْ نقولَ، حقيقةً لا مجازاً أو توسُّعاً، إنها مشيئته؟!
وهل لمثل هذا الكائن أنْ يُفَرِّق ما بين الخير والشَّر أو ما بين النَّفع والضَّر؟! وهل هو يعرفُ شيئاً عن ماهيَّتي هاتين الثُّنائيتين التَّأسيسِيَّتن حتى يعرف لماذا؟ وكيفَ؟ ومتى؟ وأينَ؟ يُفرِّقُ بينهما، لينحاز إلى ثنائيَّة متجاوبة منهما طالباً لها ورافضاً كلَّ ما لا يستقيم معها، أو يُنَاقِضُهَا؟!
فلنـتأمَّل صِورَ هذا الكائن الهجينيِّ وتجليَّات هياكله المتكاثرة التي تشغلُ مساحات واسعة في مجتمعاتنا المتهالكة ومدارات حياتنا المُؤجَّلة من زمن بعيد، ولنتفحَّصها برويَّة وتأنٍّ وإمعانٍ، لندركَهَا بعمقٍ يُؤهِّلنا لإبصار مدى انعكاس صِورنا، نعم صِوَرنا، وصِورِ آخرينا من النَّاس، في مراياها!
في مرايا هاته الكائنات المتكاثرة قد تنعكسُ صورٌ تدلنا علينا: نشأة وتكويناً، وتصرُّفاتٍ، وتمظهرات سلوكٍ، ومغزى وجودٍ، وحُرُوفَ لغةٍ وأثـير كلامٍ، تُفْصِحُ جميعها عمَّا يُمكن أنْ نُسميِّيه منابع عناصر تكوينية، أو مُكوناتٍ ماهَويَّة، تُحدِّدُ هُوِيَّاتها وتفصح عن إنسراب عناصر منها في هوياتنا كبشر يسعون لإدراك إنسانيتهم، فيما هي تكشفُ عن طبيعة هذه الهُويَّات عبر التقاط تجلياتٍ تُومئُ إلى ما يدلُّ على جوهرها، إنْ كانَ ثمَّة من جوهرٍ لها يُمْكِنُ تعيينه، أو مزيج جَواهر يمكن التَّعرُّف على بعض منها منفصلاً عن المزيج، أو متماهياً في جـوهرٍ مُعيَّنٍ جامعٍ يجعلُ واحدها عنصراً متمازجاً فيه لا ينفكُّ عنه ولا يُفارقهُ، فلا يُدْرَكُ إلا في هذا المـزيج الذي لا يتبدَّى إلا ذائباً فيه، أو مُغَيَّباً بإطلاقٍ عن التَّـبدِّي فيه لصـالح عناصر أخـُرى تُغيِّبُهُ!

للكاتب أيضا:

عُدَمَاءُ الدِّينْ!

‏أسبوع واحد مضت عامةمفاهيمنصوص 0

عبد الرَّحمن بسيسو – براتسلافا لا ينطوي ما يوجَّهُ من نقدٍ صارمٍ، وما يُتَّخَذُ من مواقفَ رفضٍ حاسمٍ وإدانةٍ قاطعةٍ، لما يُلاحظه النَّاسُ، ويُعانون عواقبه وعقابيله، من تناقضٍ جذريٍّ فادحٍ بين تعاليم الدِّين الإسلامي، كما أيِّ دِيْنٍ آخَرٍ، وأُصوله ومقاصِدِه، وبين

خِطابُ العَقْل المُنير: الْحُرِّيَّةُ مبدأُ كُلِّ وُجُودٍ إنْسَانِيٍّ جَوْهَرِيٍّ في الْوُجُودْ

‏أسبوعين مضت مفاهيممقالاتنصوص 0

عبد الرَّحمن بسيسو  إزاء استمرار تواصل المقولات التي تنتجها إيديولوجيات التَّخلُّف والثبات، والتَّسلط والاستبداد، والظلام والظُّلم، مع أشباهها ونظائرها المعتمة المخزونة في أقبية التُّراث الثَّقافي العربي النَّقليِّ الرَّاسخ على امتداد مراحل متعاقبةٍ تربو على ألفية كاملةٍ من أزمنة الاتِّباع والتبعية، والاستبداد والاستعمار، والثَّبات المميت، والسكوت المُهين على واقعٍ تَسَلُّطيٍّ استعماريٍّ …أكمل القراءة »

صُورةُ المرأةِ بينَ ظِلَّينِ وَوَهَجٌ!

‏5 أيام مضت بصغة المؤنثمفاهيمنصوص 0

عبد الرحمن بسيسو للتأصيل النَّظري المفهوميِّ، مقروناً بالتَّنزيل الواقعي العمليِّ، لمفهوم الهُوية الإنسانية، تلك التي يقف الرَّجل والمرأة على ضفتيِّ نهرها المُتَقَابلَتينِ، والمتداخلتينِ في مجرى تفاعل ثَريٍّ  تنسربُ مساراته عبر انسيابية الماء الجوهري الواحد الذي ينداحُ عليهما فَيُكْسبهما الجوهر نفسه؛ لهذا التأصيل المقرون بتنزيلٍ فعليٍّ في واقع الحياة المجتمعية الإنسانية، …أكمل القراءة »

الْعَارِي لَا يُعَرَّى: حَوْلَ “الإنْتَرْنِتْ” وانْتِهاكِ “الْحَقِّ فِي الْخُصُوصِيَّةِ” أَو التَّخَلِّي الطَّوعِيِّ عَنْهُ

24 أبريل 2020 أخرىدراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

عبد الرَّحمن بسيسو سَواء أَضُيِّقَ مَفْهُومُهُ أَمْ وُسِّعَ، فَسَيَكونُ لمُصْطَلَحِ “الْخُصُوصِيَّةِ” أَنْ يَظَلَّ مَأْهُولاً بِمْدْلُولاتٍ عَمِيْقةٍ تَتَركَّزُ فِي مَفْهُومِ “الْحَيِّزِ الْخَاصِ”، وسَيَكُونُ لـِلْكَلِمَةِ الاسْمِ: “الْحَيِّزِ” مَعْزُولَةً عنِ الصِّفَةِ “الْخَاص”ِ، أَنْ تُحِيْلَ إِلى شَيءٍ مُتَعيَّنٍ في الْوَاقِعِ، أَو مُتَصَوَّرٍ في الْفِكْرِ، وقَدْ يَكُونُ هَذَا الشَّيءُ “مَكَانَاً”، أَوْ  “نِطَاقاً”، أو “مَجَالاً” أو …أكمل القراءة »

إبْدَالُ نِظَامِ التَّحْريْمِ الكُلِّيِّ بالْحُرِّيَّة أو إِعَادَةُ تَكْوينِ الْعَالَمْ

6 أبريل 2020 أخرىدراسات وأبحاثعامة 0

عبد الرَّحمن بسيسو يبدو جليّاً الآن، وبلا أدنى مُواربةٍ أو غُموضٍ، أنَّنا إزاء عمليّة بلورةٍ نهائيّةٍ لنظامٍ تَابُوِيٍّ كُلِّيٍّ مُعَوْلَمٍGlobalized Taboo System ؛ نظامٍ لا يتوخَّى شيئاً سوى إعادة تكوين العالم وفق مشيئة الرَّأسماليَّة العالميَّة المتوحِّشة، وبإرادتها المطلقة المُوظِّفَةِ كُلَّ قُوَّتِهَا وكُلَّ ما بِحَوْزَةِ أتباعها المتكاثرين من مواردَ وإمكانيّاتٍ وقُوَّة، …

شاهد أيضاً

آلان: التعبير الموسيقي

ترجمة وتقديم: كمال بومنير هذه الترجمة مهداة للأستاذ عبد الباقي هزرشي… آلان Alain(إيميل أوغست شارتيه) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *