الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / صُورةُ المرأةِ بينَ ظِلَّينِ وَوَهَجٌ!

صُورةُ المرأةِ بينَ ظِلَّينِ وَوَهَجٌ!

عبد الرحمن بسيسو

للتأصيل النَّظري المفهوميِّ، مقروناً بالتَّنزيل الواقعي العمليِّ، لمفهوم الهُوية الإنسانية، تلك التي يقف الرَّجل والمرأة على ضفتيِّ نهرها المُتَقَابلَتينِ، والمتداخلتينِ في مجرى تفاعل ثَريٍّ  تنسربُ مساراته عبر انسيابية الماء الجوهري الواحد الذي ينداحُ عليهما فَيُكْسبهما الجوهر نفسه؛ لهذا التأصيل المقرون بتنزيلٍ فعليٍّ في واقع الحياة المجتمعية الإنسانية، أنْ يُمَكِّن النِّسَاءَ، مثلما لَهُ أنْ يُمَكِّن كلَّ إنسان إنسان من الرِّجال، من جَعْلِ الاقتناع بالحُرِّيَّات الأسَاسِيَّة، وبحُقُوق الإنسان، وضمنها، وفي ترابط وثيق معها، حُقُوقُ المرأة، مبدأً راسخاً في الوعيِّ الإنسانيِّ الحُرِّ، اليَقِظ، والمُنْفَتِح على التَّجدُّد الدَّائم.
وإلى ذلك، فإنَّ لإدراك حقيقة أنَّه ليس للنِّسِاء أنْ يَتَمَكَّنَ، أو لِمُنَاصري قضية المَرَْأة من الرِّجال أنْ يَتَمَكَّنُوا، من إحراز أيِّ تقدُّم في هذه القضية، إِلَّا باستعادة الحُقُوق اللُّغوية والثَّقافية التي جُرِّدَتِ المرأةُ منها، وحُرِمَتْ منَ التَّمتُّع بها، وحِيلَ بينها وممارستها على امتداد تاريخ طويل، وإِلَّا بذهاب المرأة نفسها نحو انتزاع حَقِّها في ممارسة دورها اللُّغويِّ والثَّقافيِّ، وفي إعادة رسم صورتها بنفسها، في اللُّغة، وفي الثَّقافة، وفي الوعيِّ المجتمعيِّ الجَمْعيِّ؛ إلَّا أنْ يدفعَ المرأة والرَّجل إلى الانخراط الجادِّ في العمل معاً من أجل تمكين المرأة من تحقيق حضورها الفاعل في حاضر اللُّغة والثقافة، وفي توجيه مستقبليهما المُمْكِنين صَوبَ مَسَاراتٍ تفاعليةٍ تُعَزِّزُ هذا الحُضُور في الوعيِّ الإنسانيِّ وتُرَسِّخَهُ.
وإنْ كَانَ لهذا العمل الإدراكيِّ أنْ يُحَقق غايته، فليس لهُ إلا أن يتأسَّسَ على التَّعمُّق في قراءة التًّراث اللُّغوي والثَّقافي قراءةً نقديَّةً ذات طبيعة جذريَّةٍ صَارمةٍ، تُمَكِّنُ من تحليله بِعُمْقٍ يُمْسِكُ بمنابت جذوره، فيكشفُ مُؤَسِّسَاتة الأصلية، ويدرك ترابطات علاقاته الدَّاخلية وامتداداته الزَّمانية والمكانية، ويستجلي مُكَوناته إذْ يُفكِّك بنيته، ويتبيَّنُ سياقه الاجتماعي التَّاريخي إذْ يتتبَّع لحظة انبثاقه، ويتابع مساراته الماضوية وطرق انتقاله إلى الحاضر، ويتعرَّف الأساليب والوسائل التي يجري إعمالها ليس لتأبيد حضوره في هذا الحاضر فحسب، بل ولفتح السُّبل أمام تمدُّده في رحاب المستقبل! 
وبالطبع، سيكون لهذا الإدراك التَّحليليِّ المعرفيِّ المُؤصَّل أنْ يُحَدِّد الوظائف السَّطحية الظَّاهرة، أو المتوارية المستترة، أو العميقة الخَفيَّة، التي ينهض بها التَّراثُ الكَهْفِيُّ المُتكلِّسُّ، إذْ سَيَكُون لهذا النَّوع من الإدراك أنْ يكتشفها، وأن يكشفَ، بجلاٍ ساطعٍ، عنها، وأنْ يُفْصِحَ عن الكوابح والعراقيل، والآثار الضَّارة والعقابيل الظَّلامية، بل والتوحُّشية المأساوية، التي ألقى هذا التُّراثُ الظَّلاميُّ بثقل حُلْكَتِهَا القاتمة على حقيقة الإنْسَان: قيمةً، ومغزى وُجُودٍ، وكينونةً، ومُكَوِّناتِ هُوِيَّةٍ، ومَسَاراتِ حَياةٍ، وآفاقَ مستقبلٍ، وتجلياتِ تَحَقُّقٍ حضاريٍّ، وصيرورة وُجُودٍ تأخذهُ إلى إدراكِ كَمَالٍ إنْسَانيٍّ  مُحْتَمَل.
حين نتابع العمل على إنجاز ما تقدَّمَ، بانينَ على ما أنجز من قبلُ، يكونُ السَّعي إلى إعادة رسم صورة المرأة في الوعيّ العربيّ والإسلاميّ، والإنسانيّ عموماً، قد انطلق مسكوناً بمنظورٍ إنسانيٍّ مستقبليٍّ لا ينطوي على أيِّ نوع من التَّمييز بين هُوية الرَّجل وهوية المرأة، وإنما يدركهما بوصفهما تجليين  متفاعلين لمكونٍ إنسانيٍّ جَوهريٍّ واحدٍ هو الثَّابت الذي على محوره تدور شتى تحولات هُوِيّة الإنسان سواء أكان هذا الإنسانُ مُذَكَّراً أم مُؤنثاً، رجلاً أم إمرأة، أم كينونة مُغايرةً تحيل نفسها إحالةً وجوديةً إنسانيَّةً وفقَ إرادة مشيئتها الحُرَّة.
ولئن كان لهيمنة التُّراث الظَّلامي على وعي النَّاس، على مدار القرونٍ حتَّى يومنا هذا، أنْ تُشَكِّلَ حائطاً صَلْداً من “أنظمة التابو” تستندُ إليه أنظمةُ الاستبداد والقهر ذات الآيديولوجيات التَّخييلية الظَّلامية المؤسَّسة على استعادة تأويلاتٍ زائفة لعناصر ومكونات تراثية تجاوزها ماضي الحياة ويتأبَّى حاضرها عليها، في تَسْويغ استبدادها وتعميقه وتوسيعه وتأبيده، فقد كان لهذا الحائط التُّراثي التَّابَويِّ البائس أنْ يتحوَّل، في سياقاتٍ عديدة، إلى “تَكِيَّةٍ” تَرْتَسِمُ في ظلِّ ظلِّها صورة امرأة من نثار رصاصيٍّ وشظايا، هي المرأة العربية المُسْلِمَةُ، المُتَّكِأَةُ على ظلالِ حوائطَ مُتَهالكةٍ أو ساقطةٍ، باحثةً لنفسها، أو مبحوثاً لها من قبل أهلها ومجتمعها، عن ظلٍّ آخر يلُمُّ نثارَهَا، ويجمعُ شظاياها، ويكون لها أنْ تستندَ، من جديدٍ، إلى حوائطهِ الآيلة بدورها إلى السقوط، وأنْ تقبعَ، راضيةً ومستعبدةً، في ظلِّ ظِلٍّ! ومَا ظلُّ الظِّلِّ هَذَا إلَّا الرَّجل الذي سيمنحُها الانتساب إليه حقَّ الوجود في الوجود، وقد يتيحُ لها فرصة أن تصير أماً تُنْسَب، إن هي أنجبت ذكراً، إلى وليدها الذَّكر، فتصير هي “أمُّ فلان”، أو “زوجة فلان”، كما قد كانت من قبلُ “ابنة فلان” أو “أُختَ فلان”، فيما يظلُّ اسمها الفرديّّ مُغْفَلاً، أو ممنوعاً من التَّداول، حتى ينساهُ النَّاس، وتَنْسَاهُ هي؛ فلا تكون!  هكذا تابعت المرأة رحلة حياتها على مدار قرون مديدة وهي تُراوحُ، على نحو دائم، بين ظلِّين؛ ظلِّ حائط التُّراث الكَهفي المُتكلِّس الذي سلبها حرياتها وحقوقها وجوهر هُوِيَّتها الإنسانية، وظلِّ الرَّجلِ الذي أَمْعن، باسم هذا التُّراث الذي يَسْكُنُهُ مُزيِّفاً وعيه، في سَلْبها تلك الحريات والحُقُوق، وفي تفريغ كينونتها المُسْتَعْبَدة من ذلك الجَوهر الإنسانيِّ الوهاج!
فهل نتابع الخطو الحثيث، والنِّضال الشَّاق، المرير والنبيل في آنٍ معاً، في تعميق المُراجعة النَّقدية الجذريَّة التَّنويرية الصَّارمة لهذا التُّراث بغية تمكين أنفسنا، كرجال، من التَّخلُّص من الوعي الزَّائف الذي احتجز تطوُّر تجليات هويتنا الإنسانية وحال دون وصولنا، بهذه الهوية وعبرها ومعها وفي سياق شراكة راسخة مع النِّسَاء، إلى درجة أعلى من الكمالِ الإنسانيٍّ المُمْكِن؟
وهل نتابعُ، معاً، ذلك الجهد المُثَابر  الذي يستهدفُ هدم ما ينبغي هدمه، وتعديل ما ينبغي تعديله، والبناء على ما ينبغي البناء عليه من عناصر هذا التُّراث المقروء في ضوء منارات التَّنوير الفكري والاجتماعي، كي نتمكَّن من بثِّ أنوار ذلك الوَهَجِِ الوَضَّاء في رحاب حياتنا لحظةَ تمكين المرأة من استعادة حرياتها وحقوقها الإنسانية، ومن التأهب لإطلاق مسار خطوها الواثق صوب معرفة ذاتها، والشروع في تجلية وجودها في الوجود، وفي ترسيخ حضورها الفاعل في الحياة والمجتمع بوصفها ذاتاً إنسانيةً كاملةً، ليست ناقصةً، أو نسبيةً، أو منسوبةً إلى آخر سواها، أو مشروطةً، أو منقوصةَ الطَّبيعة، أو مسلوبة الحريات والحُقُوق، بل ذاتاً كاملةً سَتَظَلُ ذاهبةً، دوماً وكما الرَّجل تماماً، نحو إدراك أقصى تحقُّقٍ مُمْكنٍ لكمالها الإنسانيِّ المحتمل.   عبد الرَّحمن بسيسوبراتسلافا

الإِلَهُ الآتِيْ أو ثَقَافَةُ الْوْعِدِ الدِّيمُقْراطِيْ

‏أسبوعين مضت مجلاتمفاهيمنصوص 0

عبد الرحمن بسيسو “لَعَلَّه بات واضحاً لِكُلِّ ذِي بَصِيْرةٍ أَنَّ المسارات الحضارية الْحَداثية التي أمعنت في تحقيق الخير والنعمة، قد أمعنت أيضاً، وفي الوقت نفسه، في إلقاء فضلاتها السوداء على وجوه الحياة، والطبيعة، وجباه الناس” لئن كانت مقاربات جاك ديريدا المبثوثة في العديد من مؤلفاته الفلسفية ومحاوراته ومقالاته، ولا سيما …

شاهد أيضاً

مجتمع الاستعراض: وسائل التواصل الاجتماعي بين الوهم و الحقيقة

التاه محمد حرمة  مقدمة:        ⁃     في ظل ما نشهده من إعلانات عن السعادة وما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *