الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / لوك فيري في جدوى الفلسفة المعاصرة: مواكبة تحليلية

لوك فيري في جدوى الفلسفة المعاصرة: مواكبة تحليلية

عبد الرحيم امعضور

عبد الرحيم امعضور

في نص له تحث عنوان “ما جدوى الفلسفة المعاصرة؟”[1] حاول لوك فيري أن يدافع عن موقف مفاده أن تحديد ماهية الفلسفة هي مهمة ليست عديمة الجدوى فحسب، بل عبثية أكثر مما يظهر. وقد شغلته هذه المسألة لوقت طويل قبل أن يجد لها جوابا شافيا،  ليخلص في هذا النص الى أننا نحن المعاصرين في مقام الشيوخ، لأننا تجاوزنا مرحلة الطفولة الفكرية والانسانية، ورغم أن البعض يحاول الهروب من هذه الشيخوخة وعقالها، ظنا منهم أن الحياة هي استدامة الشباب، فإننا نجد التجارب التاريخية تؤكد أن بلوغ معنى الحياة لن يتم دون أن ينضج الانسان الى أقصى الحدود، وسنحاول أن نعطي أمثلة كاملة من خلال هذه الورقة.

ينطلق لوك فيري من تصنيف تاريخي جمع فيه كل من سقراط وبودا والمسيح، اذ يضعهم على قدر متكافئ من حيث أنهم سعوا الى جعل الفلسفة نسقا من التفكير، بدلا من أن تكون نمط حياة مثلما يعتبرها البعض. والفلسفة في عصرنا الراهن شهدت تحولات كبرى، فمن حيث المضمون نجدها قد تفرعت الى حقول مختلفة، وكل حقل ينفرد بدارسيه. أما من حيث الشكل فقد أصبحت الفلسفة مادة مدرسية كباقي المواد مع ما يطرحه ذلك من تحديات كبرى متعلقة بسبل إدامة الحياة لهذه الفلسفة، طالما أن غرضها الأول هو تكوين وعي الشباب ليكون قادرا على التحكم والاختيار، التحكم في وجوده واختيار أفقه.

إن الاهتمام بالفلسفة أمر طبيعي ولا يزعج، ولكن ما يزعج هو الاهتمام المقرون بالتعاطف. وهذا النوع من الاهتمام مرشح للخطأ، والزلل، وسوء الفهم، ومرد ذلك هو انعدام تكوين فلسفي رصين لدى الدارسين، ولكي يحقق الانسان شيئا من هذا التكوين يتعين عليه أن يفكر مع الاخرين، ويكون على استعداد لبذل المجهود، وهي دعوة لا يريد من خلالها لوك فيري أن ينال من عزيمة ذوي النيات الحسنة رغم أن الواقع يؤكد بأن التمارين الشاقة ستعقب الشغف والحماس الأولين.

يعتبر لوك فيري أن الفلسفة في غالب الأحيان تختزل في خاصيتين: فهي من جهة تاريخ الأفكار، ومن جهة أخرى تمرين على التفكير الشخصي ، بالإضافة الى ميزة أخلاقية تسمح لها بالتدخل الفوري وسحق كل ما هو دنيء. لكن لا شيء من هذا عبر وبوضوح عن ما هو مهم في الفلسفة، ولعل سبب ذلك هو إغفال التأمل الذي يميز الفلسفة عن العلم، كما يمكن للإنسان أن يتناول بالنقاش مختلف القضايا ويكون تناوله شاملا دون أن يعتبر نفسه أرسطو جديد بل لا حاجة له بذلك اصلا.

إذا كانت الفترة الحديثة شاهدة على تزايد الاهتمام بالعلمانية، فإن القيم المسيحية والفكر الإلحادي في نظر لوك فيري قد أخذا يتشكلان على نحو يتناسب معها، أي مع العلمانية وقيمها ، والغرض من ذلك هو إعادة طرح النقاش حول العلاقة بين الإنسان العارض والإله الخالد، ويعطي مثالا لهذا التوجه بهيغل وكانط وهذه العلمنة للقيم المسيحية تجد تعبيرا لها أيضا في الاعلان عن حقوق الانسان والمواطن الذي بفضله لم يعد هناك فرق بين المؤمن وغير المؤمن حتى وإن اختلف الناس في مصدر هذه الحقوق وحدودها.

لقد ساهمت الكانطية مساهمة فعلية في تحرير الانسان من غياهب اللاهوت الأخلاقي، فوجود الله ينبغي أن يكون لأسباب أخلاقية لا غير، ويستشهد لوك فيري في هذا الصدد بفخته الذي يعتبر بأن الله ليس سوى “المثال الأخلاقي للعالم” فينبغي أن نحذر أثناء تعاملنا معه حتى لا نتهم بالإلحاد والزندقة وهي تهم شنيعة، لان الاهتمام بالإنسان باعتباره صاحب كرامة مطلقة هو الذي مهد الطريق للحديث عن الواجب الأخلاقي الكانطي  المفصول كليا عن الوحي المسيحي، وهذا الانفصال اذا انضاف الى العقلنة سيقودنا الى الدهرنة المستعصية على الفهم.

يعطي لوك فيري مثال الإعلان عن حقوق الانسان باعتباره النموذج المؤسس للديموقراطية، لكنه يخضعه لقاعدة أن هذا النص قابل لقراءتين مختلفتين، وهذه القاعدة تذكرنا بجاك بيرك الذي حاول تطبيقها على النص القرآني قبل أن يدعونا الى ضرورة الأخذ بقراءة الفلاسفة والنخب المثقفة التي تستقطر منه القيم النبيلة على عكس ما تفعله الجماعات المتشددة التي تؤسس للعنف وتجرنا إليه.

لقد ظلت الرسالة المسيحية معروضة على طاولة النقاش في نظر فيري خصوصا في جانبها التشريعي، هل هو مؤسس على الوحي الرباني أم على عقل الإنسان وإرادته؟ ويخلص إلى أن مجموعة من المبادئ والقيم التي تسعى إلى إرساء قواعد العيش المشترك، هي ذات منشأ علماني محض. كما يعود إلى كانط و هيغل،  فالأول قابل للفهم بالنسبة لغير المتخصصين، بينما الثاني غير قابل للفهم ، فرغم أنه يدرك غموض فلسفته إلا أنه متشبث بذلك خصوصا عندما أعاد التعريف الذي وضعه شلينغ للفلسفة باعتبارها “تطابق الهوية والاختلاف” ومعناه أن النسق الفلسفي المكتمل هو الذي تتطابق فيه هوية لله وهوية الإنسان، هذا الإنسان الناقص الذي لن يتصالح مع العالم ما لم يتصالح مع نفسه ومع الله، لذلك فالعلمنة هي الموقف الوحيد الذي يمكن أن يخدم الفلسفة لأنها تسعى إلى تحقيق هذه الغاية.

يتشبث هيغل بالدين والفن والفلسفة لأن هذه المجالات هي أصدق تعبير عن الروح وعن كل ما هو إلهي وإن اختلفت أشكال التعبير بينها .

فبخصوص الفن فهو مطالب بالانحلال والتماهي مع الأشكال العليا للوعي، من منطلق أنه تعبير عن الرباني، له ما قبله في الطبيعة وما بعده. أما الدين فقد كان وقعه أكثر من الفن، وسبب ذلك هو الطريقة التي يخاطب بها أشكال الوعي، والمسيح نفسه قد لجأ إلى الصور والاستعارات والأساطير. أما الفلسفة وقد أخر الحديث عنها عمدا فهي الوحيدة التي تمكنت وبجلاء من التعبير عن الإلهي بسبب طبيعتها الروحانية، والتداخل بين العقلنة والعلمنة في الفلسفة الحديثة مكننا من فهم حقيقة الدين، الذي عرف بدوره تحولات كبرى وذلك بفضل مجهودات البروتستانتيين الذين نجحوا في إقصاء حجج الماضي، وأثر ذلك إيجابا على الفلسفة التي أصبحت تنافس الدين في سعيه للإجابة على مختلف الأسئلة التي تؤرق بال الإنسان.

لم تقف العلمنة حبيسة المرحلة الحديثة، بل امتدت الى المرحلة المعاصرة، لأنها لم تنفصل عن الدين في نظر لوك فيري ودليله في ذلك هو الدعوة إلى الوفاء للإرث المسيحي، رغم الانتقادات اللاذعة التي قدمها فلاسفة كبار أمثال فريدريك نيتشه، ولعل هذا ما مهد الطريق الى القول ب“نهاية الفلسفة” التي رددها نيتشه وهايدغر.

لا يمكننا أن نقف عند كل هذه الأفكار التي طرحناها مع فيري دون أن نتساءل عن مستقبل الفلسفة، وعن الفائدة التي يمكن أن يجنيها غير المتخصصين من هذه التوجهات الكبرى التي امتدت الى المرحلة المعاصرة، لأن هؤلاء يمكنهم أن يتناولوا كل الموضوعات تناولا شاملا دون الانتماء إلى حقل الفلسفة. ربما هو تكرار لسؤال ” ما جدوى الفلسفة المعاصرة ؟ لكنه تكرر بأسلوب مغاير واعتقد أن القارئ لن يجد غضاضة في تكرار مثل هذه الأسئلة.

من المكتسبات الكبرى التي أكد عليها لوك فيري والتي يمكن ملامستها: نشر المحبة بين الناس مع ما يوازيها من نكران الذات وخدمة الأخرين، فلن تتغير الحياة دون علمنة فلسفية للدين، لأنها علمنة لا تقلل من شأن الدنيا على حساب الأخرة ، ففي الدنيا هناك لحظات لا يمكن القفز عليها أو محوها ، ومن بين هذه اللحظات لحظة الشيخوخة التي هي في مقام الوحش في نظر البعض. ونعيد ما قلناه في البداية: إن الانسان لا يمكنه أن يبلغ معنى الحياة دون أن ينضج إلى أقصى الحدود، فهذا النضج هو شرط بلوغ كل محبة مع استحضار كل الخصوصيات الفردية والكونية التي تتداخل فيما بينها. فالأعمال الفنية الخالدة على سبيل المثال، هي التي تحررت من قيود الفرد وانتقلت إلى قلوب الناس في أزمنة وأمكنة مختلفة، ويعطينا لوك فيري مثال التحف الفنية وأنا لا يبدو لي بأنها الوحيدة التي حققت نجاحها الكوني واستحقت منا هذه الالتفاتة، بل حتى المقطوعات الموسيقية واللوحات الفنية فضلا عن الأعمال المسرحية منذ اليونان إلى الآن.

ينهي لوك فيري هذا النص بالعودة الى فكرة الشيخوخة باعتبارها لحظة لا محيد عنها، وقد بلغناها نحن المعاصرين الذين تجاوزنا مرحلة الطفولة الإنسانية. كما أنه لا يوصي بضرورة استعمال مساحيق التجميل لنظل شبابا، أو على الأقل لنخفي الحقيقة، والمفروض فينا أن نحسن التعامل معها ضد كل انطواء نرجيسي لنسعد بها حتى وإن كانت حمالة أوجه سلبية.

صحيح أن ما يقوله لوك فيري في هذا الصدد يجد دعما حقيقيا في الواقع، فالشيخوخة تعني خفوت شعلة الشباب، حيث تهون القبضة، ويقل النظر، ويترهل الجسم، بيد أن ذلك يمكن أن يكون أقل وطأة أذا حول الانسان الدروس التي اكتسبها الى عقائد وعادات، للانتفاع بها وممارستها بلا تكلف . وأبرز هذه الدروس أن يديم القراءة والمطالعة حتى لا يكون ضحية التصلب الشرياني أو النسيان الذي يعرقل التفكير المثمر، فإذا ابتعد الانسان عن الحركة والقراءة سيبدأ في التفوه بالترهات، الأمر الذي سيفتح عليه أبواب السخرية والاستهزاء، فالمعاني لن تبقى ماثلة في أذهاننا بشبكة من الكلمات دون ذاكرة ودون تفكير، والانسان معرض للشيخوخة متى توقف عن التفكير ولو كان في عقده الثاني. فقد سأل روزفلت أحد القضاة لماذا تقرأ كتاب ” الجمهورية” وأنت في سن الثانية والتسعين؟ فرد عليه: “لكي أرقي ذهني” ، أما غاليلي فقد نشر كتابه حول دوران القمر وهو في سن الثالثة والسبعين، وميخائيل أنجلو شرع في نظم قصائده وهو في سن التاسعة والسبعين، وإدغار موران لا زال يمتع القراء وهو على وشك المئة سنة . وإذا كنا أبناء هذه المرحلة شيوخا في نظر لوك فيري فمن يدري قد نكون على موعد مع التاريخ لنترك للجيل الذي سيأتي ما بعد الشيخوخة إرثا وتراكما مفيدا، وستظل الشيخوخة الحقيقية هي الخواء النفسي والمعرفي، وليس الضعف أوالانحطاط الجسدي.


[1]) Philosophera dix-huit ans paris – Grasset 1999 أنظر كتاب : (

شاهد أيضاً

العادة السريّة والمسألة الجنسية عند إيمانويل كانط

لحسن وحي لحسن وحي إن الإنسان كائن كغيره من الكائنات الحية، غير أنه ينفرد عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *