الرئيسية / منتخبات / عامة / عودة باتمان بطل الظلام (الكوفيد 19)

عودة باتمان بطل الظلام (الكوفيد 19)


عبد الجليل ولد حموية 

عبد الجليل ولد حموية 

شهدت السنة الماضية، 2019، العديد من الكوارث الطبيعية  التي جعلت منها السنة الأكثر كارثية خلال القرن الواحد والعشرين والفترة الممتدة بين 2015 و 2019 هي الفترة الأكثر دفئا على الإطلاق حسب وفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، وصلت الكوارث الطبيعية في هذه السنة إلى 300 كارثة طبيعية، على رأسها حرائق الغابات الأسترالية وحرائق غابة الأمازون التي أكدت للإنسان الحديث أنه في الطريق الصحيح إلى تصديق النبوءات العلمية التي توقعت بأن الإنسان، بسبب غلوه  الصناعي وجشعه غير المبرر، سينهي الحياة على كوكب الأرض، وعلى أهلها ستجني براقش. لكن الكارثة الأكثر بشاعة، كانت على المستوى القيمي-المعياري، هي كارثة تتويج خواكين فينيكس Joaquin Phoenix بجائزة الأوسكار عن دور الجوكر Joker في فيلم يحمل نفس الاسم، بعد تتويجه أيضا بجائزة الغولدن غلوبGolden Globes. وقد عمر على إثر ذلك الجوكر طويلا في وسائل التواصل الاجتماعي، تداول اسمه في الصحافة العالمية بجميع مكوناتها، ملأت صوره واقتباساته الدنيا، وتحول من مريض نفسي داخل الفيلم الى الشخصية الأكثر تداولا حتى من طرف من لم يشاهده، كأن الجميع اختار الانحياز الى جوكر ولو كان شخصية إجرامية والانتصار لمبرراته، باعتباره صناعة اجتماعية، وهذا يذكرنا بالصراع الذي انطلق منذ سنوات داخل السوسيولوجيا ولازال مستمرا حتى اليوم، بين الحتمية الاجتماعية(بقيادة إميل دوركايم Emile Durkheim )  والفعل الاجتماعي ( بقيادة Max weber)، الجميع اختار الاصطفاف الى جانب الوظيفيين ضدا في فيبر ومن تبعه بالسوسيولوجيا الفردانية الى يوم الدين .

هذا الدور الذي لعبه بحرفية عالية الممثل خواكين فينيكس قرع الاجراس الأخلاقية مرة أخرى، وأعاد طرح أسئلة القيم والمعايير، خصوصا وأن الجوكر هو ند باتمان Batman التاريخي، فكان لابد من طرح السؤال: كيف يتضامن العالم مع الشرير وينسى أمر البطل الأسطوري الذي ضحى بحياتك من أجل إنقاذ العالم من بطش الأشرار أمثال الجوكر؟ هل العالم فجأة انقلب رأسا على عقب؟ أم أن مفهومي الشر والخير نسبيين يعيدان تجديد نفسيهما كل حقبة؟ وهل يمكن أن نقول ان قيم الخير والشر هي صناعة اجتماعية وبتعبير بيير بورديو هي إعادة إنتاج المفاهيم والقيم والمعايير التي تجعل من الطبقة المهيمنة مهيمنة بشكل دائم؟ 

الإجابة عن كل هذه الأسئلة الفلسفية ممكن أن تكون موضوع ورقة أخرى. كما أن التفكير في المبررات التي تجعل الانسان يجد أسبابا ليتعاطف الجوكر تقود مباشرة الى الدخول في مقارنات سوسيولوجية عميقة لن يتسع المجال لها في بضع وريقات. لذلك لنرجع الى نقطة البداية، لقد فوجئ الإنسان بفيروس انتقل له من الخفافيش مع بداية العام 2020(بعدما ظن الجميع أنها نكتة صينية صنعت سنة 2019)، نعم الخفافيش عائلة باتمان (الرجل الوطواط)، بسبب رغبة رجل صيني تناول حساء خفاش ساخن كما تقول القصة التي خرجت من الصين مع الفيروس الى باقي دول العالم دون الجدية اللازمة من طرف أكبر منظمة طبية عالمية، كان الجواب على سؤال: هل الصين تأتي؟ هو: أنها تأتي لتدمرك في عقر دارك. الفيروس التاجي الكوفيد 19 أحد أحفاد الكورونا، جاء لينتقم لكل ما تسبب له البشر من خسائر معنوية ومادية لبطل الظلام الشهير. ولحدود كتابة هذه الأسطر لازال الفيروس يبث الرعب في النفوس ويحصد الأرواح، ويستنزف الجهود والإمكانيات، لقد قام بشل الحركة العالمية، وألغى العديد من مظاهر الحياة الاعتيادية، وغرس انيابه عميقا في العمود الفقري للبشرية.

 بالرغم من أن هناك جانب مهم من الصحة في الطرح السابق، لكن هذا الاعتقاد يمكن ان يتقلص لو نظرنا الى الامر من زاوية أخرى، بعيدا عن الأرقام المخيفة التي تتداول وحالة القلق التي تسيطر على المناخ العالمي، التي يتوقع لها أن تنهي نفسية الساكنة العالمية قبل الفيروس. ولنقل ان السبب في الوضع الكارثي هو الإنسان نفسه الذي أهمل المؤسسات الصحية لصالح تقوية المؤسسات الربحية، وهذا له علاقة بالابتعاد زمنيا عن الكوارث والأزمات والعيش لسنوات طويلة في كنف الرخاء الذي يصل الى حد البذخ ربما، هي ضريبة التطور الصناعي بعيدا عن كل الأطروحات التي تصب في نهر نظريات المؤامرة التي تعتمد على أسس قشية عاطفية لتجد لنفسها مكانا.  

على المستوى الماكرو، خاصة بالنسبة لعلاقة الإنسان بالطبيعة، تراجعت نسبة التلوث في العالم وخاصة في البلدان الكبرى المصنعة (تراجع الثلوث في نيوروك مثلا الى خمسين في المئة)، كما سيؤدي انخفاض منسوب ثاني أكسيد الكاربون والغازات المنبعثة من المصانع  بالضرورة الى انخفاض الاحتباس الحراري وعودة السحب والأمطار الخالية من السموم الصناعية، تراجع ثمن البترول لأول مرة منذ اكتشافه إلى أثمنة خيالية بسبب توقف الحركة الاقتصادية العالمية وكذلك غباء احد المتحكمين في سوق الذهب الاسود، تقلص ثقب الأوزون…كما شهدت هذه المرحلة الفاصلة في تاريخ البشرية حسب تعبير العديد من المفكرين، ألان تورانAlain Touraine ، إدغار موران  Edgar Morin، نعوم تشومسكي Noam Chomsky…، مجموعة من القرارات السياسية المفصلية والتي ستظهر نتائجها مستقبلا مثل بوادر انهيار الاتحاد الأوربي وظهور الصين كحليف قوي، بزوغ فجر تحرر الدول الافريقية من الهيمنة الفرنسية خاصة بعض الاقتراحات التي خرجت عاصمة الانوار بإجراء اختبارات على الساكنة السمراء. وهودة العلم بقوة ليقول كلمته ليعوض الشعبوية التي تتحكم في الأنظمة العالمية الكبرى.

أما على المستوى الميكرو، الى جانب التدابير التي أعادت للإنسان مفهوم النظافة والوقاية إلى روتينيه اليومي، عمل التباعد الاجتماعي الى جعل الجميع يتراصون في صفوف أمام المحلات التجارية والأبناك عوض الفوضى التي كانت تعم كل التجمعات في الأماكن العمومية، وساهم وضع الكمامة الواقية من الفيروس في الحد من لغو الحديث كما أنها ذكرت البعض بفضل غسل الأسنان عندما استنشق رائحة فمه الزكية. عمل الفيروس بشكل غير مباشر على تجديد العلاقات الاجتماعية داخل الأسر وإعادة بث روح الحب بين الأزواج، العودة إلى المطبخ كمسؤول أول وأخير عن التغذية والتخلي عن العادات الرأسمالية السيئة، كما وثقت أواصل الصلة بين الآباء والأبناء. كما ساهم ابن باتمان، في التخلي عن العديد من السلوكات التي كانت تساهم فقط في تكريس مظاهر التفاهة بتعبير ألان دونو. كما تميزت فترات حظر التجول الصحية التي تبنتها أغلبية الدول الى تقلص مهم في نسب الجريمة، ولم نعد نتحدث عن الاغتصابات والقتل والسرقات…وانتقلنا الى نوع جديد من المخالفات وهي تلك المتعلقة بخرق حالة حظر التجول الصحية. وظهرت أيضا مظاهر التآزر والتضامن مع الأسر المعوزة قبل خروج الحلول الرسمية الى أرض الواقع. انتقل التفكير من تفكير فردي الى تفكير جماعي، تؤطره مقولة الجميع من أجل الجميع. ولأول مرة في التاريخ يمنح الدعم للأسر المعوزة في بعض البلدان التي كانت تعيش بطبقة واحدة، وظهرت الثورة التي لطالما طرحنا السؤال حول مصيرها.

ان باتمان لم يعد كي ينتقم، وان بدا الأمر كذلك، بل عاد ليذكر الإنسان ان الحياة بلا قيم ستؤدي الى زوال الحياة. ومن لازال في قلبه شيء من الشك، ليراجع عدد الأبحاث العلمية المنجزة مؤخرا، والكلمات المفتاحية في محركات البحث، نسب الزيارة في المواقع والمجلات العلمية/ النقاشات الجارية والمناظرات…حتى الإشاعة تحولت إلى مجال البحث وارتدت ثوبا علميا. وفي الأخير يبقا الشيء المؤسف الذي وجب التحسر عليه هو عدد الأدمغة المغربية التي طردت من المغرب والتي تشتغل اليوم على مستوى عال من أجل إيجاد لقاح للفيروس.

لقد عاد باتمان ليؤكد للجميع انه بطل البشرية الذي يعرف كي ينقذها كما يعرف كي ينهيها بكبسة فيروس.

شاهد أيضاً

الغرب ما بعد الحداثي وعصر المواطنة لايت

عبد القادر ملوك عبد القادر ملوك أكاديمي مغربي ما أشبه ما آل إليه وضع المجتمعات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *