الرئيسية / منتخبات / عامة / ماذا فرضت مشقة التفكير على البشر؟!

ماذا فرضت مشقة التفكير على البشر؟!


هايل علي المذابي

هايل علي المذابي

strings1983@gmail.com

* قلة المفكرين في هذا العالم ناشئة عن الصعوبة التي يقتضيها التفكير المركز..

إن قسوة التفكير ومشقته التي عانت منها الذهنية البشرية، منذ بدء الخليقة، وحتى هذه اللحظة قد فرضت على الإنسان الاتباع والتقليد للحيوانات في كل شيء، لقد ولد ليحب الراحة ويعيش في السكون.
إن التفكير في أسوأ حالاته ليس سوى تعبير عن القدرة على إقامة العلاقة بين المدركات أو أنها عملية إدراك للمختلف والمتشابه، وتعتبر هذه المرحلة هي مرحلة السكون تليها مرحلة أخرى هي مرحلة الحركة أو “المعرفة” وهي بطبيعتها تتخذ مسارين الأول هو تقليد تلك الحركة أي تقليد ما يدركه الإنسان من متشابهات ومختلفات، والثانية هي إنتاج معرفة أي خلقها. الأولى تفترض الاتباع، والثانية تفترض الإبداع. الأولى تقتضي حب الراحة الذهنية وتوهم بلوغ المعرفة الكاملة، والثانية تفترض الإنتقال إلى حالة عظمى من الراحة لكنها لن تبلغها إلا عبر قناة من المشقة والجهد.
حين أدرك الإنسان شيئا من المعرفة في سلوك الحيوانات التي رافقت مسيرته من النشأة الأولى إذ لم يجد بُداً من اتباعها وتقليدها لينتقل من حالة السكون إلى حالة أخرى هي مزيج بين المعرفة والسكون، وقد ظلت الأجيال تتوارث هذه الحالة من المعرفة والسكون بل إن ما تعيشه البشرية اليوم ليس سوى تعبير عن هذا السكون المعرفي.
لقد فشل الإنسان منذ البدء في تصميم عالمه وكما فشل لاحقا في إعادة الصياغة لدنياه، فقامت الحيوانات، من خلال عملية التقليد، بتصميم عالمه ودنياه التي يحيا فيها وفقا لسلوكها ودوافع أفعالها.
لقد أرهقتني الفكرة منذ وقت طويل حتى أنني اتخيل ما هو وضع البشرية الآن لو لم تكن الحيوانات التي اتبعها الإنسان وقلدها في سلوكها، إلى أي مدى كان يمكن أن تكون الحياة أكثر إشراقاً وأكثر عدالة؟
لقد فرضت عملية التقليد والتخلف عن التفكير أن يكون المجتمع حالة إمتداد لطبيعة عالم الحيوانات وقوانينها، فالصراع مستمر منذ بدء الخليقة بين توجهين الأول هو الخير والآخر هو الشر لولا ان هذا الصراع كان ليكون غير موجود لو لم تكن شريعة الغابة هي الشريعة التي احتكم لتقليدها الإنسان بكل ما فيها من صراعات، حتى أن هذه الغرائز لم تكن لتكن موجودة أصلا وهي تحث الإنسان دائما ليعيش حالة الصراع وتوجهه نحو فعل الحياة بكل ما تحمله من تناقضات وشهوات ونزوات، لكن تلك الغابة وتقليدها هي من فرض عليه ذلك فتصرفه ليس أكثر من تجسيد لمنطق الحيوان وسلوكه لكن في هيئة بشرية.
حتى أن الأديان لم توجد إلا بسبب ما تفرضه عملية التقليد تلك من تبعات، وتخفف من وطأتها، فالأديان، والفنون لا تستثنى، في غاياتها لم تكن أكثر من تعبير واضح عن مكافحة لتلك الطبائع وشرورها والتي قلدها الإنسان واكتسبها، لتنقذه من المشقة في التفكير والابتكار، من عوالم الحيوانات.
ولعل أدوات الصرف الصحي ليست سوى تعبير عن أرقى ابتكار اخترعه هذا الإنسان ليكون مختلفا به عما يحدث في عوالم الحيوانات، أما الحديث عن القنابل الذرية والهيدروجينية والسلاح النووي كأعظم ما توصلت إليه البشرية فليس سوى تعبير عميق وواضح جدا عن منطق الغابة ذاته الذي يفترض الاقتتال الدائم بين الحيوانات وسيطرة الأقوى على الأضعف.
إن كان لابد أن يكون ثمة اختلاف يتميز به الإنسان، فإن الاختلاف هذا يجب أن يتجاوز كل مدرك وملموس، سواء في اللون أو العرق او الجنس، أي أن اختلافه هو في قدرته على التفكير بعيداً عن منطق الحيوانات وسلوك القطيع.
لقد فرضت تبعات التقليد على الإنسان ألا يجد السلام أبداً لا في واقعه ولا في دواخله. إنه رهين الغابة وممارساتها ورغابتها وتشريعاتها وأينما ولى وجهه فلن يجد سوى ذلك الصراع على الدوام.
من يتأمل هذه الأنماط البدئية التي ظلت الذرية البشرية أو ما يمكن تسميته بالنماذج العليا و اللامتغيرات البنيوية سيجد أنها تفترض وجود صراع أزلي كما وتفرض هذه الكاتلوجات الاجتماعية للشعوب، والتي هي امتداد لقيم الأنماط البدئية، تفترض على الإنسان أن يعيش هذا الصراع حتى ولو لم يرغب فيه. أي ان هذا الكاتلوج يحتوي على خطة هي مجموعة من القيم والعادات والتقليد بما في ذلك التقاليد الدينية، وتفرض أن يعيشها الإنسان، ويطوّع حياته قسراً على أن تكون وفقا لطبيعة هذه الكاتلوجات، في حين انه يستطيع أن يفكر خارج هذا السياق المطلق في منطقه، ويفترض نهجاً اكثر سلاماً مما تفرضه طبيعة هذه الكاتلوجات من تبعات ليست في أفضل حالاتها سوى تعبير عن منطق صراع الغابة الأزلي.
إن التفكير خارج سياق هذه المنظومة التي تفرضها الأنماط البدئية لا يعني إنحلال القيم التي تحملها ولكنه يفرض أن يكون للإنسان كاتلوجه الإنساني بعيدا عن أي فرضيات لوجود صراع وأنه مجبر على أن يعيشه فتستمر حياته حتى النهاية لا تعبر إلا عن تفاصيل هذا الصراع وداخل دائرة منظومته.
إن هذه الطريقة التي تعتمد على التفكير تفرض على الإنسان أن يكون حراً دائما، أي أن له حق الاختيار وحريته. فإن كان لا يريد سوى الاتباع والتقليد لنواميس تلك الكاتلوجات فإنه يعلن بصراحة أنه يفضل العبودية والإتباع وأنه لا يريد أن يكون حراً لإن حريته حينها ستفرض عليه ولوج قناة من المشقة والصعوبات والجهد لكنه حتما سينتقل من ثم إلى حالة تضمن له فيها الحالة السابقة من المشقة والجهد السلام والراحة وعدم وجود أي صراع هو مجبر على أن يعيشه.

هايل علي المذابي
من دفتر التجربة

للكاتب أيضا:

غسيل المعرفة في المؤسسة الدينية!

‏3 أيام مضت عامةمساهماتمفاهيم 0

هايل علي المذابي *احتمالية النصوص ومرونتها، مبرر تشوه المقدس؟!. هايل علي المذابي  إن النصوص الدينية بكل أشكالها هي عبارة عن مواد تتصف بالمرونة والمطاطية، ولا يمكن أن يصدق عليها التأكيد الجازم فيما تذهب إليه هذه النصوص من معنى، بمعنى أنها مواد احتمالية في معناها ولكنها لا تعطي محتويات.هذه الاحتمالية والمرونة …أكمل القراءة »

أبطال “كورونا” هل يصبحون أبطال الكوميكس الجدد؟!

‏3 أسابيع مضت الفلسفة للأطفالتغطيةمتابعات 0

هايل علي المذابي هايل علي المذابي  فرضت أزمة كورونا على العالم تبدلات واسعة و تحولا جذريا في كافة المجالات بلا استثناء ومن تلك التحولات نجد ظهور نجوم جدد على واقع الناس بطولاتهم هي حديث الساعة وهؤلاء الأبطال هم الأطباء والطبيبات والممرضين  والممرضات ويدور سؤال مؤخرا حول الاعجاب اليومي المتزايد بما …أكمل القراءة »

كيف يمكن التصدي لوباء كورونا من زاوية سيكولوجية الدوافع

‏3 أسابيع مضت علم النفسمساهماتمفاهيم 0

هايل علي المذابي في كل صباح تستيقظ فيه الغزلان وهي تعلم أن عليها الركض أسرع من الأسود وإلا فإنها سوف تقتل.. وفي كل صباح تستيقظ الأسود وهي تعلم أن عليها أن تركض أسرع من أبطأ غزال وإلا فإنها سوف تموت جوعاً. بغض النظر عما تكونه أنت أسدا أم غزالا، من …أكمل القراءة »

المعرفة البيضاء

9 سبتمبر 2019 أخرىمجلاتنصوص 0

هايل علي المذابي هايل علي المذابي في سبيل فهم أفضل لما ينطوي عليه هذا المفهوم أو المصطلح بعيدا عن أي تأويلات عنصرية مثلا او غيرها أي إن كان ثمة تأويل واجب فليكن في سياقات المعرفة الإنسانية التي نعيش عصرها كفعالية لابد لنا أن نواكبها ونعيشها قدر الاستطاعة. تفترض الحمولة الدلالية …أكمل القراءة »

الحب الخالد الذي صنع “ألف ليلة وليلة الغربية؟

22 يوليو 2019 فلاسفةمجلاتنصوص 0

قراءة في السيرة الروائي العالمي أونريه دي بلزاك هايل علي المذابي بقلم: هايل علي المذابي ====== لقد أحبها قبل ان يقابلها وجعلها حبه لها أن تحبه، وظلا يتراسلا بخط اليد لثمانية عشر عاماً وبعدها تقابلا، وأراد أن يأخذها في نزهة وقال لها: في كل محطةٍ سنتوقف فيها سأحكي لك حكاية …أكمل القراءة »

المُعَارِض

17 يوليو 2019 مجلاتنصوص 0

هايل علي المذابي  – المعارض في العبرية تعني الشرير وهي أطلقت على الشيطان لماذا ؟ لأنه عارض كلام الله وسمي المعارض ، من بعده جاء برومثيوس الذي عصى زيوس كبير الآلهة عندما سرق جذوة النار من الشمس وحملها إلى البشر والنار هذه هي رمز للمعرفة فعاقبه زيوس الطاغية بأن ربطه …

شاهد أيضاً

الغرب ما بعد الحداثي وعصر المواطنة لايت

عبد القادر ملوك عبد القادر ملوك أكاديمي مغربي ما أشبه ما آل إليه وضع المجتمعات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *