الرئيسية / العلوم الإنسانية / أخرى / قراءة مقارنة في: الأنماط البدئية لـ”يونج” والتنوع الثقافي لـدى”شتراوس”

قراءة مقارنة في: الأنماط البدئية لـ”يونج” والتنوع الثقافي لـدى”شتراوس”


هايل علي المذابي

بقلم : هايل علي المذابي

=======

حين كنت أقرأ عن فكرة “النماذج العليا” لعالم النفس النرويجي “كارل يونج ” والتي عرّفها تعريفًا شاملاً في مقال له بعنوان “في العلاقة بين التحليل النفسي والفن الشعريّ” نشره في كتاب “إسهامات في علم النفس التحليليّ”. وهي حسب تعريفه صور ابتدائية لا شعورية أو “رواسب نفسية لتجارب ابتدائية لا شعورية، لا تحصى” شارك فيها الأسلاف في عصور بدائية، وقد وُرِثت في أنسجة الدماغ، بطريقة ما؛ فهي -إذن- نماذج أساسية قديمة لتجربة إنسانية مركزية؛ هذه النماذج العليا تقع في جذور كل شعر (أو كل فن آخر) ذي ميزة عاطفية خاصة. وجدت أنها تلتقي أو بالأصح كانت مبعث نظرية القرابة لدى عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود لفي شتراوس، و المقارنة تقول أن شتراوس عندما قارن علاقات القرابة والأساطير عند (البدائيين) لاحظ أنه ينتهي دائما إلى نفس المشكل الأساسي، فاستخلص أن وراء التشابه بين الثقافات توجد وحدة نفسية للإنسانية، إذ هنالك عناصر أساسية مشتركة للإنسانية، و الحضارات لا تقوم إلا بتركيب هذه العناصر المشتركة في تشكيلات مختلفة. ولذلك نلاحظ بين الثقافات البعيدة عن بعضها البعض تشابهات و هي تشابهات لا تُعزى بالضرورة إلى التواصل بين الحضارات خاصة إذا ما تبيّنا وجود حضارات يصعب تصور الاتصال فيما بينها نظرا لانزوائها وتباعدها عن بعضها البعض مثلما هو شأن حضارة (الأنكا) في (البيرو) و(الداهومي) في (افريقيا).

و لدى يونج في فكرة النماذج العليا – في تحليلاته للظاهرة الشعرية التي يقابلها التنوع الثقافي لدى شتراوس – نجد أنها أي النماذج العليا موجودة في كل حلقات سلسلة النقل –أو التعبير- كتصوّرات في اللاوعي عند الشاعر، و كموضوعات مترددة أو سلاسل من الصور في الشعر- وكتصورات في اللاوعي عند القارئ أو عند الجمهور. و هذا مبنيّ على فكرته عن “اللاوعي الجماعي” الذي يختزن الماضي الجنسيّ و هو الذي ولّد الأبطال الأسطوريين للبدائيين، ولا يزال يولد أخيلة فردية مشابهة للرجل المتمدّن، و هو الذي يجد تعبيره الأكبر في رمزية تتجاوز حدود الزمان غير أنّها مألوفة نسبيًا، و هي رمزية ما تزال تتكرر أبدًا. و كم تبدو خلاّبة هذه النظرية، في نظر أديب مثل جويس تأثر بفيكو و كان يفتش عن سيكولوجية يستعملها ليخلق “القاسم المشترك الأعظم” بين الناس جميعًا.

إننا عند التفكير بالشاعر في تحليلات يونج نجد أن يعبر عن وعي الأمة و تراثها ولنا في التاريخ العربي ما يكفي لتوضيح ذلك فالحضارة العربية قامت على ذلك الأس الذي يختزل في ذاكرته كل اللامتغيرات البنيوية التي نجدها عند أي شاعر آخر في العالم و لدى أي شعب.

و يعبر شتراوس عن ذلك بطريقة الأنثروبولوجيين فيدعو إلى التسامح مع الثقافات الأخرى، و أن نتعلم تقبّل اختلافات الإنسانية، ذلك ما يسميه بالنسبية الثقافية، فليس هناك ثقافة لها الحق في النظر إلى ذاتها باعتبارها أرقى من الثقافات الأخرى، فهو  يلاحظ، انطلاقا من دراسته للأساطير والقواعد الاجتماعية لمختلف الثقافات نواة أساسية تمثل لا متغيرات بنيوية في كلّ بقاع العالم مثل علاقات المحرمات، فهذا الممنوع يحضر في كلّ المجتمعات ويمثل لا متغير بنيوي يسمح في كلّ المجتمعات من التحول من الإنسان البيولوجي إلى الإنسان الاجتماعي. ومن هذا المنطلق يقرّ لفي شتراوس أنه: (ليس هناك حضارة بدائية وأخرى متطورة)، بل هناك إجابات مختلفة لمشكلات أساسية ومتماثلة، وما يسميه العنصريون بالمتوحشين هم أيضا يفكرون وفكرهم ليس أقلّ مرتبة من فكر الغربيين بل هو فقط فكر يشتغل بطريقة مختلفة عن فكر الغربيين أي أنه موجود لكن باختلاف الكيفية في تعاطي ذلك الوجود مع بعضه.

وبالمثل نجد ذلك لدى يونج في نماذجه العليا التي يشرح كيفية انتقالها ودوامها واستمرارها فيصفها بأنها تجارب بدائية تنطبع في نسيج الدماغ على نحو ما، ولذلك فإنه من الضروري أن نؤمن بأن بعض الخصائص المكتسبة تُورّث، وأن نظرية فايسمان العظيمة، عن استمرار البلازما الجرثومية لا بد من أن تتحطم (لا تتخلق البلازما الجرثومية أبدًا من البلازما الجسمية ومن ثمّ لا تستطيع أن تحدث ما لها من تغيرات تجريبية).

 و يونج كما وصف ما وصل إليه في هذه النظرية المنتقدون يعتقد أنه وجد البرهان على الانبعاث التلقائي لهذه النماذج القديمة في الأحلام والأوهام عند أفراد لم يجدوا طريقهم إلى المادة الثقافية التي تتجسم فيها هذه النماذج.

لكن نظرية القرابة لدى شتراوس جاءت لتعيد إنتاج نظرية يونج عن النماذج العليا بطريقة أكثر جاذبية و أكثر وعياً و أكثر تلبية لحاجة الإنسانية، فيؤكد شتراوس أنه ليس هناك مجتمع ترسّبي في ذاته وبذاته و التاريخ الترسبي ليس خصوصية بعض الأعراق أو بعض الثقافات بل هو نتيجة سلوك ثقافي، هو ضرب من وجود الثقافات يتمثل في وجودها معا، مثال ذلك قضية القديم والمحدث والصراع بينهما الذي سيظل ثابتا دائما ويقابله ثقافة متحولة لنجد أن الثقافة العامة هي ثقافة هذا وذاك متصارعة،  وهكذا يستخلص لفي شتراوس أن التقاء الثقافات قد يؤدي إلى نتيجتين، فإما أن يؤدي إلى تصدّع وانهيار نموذج أحد المجتمعات وإما أن يؤدي إلى تأليف أصيل بمعنى ولادة نموذج ثالث لا يمكن اختزاله في النموذجين السابقين. وهذا يعني أنه ليس هناك تلاقح حضاري دون مستفيد والمستفيد الأوّل هو ما يسميه لفي شتراوس بالحضارة العالمية التي لا تمثل حضارة متميزة عن الحضارات الأخرى ومتمتعة بنفس القدر من الواقعية وإنما هي فكرة مجردة. ومساهمة الثقافات الفعلية المختلفة لا تقتصر على لائحة ابتكاراتها الخاصة، خاصة وأنّ البحث عن جدارة ثقافة ما باختراع أو بآخر هو أمر لا يمكن التثبت منه، ثم إن المساهمات الثقافية يمكن توزيعها إلى صنفين، فمن جهة لدينا مجموعة من الإضافات والمكتسبات المعزولة التي يسهل تقييم أهميتها وهي محدودة ومن الجهة المقابلة لدينا إسهامات نسقية ترتبط بالطريقة الخاصة التي يختارها كلّ مجتمع للتعبير أو لإشباع مجموع طموحات إنسانية، و المشكل بالنسبة لـ شتراوس لا يتمثل في قدرة مجتمع ما على الانتفاع من نمط عيش جيرانه ولكن، إذا ما كان هذا المجتمع قادرا و إلى أيّ مدى يكون قادرا على فهم ومعرفة جيرانه؟ ومن هذا المنطلق فإن الحضارة العالمية لا يمكن أن توجد إلا كفكرة، من حيث أنها: تحالف للثقافات التي تحتفظ كلّ واحدة منها بخصوصيتها.

إن مفهوم الجماعات الإثنية  قد لاقى كثيرا من التضارب عندما ذهب البعض إلى تحديد نطاقه، فكان يتسع حيناً ليشمل كل أشكال التمايز لتعبر بذلك الجماعة الإثنية عن خط متواصل يبدأ بالقبيلة وينتهي بالأمة، وحيناً يضيق ليقتصر على التمايز العرقي دون سواه. و نتيجة لهذا حدث نوع من الفصل التعسفي بين مفهوم الجماعة العرقية Ethnic Group بمعنى تلك الجماعة التي تتميز بمجموعة من التقاليد الثقافية والاجتماعية الخاصة بها، ومفهوم الجماعة العنصرية Racial Group بمعنى تلك الجماعة التي تتمتع بمجموعة من الخصائص البيولوجية، وذلك على الرغم من أنه في صحيح اللغة العربية ليس ثمة فارق يذكر بين مفهومى العرق والعنصر فكلاهما يشير إلى الأصل، علاوة على أنه في ظل امتزاج الدماء واختلاط العروق يصعب الحديث عن جماعة عرقية نقية، لذلك فما ينطبق على الأصل ينطبق على الثقافة فمفهوم التفوق الثقافي ليس إلاّ وليد الحكم المسبقة الذي تمثله المركزية الاثنية أو الميل لاعتبار ثقافتنا الخاصة نموذجا للإنسان و من وجهة النظر الأنثروبولوجية ليس هناك سلّم مفاضلة بين الثقافات وإنما هناك تنوّع نسبي بين الثقافات.

وهكذا فإن المختلف بثقافته لا يعتبر فقط غريبا بل أيضا بربريا، فالغريب هو الآخر بالنسبة إلى الأنا، هو من ينتمي إلى ثقافة مختلفة والبربريّ هو الغريب الذي أُموضعه  في مرتبة أقلّ من الإنسان. لذلك يسمي كلود لفي شتراوس مركزية إثنية الحكم المسبق الذي لا يحكم قيميا على ثقافة أخرى إلا انطلاقا من ثقافته الخاصة. وهذا يعني أنّ المركزية الاثنية بالنسبة للوعي الجماعي، هي عند كلود لفي شتراوس  نظير الأنانية بالنسبة للوعي الفردي. لذلك يدعونا  كلود لفي شتراوس إلى التسامح مع الثقافات الأخرى وأن نتعلم تقبّل اختلافات الإنسانية، ذلك ما يسميه بالنسبية الثقافية، فليس هناك ثقافة لها الحق في النظر إلى ذاتها باعتبارها أرقى من الثقافات الأخرى، ولذلك يقول كلود لفي شتراوس : “إن البربري هو ما يعتقد في وجود البربرية”.

للكاتب أيضا:

غسيل المعرفة في المؤسسة الدينية!

‏3 أيام مضت عامةمساهماتمفاهيم 0

هايل علي المذابي *احتمالية النصوص ومرونتها، مبرر تشوه المقدس؟!. هايل علي المذابي  إن النصوص الدينية بكل أشكالها هي عبارة عن مواد تتصف بالمرونة والمطاطية، ولا يمكن أن يصدق عليها التأكيد الجازم فيما تذهب إليه هذه النصوص من معنى، بمعنى أنها مواد احتمالية في معناها ولكنها لا تعطي محتويات.هذه الاحتمالية والمرونة …أكمل القراءة »

أبطال “كورونا” هل يصبحون أبطال الكوميكس الجدد؟!

‏3 أسابيع مضت الفلسفة للأطفالتغطيةمتابعات 0

هايل علي المذابي هايل علي المذابي  فرضت أزمة كورونا على العالم تبدلات واسعة و تحولا جذريا في كافة المجالات بلا استثناء ومن تلك التحولات نجد ظهور نجوم جدد على واقع الناس بطولاتهم هي حديث الساعة وهؤلاء الأبطال هم الأطباء والطبيبات والممرضين  والممرضات ويدور سؤال مؤخرا حول الاعجاب اليومي المتزايد بما …أكمل القراءة »

كيف يمكن التصدي لوباء كورونا من زاوية سيكولوجية الدوافع

‏3 أسابيع مضت علم النفسمساهماتمفاهيم 0

هايل علي المذابي في كل صباح تستيقظ فيه الغزلان وهي تعلم أن عليها الركض أسرع من الأسود وإلا فإنها سوف تقتل.. وفي كل صباح تستيقظ الأسود وهي تعلم أن عليها أن تركض أسرع من أبطأ غزال وإلا فإنها سوف تموت جوعاً. بغض النظر عما تكونه أنت أسدا أم غزالا، من …أكمل القراءة »

المعرفة البيضاء

9 سبتمبر 2019 أخرىمجلاتنصوص 0

هايل علي المذابي هايل علي المذابي في سبيل فهم أفضل لما ينطوي عليه هذا المفهوم أو المصطلح بعيدا عن أي تأويلات عنصرية مثلا او غيرها أي إن كان ثمة تأويل واجب فليكن في سياقات المعرفة الإنسانية التي نعيش عصرها كفعالية لابد لنا أن نواكبها ونعيشها قدر الاستطاعة. تفترض الحمولة الدلالية …أكمل القراءة »

الحب الخالد الذي صنع “ألف ليلة وليلة الغربية؟

22 يوليو 2019 فلاسفةمجلاتنصوص 0

قراءة في السيرة الروائي العالمي أونريه دي بلزاك هايل علي المذابي بقلم: هايل علي المذابي ====== لقد أحبها قبل ان يقابلها وجعلها حبه لها أن تحبه، وظلا يتراسلا بخط اليد لثمانية عشر عاماً وبعدها تقابلا، وأراد أن يأخذها في نزهة وقال لها: في كل محطةٍ سنتوقف فيها سأحكي لك حكاية …أكمل القراءة »

المُعَارِض

17 يوليو 2019 مجلاتنصوص 0

هايل علي المذابي  – المعارض في العبرية تعني الشرير وهي أطلقت على الشيطان لماذا ؟ لأنه عارض كلام الله وسمي المعارض ، من بعده جاء برومثيوس الذي عصى زيوس كبير الآلهة عندما سرق جذوة النار من الشمس وحملها إلى البشر والنار هذه هي رمز للمعرفة فعاقبه زيوس الطاغية بأن ربطه …

شاهد أيضاً

كورونا ونظرية الفراشة؟!

هايل المذابي هايل علي المذابي ربما كان صحيحا أن نظرية الفراشة الفيزيائية تشير في أبعادها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *