الرئيسية / منتخبات / تغطية / أين العرب من ثورة الولايات المتحدة “الحقيقية”؟

أين العرب من ثورة الولايات المتحدة “الحقيقية”؟

إبراهيم صباحي

قد يخطر على بال قارئ هذه الكلمات سؤال عما تعني “الثورة” كي نصف بعضها بـ”الحقيقية” وأخرى بغير ذلك. وحتى لو عرفنا ما هي الثورة الحقيقة في الولايات المتحدة الأمريكية التي اندلعت أولى شراراتها قبل أيام ولا تزال تبعاتها متواصلة حتى اليوم، فما هي علاقتها بالعرب؟

في 25 مايو/ أيار 2020، تداولت وسائل إعلام عالمية ومواقع التواصل الاجتماعي، نبأ مقتل المواطن الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد، على يد شرطي أبيض في ولاية مينيسوتا، مرفقة بمقاطع مصورة للحادث تقشعر لها الأجساد. وعلى مدار الأيام القليلة التالية ورغم تواصل تداعيات جائحة كورونا، ركزت غالبية عدسات وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم على مظاهر الانتفاضة الشعبية في الولايات المتحدة التي أشعلها مقتل فلويد، وردود فعل ممثلي جناح اليمين العنصري عليها، وفي مقدمتهم الرئيس دونالد ترامب الذي نشر تغريدات عبر تويتر تُمجد العنف ضد فئة كبيرة من شعبه.

وفي ظل تواصل نقاشات وتحليلات عن المشهد السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة، وأحاديث عن احتمالات تحول الأزمة إلى ثورة أو حرب أهلية، إضافة إلى تأثيرها على الوضع السياسي مستقبلا، سيمّا على الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، شهدت ولاية فلوريدا الأمريكية عقب ذلك بنحو 5 أيام حدثا تاريخيا فريدا، لم ينتبه إليه الكثير، لكن من شأنه أن يغير تاريخ الإنسانية جمعاء.

طفرة إنسانية جديدة

في 30 مايو/ أيار 2020، وتحديدا في الساعة 03:22 بعد الظهر بتوقيت الولايات المتحدة، أطلقت شركة أمريكية “تجارية خاصة” صاروخا يحمل عالمي فضاء من وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) نحو السماء، وبعد قرابة 10 دقائق تمكن الصاروخ من وضع الكبسولة الحاملة للعالمين في المدار المحدد لبدء رحلتيهما.

المثير والفريد في الأمر أن صاروخ شركة “سبايس إكس” الأمريكية الخاصة، انفصل جزؤه الأول البالغ طوله 70 مترا كما هو مقرر بعد دقيقتين من التحليق وهبط بسلام في قاعدة قبالة فلوريدا، فيما وضع الجزء الثاني الكبسولة “كرو دراغون” في المدار المناسب، في اتجاه المحطة الفضائية الدولية بسرعة تجاوزت 27 ألف كلم في الساعة، وسوف يتم إعادة استخدام الصاروخ في رحلات لاحقة.

نعم! هذا ليس خيالا، بل حقيقة حدثت بالفعل وشاهدها الملايين على الهواء مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وشاشات التلفاز، وحتى أثير الإذاعات.

وكي نعرف مدى أهمية هذا الحدث وتأثيره على التاريخ الإنساني، يجب الإشارة إلى أن هذا الصاروخ تم إنتاجه وإطلاقه من طرف شركة تجارية خاصة لم يمر على تأسيسها سوى 18 عاما، وبهذه الرحلة لم يعد عالم السماوات حكرا على وكالات فضاء بعض الدول المتقدمة، بل لأول مرة في التاريخ صار حاليا الطريق ممهدا أمام شركات القطاع الخاص لإرسال أفراد غير متخصصين إلى السماء عبر مركبات وصواريخ قابلة للاستخدام أكثر من مرة.

ولن يمر وقت طويل وسيجد الإنسان نفسه يسمع من جديد عن أمور لم تعتاد أذناه عليها من قبل، في مقدمتها، سياحة الفضاء، واستخراج المعادن والطاقة من هناك، ناهيك عن الذهاب إلى القمر وتأسيس قواعد هناك، ثم التوجه إلى كوكب المريخ الذي كان يؤمن كثيرون باستحالة الحياة فيه، ولعل هذه الرحلة هي أولى خطوات الاستقرار على سطح المريخ.

وهذا يعني أن الإنسان مع الوقت سيتحول من كائن وحيد الكوكب غير قادر سوى على العيش فيه، إلى كائن متعدد الكواكب قادر على توفير سبل الحياة في كل منها.

وجميعنا يعلم أن هذه الأمور لم تكن قبل سنوات سوى حكايات نقرأها ونشاهدها في بعض مجلات وأفلام الخيال العلمي، لكنها صارت اليوم حقيقة نراها بأم عيننا.

أين العرب من هذه الطفرة؟

وبينما جرى كل هذا، لم نر أي قائد دولة، أو رئيس حكومة، أو حتى رئيس جامعة في العالم العربي يتحدثون عن هذه الطفرة الإنسانية وتأثيرها على بلداننا وعلومنا وخططنا المستقبلية، بل على النقيض طالعنا تعليقات غريبة انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي من قبيل، ماذا يعني هذا؟ وما الجديد في الأمر؟ وما شأننا به؟ فالفضاء فارغ والقمر والكواكب مجرد صخور صماء. ولا شك أن أصحاب هذه التعليقات لا يعرفون أن تقنيات عديدة يستخدمونها آلان في أعمالهم وحتى في غرف نومهم ما هي سوى نتاج لأبحاث الفضاء في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن العشرين.

وعند التركيز على ما تم تداوله بالعالم العربي منذ هذا الحدث، نجد أغلبه يدور في فلك عقيم عن مؤامرات تحيكها هذه الدولة العربية للإيقاع بتلك الدولة العربية، واتهامات من هذه الحكومة لتلك الحكومة، لتدخلها في شؤونها الداخلية والإضرار بأمنها وسيادتها، إضافة إلى سخافات شعبوية قومية وطائفية أخرى لا حصر لها، لا تسمن ولا تغني من جوع، لكن يموت بسببها يوميا العشرات من أبنائنا وأحبائنا.

وكنتيجة طبيعية لذلك نجد أن قائمة الخمس دول الأكثر إنفاقا عسكريا بالنسبة لدخلها القومي، هي دول عربية، وفق بيانات البنك الدولي لعام 2018، وهي بالترتيب: السعودية، سلطنة عمان، الجزائر، الكويت، لبنان.

ودعنا نسأل أنفسنا، ماذا كان سيحدث لو كانت هذه الدول استثمرت هذه الأموال في مجالات التعليم، والترجمة، والأبحاث العلمية، والتخطيط، والإدارة، والشركات الناشئة؟!

ألن يكن حاضرنا ومستقبلنا في حالِ أفضل؟!

شاهد أيضاً

هل من المعقول أن يظل البيض عبيدا لماضيهم الاستعبادي؟

عزيز الصاميدي لنتخيل معا: لوويك شاب في السادسة عشرة من عمره، بشرته بيضاء. ازداد وترعرع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *