الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / ميشال فوكو: سؤال الأخلاق القديمة ورهاناتها في حاضرنا

ميشال فوكو: سؤال الأخلاق القديمة ورهاناتها في حاضرنا

بقلم: فؤاد لعناني

 ميشال فوكو أفكار ورؤى:

 إن الولوج إلى عالم الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو لهو مصدر لكثير من الحيرة وعديد التساؤلات التي طرقها من بوابة حفرياته المعرفية. فهو لا يقدم نفسه للعالم كضحية للحداثة أو كدعوة مستعجلة للوقوف على مخلفات وثقل الماضي الغربي. بل إنه إنسان وفيلسوف تحركه هواجسه ومشاكله الشخصية حيث يتضح ذلك جليا من خلال مؤلفاته الأخيرة عن الجنسانية بأجزاءها الأربعة وقبلها عن تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي سنة 1961م ثم ولادة العيادة 1963م مرورا بالكلمات والأشياء وكتابه عن حفريات المعرفة. فكل هذه المؤلفات الغزيرة والقائمة على دراسة التمفصلات ونقاط الوصل والتقاطع “ابستيميات” بين حقبة وأخرى، جعلت فيلسوفا كميشال فوكو يؤثر بفضل أطروحاته على الرأي العام الفرنسي والدولي. تقول أرليت فارج وهي باحثة فرنسية ” سرية هي مؤلفاته إلا أنها مخترقة كلها، بشغف، هو شغف أن نصل إلى حدود التيه ونحن نتساءل لماذا لا نفكر بكيفية أخرى مغايرة لتلك التي نفكر بها، شغف بمشروع هو أن يصبح المسلم به – من أفعال وخطابات – مؤشكلا وليس لازما بالضرورة. (1)

ولأن أباه وجده كانا يمتهنان مهنة الطب، وأستاذه ألتوسير الذي زاوج معه مصحة الأمراض النفسية والعقلية فكان لوقع تلك الجملة التي رددها على مسامعه أثر بالغ حين قال له ” اخرج من هنا فهذه المصحة لن تعالجك أبدا، عالج نفسك بنفسك”. كل هذه الأسباب الداخلية والخارجية عجلت بميلاد فيلسوف استثنائي كان همه الأكبر هو تعرية ما يعترض الجسد الإنساني من خطابات فلسفية واقتصادية وسياسية وطبية كانت مسكونة بهم إنتاج الحقيقي كخطاب. فالذات الإنسانية الطامحة دوما إلى التحرر وقيادة سفينة أفكارها إلى بر الأمان والعيش برفاه. أصبحت ذاتا مستلبة من طرف طبقة متسيدة ومحتكرة على حد رؤى ماركس، ستجد نفسها مع فوكو ذاتا مؤشكلة بشكل معقدـ ذات تعيش سريان وتجاذب العديد من الخطابات. إنها ذات مراقبة ومفعول بها من خلال أنظم معرفية تظهر بشكل لامرئي، تظهر وتختفي في نفس الوقت. فهي ليست محددة في فرد أو مجموع بل تسري في الجسم الاجتماعي بأكمله بشكل أفقي عوض الشكل العمودي للسلطة الذي ألفناه (حاكم-محكومين) وذلك وفقا لتكتيكات سلطة-معرفة التي تطبع الأجساد وترافقهم على مدار وجودهم الاجتماعي. “إنه مسار قاس تهيمن عليه سخرية نيتشه، ولايمكن أن يحضره إلا السؤلان المألوفان في التاريخ وفي الحياة السياسية: من المسؤول عن ذلك؟ وما العمل الآن؟ (2)

إن فوكو لا يقدم نفسه للعالم كأنه مؤرخ تقليدي أو يستعير تأويلا باطنيا خاصا به للتاريخ على غرار الخطابات الهيغلية والماركسية التي تقول بأن هناك غاية خفية للتاريخ. فهذا التاريخ بالنسبة إليه لا ينتمي إلى نقطة زمنية محددة أو إلى أصل معين، أو حتى إلى بداية أولى كما يقول بها التاريخ اللاهوتي (قصة الخليقة). إن ما يبحث عنه هو ما يسميه بالبدايات النسبية التاريخية وهي عبارة عن استنطاق للما قيل بالفعل، أي جعل الوثيقة تنطق عن طريق رموزها وإشاراتها من خلال ما يطلق عليه بألعاب الحقيقة كاستراتيجية جعلت الإنسان يغادر عرش الاستفراد بالأنا العارفةـ الأنا الديكارتية، كذات مؤسسة ومفكرة تفعل في التاريخ وتوجهه إلى رحم الغايات .

بعد هذه البداية التي تلقي بنا في حدود ملامسة بعض خطى فوكو المنهجية التي زواجت في أحيان عديدة بين المنهج الجينيالوجي والأركيولوجي خصوصا من خلال كتابه تاريخ الجنسانية الذي يعد محطة بارزة ومهمة في رصد تشكل مجموع الخطابات حول الجنس. لا بد أن نشير في هذا الصدد إلى أن كل خطاب يصنع لنفسه هوامش وبؤر مقاومة تنتظر فقط فرصتها لتصبح مبررة علميا و سياسيا و اقتصاديا في كل عصر من العصور. لذلك نلحظ أن هذا اللامفكر فيه ضمن التقليد اليوناني قد همش جانبا ايتيقيا مهما شكل نوعا من تكوين وصقل الذات الاغريقية وانهماما عليها داخل فضاء المدينة la cité اليونانية التي تعتبر على مدار التاريخ الغربي تجربة فريدة لامست فن عيش هذا الإنسان، باعتباره ذاتا حرة ونشيطة تجعلنا أمام أمر مساءلتها دوما والحرص على التفرد في قراءتها. لقد كان الهم الايتيقي أنشودة متخفية على طول دروب أعمال فوكو، فجراح الجسد وأنظمة الخطاب التي تقول الحقيقة أصبحت كوشم بارز تنطبع على مسارات الفرد. إن منظار هذا الفيلسوف لا يوشك أن يستقر على موضوعة محددة، فكان السبيل إلى مزيد من الحفر وكأننا بصدد تاريخ مغاير وعصي على التفكيك شهد موت الانسان وتحوله إلى مستحاثة يحثنا بها فوكو على مزيد من الكشف في هوامشها. فالتقدم التاريخي بالنسبة إليه وهم أنتروبولوجي صنعته لحظة الأنوار التفاؤلية الخاصة بحقيقة هذا الإنسان.

1- الانهمام بالذات كهم ايتيقي :

لقد أعطى فوكو لمبدأ الإنهمام بالذات (3) le souci de soi أهمية بالغة لا تكاد تنفصل عن مبدأ معرفة الذات الشائع والذي انهجس به سقراط بل ومارسه كفعل جريء لقول الحقيقة عن الذات، فجعله عملية تقوم على استذكار للحقائق التي كنا قد عرفناها في عالم علوي،عالم المثل، لكن بعد التحام الجسد بالنفس في هذا العالم السفلي وقع نوع من اتلاف وجهل بهذه الحقائق فأصبحت تقوم على عملية استذكار للمعارف الحقيقية. لكن ومن خلال هذا التاريخ الفلسفي الطويل تم إهمال شيء أساسي وهو موضوعة انهمامنا بالذات أي تلك العلاقة الاتيقية الضروية التي تجعل من الفرد داخل المدينة منكبا على إجراء نوع من معالجة الروح أو كما يسميها “بيير هادو” بالتمارين الروحية التي كانت محور قيام نمودج الفيلسوف الحكيم كموجه نحو الفضيلة وضمان الخير للمدينة، والذي شهد في ما بعد ظهوره في شكل المرشد الديني في شقه اللاهوتي المسيحي من خلال طقس الاعتراف.   

  يميز فوكو في هذا الباب بين شكل من التفكير كان هدفه البحث عن الحقيقة أو ماهية الحقيقة كشيء متفرد تسمو به الروح وتحرره من الجسد كعائق أمام المعرفة. والشكل الثاني وهو الذي يهمنا في هذا المجال وهو “الروحانية كبحث وممارسة وتجربة والتي من خلالها تجري الذات على نفسها مجموعة من التحولات الضرورية للوصول إلى الحقيقة. الروحانية إذن هي مجموعة الأبحاث والممارسات والتجارب التي يمكن أن تكون أشكالا من التطهير أو الزهد أو الاعتكاف أو التنسك أو أشكال من التوبة..” (4)

2- نماذج للانهمام بالذات كطريقة للحياة : 

      ولابد وأن نعرض لنماذج عملية وحياتية رافقت المعيش الاغريقي كنموذج للانهمام بالذات كطريقة للحياة “فالطب” كما يقول “يقول موزينوس: (إننا نستدعي الفلسفة كما نستدعي الطب في حالة المرض، ذلك أن ما تقوم به الفلسفة لصالح الروح هو نفسه ما يقوم به الطب لصالح الجسد) أما بلوتارخس plutarque فيؤكد أن الفلسفة والطب ينتميان إلى نفس الفضاء. (5) إن النموذج القديم للانهمام بالذات ومراجعتها بشكل يومي دون تحميلها لوم ما وقع أي دون جلدها وانتظار خلاص ما كان سبيلا نحو معالجة روحانية  لا تتشكل عبر وسيط مؤسساتي بل بشكل صريح وصادق حر يقوم بها الموجه للاستفزاز ملكات المحاور بغية توصله للحقائق بشكل فردي وعقلاني. لقد انكب فيلسوف رواقي كابيكتيت بناء على تصور جديد للفلسفة لا يرتهن بمعرفة الحقائق عن طريق الجدل النازل والصاعد بل يقف على ضرورة تداوي الروح وطرد الأهواء الحزينة مثل نزيف القلق وإعصار الكآبة الذي لا يتوقف وبالتالي شقاء النفس لذلك يحرص هذا المعطى على الاعتناء بالذات وصقلها كقطعة أثرية .

هناك شيء ثاني يجد الانهمام بالذات نفسه فيه هو علاقتنا “بالشيخوخة”، فإذا كان أفلاطون قد ربط ممارسة التفلسف بالشيخوخة أي بسن محددة مرجحة في الخمسين من العمرـ فهي أيضا مرتبطة بنوع من التدريب على الموت، كما أن لها ارتباط فعلي بالحكمة والفضيلة وبالتالي نيل التقدير والاحترام عن الذات. فالشيخوخة هي ضمان لنوع من استقلالية الذات، من حيث أن الشيوخ يسدون النصائح ويقولون بالحكمة لكنهم لا يدافعون عن المدينة فهم أناس ليسوا اندفعاعيين تقودهم أهواءهم أو ينخرطون في موجات الرأي السائد والتماشي مع قول الأغلبية. إن لهم القدرة على مواصلة مجاهدة النفس بالتمرس والتدريب من أجل رعاية حقيقية للذات والطموح إلى الخلود على غرار الآلهة. وعكس أفلاطون يرى أبيقور أن التفلسف عملية مرتبطة بكل لحظة نحياها فهو لا يفرق بين الضحك والتفلسف وتدبير شؤون المنزل فليس هناك وقت لنضيعه، فالمتعة في التفلسف توازي نظيرتها في المعرفة. إن مواصلة الانهمام بالذات عن طريق ممارسة التفلسف يعالج الأنفس الكسيرة المعتلة ويبعدها عن كل الظنون الباطلة.

نجد كذلك أن لموضوعة “الموت” علاقة وطيدة بالانهمام بالذات، فالتجلد والتقشف والتزهد عن متطلبات الحياة بملذاتها الكثيرة واجب ضروري من أجل الاعتدال وخلق نوع من الاكتقاء الذاتي مع متطلبات الذات. فالحكيم الأبيقوري يفضل العيش في العزلة بعيدا عن مشاغل الناس والحياة السياسية ففي هذا نوع من استنزاف لهرمونات الطاقة الحيوية للجسد، كما أن فيه حرصا على تكوين ذات تتسيد نفسها ” الحكيم هو من يحكم نفسه.” وحق هنا أن نجد سلسلة من التعديلات مبثوثة بين الأخلاق القديمة والأخلاق المسيحية(التخليات، التحريمات، الممنوعات) والتي تم تطويعها لصالح هذه الأخيرة تحت امارة المرشد الديني كموجه (سلطة رعوية) يحرص على استدعاء جميع التفاصيل الصغيرة الآثمة للمعترف من أجل نيل الغفران والتكفير عن الخطايا. وفي هذا رصد لقول الحقيقة عن الذات( النفس قديما). لكن هذه الممارسات الجديدة لا تعني قطيعة أخلاقية بين عهد قديم متسامح ومسيحية جافة. فالتقشف الأبيقوري مثلا يعني القبول بالقليل ولكنه ليس نوعا من التخلي الكلي عن ملذات الحياة الضرورية كما أن الأبونيا التي تعني سكينة النفس ومراجعة الأفعال والأعمال اليومية للتعرف على الخير والشرـ لا تعني نوعا من طقس الاعتراف هدفه نيل التوبة والغفران. ففي المسيحية الرومانية خلال القرن 13م نجد تخليا تاما عن الملذات الشهوانية بل حتى الضرورية منها كنوع من طقس إماتة الجسد بغية نيل الخلاص الروحي والأخروي. لذلك نجد أن التعارض بين الوثنية والمسيحية لم يكن في الحقيقة بين التسامح والتزمت ولكن بين شكل من التسامح والقبول وممارسة الاعتدال لا إفراط ولا تفريط بلغة أرسطو واختيارا شخصي للوجود، وشكل آخر من التزمت والانقياد والامتثال ارتبط بأخلاق تأنيب الضمير وبلزوم هجر الذات للسعي نحو خلاصها وتثبيث حقيقة خاصة عنها عن طريق محاور”المرشد الديني”.

        إن غمار الانهمام بالذات كمساءلة ايتيقية مستعجلة لفضح ألعاب السلطة عن الجسد من لدن فوكو ليس موضوعا اعتباطيا أو مجانيا أو نوعا من توجيه القارئ إلى النموذج القديم كمثال ناهض بالحرية على حساب النموذج الحديث. بل إنه تمظهر من تمظهرات ألعاب الحقيقة بين الاتيك (الأخلاق) القديم والحديث أي بين ما كان يقول به الفيلسوف الحكيم وبين ما ما يفعله ، فهو ليس انفصالا عن العالم وعن الآخرين بل إقامة علاقة سياسية من الذات إلى الذوات. فقيادة الآخرين داخل معترك السياسة الحامي بالجدل ومقارعة الحجة بالحجة، يبتغي قيادة صادقة وحرة وتهوية للنفس من مثيرات العالم الخارجي الذي إن وجد ذاتا مكسورة نسفها وتسبب في نزيف انفعالاتها التي ستعود بالخيبة على صاحبها. 

2- اللحظة الديكارتية وتراجع لمبدأ الانهمام الذات :

     لابد وأن نلمس جانبا مهما قاربته استجراتيات قول الحقيقة وتاريخ الحقيقة فيما يسميه فوكو بالعصر الكلاسيكي المرتبط كما سبق أن ذكرناه بالبدايات النسبية التاريخية. فديكارت من خلال كتابه “تأملات ميتافيزيقية” وضع البداهة كمقدمة للتفكير المنهجي، فالذات التي شكت في كل شيء باسثناء واقعة وجودها الخاص أي كونها تشك، قد عملت على اقصاء مبدأ الانهمام بالذات كنوع من ممارسة التفلسف بالذات والانهمام بها. إن مبدأ معرفة الذات الذي تم تبريره وجعله يتبلور داخل نسق بناء ذات غربية تقول الحقيقة وتستفرد بها وتتعالى على جماعات بشرية أخرى ليخضع لنظم وخطابات تمغنط هذا الانسان وتفعل فيه علميا واقتصاديا وسياسا كذلك.

لقد أعاد فوكو من خلال نموذج الأخلاق القديمة شكل المعلم والفيلسوف الذي يقول الحقيقة عن ذاته وعن الآخرين من دون خجل أو طمع في نيل المراتب العليا داخل المدينة. فسخرية سقراط ماكرة ولكنها شكل من التحفيز الأساسي من أجل تدريب الشباب وجعلهم أناس يقظين أمام مساوئ الحياة وانجرافات الجسد وتهديدات العدو الخارجي. فالحكيم يسعى دائما إلى الكمال وضمان الخير للمدينة بما أنها صورة مصغرة عن الكون- الكسموس- لذلك كان سقراط تحت مسمى الصريح الصادق الحر من خلال أبحاث فوكو سنوات 1983 و1984 ذاتا تركت أثرا وخدشا يتطلب منا تحديا ومجازفة ثنائية للذات عبر معبرين، سؤالين، كيف نحكم ذواتنا؟ وفي هذا تشكل لذات متصالحة مع نفسها وحرة (حقل الأخلاق) وسؤال كيف نقود الآخرين؟ داخل حمم السياسة “ولا يتعلق الأمر هنا بأنواع الخطابات كما تم التعرف عليها كخطابات للحقيقةـ وإنما بالتساؤل عن داخل أي أشكال تتكون الذات في علاقتها بنفسها وبالآخرين كذات تقول الحقيقة ” (6)

يمكن أن نتوقف هنا عند سمات ايتيقية قامت عليها حقيقة تشكل الذات الصريحة الصادقة الحرة من خلال النموذج السقراطي الذي يعكس حقلا استراتيجيا وخطابيا يحتدى به في هذا الباب :

  • حضور الآخر المستمع : وهو الدور الذي كان يقوم به مجموعة من الحكماء من أجل قول الحقيقة عن الذات، من خلال نماذج فردانية أو من خلال مجموعة من الأطباء الروحانيين وتلاميذتهم الذين انعزلوا عن محيط المدينة قبل ظهور الجانب المؤسساتي كسلطة رعوية في العهد المسيحي الروماني موظفين بذلك مجموعة من تقنيات الاعتراف.
  • مفاهيم الصراحة والصدق: ولابد أن نلمس هذا الجانب الايتيقي الذي يتطلب إعدادا قبليا للحكيم ولكنه ليس إعدادا على شاكلة المعالج النفسي أو القاضي أو المرشد الديني. بل نوعا من الممارسة التأملية المستمرة التي كان يمارسها “سقراط، سينيك، ابيكتيت” والغرض منها إيقاظ الذوات من حالة الجهل والعمى التي تتلبس بارآءهم وتصرفتهم وتتطلب تصحيحا للأخطاء عن طريق استثمار الجدل. لذلك كان الحكيم مرافقا باللوغوس لذاته وللذوات الأخرى التي تنال الحقائق عن طريقا تطابق القول مع الفعل.    
  • الجسد المهمل وقول الحقيقة: لقد كان الحكيم كنموذج لقول الحقيقة عن الذات ممثلا أولا لنفسه وأمام الآخرين. فالجسد ونوعية التقشف التي كانت ترافقه تعبر عن نوع من حالة الاقتناع والدفاع عن الأفكار الحقيقية ذات الصبغة الالهية. فالجسد لدى الحكيم مهمل وميؤس منه لا يستحق أي اهتمام بالغ وهذا يظهر جليا وبشكل رمزي واحتجاجي من خلال أغلب المحاورات السقراطية التي تصر على ذلك.

إن أبحاث فوكو الأخيرة حول تشكل الذات ضمن ابستيمي الأخلاق القديمة والأخلاق المسيحية الرومانية. جعلاها كنوع من التحدي الأركيولوجي الجديد والرهان السياسي لكتابة حقيقة منسية ومهملة. إنه تحلي بالشجاعة لاستخدام فهمنا الخاص من أجل عدم الاذعان الممسوخ لارادات سلطوية ومعرفية وعلمية تكتب حقائقنا وهو كذلك استحضار لمنظور جمالي تخلقه الذات كما تخلق موضوعا فنيا .

المراجع المعتمدة:

(1) ميشال فوكو – همّ الحقيقة ـ ترجمة: مصطفى المسناوي، مصطفى كمال، محمد بولعيش – منشورات الاختلاف، الطبعة الجزائرية الأولى 2006، ص:125-126                                

(2) المرجع نفسه ص :121                                                                     

 (3) فضلنا ترجمة عنوان le souci de soi بالانهمام بالذات عوض الاهتمام بالذات والتي نجدها في كثير من الترجمات، فلغويا فاهتم بالشيء: أي انشغل به واعتنى، أمام انهم: فتفيد الولوع بالشيء لدرجة أن يصبح همّا.                                                                                

(4) ميشل فوكو- الانهمام بالذات جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، تقديم وترجمة: محمد ازويتة- أفريقيا الشرف- المغرب 2015، ص: 13                                                       

(5) المرجع نفسه ص :14                                                                       

(6) المرجع نفسه ص :81     

للكاتب أيضا

فيروس كورونا: الوباء في ضوء فلسفة أوجست كونت

‏4 أيام مضت فلاسفةمتابعاتمقالات 0

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر عندما تصبح حياة البشر ذاتها موضع خطر، فإن الأحداث تستدعي أو تحيي الشرارة القديمة التي جبل عليها الإنسان، وهي طرح أسئلة ذات طابع فلسفي. وعلى هذا فإن وباء فيروس كورونا يذكرنا وبإلحاح بأهمية القضايا التي كرس …أكمل القراءة »

ميشال أونفراي ومشكلة البديل

‏أسبوع واحد مضت ترجمةعامةفلاسفة 0

“ظهور المراجعة الجديدة للفيلسوف ميشيل أونفراي” مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 ،الجزائر بالنسبة لميشيل أونفراي، لم يعد نقاش الأفكار موجودًا. لتصحيح ذلك، يؤسس مراجعة تهدف إلى إسماع “صوت بديل” لـ “الفكر المهيمن”. ولكن ما الجديد في إسماع صوت يسمع منذ عدة سنوات؟ ما هو …أكمل القراءة »

أليساندرو جياكوني: هدنة فيروس كورونا في إيطاليا

‏أسبوع واحد مضت ترجمةفلاسفةمجلات 0

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر فيروس كورونا: محادثة عالمية | وباعتبارها أول دولة أوروبية ضربها الوباء بقوة، تمضي إيطاليا الآن بحذر في عملية رفع الحجر. هذه الأزمة الرهيبة، التي لم تنته بعد، عززت مفارقيا حكومة الكونت، وربما غيرت صورة البلاد، …أكمل القراءة »

الفيلسوف أدورنو: المضاد للحداثي

‏أسبوعين مضت ترجمةفلاسفةمجلات 0

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة الجزائر من يكون ثيودور دبليو أدورنو Theodor W.Adorno ، الذي توفي عام 1969 في ألمانيا )خلال فترة الاحتجاجات الطلابية، والذي كان فكره يهدف إلى تغيير العالم من خلال نقد زيفه ومغالاطاته؟ كيف ميز الفن والثقافة؟ ما …أكمل القراءة »

إدغار موران : نحو مزيد من التعقيد نحو عقلانية مركبة

16 أبريل 2020 دراسات وأبحاثعامةفلاسفة 0

فؤاد لعناني لعلها الهاوية، ذلك العمق السحيق الذي يتكبد فيه الأفراد مرارة السقوط دون أن يدروا حجم المسافة التي تقع بينهم وبين قشرة الأرض. إنه قدر سيزيفي مؤلم وعبثي في نفس الوقت. قدر ليس بريئا بالمرة بما أن إنسان الحداثة رفع شعار تحدي العلم للطبيعة وتحدي الفلسفة للدين. ولعل هذه …أكمل القراءة »

أزمات المجتمع الصناعي المتقدم: الجوكر كبطل جديد للمدينة

26 فبراير 2020 أخرىشاشةعامةنصوص 0

بقلم: فؤاد لعناني   إن المهمشين والمصحوبين بنوبات من الضحك غير المتزن يصيبون تلك الحياة القاتمة بجنون وفوضى مطلوبة من أجل خلخلة بنى الوضع القائم. ولعلنا ننظر إليهم نحن كحمقى، مكانهم أقرب مستشفى نفسي- عقلي، بينما يراهم الآخرون كأبطال خارقين يصيبون الواقع بالخراب والفوضى لكي يعيدوا لنا قلق السؤال ودهشة …أكمل القراءة »

نحو تحقيق سلام داخلي “نموذج الفيلسوف الحكيم”

27 يناير 2020 مقالاتنصوص 0

بقلم : فؤاد لعناني لطالما سمح لنا التعرف على الفلسفة انطلاقا من وضع الأيديولوجيات الكبرى التي تدعي تحرير الإنسان من زيف واقعه وكشف سر الأدوات التحكمية والتبعيات المرصودة التي توفرها منظومات فكرية لها صلاحية تفسير الواقع وتوجيهه. وسواء كانت منطلقات هذه الأيديولوجيات دينية أو فلسفية أو اقتصادية فكشف الاغتراب الذي …أكمل القراءة »

في نقد المجتمع السياسي عند هربرت ماركيوز

23 أغسطس 2019 فلاسفةمقالات 0

لا يبدو أن المجتمع السياسي عند الفيلسوف الألماني هاربرت ماركيوز يقدم رؤى جديدة ومغايرة خصوصا لما ألت إليه الأوضاع تحت قوة الردع الجبارة والسياسة التكنولوجية الهائلة التي بات يستخدمها المجتمع الصناعي المتقدم. فعلى الصعيد السياسي لا نجد إلا مزيدا من تكريس خطاب لأولية المصالحة بين الأطراف الحزبية المتعارضة والدخول في مزيد من التوافقات بين أطيافها. “ويمتد هذا التفاهم إلى ميدان السياسة الداخلية حيث تزداد صعوبة التمييز بين برامج الأحزاب الكبيرة التي بلغت درجة مماثلة من الرياء والتي تستخدم كليشهات واحدة. وهذا الاتحاد بين المتعارضين يثقل بوطأته على التغير الاجتماعي”.(1)

شاهد أيضاً

الوصاية والاستقلال من منظور طرقية طه عبد الرحمن

حسن العلوي   نبدأ مقاربتنا لهذه القضية بالوقوف عبارة “طرقية” الواردة في عنوان هذه المقالة، …