الرئيسية / منتخبات / عامة / التكفير أسهل بكثير من التفكير

التكفير أسهل بكثير من التفكير

طيب الفحلي

طيب الفحلي*

حذّر كثير من الفلاسفة و المفكرين من العاطفة التي تلعب لعبتها بالإنسان، فالإنسان الذي يتعاطى مع الوضعيات – التي يجد نفسه بصددها – بعاطفة، يكون بعيداً عن العقل و العقلانيّة، وهذا ما رأيناه هذه الأيام حيث صبّ عدد من الأشخاص جام غضبهم على أستاذة -وبعضهم حرّض على قتلها- فقط لأنّها كتبت تدوينة لم تأتِ فيها أصلاً بأيّ جديد. قامت فقط بنقل ما يوجد في مصادر المسلمين أنفسهم.

كان على أولئك الذين يشنّون هذا الهجوم الذي لا مبرّر له، أنّ يقوموا بدحض و تفنيد مئات المصادر التي تقول أنّ “النبي” تزوّج أكثر من عشر نساء، و إحداهنّ لم يكن يتجاوز عمرها -عندما تزوجها- عشر سنوات.

كانت زوجته الأولى هي خديجة بنت خويلد( كانت أكبر منه سناً)، و الثانية هي سودة بنت زمعة، و الثالثة هي عائشة بنت أبي بكر التي  “خطبها في السادسة من عمرها وبنى بها عندما بلغت تسع سنين، وقد كان “النبي” في الخمسين من عمره إبّان الخطبة وفي الثالثة والخمسين وقت الدخول بها”[¹]. و الرابعة هي زينب بنت خزيمة، و الخامسة كانت حفصة بن عمر بن الخطاب، و السادسة هي أم سلمة، و السابعة هي جويرية بنت الحارث، و الثامنة هي زينب بنت جحش، و التاسعة هي ريحانة (التي تقول المصادر أنه اتخذها ملك يمين)، و العاشرة هي أم حبيبة بنت أبي سفيان، و الحادية عشرة هي صفية، و الثانية عشرة هي ميمونة، و الثالثة عشرة هي فاطمة بنت الدهاق بن سفيان، و الرابعة عشرة هي أسماء بنت النعمان.

لذلك فحتّى الذين حاولوا الدفاع عن سيرة محمد لم يجدوا أدلّة قوية، واكتفوا بالقول أنّ “النبي” كانت له قوة عشرين رجلاً، أو أنّه تزوجهن لأسباب سياسية.. و من بينهم عبد الرحمان بدوي نفسه، ففي كتابه الذي أصدره بالفرنسية تحت عنوان: “دفاع عن سيرة “النبي” ضد المفترين عليها” أو ” دفاعاً عن محمد ضد المنتقصين من قدره”، نجد نفس الأدلة، التي يمكن لأيّ كان أنّ يدحضها، لأنها واهية ويمكن نقضها بسهولة، فلماذا يا تُرى يتمّ الهجوم على هذه الأستاذة فقط لأنها قامت بنقل ما دُوِّن في مؤلفات المسلمين أنفسهم؟

لا ندري إنّ كانت هذه التدوينة فقط هي سبب الهجوم أم أنّ هناك أسباب أخرى خفية، لكن ما يهمنا هو هذه الحملة الشرسة التي شُنت عليها من طرف المغفلين، الذين كفّروها، لأنّ التكفير من طبيعة الحال أسهل من التفكير، فهو آلة الفقهاء بتعبير فتحي المسكيني، والآن أصبح آلة الجمهور الذين لم يقرؤوا صفحة واحدة، ويتطفلون على مواضيع أكبر منهم بكثير، فهؤلاء الذين هاجموا الأستاذة بكلّ وقاحة وقلّة أدب إذا اطّلعت على سيرتهم ستجدها فارغة، لا دراسة ولا بحث ولا تنقيب و لا معرفة ولا علم.. ومع ذلك يصرّون على لعب دور المحامي الذي يدافع عن الله وعن “الرسول”، الأجدر بهم أن يدافعوا عن الفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يأكلون في مختلف بقاع الأرض، وعوض تقديم النصح من الأفضل لهم أنّ يقرؤوا أكثر و يفهموا أكثر، لكي يعرفوا أنّ العالم و الأرض أكبر ممّا يعتقدون، وأنّ هناك مئات الديانات و المعتقدات المختلفة في العالم،و هناك شخصيات مقدسة عند كلّ شعب، لكن كمية الحقد والإستعداد للقتل التي أصبحت عند أغلب المتدينين في وطننا العربي مخيفة ومفزعة، وتبيّن بأنّ ما حدث لصاحب الحقيقة الغائبة: “فرج فودة” ول:  “ناصر حامد أبو زيد” وغيرهما سيتكرر إذا لم يقم المثقف بدوره الأساسي والمتمثل في النزول إلى الأرض كما كان يفعل سقراط، وفتح النقاشات حول كلّ القضايا التي تهم الوطن و “المواطن” عوض تبني الطرح الهيغيلي و الترفع، وعوض كذلك ملازمة الزوايا الصوفية و الإنفصال عن الواقع، ففي فرنسا مثلا كان سارتر Jean Paul Sartre(1905-1980)، و فوكو Michel Foucault(1926-1984) يقودان المظاهرات، وفي تونس كان فتحي المسكيني و زوجته في مقدمة الإحتجاجات، و في أمريكا لم يتوانَ نعوم تشومسكي Noam Chomsky (1928-)عن تسديد الضربة تلوَ الأخرى للعصابات التي تمتصّ دم الشعوب، ونفس الشيء يفعله إدغار موران Edgar Morin(1921-) في فرنسا، وكان يفعله المهدي المنجرة و محمد عابد الجابري في المغرب وغيرهم من المثقفين الكبار الذين تعتزّ بهم البشرية جمعاء، أما أنّ تحتقر الجميع وتترفع عن الكلّ فهذا يبيّن بأنّك عاجز عن أداء وظيفتك، ف”المثقف” الذي لا يُزعج ليس مثقفاً بالمعنى الصحيح للكلمة.

[¹]- عبد الرحمان بدوي، دفاعا عن محمد ضد المنتقصين من قدره، ترجمة: كمال جاد الله، الدار العالمية للكتب و النشر، ص: 78

* أستاذ الثانوي التأهيلي

شاهد أيضاً

درس محمد عابد الجابري: في العلاقة بالآخر

محمد ازويتة في إحدى المساهمات الثقافية التي قدمها الباحث المغربي عز العرب بناني ، على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *