الرئيسية / منتخبات / عامة / في الحاجة الى أنظمة عمل عادلة او في أوجه الدفاع عن العدالة الاجتماعية

في الحاجة الى أنظمة عمل عادلة او في أوجه الدفاع عن العدالة الاجتماعية


صالح محفوظي

معهد شوقي النصري بمنزل بوزيان.

   Mahfaudhisalah2014@gmail.com

ملخص:

نتناول في هذا المقال ثنائية العدالة والنجاعة في علاقتها بمشكل العمل، فنطرح سؤال المسالة الاجتماعية الأهم وهو كيف السبيل الى إرساء أنظمة عمل عادلة؟ وهو السؤال الذي يجر وراءه أسئلة كثيرة من قبيل ما اذا كان بإمكاننا ان نحدد وبدقة أسس عدالة تمثل معيارا للحكم على أنظمة العمل ؟ هل تحقق النجاعة ـ التي تمثل هاجس المجتمعات المعاصرة ـ نظام عمل عادل؟ كيف توزع الثروة في المجتمع؟ نستعيد سؤال النظامين الرأسمالي والاشتراكي وما اذا كان بإمكاننا اليوم ان نتحدث عن نظام الدولة التي تخطط المشاريع الاقتصادية فتخطط تبعا لذلك أنظمة توزيع الثروة في المجتمع؟ أي معنى للعدالة الاجتماعية كشعار نرفعه أغلب الاحتجاجات في العالم؟ وباي معنى يمكن ان نفهم ما يرفع اليوم في الفلسفة السياسية من شعارات ” النجاعة العادلة ” و ” العدالة الناجعة ” ؟ حوار الليبراليين الجدد مع الليبرتاريين من جهة والجماعاتيين من جهة ثانية. مع مشكل السعادة في دولة الرفاه المعاصرة.

الكلمات المفتاحية:

النجاعة، العدالة، الليبرالية، الرأسمالية، الاشتراكية، الرفاه، الانصاف.

1 – العمل ومطلب النجاعة الإنتاجية

العمل نشاط انساني منتج، وليس وجود الانسان الا ليعمل فالطبيعة تحتم انجاز مهمات تشبع حاجات هذا الكائن: ليس ثمة في تقديرنا ابسط من هذه العبارات للتعبير عن قيمة العمل بالنسبة للإنسان وموقعه في الحياة الاقتصادية لهذا الكائن. اما إذا أردنا ان نجعل الامر أكثر تعقيدا فلننظر في أسس علم الاقتصاد السياسي: الحاجة والندرة والإنتاج والتبادل والقيمة، هي المفاهيم المحيطة بواقعة العمل.

ـ العمل نشاط يتم بواسطته تحويل عناصر الطبيعة الى عناصر استهلاكية أي عناصر قادرة على اشباع حاجات.

ـ الحاجة في الاقتصاد مرتبطة بعامل الندرة.

ـ الندرة هي واقع او حالة غياب العناصر المشبعة للحاجات وهي في عالم الاقتصاد ندرة طبيعية وندرة مصطنعة.

ـ تحويل عناصر الطبيعة من مواد خام الى مواد استهلاكية هو الإنتاج.

ـ الفرد ينتج أكثر من حاجته، وإذا أنتج كل فرد أكثر من حاجته عنصرا طبيعيا معينا احتاج الى تبادل هذا العنصر مع فرد اخر أنتج عناصر استهلاكية أخرى وذاك هو التبادل.

ـ التبادل يتم وفق معايير يتم من خلالها تحديد أهمية موضوع التبادل وتلك في الاقتصاد تسمى القيمة.

ـ نميز في الاقتصاد بين القيمة التبادلية والقيمة الاستعمالية وتعني الأولى أهمية موضوع التبادل في العملية الاقتصادية اما الثانية فتحيل الى أهمية الموضوع الاستهلاكي بالنسبة للمستهلك (ليس للهواء قيمة تبادلية رغم ارتفاع قيمته الاستعمالية).

ـ ان ما يحدد القيمة اذن ليس الأهمية الاستعمالية او النفع بل عوامل أخرى من قبيل الندرة والمجهود المبذول للإنتاج وغيرها.

يكشف كل ما سبق انه لا امكان للحديث عن العمل كنشاط اقتصادي خارج مطلب أساسي للإنسان هو مطلب النجاعة، وإذا ما أردنا ان نبسط المفهوم فان النجاعة هي استعمال أفضل الوسائل في أسرع الأوقات بأقل التكاليف من اجل انتاج اوفر وأكثر جودة. العمل الناجع اذن هو المجهود الأدنى المحقق للإنتاجية الاوفر.

والسؤال كيف السبيل الى تحقيق الوفرة الإنتاجية؟

يقتضي تحقيق هذا الهدف تطوير وسائل العمل واهمها التقسيم التقني للعمل، بدايات تطوير أساليب العمل، آلية يتم بمقتضاها الانتقال من العمل كمهمة فردية الى العمل كنشاط جماعي منظم ومهيكل، ولعل مثال صانع الدبابيس الذي تغنى به آدم سميث ( وأثّمه أغلب نقاد النجاعة الرأسمالية منذ ماركس الى مدرسة فرنكفورت ) هو خير مثال : بدلا من القيام بجميع المهام التي تقتضيها عملية صنع المسمار بمجهود عامل واحد تقسم المهام فيشترك 18 عاملا في صنع المسمار كل حسب اختصاصه وكل حسب مهارته وكل في موقع محدد. ان تقسيم العمل تقنيا هو أكثر وجوه تطوير العمل تقليدية، ولكنه الأساس الذي عليه به سيتطور العمل المختص في مصانع السيارات والآلات الميكانيكية وغيرها مما يقتضي دقة في العمل وسرعة في الإنجاز.

يضعنا نظام العمل الناجع ضمن سياق اقتصادي يتم التركيز فيه على ما لهذا النظام من انعكاسات إيجابية على الفرد والمجتمع كليهما: بقدر ما ينتج العمال أكثر بقدر ما تنجح المؤسسة في تحقيق أرباح اهم تنعكس إيجابا على العمال وعلى المجتمع الذي ينتمون اليه، على العامل بمزيد من الامتيازات التي ستشجع على مزيد الإنتاج، وعلى المجتمع بتحقيق الوفرة الإنتاجية التي تقضي على الد أعداء الحاجة ونعني الندرة.

يقول آدم سميث:

” ان الاستمرار في الإنتاج بتكاليف اقل يمكن من البيع بأكثر ربح… وان اختراع عدد كبير من الآلات التي تسهل العمل وتختصره تمكن انسانا واحدا من القيام بمهمة عدد كبير من الناس”.

ويقول أيضا:

” ان الزيادة الكبيرة في منتجات مختلف الحرف والمهن الناتجة عن تقسيم العمل تؤدي في مجتمع سليم القيادة الى حالة من الرفاهة العامة التي تسري الى آخر طبقات المجتمع”.

العمل بصورته هذه اذن هو تلك الفعالية الاقتصادية التي بواسطتها يتحقق نماء الخيرات للأفراد والمجتمع: للأفراد من جهة الوفرة الإنتاجية التي تحرر الانسان من قيود الندرة والحاجة وللمجتمع بتحقيق الرفاه العام.

مجتمع الرفاه: مجتمع يحقق لأفراده دخلا ثابتا، تغذية، رعاية طبية، تعليما، سكنا، عملا، وخدمات رفاه خاصة كوسائل الترفيه والتسلية والعطل.

الرفاه اذن هو وفرة الإمكانيات المادية والوسائل التكنولوجية الكفيلة بضمان الراحة ورغد العيش.

السؤال: هل يوفر العمل في وجهه المحكوم بالنجاعة سعادة الفرد والمجموعة؟ هل تضمن النجاعة في العمل وجهه الإنساني؟

2 ـ العمل والمسالة الاجتماعية

ما هي انعكاسات مطلب النجاعة في العمل على هذا النشاط وعلى ابعاده الإنسانية؟

ما هي وضعية العامل في نظام العمل المأجور المحكوم بمنطق الربح والمردودية؟

ما هي التحولات الاجتماعية الحاصلة في المجتمعات الصناعية ـ الاستهلاكية المعاصرة؟

هل وفرت الحضارة الصناعية الرأسمالية ما بشرت به من رفاه وسعادة وامن؟

تمر اجابتنا على السؤال الأول بقراءة نقدية لتقسيم العمل نجد أفضل تعبير عنها عند هنري أرفون في كتاب له بعنوان ” فلسفة العمل “. يقول:

” ان تفكيك العمل يتيح زيادة مذهلة في الإنتاج، فهو يقوي سيطرة الانسان على المادة، ولكن هذا الانتصار على الطبيعة الذي حققته الآلة يسيء الى الجوهر الاجتماعي للعمل، ذلك أن العلاقات الإنسانية تنحط الى مجرد علاقات تقنية بالنسبة للعامل الذي تحدد ضرورات الالة فاعليته حصرا”.

ـ العمل يفصل العامل عن المجتمع ليشده الى الالة.

ـ العمل لا يعبر عن التكافل الاجتماعي.

ـ العمل أصل التفكك الاجتماعي.

ـ فصل العمل اليدوي عن العمل الذهني.

ـ نزع الطابع الاجتماعي التضامني للعمل.

ـ نزع البعد الإنساني عن نشاطات الكائن البشري وتحويلها الى حركات ميكانيكية.

يقول برودون:

” لقد أصاب الاخلاقيون في احتجاجهم على تقسيم العمل الذي يبلغ حدوده القصوى، فما هذا الانسان الذي يعرف غاية ما يعرف سر تدوير آلة من الآلات أو حمل سلة كبيرة أو سحق ملاط أو صنع جزء من ثمانية عشر جزء من الابرة؟ أترى ما يملأ الشرط الأساسي للعمل في أن نحيل المنتج على هذا النحو الى دور مطرقة او نابض او جناح طاحون”.

ان هذا العامل الذي يكتفي بإنجاز ابسط المهمات يتحول هو نفسه الى آلة، مستسلما لحركات روتينية ينجزها بشكل لاإرادي.

ان تقسيم العمل او العمل المأجور او نظام العمل في نمط الإنتاج الرأسمالي يكشف عن مساوئه من الناحية الاجتماعية.

يقول ماركس:

” كلما انكب العامل على العمل غدا العالم الغريب المفارق الذي يخلقه أمامه عامل أقوى وصار هو ذاته أفقر وتضاءل باطراد امتلاكه لعالمه الداخلي”.

انه الاغتراب الذي مثل بالنسبة لماركس قدر تاريخ الإنسانية والذي بشر بزواله بقيام نظام بديل عن الرأسمالية هو النظام الاشتراكي.

ان العامل في النظام الرأسمالي يبيع مجهود عمله خاضعا لقوانين العرض والطلب، فيفقد بذلك استقلاليته بل يفقد انسانيته.

يقول ماركس:

” ان ما يفقده العمال الجزئيون يتكثف امامهم في راس المال، وان تقسيم العمل في المصانع يجعل قوة الإنتاج الفكرية خصما لهم مثل تملك الاخرين ومثل السلطة التي تهيمن عليهم، وقد بدأ هذا التمزق بالبزوغ في التعاضدية البسيطة حيث يمثل الرأسمالي الوحدة وإرادة الجماعة العاملة بإزاء العامل المنفرد، وهذا التمزق يتسع في المصنع الذي يشوه العامل تشويها يجعله يرجع الى جزيء، ويبلغ هذا التمزق مداه أخيرا في الصناعة الكبرى التي تجعل العلم قوة إنتاجية مستقلة عن العمل ومجندة في خدمة رأس المال”.

ان واقع العمل في النظام الرأسمالي هو واقع الاستغلال الاقتصادي، واقع فائض القيمة المنتج للربح الذي يجعل راس المال منتجا على حساب مجهود العامل. واقع تتسع فيه الهوة بين الطبقات الاجتماعية الى الحد الذي تصبح فيه الطبقة الأضعف ملزمة ـ وضمن حتمية اجتماعية لا قدرة لها على التخلص منها ـ مجرد خادمة للطبقة الأقوى، بل ولا امكان عندها لاستمرار بقائها الا بواسطة هذه العبودية ومن خلالها.

ان هذا الواقع لا ينعكس سلبا على العامل وحده ولا على طبقة العمال وحدها بل على الإنسانية جمعاء.

أليس شرط إنسانية العمل ان يستند الى مبادئ عادلة؟

3 ـ العمل ومبدأ العدالة

اذا كانت الفلسفة الماركسية قد كشفت عن مظاهر فشل المشروع الرأسمالي منذ بداياته في قراءتها لواقع العمال في بدايات الثورة الصناعية وما آل إليه الواقع الاجتماعي من تناقضات وتمزق، فان قراءة أخرى ارتبطت بالجذور الماركسية نفسها قد قاربت وضع البشرية خلال الحربين العالميتين وما تلاهما هي قراءة الفلسفة النقدية لمدرسة فرنكفورت، نتحدث هنا عن مشروع فلسفي كانت بدايته مع نشأة ” معهد فرنكفورت للبحوث الاجتماعية ” وتطور الى مدرسة ذات توجهات نقدية اهم اقطابها ماكس هوركهايمر وتيودور ادورنو وهربرت ماركوز ويورغن هابرماس وربما حنا آرندت بوجه من الوجوه.

كشفت هذه المدرسة في قراءتها لواقع الحضارة الصناعية المعاصرة والمجتمعات الاستهلاكية التي انتجتها هذه الحضارة عن اشكال الخلل التالية:

ـ عقلنة القهر والتسلط:

يقول هربرت ماركوز في أشهر مؤلفاته، كتاب ” الانسان ذو البعد الواحد “:

” عندما كان المجتمع البرجوازي على مستوى منخفض من حيث قواه الإنتاجية، لم تكن توافرت لديه بعد الوسائل التي تتيح له التحكم في الروح والعقل الا اذا شوه هذا التحكم ووضعه على طريق العنف الإرهابي. أما اليوم فان التحكم التام ضروري ووسائله متوفرة للإرضاء الشامل للجماهير، وابحاث التسويق وعلم النفس الصناعي ورياضيات العقول الالكترونية وما يسمى بالعلاقات الإنسانية، كلها الوسائل التي بفضلها يتحقق الانسجام والتناسق بين الفرد والوضعيات الفردية للمجتمع، أي بين الاستقلال والخضوع بطريقة غير إرهابية، ديمقراطية، تلقائية، آلية”.

تحولات خطيرة حكمت واقع المجتمعات الاستهلاكية المعاصرة يمكن تلخيصها في التالي:

ـ قهر يمارس على الانسان في كليته.

ـ مجتمع صناعي يسيطر على الانسان كما يسيطر على الإنتاج.

ـ السيطرة أصبحت امرا يدافع عنه ضحاياه.

ـ التنظيم البيروقراطي للشأن العام بوجهيه الاقتصادي والسياسي.

ان أخطر ما في هذا المجتمع هو تحول الطبقة العمالية الى مجرد قوى انتاج مدجنة تدافع مع الطبقة البرجوازية عن الوضع القائم وتؤبّده على عكس ما كان يعتقد ماركس من تحول هذه الطبقة الى قوة مقاومة قادرة على تفجير الوضع والثورة عليه.

ـ تمدية ( جعله ماديا ) الواقع الإنساني وتحويل الانسان الى مجرد قوة انتاج/استهلاك

يقول هربرت ماركوز:

” ان المنتجات ذاتها ووسائل الاعلام الجبارة والسلع المخصصة للمسكن والملبس والمأكل وأدوات الترفيه البارعة، تحمل معها اتجاهات وعادات مفروضة مقدما وتؤدي الى استجابات ذهنية وانفعالية تربط المستهلك بالمنتج وبالمجتمع ككل. فالمنتجات تسيطر وتبث عقيدة معينة، وتبعث وعيا زائفا لا يدرك أحد زيفه. وبانتشار نفع هذه المنتجات بين طبقات اجتماعية أوسع، تصبح عقيدتها أسلوبا في الحياة لا مجرد دعاية، ويحارب أسلوب الحياة هذا كل دعوة الى التغيير الاجتماعي، ونتيجة لانعدام أفكار التغيير يصبح الفكر والسلوك ذا بعد واحد، ترفض فيه الأفكار الاماني التي تتجاوز نطاق ما هو موجود”.

يتحول العمل مثلما رصدت مدرسة فرنكفورت الى مجال للاغتراب وهو نفس الموقف الماركسي لكن الماركسية تثق بالوعي الثوري للبروليتاريا، اما ما كشفت عنه النظرية لمدرسة فرنكفورت هو انه لم تعد ثمة طبقة ذات وعي ثوري بل مجرد أدوات في خدمة نظام بيروقراطي موجه بدقة. لقد كشفت احداث ما بعد الازمة الاقتصادية لسنة 1929 ودمار الحربين العالميتين ان الرأسمالية قد انشبت انيابها في مجتمعاتنا مستندة ترسانة بيروقراطية، إدارات ومؤسسات واشخاص جميعها تنظر الى بعضها باعتبارها مجرد أشياء.

يقول إريك فروم:

” الناس الذين يخضعون للبيروقراطية هم أشياء، لا ينظر إليهم البيروقراطيون نظرة حب او كره، وانما نظرة غير شخصية، فالمدير البيروقراطي يجب ان يفقد مشاعره كانسان طالما يمارس عمله المهني، ويجب ان يعامل البشر كأرقام وكأشياء”.

ان المجتمع الذي انتجته الرأسمالية هو المجتمع الاستهلاكي بكل سلبياته: فاذا كان الاستهلاك في المجتمعات التقليدية مجرد وسيلة يضمن بها البشر بقاءهم فان الاستهلاك في المجتمعات المعاصرة غاية في حد ذاته. ان الانسان معاصر انسان ” مصاب بجوع الاستهلاك ” على حد عبارة أريك فروم.

لقد حقق المجتمع الصناعي وفرة إنتاجية لابد ان توازيها وفرة استهلاكية يحركها جنون الاشهار بما فيه من تكييف للذوق وتنميط للسلوك. وإذا المشكل من وجهة نظر نقدية في الاستهلاك، فان الوجه الثاني للمشكل كامن في وقت الفراغ: وقت الترفيه والتسلية، الأفلام والمسلسلات واللعب سلع يوظفها النظام الاقتصادي من اجل مزيد الربح ومزيد السيطرة.

ان كل ما سبق يؤسس لنمط جديد من التعقل يضع نصب عينيه الربح والمردودية والثروة والمنفعة والعلاقات المادية أصلا ومبدأ. وتلك مظاهر ازمة المجتمعات المعاصرة ومظاهر فشل مشروع التقدم والازدهار الذي بشر به فكر التنوير.

أي عدالة يمكن أن تمثل حلا للخلاص من هذه الازمة في مختلف ابعادها؟

نستعيد إجابة على هذا السؤال التصورات الماركسية التي رسمت ملامح مشروع تكشف فيه مستويات التناقض في النظام الرأسمالي (وفي مختلف التشكيلات الاجتماعية التي كشفت عنها المادية الجدلية) وتصور نظام اقتصادي بديل هو النظام الاشتراكي.

كيف نفهم خصوصية هذا النظام كبديل ممكن للنظام الرأسمالي؟

كيف نفهم ابعاد العدالة التي تمثل ركيزة هذا النظام الاقتصادي؟

لكن، إذا كان هذا النظام نموذجا للعدالة الاجتماعية، فما الذي يفسر انهيار اغلب الأنظمة المستندة اليه؟

هل مازال بإمكاننا اليوم ان ندافع عن الاشتراكية؟

أي موقف يمكن ان نتخذه من هذه البدائل النيوليبرالية القائمة على العدالة كإنصاف كما عبر عنها جون راولس مثلا؟

تقوم الاشتراكية في أكثر اشكالها تقليدية على الأسس التالية:

ـ الحد من الملكية الفردية لوسائل الإنتاج.

ـ تكفل الدولة بالتخطيط الاقتصادي.

ـ الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج.

ـ اعتبار ناتج العمل ريعا مشتركا لجميع افراد المجتمع.

ـ تكفل الدولة بضمان شروط العيش لجميع افراد المجتمع على قدم المساواة وبعيدا عما قدمه هؤلاء الافراد للمجتمع.

ـ اعتبار العمل واجبا يجب ان يضطلع به الفرد بالاشتراك مع بقية الافراد، لا مجرد حق يسعى الفرد الى الحصول عليه في مواجهة واقع البطالة (كما في المجتمعات الرأسمالية).

كشفنا في النقاط السابقة عن اهم أسس النظام الاشتراكي، رغم اختلاف التطبيقات، ورغم اختلاف المواقف من عملية الإنتاج وشروطها، الا ان المشترك في اغلب التجارب هو الاستناد الى معنى معين للعدالة قوامه تساوي الافراد امام حقوقهم وواجباتهم، وبالتالي التعامل مع الفرد باعتباره عضوا في المجتمع بعيدا عن اعتبارات مقدار النفع الذي يمكن ان يحصل للمجتمع من أفراده. ان المجتمع في الأنظمة الاشتراكية لا ينظر الى الافراد باعتبارهم ذوات مفردة تسعى كل ذات الى مصلحتها الفردية، بل باعتبارهم كيانا عضويا يشتغل كل فرد باعتباره عضوا في جسم تحركه حاجة الجسم ككل قبل حاجته الفردية، بل ان الجسم وحده هو الذي يقدر حاجات الأعضاء ومتطلبات استمرار وجودهم.

تصور للعدالة باعتبارها مساواة أو تكافؤ: لا فرق بين الأفراد مادام الموجه الأصلي لجميع نشاطاتهم هو متطلبات الجسم الاجتماعي في كليته.

تصور يعيدنا الى السؤال الارسطي الشهير: ” هل من العدل أن نعطي نفس الاجر لعاملين لا يبذلان نفس المجهود؟”.

وهو السؤال يجد ترجمته المعاصرة عند جون ستيوارت ميل: ” هل من العدل أم لا أن تمنح المهارة أو الموهبة الحق في جراية أرفع في مجتمع تعاوني؟”.

يحتاج معنى العدالة الى مراجعة عميقة ستتكفل بها الفلسفة السياسية الامريكية من خلال حوار بين أنصار الليبرالية المحافظة اللذين يرون انه لا حق للدولة في التدخل في الشأن الاقتصادي، وأن كل مساس من مستويات التنافس او المبادرة او الملكية هو مساس من الحرية الفردية: أقدس مقدسات الفكر الليبرالي، من جهة، والتوجه الجماعاتي الأقرب إلى الاشتراكي كما عبر عنه مايكل صاندل كمثال، من جهة ثانية، وبينهما تم بناء ” نظرية في العدالة “، نعني أشهر أعمال جون راولس، من جهة ثالثة.

سنفصل الأمر في ما سبقت الإشارة اليه كالتالي:

ـ التوجه الليبرتاري أو الليبرالية الكلاسيكية المحافظة: يمثله للذكر لا للحصر روبرت نوزيك صاحب كتاب ” الفوضى والدولة واليوتوبيا ” الذي صدر سنة 1974 ليعيد الى السطح النقاش الاكاديمي حول الحرية الفردية، نذكر أيضا فريدريك هايك، عالم الاقتصاد النمساوي الشهير والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، واستعادته ـ بشكل جديد ـ لمقولة ” اليد الخفية “ التي مثلت دعامة الحرية الاقتصادية عند آدم سميث.

اذا لم يكن من العدل أن يتمتع رأسمالي بما انتجه العمال في مصنعه، فانه ليس من العدل، ووفقا لنفس المبدأ، أن يتكفل المجتمع برعاية شخص معاق لم يستفد منه المجتمع بل مثّل عبئا عليه. العدالة اذن هي أن يتمتع كل فرد على قدر ما يقدمه للمجموعة، وان يترك الضعفاء والفقراء والمعاقون لقدرهم، اذ ليس ثمة أي مبدأ يحتم على المجموعة الاهتمام بهم، بل من التعسف ان تتكفل الدولة برعايتهم.

ـ التوجه النيوليبرالي أو الليبرالية الجديدة: ابرز مثال على هذا التوجه نجده عند جون راولس في نظريته في العدالة التي اكد فيها على ضرورة المحافظة على مزايا النظام الليبرالي مع مراجعة وجهه السلبي خاصة من زاوية الفئات الضعيفة التي سحقتها الالة الرأسمالية: اذا كان لابد من إرساء نظرية في العدالة، فلابد من شكل من التعاقد ينتظم فيه المتعاقدون من اجل البحث عن مبادئ النظام العادل، واذا كان لابد من تعاقد فشرط التعاقد ان يكون المتعاقد جاهلا بوضعه او واقعه، ” حجاب الجهالة “، وضع افتراضي يتم داخله تمثل مبادئ العدالة دون ان يوجه كل فرد من المتعاقدين هذه المبادئ لفائدته.

” يجب ان يكون لكل شخص في المقام الأول حق معادل للنظام الأكثر انتشارا للحريات الأساسية التي يتساوى فيها الجميع، ويجب على اشكال التفاوت الاجتماعي والاقتصادي ان تكون في المقام الثاني منظمة على نحو يجعلنا قادرين على ان ننتظر منها ان تكون في آن واحد لصالح كل فرد وأن تكون مرتبطة بمواقع ووظائف مفتوحة للجميع”. جون راولس، ” نظرية في العدالة “

تقوم العدالة على مبدأين:

أولهما، مبدأ المساواة في نسق الحريات الأساسية. الحرية اصل ومبدأ ولا يمكن التفريط في الحرية من اجل العدالة ـ كما ذهب انصار التوجهات الاشتراكية ـ  بل لا عدالة الا في ظل تساوي الحق في الحرية.

ثانيهما، اذا كان لابد من تفاوت، وهو الامر الذي لا فكاك منه، فلابد ان تكون التفاوتات في خدمة الفئات الهشة والضعيفة والاقل حظا.

معنى ذلك اذن اننا امام دلالة للعدالة ترسيها على شكل من التفاوت الموجه لفائدة الفئات الضعيفة في المجتمع.

ـ التوجه الجماعاتي أو الاندماج الاجتماعي في مجتمعات التنوع الثقافي: يجد هذا التوجه تعبيرته الاوضع عند مايكل صاندل في نقده لنظرية العدالة عند راولس، كما نجد ارهاصات تصور جماعاتي للعدالة عند تشارلز تايلور في مقاربته لمشكل التنوع الثقافي وآليات الاندماج الاجتماعي في المجتمعات متعددة الاثنيات، كما نجد أثر هذا التوجه في فكر عالم الاقتصاد الهندي أمارتيا سن في مقاربته لمشكل العدالة من وجهة نظر ثقافية: ان مشكلات المجتمع المعاصر ليست مجرد مشكلات اقتصادية طبقية، ان وراء هذه المشكلات اشكال من العلاقات التي نحتاج الى فهمها وتنظيمها مثل علاقات الجنوسة والعرق والاثنية بل والصحة والاعاقة، ولون البشرة، وغيرها، وهي العلاقات التي تؤثر بعمق في الوجود الاجتماعي المشترك للأفراد.

ان نظرية في العدالة ضمن هذا التوجه لابد ان تتأسس باعتبارها الإحساس المتنامي بالاجتماعي، وهي نظرية تجد التعبير عنها اليوم في الحركات الاحتجاجية، ومناهضة العولمة أو العولمة المضادة، ” حركة “ لا تحمل سمات الحزب ولا الجمعية، بل التنظيم الذي تحركه مبادئ مشتركة لعل أهمها هذا الدفاع عن الاجتماعي باعتباره نسيج وجودنا كبشر، والدفاع عن الأرض باعتبارها السياق الذي منه نستمد معاني انسانيتنا.

ان نظرية في العدالة اليوم ليست مجرد مقولة اقتصادية، بل مجال تقاطع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي وغيره. فهل من معنى للعدالة بمعزل عن معاني الحق والواجب والمواطنة والسعادة والخير والفضيلة؟

شاهد أيضاً

اسم الفيلسوف عند العرب بين «أعلى العليّين» و«أسفل السَّافلين»

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين أوديسَّا الفلسفة في تاريخ البشر محفوفة بالمزالق والمهالك؛ فهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *