الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / دوائر سلوتردايك Les sphères de Sloterdjik

دوائر سلوتردايك Les sphères de Sloterdjik


محمد محسن الزارعي

محمد محسن الزارعي

بيتر سلوترداك (Peter Sloterdijk.)، هو احد مفكري الفلسفة المعاصرة، ويصنفه البعض بوصفه اهم فيلسوف ألماني بعد مارتن هيدغير، وقد اتسمت كتاباته بنفس نيتشوي، فهو جريئ وطريف ومشاكس وساخر، وهو ما تظهره عناوين بعض كتبه الأساسية، بدءا بنقد العقل الكلبي، ونبضات العالم، وساعة الجريمة وزمن الأثر الفني، والتسمم الارادي. وقواعد من أجل حظيرة انسانية، وتدجين الكينونة، والشمس والموت، وصور العنف، وغيرها…..

غير أن ثلاثيته الطريفة المكونه لأثره الفلسفي الكبير الدوائر(Sphères): فقاعات (Bulles)، وكرات (Globes)، ورغوات (Ėcumes)، تعد من أكثر أعماله تقديما لمضامين فكره ورؤيته النقدية المفككة لأنظمة العالم المعاصر.

الاثر المذكور، بتسميته وإيحاءاته الرمزية، يشير الى توجه لتطوير نوع من علم الدوائر (sphérologie)، علم يعيد تنشيط مفهوم المكان لفهم الإنسان والتاريخ والعالم، وتأكيد فرضية الولوج الى الخارج عبر الداخل. فالأسلوب الدائري يظل عند الكاتب أنموذجا او مثالا لمعرفة كيف ينتج الانسان ذاته انطلاقا من فضائه الحميمي أو أرضه التي هي “رحم الوجود” الذى نشأ فيه. غير أن التفكير الدائري لا يطمح الى أن يكون نسقا،  فهو لا يشرع لزمان مطلق او سرمدي، بل لزمان دائري مضيق كوسمولوجي، يعيد الذات باستمرار الى المكان أو الفضاء.

ينطلق سلوتردايك من مفهوم الدائرة (sphère)  ليضع صيغا جديدة لما به نفكر طبيعة الوجود الاجتماعي والسياسي للانسان في عصرنا الحالي، وهو لا يبدا من تعريفات متداولة بل ينطلق من صور وحركات تتكون عفويا في علاقة مباشرة بالحياة. اذ تشير الفقاقيع ( bulles) الى الخفي، والى الميكرو – دائري تحديدا، الى ما يتكون في علاقة “برغوة” الداخل، فهي فقاقيع لدوائر تحضر عبر نفحات او انبعاثات او انفاس داخلية تعتمل في اطار لعبة نخلص فيها الى خارج انطلاقا من الداخل. وتتخذ تجربة الفقاقيع هنا معنى الدائرة الحميمية وفيها تتجلى معاني القرب والبعد والخاص والخفي… ، وجميعها يشير الى ان العالم لا يتكون من عناصر متجانسة، بل من عناصر متنافرة، فالعلاقات لا تتأسس بين وحدات متناغنة ومتحدة قبليا وثابتة بل هي علاقات أزمة تتبدد وتتجدد باستمرار.

اما الكرات (globes) فتشير الى المرئي الماكرو- دائري، والى الخارج، الى العالم الذي اتخذ اشكالا مختلفة: العالم الفيزيائي- الارضي، وعالم الافكار والمثل ، والعالم الذي خضع الى تفسيرات وتقديرات مختلفة علمية وتيولوجية. فاذا كانت الدوائر الأولى(Bulles) تسمح بتحليل تكون الفضاء الخاص والعوالم الداخلية والحميمية، فإن الدوائر الثانية تساعد على   تحليل مركزية العالم أو الفضاء الخارجي الذي ينتج في “الانظمة الميتافيزيقية الموحدة والمكلينة”. 

اما الحلقة الثالثة في دوائرية سلوتردايك فهي الرغوات l’Écumes، وهي الاهم، اذ هي صورة استعارية تختزل دلالة ممكنة ل”فضاء اجتماعي” معاصر، فضاء لا يتصور الا  في علاقة متوترة مع مفاهيمنا التقليدية حول الدولة وفكرة العوالم الخارجية. فضاءات الرغوات (l’Écumes) صيغة مختزلة لما يجمع الفقاقيع ( bulles) او الدوائر الخفية. فهو مشهد لمجتمع يظل يبحث باستمرا عن تماسكه في ضوء رغبة افراده في ان يكونوا فرادات حرة ومقاومة لكل اشكال تدجين كينونتهم.
السؤال الذي يشغل سلوتردايك كيف يمكن ان نفكر المجتمع اليوم بصفته مجالا لدوائرية متعددة (sphériologie plurielle)، دوائرية تسمح باستيعاب تعدد الكائنات الانسانية، وتتيح امكانية تواجدها معا دون عنف او تنافر زائد؟
لعل التجاء الكاتب الى هذه الاشكال الدائرية، هو محاولة منه لتشخيص حالات الصراع بين الفضاءات الخاصة bulles و الفضاءات العامة ecumes، واستخلاص بيانات جديدة حول مهام الفلسفة والعلوم الانسانية اليوم لاستيفاء  شروط تفكير ما يسمح بانفتاح الكينونة في مجتمعات وحضارات تتطور فيها فردانيات تنبذ الاندماج ، وتخوض الصراع لتحقيق هامش من الانفصال والانعزال والتهديم والانهمام بالخصوصيات، وتنويع دوائر الحريات. ولكن ما العمل بعد ان تجاوزت  الانسانيات نفسها لتصبح انسانيات بعدية؟ ماذا يمكن لعالم الاجتماع ان يفعله بعد ان تبينت لنا صعوبة احتواء حاجات الافراد ضمن ما اصطلحنا عليه تقليديا بمؤسسسة “المجتمع”؟ ثم ما الذي قد تفعله انسانية فقدت ثقتها في التربية والاخلاق بعد ان تبين انها منخرطة حتى النخاع في ثقافة التدجين؟ 
يقر سلوتردايك أن العلاقات “الانسانية” اصبحت هشة، في ضوء تطور متسارع تحولت  فيه الفردانيات الى ايديولوجيا مفضلة، بل الى آخر الايديولوجيا الممكنة. ولكنها تطورات لا يمكن تصورها الا في ضوء  تنامي نوع من التحصين ونزعة الى شكل من الحمائية، وذلك  لتنامي شعور الافراد بالهشاشة وامكانية الانهاك. على الفلسفة ان تواصل تحليلها وعملها النقدي ضمن هذا الوضع الجديد الذي تتزايد فيه  اشكال الانعزال والمقاومة والممانعة لكل هيمنة قائمة او مرتقبة. افعال تبديها الفقاقيع bulles، لوجودها الهش الذي يجعلها “تفرط في اليقظة، والذكاء، والعواطف”. ولذلك فهي تتطور داخل فضاءاتها المشتركة (Écumes)، فضاءات خاصة في شكل دوائر حماية(sphères de protection). دوائر  تحمي الافراد بصفتهم اجسادا حية.
وما يمكن الانتهاء اليه، هو ان التجاء سلوتردايك الى استعارة الرغوات ( Écumes)، لا يمكن فصله عن  تحليله للتحول الكبير الذي فقد فيه المجتمع وحدته، فوحداته الهشة (bulles) ترفض الدمج وتوجد في وضع هو اقرب الى التشظي  والانعزال، فهي لا “تتعايش الا بالتجاور”. وهي في حياتها المتشظية تشبه كثيرا صورة حياة الجزر، وذلك في اشارة الى فضاءاتها التي تكاد تنغلق على نفسها، ولا  تحافظ الا على حد ادنى من الانفتاح. وضمن مشهد التعايش عبر التجاور تظهر رغبة في تطوير الفضاءات الداخلية وتنشيطها وحمايتها من انتهاكات الخارج المنتظرة. ففكرة الدائرة تبقى عند سلوتردايك تخريجة جديدة للتفكير وابداعيته واسلوب مستطرف لتصور اشكال حماية الكائن وتحصينه: يكتب سلوتردايك ما يلي: “يمثل الوجود في الدوائر بالنسبة الى الانسان وضعا اساسيا…. وضعا ينبغي ان يثبت، ويرتب، ويحتد باستمرار ضد استفزازات الخارج. فالدوائر بهذا المعنى هي دوما بنيات مورفو- حمائية. والبشر لا يمكنهم توسيع مسارات توالدهم وتطوير فردياتهم، الا داخل بنيات حمائية مبدعة لفضاءات داخلية” (Sphère III, Écumes)

شاهد أيضاً

دلالات مفهوم الرغبة في فلسفة اسبينوزا

محمد المخلوفي محمد المخلوفي           حظيت قضية الرغبة باهتمام فلسفي منقطع النظير، حيث توجهت اهتمامات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *