الرئيسية / منتخبات / تغطية / فيلم” آدم” المغربي للمخرجة مريم التوزاني ناجح تقنيا مقبول فنيا

فيلم” آدم” المغربي للمخرجة مريم التوزاني ناجح تقنيا مقبول فنيا

بقلم: بن سخري زبير

تعرف السينما المغاربية انتعاشا فنيا وجرأة في الطرح في بداية القرن الجديد لشيوع خطاب السينما العالمي عبر الشاشات ولتطور موضوعاته الفنية ناهيك عن حاجة هاته المجتمعات الساعية للتمدن لخطابات ثقافية فنية تتوافق وتطلاعاتها.

الفيلم رشح لتمثيل المغرب في مهرجان كان والأوسكار 2020م وشارك في العديد من المهرجانات الدولية، وهي لفتة أيقونية تحتاجها أي دولة للحضور في مركز المعنى الثقافي العالمي؛ فالمغرب كوجهة سياحية تصنف عالميا وكوجهة سينيمائية ثقافية ربما هي عاصمة المغرب العربي بتميز.

  1. الأم العزباء من جريمة الشرف إلى الاعتراف الإنساني:

تسعى الكثير من المجتمعات الشرقية إلى صبغ جرائم الشرف واحتوائها في إطار قانوي أكثر إنسانية، ولكن المجتمعات في طبيعتها ترفض هذه المقاربة ومن ثم يستمر هذا التناقض في النظر لهذا الموضوع، وإن كان الرأي الأول تدعمه فكرة المدينة والتطور والانفتاح والرأي الثاني تدعمه فكرة القرية والقبيلة والمجتمع المحافظ، فهذان التجاذبان يجعلان من الموضوع مادة خصبة للأعمال الفنية والمعالجة، ناهيك عما تعرف البلدان العربية السياحية من تغير اجتماعي وثقافي كبير جدا، إلى أن باتت تعير بعض الدول بسياحتها الجنسية.

كيف طرح الفيلم الموضوع:

يعالج الفيلم وضعية امرأة حامل خارج مؤسسة الزواج، تركت القرية وذهبت لمدينة الدار البيضاء للولادة والتخلص من الطفل في إحدى مؤسسات الرعاية، تلتقي البلطة سامية مع أرملة اسمها عبلة تربي ابنتها عبلة وتقبل مساعدة سامية على مضض ثم تتطور العلاقة الإنسانية بينهم لتكشف فكرة الأنوثة في المجتمع المغربي بين الماضي والحاضر، بين المقبول والمرفوض، عولجت فكرة الأم العزباء من وجهة نظر أنثوية مما عكس جانب التعاطف والمواساة أكثر من المعالجة الفنية الواقعية حتى الشخصيات الذكورية غائبة.

خلو المشاهد من أيقونات القبول الاجتماعي فسامية البطلة وهي تبحث عن مأوى حتى وقت الولادة قوبلت بالرفض لشبهة البطن المنتفخة، مما يعكس سطحية الطرح، أي أن موضوع الأمهات العازبات المغربيات عولج سطحيا، داخل خطاب أنثوي متعاطف من الإخراج إلى البطلات إلى تعثر التلميذة وردة في التفريق بين كتابة تاء التأنيث المغلقة وتاء الفعل المفتوحة بعيدا عن المرجعيات السلطوية في المغرب من الذكورة إلى الدين إلى الدولة إلى المجتمع.

  • نجاح تقني:

تميز فيلم ” آدم” بنجاح تقني ومشهدي متميز غطى على فشل معالجة الموضوع وجعل المشاهد يستمر على طول ساعة وعشر دقائق، فالفيلم بمثل هذه المعالجة الهادئة كان الأول به أن يكون فيلما قصيرا لا يتجاوز 45 دقيقة، وهذه أسوأ  الهنات التقنية التي أقلت من جمالية الفيلم تقنيا، فالكثير من المشاهد والأحداث ليست من صميم الحبكة التي كان نموها عرضيا نفسيا وليس طوليا متطورا.

مفارقة الهدوء والصخب: عكس الفيلم جمالية تقنية متميزة حيث دارت الأحداث في فضاء صاخب وهي المدينة البيضاء ولكنه كان هادئا رغم صخب الموضوع المزعزع في النفس الإنسانية، وكانت الطفلة تمثل أيقونة الخروج إلى صخب الحياة ولكن هدوء الأم يحجم هذا ويمنعه، كما جمعت البطلة بين المتناقضين معا، كان خفوت الأصوات في الفيلم تيمة أنثوية تقنية متميزة فهو يعكس صوتها الخافت اجتماعيا وخاصة في مثل هكذا مواضيع وتخصها بالدرجة الأولى، كما تعدد الأصوات من السوق إلى الراديو ولكن دائما كان محل العجانة في عزلة متجهمة عما يحدث، إلى أن ظهرت أغنية الفنانة وردة كصوت صاخب في الماضي البعيد ولا زال يبعث الحياة ولكنه حوصر بالصمت ثم انتصر صخبه الداخلي كنوع من الانتصار لحياة الصمت في مرحلة من مراحل العمر.

توزيع الأصوات: كلام الشخصيات في الفيلم قليل مقارنة بالأصوات الحاضرة والمسايرة للفيلم، كان صوت السوق والأحياء الشعبية خلفية مناسبة جدا للفيلم كانعكاس للغط حول الموضوع

ارتفاعا وهبوطا، كان توظيف الأصوات في الفيلم نوعيا حيث أوجب الصمت الذي يستجدي التركيز البصري والتمعن في المشهد الذي كان غاية الفيلم نتيجة تركيز الإخراج على انفعالات وتقاسيم الوجه في شخصيتي سامية وعبلة وسياجهما الجسدي، يمكن تعداد ثلاثة أجناس صوتية في الفيلم كان لها الحضور الأيقوني الفاعل تداوليا ونقديا في تقييم الفيلم جماليا، الصوت الأول هو صوت الراديو الممل الذي يصاحب الكثير من الطبقات العاملة المياومة في أشغالها تسجية للوقت ليس إلا وهو يمثل صوتا رسميا للدولة اتجاه حياة المهمشين حيث يصل باردا غريبا لا يعالج مشاكلهم وكان علامة حزن وزهد في حياة ومحل عبلة، ثم تقحم البطلة سامية صوتا جديدا في الفيلم حيث يغيب بعدها صوت الراديو وهو أغنية وردة الجزائرية” باتونس بيك” وبعدها النفسي التعبيري بالنسبة لعبلة فتذكرها الأغنية بزوجها الميت وأيام السعادة، فتنجح سامية باستعادة صوت الحياة عبر الأغنية ثم تتوالى أصوات أغان مغربية تعكس وجدان الإنسان المغربي في حياته اليومية، ومن أجمل اللفتات الصوتية فنيا وتقنيا هو خروج عبلة من قوقعتها الجسدية بأن أعادت بهجة وجهها بكل تقليدي أمام المرآة مع صوت آذان مغربي قادم من بعيد وخافت كصوت حقيقي للإيمان بالحياة والجمال وألا تناقض بين الحياة والدين.

كان هناك غياب واضح لأي موسيقى مصاحبة لمشاهد الحزن أو الندم وهذا جزء من فنية التركيز على الصورة وجماليات العين وهي أرقى الأشكال الفنية في السينما.

  • الدار البيضاء العتيقة: تعد مدينة دار البيضاء من المدن العالمية التي تجمع بين العصرنة والعتاقة بتميز في تناغم وتصارع مستمرين، يمتد التناغم والصراع إلى الأيقونات واللغة والألوان والعمران في شكل واع ولاواع، فالمخرجة اختارت معالجة موضوعها في فضاء عتيق يمثل الهامش في مدينة معصرنة تحضر أيقوناتها مشهديا في لباس المراهقين الصغار الممزق كموضة وتطيل البطلة النظر إليهم، فاختيار الفضاء هو نوع من الاتهام الضمني للتاريخ في هذا الشكل من المعاناة، فكيف له أن يتواءم مع أيقونات غربية كان يحاربها ولا يتصالح مع الإنسان فيعكس حجم التناقض الذي يقبع فيه التاريخ المهمش، حضرت الجلابة والأكلة المغربية على اعتبارها حضورا أنثويا في عمق الحياة اليومية ومحركا فاعلا في التاريخية المادية ولكنه يحضر بصمت.

ولا ينتهي الفضاء في معالم المدينة القديمة كتاريخ يؤطر الموضوع ويؤزمه بل ينفتح كأفق مشوه في سطوحه رغم انفتاحه على السماء والشمس إلا أن الفوضى تعانق السماء وتحاصر البطلة، أما بحر المدينة فغيب من فضاء الصراع عدا بعض النوارس التي تذكر بالمتوسط، وكأني بالمخرجة أرادت اتهاما مباشرا للتاريخ في المدينة وحده.

  • تغييب الذكورة وحضورها: تغييب الرجل الذكر من المشهد نجاح مشهدي في معالجة الموضوع أنثويا، فغيابها يعكس الرؤية الأنثوية للزمن والوجود، فوجود الذكر والأنثى في الزمن والوجود متساو ولايتلون بلون أحدهما حضر أم غاب، على عكس م هو متعارف عليه في الثقافات المشرقية أنه يأخذ لون الذكر بل ويتماهيان حتى يصعب الفصل بينهما، كان نجاح الفيلم تقنيا في إبعاد الذكر مشهديا في فضاء تاريخي حيث يحيل التاريخ إلى وراثة سلطوية حتى وإن غاب الذكر، فالكثير من الخطابات الأنثوية تمارس دور الذكر في خطاب المؤسسات لأنها خطابات جاهزة وناضجة وقوية ويستحيل التخلص منها بسهولة، فتطرح المخرجة نسختها الذكورية الجديدة في شخصية السليماني حيث يحافظ على أيقونات ذكر المدينة البيضاء التاريخي بشوارب سوداء ورجولة ناضجة ولكنه يقبل أن يناصف الحياة مشاركة ومسؤولية مع الشغيلة عبلة حيث يراها امرأة ناجحة بتميز، وهو نوع من التصحيح التاريخي الذي تمارسه المادية التاريخية في المدن المعاصرة.

ناهيك عن لحظة انفتاح ومصارحة بين سامية وعبلة، حيث اشتكت عبلة من دفن زوجها دون أن تتمكن من لمسه وتقبيله وشمه ومرافقته للمقبرة لأن الذكورة ترفض ذلك، في الأخير تتراجع البطلة عن قرارها في التخلص من ولدها آدم، وتقرر مغادرة العائلة التي أوتها وتتحمل مصيرها وحدها وتعيش مع ولدها آدم كشكل من أشكال الإقرار بأن الخطأ الذي ارتكبته هو خطأ حياة وليس خطأ موت وأن أسئلة الإنسان الأول مازالت متجددة مع أحفاده، هناك آدم منذ آلاف السنوات واليوم آدم جديد وأسئلة جديدة حول معنى الحياة أصل الحياة، مصير الإنسان؟

في هذه اللحظة الوجودية يلخص الطفل الصغير آدم سؤال الإنسان …في كل الظروف…وبلا مبررات.

لماذا فاز فيلم كوريا الجنوبية ” Parasite” بالسعفة الذهبية والأوسكار؟

‏3 أسابيع مضت تغطيةشاشةمتابعات 0

بن سخري زبير أحدث فيلم ” Parasite”  لغطا وجدلا ثقافيا واسعا امتد حتى البيت الأبيض الأمريكي مع تعليقات الرئيس دونالد الترامب الساخرة يوم 20 فبراير2020م، كيف لهذا الفيلم المتطفل من كوريا الجنوبية أن يفوز بجائزة “أوسكار” العريقة لأفضل فيلم لعام 2020م، ومن قبلها جائزة السعفة الذهبية 2019م. وأمام تجمع انتخابي حاشد في …

شاهد أيضاً

اليوم العالمي للفلسفة

18تشرين الثاني (نوفمبر) بالاحتفال باليوم العالمي للفلسفة سنويّاً، والذي يصادف الخميس الثالث من شهر تشرين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *