الرئيسية / منتخبات / عامة / عُدَمَاءُ الدِّينْ!

عُدَمَاءُ الدِّينْ!

عبد الرَّحمن بسيسو – براتسلافا

لا ينطوي ما يوجَّهُ من نقدٍ صارمٍ، وما يُتَّخَذُ من مواقفَ رفضٍ حاسمٍ وإدانةٍ قاطعةٍ، لما يُلاحظه النَّاسُ، ويُعانون عواقبه وعقابيله، من تناقضٍ جذريٍّ فادحٍ بين تعاليم الدِّين الإسلامي، كما أيِّ دِيْنٍ آخَرٍ، وأُصوله ومقاصِدِه، وبين ممارسات المُتقنِّعينَ بِهِ، والمُخْضِعِينَهُ لتأويلات تُنافي جوهره وتُناقضُ مَقَاصِدَهُ، والمُسْتَغِلِّينَهُ لاكتساب سلطةٍ قهريةٍ مُصطنعةٍ يمعنون في ممارسة ما تُوْقِعُهُ بإيدهم على النَّاس من ظلمٍ فادح لا تُسَوِّغه، بأيِّ منظور إنسانيٍّ أو حالٍ، المكاسبُ الدُّنيويةُ الرَّخيصةُ التي يُحقِّقونها، سواء لأسيادهم، أو لأنفسهم، أو للقلَّةِ القليلةِ من جماعتهم وأتباعهم ومشايعيهم؛ أقولُ لا ينطوي هذا النَّقد، وذاك الرَّفصُ، وتلك الإدانة، على أي قدرٍ من التَّسَرُّع أو الافتعال أو الزَّعم الظَّني الباطل، ولا يُمكن حَمْلُ أيٍّ منها على أدنى قَدْرٍ من التشويه أو القسوة أو التَّحامل المُتَعَسِّفِ على “عُدَمَاءِ الدِّين” الذين يزعمون أنَّهم “عُلَماءُ دِين”، “ومُبْتَعَثو إلَهٍ”، أو يظنون أنهم قد قبضوا على حقائقَ كونيةٍ مُتعاليةٍ عَجِزَ الأخيرون، أي عُلَماءَ الدِّين ودارسينهِ ومعتنقيه مِنَ الأفرادِ المُؤَهَّلين، ولا يزالونَ يعجزونَ، عن التماس بصيص ضوء يُرشِدهم إِلَى مَا قَدْ يُرشِدهم إليها!
فظاهِرَةُ إمعان “الجُهَلاء” و”المُشَعْوِذِينَ” و”غير المُؤَهَّلِين” في ادِّعاء العلم والمعرفة وامتلاك الإجابات اليقينية عن كُلِّ سؤال مهما كان مُركَّباً أو إشكالياً، إنما هي ظاهرة أسرفت في الوجود والتَّرسُّخ في نسيج مجتمعاتنا العربية المُتخلِّفة، وفي غيرها من المجتمعات المحكومة بأوضاع اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية مماثلة، وذلك إلى الحدِّ الذي جَعَلَ الإسرافَ في التَّدليل على وجود هذه الظاهرة المتعدِّدة المنابع والأوجه والغايات، أو الإمعان في تحليلها لتبيان أشكال تجسُّدها المتنوِّعة، ولفت الأنظار إلى ما تفرضهُ من مخاطر وتهديدات وتحديات، راهنة ومُسْتَقْبَلَة، على هذه المجتمعات، وربما على الإنسانية بأسرها، أمراً لا يعدو أنْ يكون تَزَيُّداً إضافياً لا قيمة له، ولا حاجة للنَّاس المكتوين بنار تلك الظَّاهرة الظَّلامية العَجْفَاء أنْ يُوغلوا فيه!
ولعلَّنا في غير حاجة إلى تأكيد حقيقة أنَّ  ظاهرة تكاثر “عُدَمَاءِ الدِّين” الذين يُقنِّعون وجوههم بأقنعة “عُلَماء الدِّين” الأَكْفَاء المُقَدَّرينَ، قاصدينَ إخفاء غاية مقاصدهم وحقيقة هُويَّاتهم، لإظهار نقيضيهما اللذين يُتيحان لهم الإيغال في خداع النَّاس وتضليلهم وجرِّهم إلى نقيض ما يتوقون إليه، وذلك بإعلان أنفسهم “مراجع دينية” و”مرجعيات شمولية” لمن يقعُ في شِرَاك خداعهم الأسود من عامَّة النَّاس، والشُّروع، استناداً إلى ذلك، في أخذ هؤلاء النَّاس، ومن تبعهم مِنَ النَّاسِ، إلى سواد أقبيتهم المعتمة التي فيها يخضعونهم، تحت سطوة الجهل المُقنَّع بالمعرفة اليقينية، السِّرِّية والمُقدَّسة في آنٍ معاً، للبؤس المُرِّ، ولأقسى أنواع الخبل والعته والشَّعوذة وانتهاك الدِّين والاستبداد الاستغلالي المقيت، ليست بظاهرة جديدة لم تعرفها من قبلُ، وعلى امتداد الأزمنة حتى زمننا هذا، المجتمعات الإنسانية التي يعتنقُ أفرادها أيَّ دِيَانَةٍ من الدِّياناتِ، السَّماويَّة، أو غير السَّمَاويَّة.
وليس لزعم اقترانِ هاته الآيديولوجيات الدِّينيَّة التَّخييليَّة بالسَّرية والقداسة، كما ليس لصبغ ما تنطقه، أو ما تسكتُ عن نطقه لتمارسه في الواقع مؤكدَةً رسوخه في نسيجها، من تصوُّراتٍ متخيَّلةٍ وأوهامٍ مُشَعْوِذَةٍ وأحكام مُتعسِّفةٍ، بصبغة الحقائق المُطلْقَة غير القابلة للشَّكِّ والمناقشة، أو للجدل والدَّحْضِ، أو حتَّى لِنِيَّةِ السَّعى إلى إدراك حقيقة مقاصدها الباطنة عبر نوعٍ من التأويل المنطقي المستند إلى إعمال العقل من قبل العقلاء المُؤهَّلين لفعل ذلك، إلا أنْ يكشفا عن جسامة الإمعان في توظيف آلية تراكب الأقنعة من قبل صُنَّاعِ تلك الآيديولوجيات الزَّائفة من “عُدَماء الدِّين” ، كآلية تخييلية تأسيسية تُيسِّر انتهاكَ الدِّين وتزييفه لإنتاج تلك الآيديولوجيات، وضَمَانِ سرعة انتشارها، وتحقيق ما تتوخَّى تحقيقه من غاياتٍ ومقاصدَ سيكونُ مِنْ ضمنها، دائماً وأبداً وفي كُلِّ حيثٍ وحينٍ، أمران أساسيان:
يتمثَّلُ أول هذين الأمرين في إخفاءُ الدَّوافع والمقاصد الدُّنيوية الحقيقية لاصطناع هذه الآيديولوجيَّةِ، أَوْ تِلْكَ الآيديولوجِيَّة، المُقَنَّعَةِ بالدِّينِ مُؤَوَّلاً على نحوٍ زائفٍ من قِبَلِ “عُدماء الدِّين” المُجنَّدين لتعزيز سطوة أسيادهم ومُشَغِّلِيهِم وداعميهم ومُطْلِقِيهم من قُوى الاستعمار والاستغلال والاستبداد والعنصرية والظلام والإرهاب والعنف، وحماية مصالح هذه القوى، وتجذيرها، وتوسيع نطاقها، وتأبيد حُضُورها، بَلْ وجعلِهَا أُسَّ وُجُود!
أما ثانيهما، فيتجسَّدُ في تغطيةُ الشَّهوة الجامحة التي تسكنُ “عُدَمَاءَ الدِّين” مسكونةً بوعود أسيادهم إليهم، وبالطَّمع والجشع اللذين يتملَّكانهم، للاستئثار لأنفهسهم، دون غيرهم من النَّاس ومن ضمنهم الأعمُّ الأغلبُ من أتباعهم الذين هم أحطاب محارقهم، بموارد الدُّنيا، وبهجة الحياة، وسعادة العيش!

عبد الرَّحمن بسيسو – براتسلافا

للكاتب أيضا:

خِطابُ العَقْل المُنير: الْحُرِّيَّةُ مبدأُ كُلِّ وُجُودٍ إنْسَانِيٍّ جَوْهَرِيٍّ في الْوُجُودْ

‏أسبوعين مضت مفاهيممقالاتنصوص 0

عبد الرَّحمن بسيسو  إزاء استمرار تواصل المقولات التي تنتجها إيديولوجيات التَّخلُّف والثبات، والتَّسلط والاستبداد، والظلام والظُّلم، مع أشباهها ونظائرها المعتمة المخزونة في أقبية التُّراث الثَّقافي العربي النَّقليِّ الرَّاسخ على امتداد مراحل متعاقبةٍ تربو على ألفية كاملةٍ من أزمنة الاتِّباع والتبعية، والاستبداد والاستعمار، والثَّبات المميت، والسكوت المُهين على واقعٍ تَسَلُّطيٍّ استعماريٍّ …أكمل القراءة »

صُورةُ المرأةِ بينَ ظِلَّينِ وَوَهَجٌ!

‏5 أيام مضت بصغة المؤنثمفاهيمنصوص 0

عبد الرحمن بسيسو للتأصيل النَّظري المفهوميِّ، مقروناً بالتَّنزيل الواقعي العمليِّ، لمفهوم الهُوية الإنسانية، تلك التي يقف الرَّجل والمرأة على ضفتيِّ نهرها المُتَقَابلَتينِ، والمتداخلتينِ في مجرى تفاعل ثَريٍّ  تنسربُ مساراته عبر انسيابية الماء الجوهري الواحد الذي ينداحُ عليهما فَيُكْسبهما الجوهر نفسه؛ لهذا التأصيل المقرون بتنزيلٍ فعليٍّ في واقع الحياة المجتمعية الإنسانية، …أكمل القراءة »

الْعَارِي لَا يُعَرَّى: حَوْلَ “الإنْتَرْنِتْ” وانْتِهاكِ “الْحَقِّ فِي الْخُصُوصِيَّةِ” أَو التَّخَلِّي الطَّوعِيِّ عَنْهُ

24 أبريل 2020 أخرىدراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

عبد الرَّحمن بسيسو سَواء أَضُيِّقَ مَفْهُومُهُ أَمْ وُسِّعَ، فَسَيَكونُ لمُصْطَلَحِ “الْخُصُوصِيَّةِ” أَنْ يَظَلَّ مَأْهُولاً بِمْدْلُولاتٍ عَمِيْقةٍ تَتَركَّزُ فِي مَفْهُومِ “الْحَيِّزِ الْخَاصِ”، وسَيَكُونُ لـِلْكَلِمَةِ الاسْمِ: “الْحَيِّزِ” مَعْزُولَةً عنِ الصِّفَةِ “الْخَاص”ِ، أَنْ تُحِيْلَ إِلى شَيءٍ مُتَعيَّنٍ في الْوَاقِعِ، أَو مُتَصَوَّرٍ في الْفِكْرِ، وقَدْ يَكُونُ هَذَا الشَّيءُ “مَكَانَاً”، أَوْ  “نِطَاقاً”، أو “مَجَالاً” أو …أكمل القراءة »

إبْدَالُ نِظَامِ التَّحْريْمِ الكُلِّيِّ بالْحُرِّيَّة أو إِعَادَةُ تَكْوينِ الْعَالَمْ

6 أبريل 2020 أخرىدراسات وأبحاثعامة 0

عبد الرَّحمن بسيسو يبدو جليّاً الآن، وبلا أدنى مُواربةٍ أو غُموضٍ، أنَّنا إزاء عمليّة بلورةٍ نهائيّةٍ لنظامٍ تَابُوِيٍّ كُلِّيٍّ مُعَوْلَمٍGlobalized Taboo System ؛ نظامٍ لا يتوخَّى شيئاً سوى إعادة تكوين العالم وفق مشيئة الرَّأسماليَّة العالميَّة المتوحِّشة، وبإرادتها المطلقة المُوظِّفَةِ كُلَّ قُوَّتِهَا وكُلَّ ما بِحَوْزَةِ أتباعها المتكاثرين من مواردَ وإمكانيّاتٍ وقُوَّة، …

شاهد أيضاً

الغرب ما بعد الحداثي وعصر المواطنة لايت

عبد القادر ملوك عبد القادر ملوك أكاديمي مغربي ما أشبه ما آل إليه وضع المجتمعات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *