الرئيسية / أدب وثقافة / متابعات / كوفيد 19- نحو مانفستو جديد للعدالة الاجتماعية

كوفيد 19- نحو مانفستو جديد للعدالة الاجتماعية


محمد العربي العياري

محمد العربي العياري

الى أي حد ووفق أي تصور تصح مقاربة الفيلسوف الكندي الان دونو والحاضرة بعمق في كتابه “نظام التفاهة” القائلة بأن البشر والافكار صارا قابلين للتعويض ؟

وكيف تتموضع هذه العبارة في زمن الكوفيد حيث لم نعد نقتنع كثيرا بالمقولات العبر-قطرية للسوبرمان الرأسمالي خالق التقنية والايديولوجيا الجاهزة للاستهلاك تحت أي شمس وبتوقيت “غرينيتش” ولو بتقديم أو تأخير بعض الساعات أو الدقائق ؟

 هل نحن بحاجة الى براديغما جديدة لفهم عالم اليوم مثلما كتب الان تورين لنواجه” حضارة مصنوعة من صور ” ونعيد بناء ذات فاعلة تفك هيمنة قوى السوق والحرب وتفك السحر عن عالم الرأسمالية التي اختزلت الانسان والعالم في بعد واحد؟

الثابت أننا أصبحنا جاهزين لتعويض البعض من أفكارنا بفعل حالة الاستثناء المفروضة بتوقيع كوفيد مصنف تحت الرقم 19 .استثناء في القانون والزمن والسلوكيات والتفكير .استثناء في القانون يعيد الى الاذهان مقاربة كارل شميت حول حالة الاستثناء التي تنغرس عميقا في خاصرة الدولة الحديثة مثلما بين وحلل ذلك جورجيو أغامبن في الجزء الاول من كتابه الثاني ضمن رباعيته الصادرة سنة 2014.

بالمحصلة نحن أمام حالة استثناء أجبرتنا على العيش بأجساد تحترم التباعد الجسدي وعقول تتفاعل وتتواصل عبر أزرار تفتح ابوابا نحو عال افتراضي يؤسس لثقافة “سائلة” كما تحدث عالم الاجتماع زيغمونت باومان. ثقافة اصبحت فخا يصطاد عواطفنا وبقايانا الهشة وتزيد من احكام قبضتها يوما بعد يوم لصالح الانشطة السياسية والاقتصادية التي تشيئ قواعد البيانات لتحقيق مارب وغايات محددة تنحصر في تغول العولمة وتفسح المجال لمن يتحكمون بأنماط حياتنا .

في نفس الوقت, أجبرتنا حالة الاستثناء على اعادة النظر في الافكار والبشر وحتى في تضاريس خريطة لن يعاد رسمها بنفس المفاتيح أو نفس المقاسات ,وربما سوف يغدو عالما بلا خرائط (كإفراط في الحلم الاستثنائي).

ربما سوف تعدل هذه الخرائط لتصبح اكثر فاعلية وبخاصة أكثر استثنائية, حتى لا تجبرنا رأسمالية النهب على تعويض البشر, وأن لا نستسلم الى مقاربة الانسان الملعون هذا الذي يسمح بقتله دون خضوع الى القانون أو العرف وحتى في حالة الاستثناء.

لفهم ما حصل وما سوف يحصل بعد الكورونا بعيدا على الكتابات الابوكريفية التي دافعت ولازالت على خطابات الهيمنة الرأسمالية والنموذج الاوحد لخبراء وتكنوقراط صناديق النهب الدولي, سنعيد قراءة عالم ما قبل الكورونا ثم عالم الكورونا وأخيرا عالم ما بعد الكورونا بسياقاتها السياسية والاقتصادية اعتمادا على ما وقع من احداث مهدت السبيل الى تفكيك بنى الممارسة المتسلطة لقوى منحازة ومدافعة عن الرأسمالية العالمية.

نحن اذا أمام ثلاث عوالم متناقضة متمايزة ومختلفة .ثلاث أزمنة تحيلنا على البنية الاجتماعية كما صاغها المفكر مهدي عامل, حيث ميزها بمرحلة التكون ثم مرحلة التحول وأخيرا مرحلة القطع والتي تتحدد بالمستوى السياسي الاقتصادي والايديولوجي .

سوف نغوص في عالم الكورونا ما قبله وما بعده اعتمادا على هذه المقاربة مع تعويض البنية الاجتماعية بدول أو مجموعات سياسية, لنتحدث على خصوصيات المراحل الثلاث على المستوى السياسي من خلال أهم الاحداث المميزة لكل مرحلة ,لنصل الى تقديم ما نراه ممكن التحقق على ضوء ما تحقق, وربما يكون القول متماهيا مع الطرح الذي قدمه جاك أتالي في كتابه المعنون ب “غدا من سوف يحكم العالم؟”

أولا: عالم ما قبل الكورونا

ما ميز هذا العالم يتجاوز حدود هذه الورقة, لكنه زمن التأسيس والتحالفات الكبرى. مرحلة تقسيم العالم والحروب والخيارات السياسية والاقتصادية التي هندست أبعادا عقلانية لسياسات لا عقلانية ترنو نحو السيطرة ,وجعلت أكثر من نصف دول العالم بمثابة التابع للمركز .أصبحنا أمام ثنائية مركز-أطراف كما وصف سمير أمين: مركز يقرر وأطراف تستهلك وتبرر. هو عالم التوحش الرأسمالي. مختبر نظريات ميلتون فريدمان وهايك وتنظيرات مدرسة شيكاغو, حيث تميل الكفة نحو خلق الثروة على حساب توزيعها وفسح المجال للسوق حتى يلعب دور التعديل وحيث تنحصر المسؤولية الاجتماعية لرأس المال في تحقيق الحد الاقصى من الربح .زمن ريغن وتاتشر وفك الارتباط بين الذهب والدولار. زمن دعه يعمل دعه يمر دعه يتغول ودعهم ينسحقون .

هذا المركز الذي تأسس استنادا الى حداثة ملغومة ومشكوك في ماهيتها’ عاصر وتعامل مع عديد التناقضات والازمات التي وان تركت ندبات عميقة وواضحة جدا على جسده المترهل, الا أنه وجد أنصاف الحلول لتأجيل الحسم النهائي. لكنه لم يتمكن من اخفاء تناقضاته من على سطح المرآة العاكسة لقرارات صناديق النقد والانشاء والتعمير وتصدير الديمقراطية وغيرها .عالم ما قبل الكورونا أو مرحلة التكون بتعبير مهدي عامل هو زمن خاص بانتقال مجتمع ما من نمط خاص الى نمط اخر. وفي هذه المرحلة يلعب الدور السياسي دورا هاما ومسيطرا بالضرورة إضافة الى استبداد الطبقة المتشكلة والمهيمنة .

هذه المرحلة (مرحلة ما قبل الكورونا) هى  مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية .عالم مخطط مارشال لإعادة بناء أروبا وهو زمن تأسيس الاتحاد الأوربي. هو عالم حروب النفط وهجمات 11 سبتمبر والمحافظين الجدد وعودة روسيا من بعيد وصعود الصين .هذه الكيانات السياسية تعيش تناقضات فيما بينها تنذر بشيء ما قد يتجلى بوضوح في مرحلة ما بعد الكورونا .ومن المهم أن نستعرض البعض منها للفهم والتحليل .

1- في تناقضات الجسم الأوروبي: “دول تأسست بعد حرب”. بهذه العبارة وصف الان تورين مجموعة دول الاتحاد الأوروبي . ومع بزوغ سنة 1952 وتأسيس النواة الاولى للاتحاد بتوقيع اتفاقية الفحم في روما, شهد هذا الكيان العديد من الاحداث والسياقات التي عصفت بالبعض من مكوناته: مراجعة فكرية –فلسفية عميقة لمسلمات العقل المؤسس ,عملة موحدة ,دستور موحد سقط بعد استفتاء شعبي, سوق موحدة وغيرها من الاحداث .لم تفلح حركة “ايتا” ولا الجيش الجمهوري الايرلندي ولا حركة العمل المباشر الفرنسة ولا الالوية الحمراء وحتى أحداث الانتفاضة الطلابية (ماي 1968) وحتى المراجعة الفكرية للماركسية والرأسمالية ,كلها لم تفلح في تفكيك جذري لهذا البناء .لكن الملفت أن المحدد الاقتصادي فعل فعله ولو بشكل بطيء في ثنايا هذا الجسم. ويمكن أن نستحضر ما قاله الرئيس الفرنسي ماكرون حول الاتحاد الأوروبي في حوار تلفزي أوله مغدق واخره محرق :”أروبا نسيت أنها مجموعة, بل تصورت نفسها تدريجيا سوقا هدفها النهائي التوسع .والولايات المتحدة تلوح بنظرها نحو الصين, كذلك أروبا بأكملها مهددة بقيام عالم ذي قطبين هما الصين وأمريكا, أما أروبا فمصيرها التهميش “.

فرنسا الرازخة تحت ضغط الملف الاجتماعي الحارق وأطياف السترات الصفراء ليست بأحسن حال من إنجلترا المنسحبة من الاتحاد الأوروبي أو اليونان التي تركت تواجه مصيرها منفردة بعد أزمة مالية خانقة خفف من وخزها الحاد ترياق صندوق النقد الدولي .نضيف الى هذا الذي تقدم ذكره الصراع المفتوح بين ايطاليا وفرنسا حول النفط الليبي وحروب التموقع مباشرة أو بالوكالة  دون اغفال التحالفات والتموقعات بشأن الملف السوري واليمني وجذاذات حقوق الانسان ومنصات الانتقال الديمقراطي الموزعة على أسرة النزل المطلة على نهر السان أو الراين.

اتحاد أسس لهوية وطنية على أساس قاعدة اقتصادية .هذا الرأى الذي تعود صياغته الى الفيلسوف الالماني يورغن هابرماس ,يعبر بعمق على مفاتيح قراءة نقدية لأروبا المتحدة والغير متجانسة, في نفس الوقت يجعلنا نفكر في مالات هذا الجسم المنهك بدول المعسكر الاشتراكي سابقا والمنظمة حديثا الى حدود الاتحاد الأوروبي المغلقة في وجه سكان دول الاطراف .

دول تنتج وتعيد انتاج مواطنيها بطرائق باهتة ومملة من خلال مقولات الدولة –الامة كما كتب المفكر “بيليغ”.

2-في تناقضات الجسم الامريكي: منذ 3 سنوات واثر فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية الامريكية كتب السفير الفرنسي بواشنطن “جيرار أرنو” على تويتر ان العالم ينهار أمام أعيننا .

يبدو كلام الديبلوماسي الفرنسي كاستشراف صحيح يمهد لقراءة تحركات الرئيس الامريكي الذي دشن مرحلة نظام الانظام .الولايات المتحدة الامريكية التي عاشت أحداث 11 سبتمبر 2001 وحركة “احتلوا وول ستريت” انقسمت على نفسها بين مؤيد للعولمة كمستفيد منها وبين من اعتبر أن ما حصل من تحركات اجتماعية هو احد المؤشرات على نهاية هذه الحقبة .هذا الشق الثاني رفع ترامب الى رئاسة الولايات المتحدة الامريكية ليدير مرحلة ما بعد العولمة, حيث لم يمكث طويلا ليقوم بسلسلة من التدابير والاجراءات لعل أهمها :الانسحاب من الاتفاق النووي الموقع مع ايران ,الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ, الانسحاب من اتفاق الحد من انتشار الصواريخ الباليستية الموقع مع روسيا ,فرض ضرائب مشددة على المنتجات الصينية ,دون أن ننسى اتفاقاته مع حركة طالبان وأكراد سوريا .هذه الاجراءات لم ترق الى ممثلي الشق الاول (المحافظون الجدد) الذين اعتبروا بأن ترامب هدية السماء الى بوتين وهو المخرب الجيد لما أسموه “طيف الهيمنة الكاملة” المعبر على عالم أحادي القطب, برز الى الوجود بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لذلك سارعوا نحو اقرار تحركات تهدف الى عزل ترامب وارجاعه الى مكتبه كوسيط عقاري .

اذا ما أردنا الحديث على تناقضات الجسم الأوروبي –الامريكي فان ما صرح به الرئيس الفرنسي ماكرون يغني على أية إضافات أخرى.

أما عن الجانب الاخر لعالم ما قبل كورونا فان المثال الروسي من جهة والصيني من جهة ثانية يعبر بعمق على تصدعات تصيب النموذج الاحادي للعالم .فالصين امبراطورية المليار وثلاث مائة مليون نسمة تشق طريق الحرير الجديد عبر خمس قارات ومرورا على 25 دولة: من لانزو الى سمرقند مرورا بإسطنبول نحو موسكو انعطافا على نوتردام وصولا الى نيروبي .طريق يعانق أمواج المحيط الهادي والبحر الاحمر, بحر البلطيق والبحر الاسود ,البوسفور والمحيط الاطلسي شرقا .الصين بما يخوله لها حق الفيتو وبإمكانيات صناعية وبشرية رهيبة, تناور سياسيا واقتصاديا وتنخرط في حلف مع روسيا لتأسيس مجموعة دول البريكس التي تضم البرازيل والهند وفينزويلا وايران .المارد الاصفر يجبر ترامب على تسليط عقوبات اقتصادية على صادراتها لكنه في نفس الوقت يهنئ الرئيس الصيني بذكرى انتصار الثورة الشيوعية ويشيد بخصال ماوتسي تونغ .بلد العشر بالمئة نمو اقتصادي يواصل سياسات توسع ناعمة وهادئة يدشن من خلالها عالما جديدا قد تتضح معالمه بعد الكورونا.

أما عن روسيا الاتحادية المنبعثة من ركام الاتحاد السوفياتي والمفتخرة بقوميتها وتاريخها كما رسمه ألكسندر دوقين في “مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي ” والمصنف كخارطة طريق ومفتاح التمدد والتوسع لم تتأخر على الحضور في سوريا. روسيا العاشقة لمياه الاذقية وطرطوس وفي ليبيا, والمنتجة لصواريخ “اس 400” والتي تناور جيدا في أمهات الملفات سوف تساهم في اعادة بناء عالم جديد لعله يتكلم الروسية أو الصينية .

ثانيا :عالم الكورونا

هذه المرحلة تقابل برؤية مهدي عامل مرحلة التحول, والتي يسميها مرحلة الزمن البنيوي و تتسم بصراع ايديولوجي كتكثيف للاقتصادي الذي هو أثر الفعل السياسي نفسه .عالم الكورونا زمن صور مرضى الكوفيد وسيارات الاسعاف ,زمن التباعد الجسدي والاقنعة الواقية ومعدات التعقيم .هذا الزمن الموغل في تكريس الفردانية والعودة الى الذات بوصفها وفاءا لحدث الحقيقة بتعبير الان باديو. زمن الاستخدامات الرمزية للوسائط التقنية لما هو سياسي وعاطفي واقتصادي. زمن الهوية الجمعية التي لم يفلح القادة السياسيون في تسييسها, بل رغم سعيهم الى تأكيد نوع من الاحتواء الاجتماعي الا أنهم لم يفلحوا في استعمال منجزات الدولة الحديثة للتعبير عن استعداد هذه الدول لمجابهة ظروف صحية طارئة .

هذه المرحلة قطعت مع مقدسات الدولة الوطنية ومع مسلمات السير الرسمية للدولة الراعية كما أجبرتنا على تغيير العناوين والتصورات مثلما تغيرت وجهات الطائرات والبواخر الحاملة للمعدات الطبية من دولة نحو أخرى.

دول المركز التي حاولت التصدي الى كوفيد 19 ولم تنقطع مختبرات البحث عن محاولات فك شيفرة هذا الوباء لم تغادر كل التحاليل والاستنتاجات جملة واحدة :خفاش صيني. مع اتهامات متبادلة من دولة نحو أخرى لتغذية الشحن الايديولوجي .

دول الاطراف العاجزة بفعل قوانين دول المركز يعيش مواطنوها عزلة فكرية مع الفاعلين السياسيين تنضاف الى العزلة السياسية مع فضائح بالجملة لمؤسسات مهترئة يجمع بين مواطنيها نقطة مشتركة جامعة ولو كحلم استثنائي تقول بان عالم ما بعد كورونا لن يكون كما كان قبل ذلك .عالم موجات دافقة من الذاكرة يقابلها ادارة فاشلة لازمة نجحت في ابراز فشل سياسات التكنوقراط الوطني وقد لا يعني نهاية الكورونا ضرورة نهاية الحلم الاستثنائي والتذكر لهذا الفشل المعولم والحجر الشامل .

ثالثا: عالم ما بعد الكورونا

بقراءة كل ما سبق واعادة تقييمه ونقده وفحص شروط امكان تحققه مضافا اليه بعض المقاربات الخلدونية والماركسية في التاريخ والتغيير الاجتماعي, ثم تحليلا للواقع برؤية سياسية, فان المقاربة سوف تتركز على امكانات أخرى سوف تفعل فعلها في الجغرافيا والاقتصاد. فعالم القوانين الكينزية والفوردية وتوجيهات فريدمان لن تجدي نفعا مع حاجيات جديدة ومختلفة لعالم يتعافى من أزمة سوف ترحل مع كوفيد 19أو سوف يجبرها على الرحيل .ملفات سياسية سوف تغلق من الشرق الاوسط الى أروبا الى افريقيا ومعها تبادلات تجارية ضخمة سوف توقع باليان الصيني أو الروبل الروسي بدلا من الدولار .ودول أو كيانات سياسية تتكتل لترسم خرائط جديدة وعلاقات مغايرة .قد يعاد احياء اتفاقات النفط في ليبيا الموقعة بين شركة “ايني” الايطالية والدولة الليبية كجبر للخواطر الرومانية المكسورة وعزاءا لأهالي من ماتوا بسبب الكوفيد. وقد يتغير الدعم السياسي من طرف الى اخر وتنبعث الروح مجددا في مشروع البحار الخمس الموقع في 2004 والذي يصل البحر المتوسط ببحر قزوين مرورا بالبحر الاسود والمحيط الهادي الى البحر الاحمر من جنوب الخليج الى غرب أروبا الى شمال القوقاز نحو شرق ايران وصولا الى سوريا ليجمع 288 مليون نسمة بلهجة الروبل واليان .حدود سوف تفتح ولو مترا بعد اخر في انتظار تدفق مجموعات مهاجرين لتعويض خسارة اقتصادية كبرى لا يمكن لها أن تستمر .البعض سوف يسقط كفاعل سياسي اقتصادي والبعض الاخر قد يتصدر المشهد وهذه قاعدة ذهبية صالحة بعد كل أزمة اقتصادية كبرى سوف تنتهي رمزية الثور الاسطوري المنتصب في باحة بورصة وول ستريت والمعبر على قوة الاقتصاد الامريكي المستند على عملة فكت ارتباطها بالذهب منذ زمن .كل ما ورد ذكره ليس افراطا في الحلم الاستثنائي بقدر ما هو قراءة لتاريخ الازمات منذ أزمة الثلاثينات حتى أزمة السبعينات وما يرافقها من انعدام الثقة في منوال اقتصادي معولم يستوجب اعادة التقييم وما يصاحبه من تغييرات سياسية كانت في السابق تتطلب حربا. لكن كوفيد 19 قد يجعلها غير موجبة الحدوث ,ولعل السقوط المدوي لرأسمال النهب قد يفرض قراءة جديدة ومتأنية لتوماس بيكتي وكتابه “رأس المال في القرن الواحد والعشرين ” لنحاور كاتبه وننبش عميقا في تناقضات رأس المال وتعيد الاعتبار الى قضية توزيع الثروة وقلب المعادلة التي تجعل من العائد على الثروة متفوقا على معدل النمو الاقتصادي.

تناسب هذه المرحلة مرحلة القطع كما وصفها مهدي عامل وهى مرحلة الهدم لعلاقات الانتاج القائمة لتطفو على السطح تبادلات جديدة وحيث يمارس الفكر تكثيفا لنشاط ايديولوجي يتخذ معنى سياسي .

الى هنا ينتهي القول نهاية وصفية تأويلية والواضح للقارئ أن مرحلة ما قبل كورونا أسالت نصيبا وافرا من الحبر مقارنة بمرحلة الكورونا وما بعدها. قد يبدو ذلك اختلالا على مستوى المنهج لكنه من جانب التقدير الاستراتيجي يبدو صحيحا تماما لان ما عايشناه أثناء الكورونا كان نتاجا لملاحظات عينية مستقاة من تجربة يومية يحكمها واجب احترام الحجر الصحي أما عن عالم ما بعد الكورونا فما وقع استشرافه مقترن بخطوات سياسية من هذا الفاعل أو ذاك لنقوم لحظتها اما بتوسيع التحليل أو تعديله .

وقد يتردد في أرجاء العالم صدى صرخة “دانييل بليك” في الفيلم الحامل لنفس العنوان وبتوقيع المخرج “كين لوتش”:

اسمي هو دانييل بلييك

أنا لست رقما تأمينيا ولا علامة على الشاشة

أنا أطالب بحقوقي

أنا مواطن لأ شىء أكثر ولا شىء أقل

محمد العربي العياري

باحث في الفلسفة

Activiste83@gmail.com

شاهد أيضاً

دلالات مفهوم الرغبة في فلسفة اسبينوزا

محمد المخلوفي محمد المخلوفي           حظيت قضية الرغبة باهتمام فلسفي منقطع النظير، حيث توجهت اهتمامات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *