الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / مفهوم السيادة عند طوماس هوبز

مفهوم السيادة عند طوماس هوبز

عبد الحميد لخميس

عبد الحميد لخميس

تقديـــم:

لا يمكن فهم ذلك التحول الاجتماعي والسياسي الجذري الذي حصل بأوروبا الغربية في مطلع القرن السابع عشر إلا من خلال ربطه بما يسمى بالحداثة،؛ ذلك أن الحداثة مفهوم حضاري شمولي يطال كافة مستويات الوجود الإنساني من علم وتقنية واقتصاد وسياسة واجتماع… ولذلك لا يمكن فهم ماهية هذا التحول في النظامين الاجتماعي والسياسي ـ وما وزاه من تحول فكري وفلسفي ـ إلا من خلال منظور بنيوي شمولي يقف عند مستوى تلك التداخلات والتشابكات المعقدة بين مجالات شتى وفي سياق تاريخي مخصوص، وما أدت إليه من “انقلاب” كيفي جذري، استطاع بموجبه الإنسان الأوروبي الغربي أن يقطع، عبر سيرورة تاريخية طويلة وقاسية امتدت أكثر من قرنين من الزمان، مع نمط “قديم” من الوجود الاجتماعي  وشكل ” تقليدي” من النظام السياسي. وفي هذا الإطار تأتي مساهمة فلاسفة العقد الاجتماعي؛ فنحن مع هؤلاء الفلاسفة أمام ميلاد تصور جديد لكل من المجتمع والسياسة، تصور سيتحقق جزء هام منه على أرض الواقع، ولعل تجسده البارز  قد عبرت عنه الثورة الفرنسية التي قال عنها هيغل “إنها تلك المكنسة الهائلة التي سعت إلى إزالة كل ما قدرت أنه يقف في وجهها”.

    اهتم الفكر السياسي الحديث عموما، والفلسفة السياسية على وجه الخصوص، بالنظر في جملة من المفاهيم، سواء تطويرا وتشذيبا أو نحتا وإبداعا، مولية العناية الكبرى للنقد والفحص والتقليب… فبنت منظومة مفاهيمية حديثة بدلالات جديدة تعبر عن تصور جديد للإنسان ولوجوده الاجتماعي ونظامه  السياسي، وسنقتصر في هذا المقال على النظر في مفهوم السيادة La souveraineté من خلال نموذج بارز، وهو الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (1588-1679م)؛ إذ تأتي مساهمته كمحاولة لإخراج إنجلترا (وبريطانيا عموما) من الوضعية الحربية المأساوية التي كانت تتخبط فيها آنذاك. وعلى اعتبار أن تصوره تتمة لما بدأه مؤسس الفكر السياسي الحديث الإيطالي نيكولا ماكيافيلي (وإن كانت هناك اختلافات كثيرة بينهما)؛ فتصوراهما قد سارا معا في اتجاه  تجاوز النظام السياسي “القديم” القائم على الثيوقراطية والمشروعية الدينية، أو ما كان يعرف بحق الملوك الإلهي، والبحث في أسس دنيوية وآدمية للسلطة السياسية.

فما هي الخطوط العريضة للتصور الهوبزوي حول السيادة؟ وبناء على ذلك؛ ما طبيعة السلطة السياسية؟ وكيف تنتظم وفقها علاقة الحاكم  بالمحكومين؟

1_ في شرانية حالة الطبيعة:

ضَمَّن طوماس هوبز أهم أفكاره السياسية في كتابه الشهير: الليفياتان (Léviathan)، وقد عرض فيه بالخصوص نظريته في السيادة، وينطلق من افتراض حالة سابقة على حالة المجتمع المدني سماها بحالة الطبيعة[1]، وهي في نظره حالة عنف وحرب دائمة ومزرية، أو كما يقول “حرب الكل ضد الكل”.[2] ” War of all against all”  ذلك أن الإنسان شرير بطبعه، إنه ” ذئب لأخيه الإنسان”، والسبب في ذلك هو التنافس الضاري والمحموم حول الرغبات، ما دام الإنسان في حقيقته كائنا راغبا تحركه كيمياء الأهواء ويسعى إلى وضع يده على كل ما استطاع إليه سبيلا.

الإنسان إذن، حسب هوبز كائن غير اجتماعي بطبعه، ولا يهمه  من المجتمع سوى ما يحقق رغبته ويضمن مصلحته ومنفعته، ولذلك فإن ما يحركه في حالة الطبيعة هو همّ الحفاظ على البقاء مهما كانت الوسيلة، ولا غرو أن تكون القوة هي الوسيلة الأولى، وهي قوة متكافئة بين الجميع فيزيائيا وفكريا، إذ يقول هوبز: “فبالنسبة إلى قوة الجسد إن الأضعف يملك القوة الكافية لقتل الأقوى، إما بحيلة سرية أو بالتحالف مع طرف آخر يتعرض لما يتعرض له هو من خطر”[3]. هذه المساواة في القوة تنشأ عنها مساواة في الأمل في تحقيق الغايات، وإذا ما تعلقت رغبة شخصين بالموضوع الواحد صارا عدوين، وحاول كل واحد منهما تدمير الآخر أو على الأقل إخضاعه، ومن هنا منشأ الحرب، ومن المؤكد أن هذه الوضعية تقود في النهاية إلى شيوع الخوف وانعدام الثقة، فتظل الحرب قائمة، لا فقط من خلال الاقتتال الفعلي، ولكن أيضا من خلال الاستعداد والتأهب الدائمين لها. وعليه؛ فالحرب هي الحالة الطبيعية، وما السلم سوى ومضات تشرق من حين إلى حين، وهي ومضات لا تشرق إلا بالقدر الذي يستطيع الفرد الواحد تأمين السلم لنفسه اعتمادا على قدراته الذاتية. ولا عجب أنه في ظل هاته الحرب لا وجود للعمل ولا للأنشطة المهنية والحرفية، ولا وجود للفنون والآداب، ولا حساب للزمن، وبكلمة واحدة لا وجود للمجتمع، فكيف يكون المجتمع وحياة الإنسان وحيدة بائسة بغيضة قاسية وقصيرة جراء الخوف الدائم وخطر الموت الذي يتهدد البشر باستمرار؟

يخلص هوبز إلى نتيجة قاسية وهي أن الطبيعة تفرق بين البشر، وتجعلهم قادرين على اجتياح وتدمير بعضهم بعضا[4]. وهذا ما تجسده قولته الشهيرة: “فحين يقوم (الإنسان) برحلة، فإنه يتسلح ويبحث عن الصحبة الجيدة، وحين يخلد إلى النوم فإنه يقفل أبوابه، وحتى عندما يكون في بيته فإنه يغلق خزائنه”.[5] يتساءل هوبز في نوع من الاستنكار والسخرية: ما هي إذن نظرة الإنسان إلى أمثاله حين يسافر مسلحا وإلى مواطنيه حين يقفل أبوابه، وإلى أطفاله وخدمه حين يغلق خزائنه؟ ألا يتهم بأفعاله هذه الجنس البشري بقدر ما أتهمه أنا بكلماتي؟[6]

الطبيعة إذن، لا خطيئة فيها، فما دام لا يوجد قانون في حالة الطبيعة، فلا وجود لمفهوم الظلم والخطيئة والجرم، وإنما “الفضيلتان الرئيسيتان” في حالة الحرب هما القوة والغش، وعليه فلا معنى لأفكار الصواب والخطأ والعدل والظلم. هكذا فالطبيعة البشرية نزاعة نحو الصدام لثلاثة أسباب وهي: المنافسة، وانعدام الثقة، والرغبة في المجد، السبب الأول يحرك الإنسان نحو الكسب، والثاني يحركه نحو البحث عن الأمن، أما الثالث فمن أجل السمعة والشرف.

2_ في خيرانية الاجتماع المدني:

أمام هذه الوضعية المزرية كان من الضروري أن يفكر الناس في الاتفاق على صيغة تضمن السلم للجميع، وتنهي الحرب الفتاكة، وهكذا أمكن الحديث عن عقد اجتماعي، وعن تأسيس كيان اسمه المجتمع المدني، وهو تأسيس اضطراري ناتج عن هذا الصدام بين الرغبات. فلا وجود ـ كما بيننا سابقا ـ لحب فطري بين الناس يدفعهم إلى الاجتماع، وإنما “الخوف هو السبب الرئيسي في نشأة الاجتماع”،[7] الخوف من الموت، والرغبة في الأشياء الضرورية لحياة مريحة.[8]

إن الخوف الذي كان يكبل الإنسان في حالة الطبيعة، بما هي حالة حرب، هو الذي دفعه إلى التفكير في السلم، وهذا السعي نحو السلم هو أيضا من قوانين الطبيعة ذاتها؛ إذ سوف يتنازل كل  واحد عن حقه في كل شيء بالقدر الذي يراه ضروريا للسلم، وللدفاع عن نفسه، ومن دون هذا التنازل لن يكون من الممكن أبدا الخروج من حالة الحرب، فأن يتنازل المرء عن حقه في أي شيء معناه أن يحرم نفسه من الحرية في أن يعرقل استفادة الآخر من حقه في الشيء نفسه، والأمر أيضا معكوس، فالطرف الآخر سوف يتنازل كذلك بالطريقة نفسها، وهكذا يمكن تذليل العقبات من أجل إحلال السلم والأمن، الذي هو الغاية القصوى من تأسيس المجتمع المدني ومن إقامة الدولة، والتنازل عن الحق يتم بطريقتين؛ إما التخلي عنه ببساطة، أو تفويضه إلى الآخر، والدافع من وراء هذا التخلي عن الحق أو تفويضه ما هو إلا أمن شخص الإنسان في حياته وفي وسائل حفظ الحياة[9]، هذا التفويض المتبادل للحقوق هو ما يسميه هوبز بالعقد[10]. فهو يتم بإرادة الإنسان بناء على العقل الذي يرى مصلحة في ذلك، والعقد عبارة عن اتفاق، وليس مجرد توافق أو موافقه. وهذا العقد لا يمكن أن يبرم إلا بين بني البشر وحدهم؛ إذ لا يمكننا مثلا أن نبرمه مع الحيوانات، لأنها لا تفهمنا، ولا مع الله لأن ذلك لا يتم إلا عبر وساطة الوحي، وتلك مهمة الأنبياء.

بمجرد حصول الاتفاق، يصبح الوفاء به شيئا ضروريا، ففي هذا الوفاء يكمن منبع العدالة وأصلها، وفي خرق الاتفاق يكمن أساس الظلم، فإذا كانت مفاهيم العدل والظلم غير موجودة في حالة الطبيعة، فإنها أضحت الآن قائمة في حالة المجتمع المدني، حيث توجد سلطة عليا مشتركة تدبر شؤون الناس، وتفرض عليهم تطبيق ما اتفقوا عليه، وهذه السلطة لا يمكن أن توجد إلا بقيام الدولة.

    يؤكد هوبز أنه لا مجال للحديث عن العدل والظلم إلا بوجود ” الملكية”[11]، أو ما يلخصه في عبارة: “ما هو خاص بي”، وحيث لم تقم بعد سلطة قسرية مفروضة على الجميع (أي الدولة) فلا وجود لهذا ال”ما هو خاص بي”. وإنما جميع الناس يملكون الحق في كل شيء.

خلاصة القول أنه لا وجود للعدل والظلم إلا من خلال وجود الدولة، ومقياس العدل والظلم هو وجود الملكية.

3_ في أشكال الدولة وطبيعة السيادة:

بالانتقال إلى حالة المجتمع المدني أمكن إذن الحديث عن جسم جديد اسمه الدولة، والغاية من تأسيس هذه الدولة،  كما أسلفنا الذكر، هي تحقيق السلم والأمن، وبالحديث عن الدولة تُطرح إشكالية السلطة السياسية ومن ثمة إشكالية السيادة، وهذا هو جوهر الأطروحة الهوبزوية.

يميز هوبز بين ثلاثة أشكال للدولة وهي:

ـ إما دولة قائمة على نظام ملكي بحيث تكون السلطة في يد شخص واحد.

ـ إما دولة أرستقراطية تكون فيها السلطة في يد أقلية من الناس.

ـ إما دولة ديموقراطية تكون السلطة لدى كل الذين أرادوا التجمع.

 لكن رغم هذا الاختلاف فهناك جوهر واحد يجمع بين مختلف أشكال الدولة؛ وهو أن السلطة ينبغي أن تكون مطلقة وغير قابلة للفصل والتجزئة، يقول هوبز في هذا المضمار: “الدولة دون السلطة المطلقة ليست سوى عبارة فارغة من مضمونها ولا تستطيع الاستمرار”.[12]

لا شك أن هذا القول يحيلنا مباشرة على طبيعة السيادة عند هوبز؛ فمادامت الغاية من الاجتماع الإنساني هي تحقيق الأمن والسلم، فلا بد من إنشاء سلطة مشتركة تكون قادرة على تحقيق هذه الغاية، إذ ينبغي على جميع الناس تجميع كل قوتهم وقدرتهم باتجاه شخص أو مجموعة أشخاص، وحصر إراداتهم في إرادة واحدة. وهكذا تكون الدولة عبارة عن ليفياتان كبير[13]، أو بالأحرى إنها ذلك الإله الفاني الذي ندين له بالسلام والدفاع[14]. وكأن هوبز بهذا الوصف يريد أن يقول لنا أن الدولة هي ” الرعب”، وهي القادرة على الردع وكبح الأهواء من أجل الغاية العزيزة التي هي السلم.

في هذا الإله الفاني (وهنا دلالة على “قدسية” الدولة) يكمن إذن، جوهر الدولة التي هي شخص واحد، وهذا الشخص هو ما نطلق عليه الحاكم المطلق[15]، الجامع لكل السلط في  يده، بناء على اتفاق إرادي مسبق بين أولئك الذين فوضوا له أمر سياستهم وتدبير شؤونهم، وكل من دخل في العقد فهو ملزم به، فالكل معني بالعقد، باستثناء الحاكم الذي ليس طرفا فيه.[16]

يضطلع الحاكم المطلق بمجموعة من المهام ويتصف بجملة من الخصائص حددها هوبز كالآتي:

  • ينبغي على كل الأفراد طاعة شخص الحاكم وحده دون غيره، فالحاكم هو دائما واحد، ولا يمكن طاعة شخص آخر سواه.
  • لا يجوز للأفراد فسخ أي بند من بنود الاتفاق، لكن من حق الحاكم ذلك.
  •  مهما فعل الحاكم، لا يشكل ذلك إجحافا أوظلما للأفراد، لذلك لا يجوز اتهامه بالظلم.
  • لا يمكن خلع الحاكم أو معاقبته.
  • الحاكم هو الحكم الوحيد في ما يكتب وينشر حتى يستطيع السيطرة على الآراء في سبيل السلام.[17]
  • ضمان الملكية الخاصة وحمايتها.[18]
  • فض النزاعات التي قد تعيدنا إلى حالة الحرب.
  • حق خوض الحرب والسلم مع أمم أخرى.
  • اختيار المستشارين والقضاة والمأمورين العامين في أوقات الحرب والسلم.
  • الحاكم وحده له الحق في التكريم والجزاء والعقاب للأفراد .

هذه الحقوق هي جوهر السلطة المطلقة، وهي غير قابلة للنقل وغير قابلة للفصل[19]، لأن تقسيم السلطة يؤدي إلى إضعافها، وبالتالي قود إلى انهيار الدولة والعودة إلى حالة الفوضى، وقد ساق هوبز مثالا من إنجلترا؛ فحينما انقسمت السلطة بين الملك واللوردات وغرفة العموم، انقسم الشعب ووقعت الحرب الأهلية، التي بدأت سياسية وما فتئت أن انقلبت إلى دينية.[20] ولذلك يخلص هوبز إلى أن النفوذ غير قابل للتجزئة، وهو صلاحية غير قابلة للفصل عن السلطة المطلقة[21]. والسلطة مهما كانت أشكالها فهي واحدة، وهدفها واحد، وهو سلامة الشعب وليس فقط حمايته.[22]

الدولة إذن، كائن اصطناعي صنعه البشر بغية تحقيق السلم، وبالموازاة مع ذلك صنعوا سلاسل وقيود اصطناعية تسمى بالقوانين المدنية، غير أن هذه القوانين المدنية غير قادرة على حماية البشر، ما لم يوجد سيف في أيدي أحدهم أو بعض منهم لتنفيذها[23]، ولذلك كانت الحرية دائما في صف الدولة، لا في صف الأفراد، ذلك أن حرية الأفراد لا تتحدد إلا من خلال مرآة الحاكم المطلق، فهو وحده المشرع للقوانين المدنية، وهو وحده المخول له إلغاء هذه القوانين وفسخها، أو بعبارة وجيزة هو صاحب السيادة، ومن هنا ما على الأفراد سوى الانتظام في هذا الجسم السياسي الكبير المسمى بالدولة، ولا يحق لهم الاعتراض على قرارات الحاكم حتى لا تتولد الحرب، ولذلك فالسلطة لا تكون كافية وفعالة وملائمة للأهداف التي تشكلت من أجلها إلا إذا كانت مطلقة[24].

خـاتـمة:

يمكن القول إن التفكير في طبيعة السيادة، كان أهم ما ميز الفكر السياسي الحديث، لأنه تفكير في ماهية النظام السياسي، وفي كيفية ترتيب العلاقة بين الحاكم والمحكومين، ولعل قيمة ما قدمه هوبز تتمثل في ما يمكن أن نسميه ب”مأسسة الفعل السياسي”، وهنا يتجاوز صاحب اللفياتان التصور الماكيافللي، فإذا كان ماكيافللي منظر الفعل السياسي، لأنه راهن على مهارة الأمير ودهائه فإن هوبز، وهو المفكر النسقي المهووس بالترتيب والتنظيم، هو منظر المؤسسة[25]، إذ أن السيادة عنده لا يمكن أن تقوم إلا على سلطة المؤسسة وقوة التشريع والتعاقد، ومن هنا نفهم رفضه لكل ما يندرج في خانة الانقلاب أو المؤامرة؛ فبلوغ السيادة عن طريق “التمرد هو أمر مناف للعقل وحتى إن نجح، فإن نجاحه لا يمكن توقعه عقليا بل بالأحرى يمكن توقع نقيضه، لأن المرء إذا ربح بهذه الطريقة فإنه يُعلِّم الآخرين أن يربحوا بشكل مماثل”،[26] ولهذا السبب نجد هوبز يلح على ضرورة إعمال العقل فهو جوهر العدل، أما اللاعدل فهو خروج عن العقل وسقوط في الهوى، وهذا ما يتجلى في خرق الاتفاقات والعقود، لذلك فكل من يخرق الاتفاقات والعهود، تحت أي ذريعة كانت، لن يكون مرحبا به في أي مجتمع إنساني قد اجتمع أصلا من أجل السلم، وهنا نقطة قوة فلسفة هوبز السياسية، إذ تؤكد أن السيادة مبنية على الاتفاق، وعليه فلا مجال للصدفة في تدبير الشأن السياسي، ذلك أن الصدفة لا تخلق إلا العشوائية والابتذال والارتجال، ولا مجال أيضا للمكر والخديعة والمؤامرة، لأنها أفعال لا قيمة لها أمام قوة المؤسسة المبنية على الشرعية، فالمؤسسة نظام عقلي نسقي محكم قادر على الردع والتصدي لكل ما ينافي العقل، وقد يبدو هوبز ميالا إلى السلطة المطلقة، ولكن الرجل معذور إنْ نحن فهمنا ويلات الحرب التي كانت تفتك بإنجلترا في زمانه، وبالتالي فإن أكبر هاجس كان يحرك صاحب الليفياثان هو كيف نردع هؤلاء الذين لا يكفون عن الحرب، وعليه فالقوة الرادعة لن تكون سوى الدولة المبنية على المؤسسة الشرعية، وهي مؤسسة ليست مفروضة من الأعلى أو من الخارج، بل منبثقة من الداخل، يفرضها العنف نفسه الذي يهدد الناس في حالة الفوضى، وهكذا فالنظام والسلم يتولد من عمق هذه الفوضى، ومن صميم الفعل الإنساني نفسه.

بهذا الإقرار يكون هوبز تجاوز أيضا السيادة المبنية على المشروعية الثيوقراطية، أو ما كان يعرف بحق الملوك الإلهي، فالحاكم ليس خليفة الله في أرضه، والسلطة السياسية ليست مقدسة، وإنما هي أمر دنيوي مرتبط بالفعل الإنساني، ويعود الفضل في هذا التحول نحو آدمية السلطة السياسية إلى ميكيافللي، فهو أول من أعاد الاعتبار إلى الفعل الأرضي، غير أن هوبز ذهب بذلك إلى أبعد مدى حينما صالح بين الفعل والمؤسسة، وربما هذا ما يشفع له أمام الانتقادات اللاذعة والاتهامات المتكررة له بدعوى أنه منظر الاستبداد والسلطة المطلقة والشمولية.

لائحة الـــمراجـــع:

ـ توماس هوبز، اللفياثان (الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة)، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، مراجعة رضوان السيد، دار الفارابي، أبو ظبي، 2011.

Pierre Manent, Naissances de la politique moderne, Paris, Gallimard, 2007.


[1] – يشكل هذا القول قطيعة نهائية مع التصور الفلسفي الإغريقي القديم، وهو التصور الذي كان يقر بفطرية الاجتماع الإنساني، وبالتالي أسبقية المدينة على الفرد، وهو التصور الذي استمر في فلسفة القرون الوسطى.

[2] – توماس هوبز، اللفياثان الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، مراجعة وتقديم رضوان السيد، دار الفارابي ، أبو ظبي ، 2011، ص 134.

[3] – نفسه، ص 131. (لقد شاع عن هوبز أن هناك تفاوتا في القوة بين الناس في حالة الطبيعة، وهذا غير صحيح؛ ذلك لو أن هذه القوة كانت غير متكافئة لاستسلم الضعيف وانتصر الأقوى وتوقفت الحرب، لكن العكس هو الصحيح فالحرب تظل قائمة لأن القوة متكافئة بين الجميع، ولا أحد من الناس يقبل أن يستسلم).

[4] – نفسه، ص 135.

[5] – نفسه، ص 135.

[6] – نفسه، ص 135.

[7] – Pierre Manent, Naissances de la politique moderne , Paris , Gallimard, 2007, p 72.

[8] – توماس هوبز، اللفياثان ، مرجع سابق ، ص 137.

[9] – نفسه ص 142.

[10] – نفسه ص 142.

[11] – نفسه ص 152. (هذا الأمر يجعل من طوماس هوبز المنظر الأول لليبرالية).

[12] – نفسه ، ص 348.

[13] ـ لا ننسى أن المعنى الحرفي لكلمة الليفياتان كما جاءت في الثوراة هو ذلك الوحش البحري العملاق المتعدد الرؤوس، إنه أكبر الوحوش أو وحش الوحوش، ولذلك فربما استعار هوبز هذه الكلمة للدلالة على أن الدولة ينبغي أن تكون مهابة الجانب حتى تستطيع ردع الناس ليكفوا عن الحرب والاقتتال.

[14] – نفسه، ص 180.

[15] – نفسه ص 181.

[16] – هذا القول هو الذي جر على هوبز وابلا من الانتقادات ، وتم اتهامه بمنظر الاستبداد والسلطة المطلقة، ولعل أبرز هذه الانتقادات هي التي وجهها إليه جون جاك روسو في القرن الثامن عشر.

[17] – يبدو هذا القول غريبا من هوبز لأنه يتماشى مع موقف الكنيسة آنذاك، والتي كانت تمارس رقابة شديدة على كل ما يكتب و ينشر، لكن ربما هوبز أخذه هاجس السلم أكثر من الحرية.

[18] – سبقت الإشارة إلى التأكيد على موقف هوبز في ما يخص الملكية الخاصة، وكأننا به هو المؤسس الأول لليبرالية التي عادة ما تنسب إلى جون لوك.

[19] – توماس هوبز، اللفياثان ، مرجع سبق ذكره، ص 189..

[20] – نفسه ص 190.

[21] .- نفسه ص 190.

[22] – نفسه ص 330.

[23] – نفسه ص 219.

[24] – Pierre Manent , Naissances de la politique  moderne , op, cit, p 67.

[25] – Ibid, p 62.

[26] – طوماس هوبز، اللفياثان ، مرجع سبق ذكره ص 115.

مقالات أخرى متصلة:

كورونا: أو حينما يصير الوباء باعثا على التأمل في زمن عالمنا المعاصر

21 مارس 2020 تغطيةدراسات وأبحاثمفاهيم 0

عبد الحميد لخميس أستاذ باحث في الفلسفة (المغرب) استهلال: كان العالم ماضيا في حركته الدؤوبة نحو ما لا نستطيع توقعه، يظهر للبعض أنه يسير نحو الأحسن ويشق طريقه نحو مزيد من التحرر والخلاص والانعتاق، ويظهر للبعض الآخر أنه ماض نحو الأسوأ ويشق طريقه نحو الانحطاط والتيه والكاووس، والمهم أن الناس …

فلاسفة العقد الاجتماعي: هوبس، لوك وروسو

2 مايو 2020 تغطيةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

إعداد يوسف اسحيردة في كل مرة تختلط الأوراق السياسية والاقتصادية وغيرها في العالم، يجري الحديث عن إعادة إجراء تعاقد اجتماعي جديد يخلق لحظة مُؤًسِّسَةَ يتم من خلالها إعادة ترتيب الأوراق، وإعطاء نفس سياسي جديد يعيد الأمور إلى نصابها. هذا ما نسمعه دائما عل لسان المختصين في السياسة على نشراتنا

شاهد أيضاً

أندريه كانت سبونفيل: نيتشه مُحَطِّم الأصنام 1

يوسف اسحيردة ترجمة يوسف اسحيردة في هذا الحوار الشيق يُطلعنا الفيلسوف الفرنسي أندريه كانت سبونفيل، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *