الرئيسية / منشورات / كتب / مفهوم التفاهة عند آلان دونو

مفهوم التفاهة عند آلان دونو

من خلال كتابه نظام التفاهة la médiocratie


احمد اوزاهي

 أحمد وزاهي 


“لقد تبوأ التافهون موقع لسلطة”(1)

تقديم

شكل مفهوم التفاهة موضوع كتاب الفيلسوف الكندي آلان دونو، الميديوقراطية، أو نظام التفاهة، هذا الكتاب الذي يعد مؤلفا ثوريا في تشخيص ما نعيشه اليوم في ظل سيادة السطحية والرداءة، ووصف للإستراتيجية الخبيثة التي اعتمدتها من أجل تمكين التافهين والحمقى من السيطرة على كل المجالات داخل الدولة، خاصة الحيوية منها، والموجهة إلى جمهور واسع.

إن دراسة التفاهة في مجتمعنا اليوم أصبح ضرورة، قصد وقف شر الوسط المتطرف الجارف، الذي اقتحم الحياة الإنسانية، وتغلغل في السياسة، والاقتصاد، والتعليم، والقيم الاجتماعية، والثقافة والحضارة ككل، وصار قدرا محتوما وجب مجابهته، والتصدي لسياساته التدميرية، من خلال اقتفاء أثر دونو الذي انتقد بشدة مختلف مظاهره وتجلياته.

يتتبع هذا المقال قراءة دونو لمفهوم الثقافة، باعتباره مفهوما تتقاطع في تشكيله الفلسفة والعلوم الإنسانية بمختلف فروعها، دراسة وتحليلا ونقدا، وإذ لجأ دونو في متنه التحليلي إلى أمثلة كثيرة، عملت محاولة بتعويضها بأمثلة من الوضع المغربي، وفق ما أراه مناسبا، فضلا عن أن هذا المقال يحتكم لإشكالية مركزية هي: ما التفاهة؟ وما سلطتها؟، وما ألياتها واستراتيجياتها؟ وأيضا ما هي تأثيراتها على المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟

في دلالة مفهوم التفاهة

يصعب أن نجد مرادفا مباشرا لمفهوم التفاهة؛ كما هي واردة في كتاب نظام التفاهة، لصاحبه آلان دونو، فهي مفهوم جديد الميلاد والنحت، ويعبر عن دلالات تلتقي في معنى “ما هو متوسط”(2)، أي متوسط الذكاء، سيء القدرات، قليل الموهبة، ضعيف المهارة، الأمر المعتاد والعام، الرديء، والمستبعد والمهمل، بالتالي، التفاهة هي نقص الأصالة والكفاءة أو القيمة، تعبر عن الدرجة المتوسطة في الفعل، بما هي معيار نخضع له، وقد رُفِع إلى درجة الحكم والسلطة والهيمنة، ليتخذ صفة نظام قائم الذات نافذ السلطة والسطوة.

يشير مفهوم التفاهة إلى التافه médiocrité، وهو وصف حالة من السطحية والابتذال والسخافة، ترتكز على أبعاد نفسية وفكرية واجتماعية، فهو- التافه- “مخلوق منحط”(3) ، عديم القيمة، الذي تبوأ الصدارة، وخطف الأضواء وأصبح الفاعل النشيطّ، الموجه لكل القيم، مع العلم أن “ابتذال الأشخاص التافهين هو أمر يغيب عن أنظارهم هم أنفسهم”(4) ،   جوهر كفاءته، تكمن “في القدرة على التعرف على شخص تافه آخر”(5) ، وحسن انتقاءه وتدعيمه ومؤازرته، فالتافهون لبعضه البعض دعم وسند كبير، وقد اعتبر دونو أن هناك “تصنيف من خمس شخصيات مفاهيمية تظهر لتجسد ردود الفعل المحتملة لهيمنة النظام الذي يتطلب التفاهة”(6)، وتهم هذه الشخصيات الرجل النائم أو اللامبالي؛ الذي أعلن رفضه للنظام القائم وانسحب لكينونته المغلقة، ثم الرجل التَّعسُ، وهو شخصية تصدق كل شيء مهما كانت طبيعته، وهو على استعداد تام ليؤمن أيضا بكل شيء، ويليه “الرجل التافه والمتعصب”، شخصية مقبلة على كل الطرق والحيل التي من خلالها تسعى إلى نيل سلطة، ثم “الرجل التافه رغما عنه”، وهو شخصية تتبنى الواقع كما هو رغم كل الظروف والشروط نظرا لظروفه الخاصة، أما النموذج الأخير يكمن في “الطائشين التافهين”، فهؤلاء دوما جاهزين للاندفاع وخدمة النظام من حيث لا يدرون ذلك. 

تستعمل التفاهة أيضا في كتاب دونو كما هو معنون، للترميز والدلالة على “النظام التافه   médiocratie؛ بما هو نظام اجتماعي وسياسي يخضع لسلطة تدبير ممثلة بأشخاص تافهين منعدمي الكفاءة؛ صغار العقول والمجانين والحمقى، أو نظام يعمل على تمكين التافهين “بالتواطؤ والتآمر”(7) من مراكز الحكم، ومواقع المسئولية، واتخاذ القرارات، ورسم الخطط والاستراتيجيات التي تخدم السطحية، إنه حرفياً حكم التافهين، الذي يعمل على تتويج وتشجيع الأشخاص التافهين وجعلهم نجوما، ورموزا للاقتداء، “لدرجة تصير التفاهة مطلوبة بالفعل”(8) ، فيصبحون كما يتصورون أنفسهم مهمين وفي مكانهم الطبيعي، وجعلها دونو في نطاق التفكير والسلوك في تدبير الشأن العام، وفي ذات الوقت ربطها بمجالات حيوية؛ كالمعرفة والفكر والأخلاق والهيمنة والسلطة والاقتصاد والاجتماع…

ترتبط التفاهة بالسلطة فتكون “سلطة تافهة” Pouvoir médiocrité، وتعني حكم التافه، وهي في ذلك قد صارت أكثر تطورا وتقدما من ذي قبل، وباتت “تتجسد الآن بالمعايير المهنية، بروتوكولات البحث، وعمليات مراجعة الحسابات، والمعايير المنهجية التي تطورها المنظمات المهنية”(9)، أي أصبح هذا النظام يركز على الجانب التقني المهاري المتخصص، بدل الحرفة، ومن خلال أساليبه الناعمة يكرس الابتذال في الواقع، ويمنحه سلطة.

آليات نظام التفاهة

إن نظام التفاهة كسلطة، يتسلل عبر كل الوسائل والوسائط المتاحة لنظامها السياسي، ويكرس ذاته بذاته، بواسطة سلطة رمزية، وعدم واقعي من طرف جمهور الرعاع، فيسعى بآلياته إلى تجييش أو تسليع مناصريه، ونسخهم، بالمراهنة على العواطف بعد الإطاحة بها، إلى مستوى الرداءة والسطحية، فضلا عن كونه يتمتع بحرية مطلقة تجاه السطحية، فهو يعمل بدون رقابة تذكر، أو ضريبة تفرض اللهم ما رفضه جمهور الرعاع ورجع على صاحبه بالخذلان، وبالتالي يمكن القول أن نظام التفاهة يعتمد على مجموعة من الأليات التي من خلالها يكرس سلطته ويفرض نظامه ومن بينها:

الحكي والقص والتبسيط

لا يختلف اثنان في أن الخطاب الحكائي؛ هو خطاب استعاري رمزي يعتمد السرد والأقصوصة، موجه إلى تجييش المشاعر واستنهاض العاطفة بالمتن القصصي البسيط، كما نجد ذلك عند رجال الدين والسياسي، والتي تختص بمراقصة مشاعر المخاطب، ومخاطبة وجدانهم.

كما أن ها النمط من الخطاب في نظام التفاهة يتصف بالتسطيح والسطحية، وغياب الأصالة والفكر العميق والدقيق، وبالتالي تنخفض درجات الجودة إلى أدني المستويات بظهور خطاب ولغة ساذجة وسخيفة، ويكمن دور هذه الآلية التي تجمع بين السرد والتبسيط في تعطيل العقل وملكة النقد، ما يجعله تعبيرا عن نقص في الوعي وعدم القدرة على الإبداع.

اللغة/ لغة الخشب

تعتبر اللغة أداة نافذة في كل المجالات، حتى بالنسبة لنظام التفاهة، الذي يعتمدها كأداة أساسية تسمى باللغة الخشبية: لغة الخشب langue de bois، وهي لغة جوفاء؛ محملة بحشو لغوي فارغ من محتواه، يتسم بالبساطة، والنمطية، والتكرار، والتلاعب اللغوي، ما يدل “على أنها أسلوب الخطاب الذي يركن إلى الاسهاب في الكلمات غير المجدية“(10) بالتالي، يعتبر آلان دونو أن هذا الخطاب خطاب أجوف؛ ليس سوى ضربا من الكلام، صالح لكل زمان ومكان، ومحموم بالادعاء، والتشدق، والتخمين، واهتمامه بالجمالية اللغوية، أي أن عباراته تصاغ بطريقة مخاتلة ومخادعة، من هنا يمكن القول، إن نظام التفاهة خص نفسه بلغة مميزة وأسلوب ومعجم وكتابة بموصفات تأثيرية، تدور حول المنطقة الوسطى وتبدو أنه علمية، بينما تفتقد للتماسك والبناء العقلي المحكم.  

الثقافة

أولى دونو اهتماما وأولوية للثقافة ضمن نظام التفاهة، فهي روح هذا الأخير، وأداته التنفيذية، التي من خلالها نوطن ونوطد أركان النظام التافه، كما نعيشه اليوم في حياتنا، وما يمنح الثقافة هذه المكانة هي كونه في علاقة وطيدة مع كل المجالات والميادين، كما لا يهم المستوى الثقافي للفاعل التافه، بل كلما مال إلى السطحية والبلادة ازداد نجومية، وإذا ما حدث أن انكشف هذا المعطى صدفة في نطقه الخاطئ لكلمة علمية [اكشوان اكنوان – نموذجا] أو أفصح عن رأي في معرفة خاصة لا قبل له بها، ازدادت مكانته في التفاهة وصار أسطورة لا يشق له غبار، فكان له جمهور غفير من المعجبين التافهين، وبناء عليه يكون ضيف برنامج مبتذل يشرح بلادته بكل أريحية، وتحت تصفيق الجماهير، أو يكون موضوعا ساخنا للصحافة الرديئة والمأجورة، تتغنى بالحدث المشهود.

استراتيجيات التفاهة

يبتغي نظام التفاهة إضفاء التفاهة والسخافة على كل مناحي حياة الإنسان، وهدفه هذا خاضع لاستراتيجيات عملية، من بينها؛ التحكم في الإعلام، والاقتصاد، والثقافة، والتعليم ومراكز القرار وتشريع القوانين، من خلال:  

  • البهرجة والابتذال:

تعتبر هذه الوسيلة عامة، وفي يد كل فرد؛ حيث يسعى من خلالها إلى شق طريق النجومية، مهما كانت ضريبة ذلك من السطحية والابتذال، بدافع الخلود التافه ولفت انتباه الرأي العام، وقطيع الجمهور المتعطش للسذاجة والتفاهة، الغارقة في السوقية والبهرجة.

المبالغة في التفاصيل:

إن نظام التفاهة وفاعليه يركزون في كل تفاصيل موضوعاتهم، ويغرقون فيها، فيأخذون الأمور بجدية ومجهود مشهودين، بغية إخراج موضوعهم في أحلى حلة ممكنة، كما هو الشأن لبرامج التفاهة، التي تحظى باهتمام مبالغ فيه، لصناعة محتوى كبير ودقيق، ومحكم البناء والتعديل، عالي الجودة تقنيا، هنا يقول دونو: “ينبغي التنويه أن التافهين لا يجلسون خاملين؛ إنهم يؤمنون بأنهم يعرفون كيف يعملون بجهد“(11).

* التعليم:

شكل التعليم أيضا احدى الوسائل المهمة في ترسيخ نظام التفاهة، وقد شن ألان دونو نقدا جذريا عنيف على الجامعة وتبخيس الأكاديمية وتعويم للثقافة واستبدال رجل العلم والمعرفة، بالخبير التقني، والاكتفاء بالتبسيط  والتسطيح على ما فيه من مخاطر، تتطلب مقدارًا بسيطة من الكفاءة والجودة، وتلتزم بمتطلبات دقيقة ومعايير تقنية تخفي كسلًا فكريًا، والابتعاد عن التجريد والتعقيد على ما فيه من منافع ومكاسب، ما يدل على أن التعليم؛ يبتعد في كل مستوياته خاصة العالي أو الجامعي الأكاديمي؛ عن انتاج المعرفة والفكر ويصير الطريق إلى ذلك مسدودة أو بدون نتائج إيجابية تذكر، “إن الإنتاج الثقافي ينفلت من عقاله الذاتي، فيصبح خاضعا للحتميات الألية للبحث المدار مؤسسيا”(12).

ولا الأمر يقتصر فقط على المستوى العالي للتعليم، بل النقد يشمل حتى التعليم الأساسي، وذلك من خلال تحويل غاياته إلى تخصصات تقنوية ذات نزعة تقنية خالصة فارغة؛ من حيث الترسانة الثقافية والفكرية، ولا يميزها غير الدقة التقنية، فلوحظ بعدها “فيض من التخصصات الغريبة التي ظهرت فجأة باسم الابتكار، والتميز، والإنتاجية”(13) ، وكلها موجهة نحو السوق والأعمال، فيصبح التعليم القائم على التفكير والنقد تافها في منظور التصور الجديد، بل يعجز العقل على الفهم والتحليل أمام تضخم الإنتاجية والنزعة الأداتية التقنوية، لأن الجامعة والمدرسة لم تعد تنتج عقولا، بل تنتج ألاف النسخ من المعرفة الأداتية الخبيرة تقنيا.

هناك مخطط كامل وخاص بالمناهج التعليمية في كل الأسلاك والشعب، الذي من شأنه إزاحة قاطرة التعليم عن مسارها الصحيح، والاتجاه بها نحو السوق، أي تأهيل اليد العاملة، وتثقيفها تقنيا، لتكون جاهزة في كل التخصصات، ومعروضة أمام الشركات الكبرى، وهو ما يحدده المخطط تحت ذريعة الإصلاح فاتخذ له إسما جميلا هو الباكالوريا المهنية، وهو في واقع الأمر وحقيقته لا يظهر إلا كعملية حفر لقبر الثقافة، والفكر النقدي القادر على بعث الحضارة والسير بها إلى الأمام.   

* لَعِبُ اللعبة:

اللعب واللعبة في نظام التفاهة، يحيل على مجموع القواعد والآليات؛ المعتمدة بغية ترسيخ نظام ما، بحيث يكون الهدف منه هو تحقيق الأهداف المرغوبة، “فاللعبة هي أقرب ما تكون كمجموعة من القواعد منها إلى ديناميات سلطة وضعها لاعبون يحاولون فرض قواعدهم على الأخرين”(14). حيث يشمل هذا الأمر المشاركة في بعض الطقوس والسلوكات وادعاء أفكار وقيم، والتماهي مع العادات اليومية؛ فأن تلعب اللعبة يعني في منظومة التفاهة، أن تساهم في مأسسة الامتثال إلى سلطة التفاهة، وتجعله نظامًا عامًا، نتبناه جملة وتفصيلا، غير أن جوهر الأمر ليس سوى لعبة، غايته كسب الثقة وإعلان الولاء، ومن ثم السيطرة، وسيطرتهم تقود إلى الموت الاجتماعي للفكر، لا محال”(15)،

اللعبة هي أيضا؛ “كناية عن نظام سياسي آخر: نظام ذو بنية قائمة بشكل سيء”(16)، يشكل نسخة عن الحياة الحقيقية إلا أنها بروح شيطان التملك والسيطرة، تمارس بسلاسة على الضعفاء، وتأخذ أشكالًا مختلفة وتنتج جيوشًا، وتعيش صراعا تنافسيا شرسا بين الأقوياء، يسمح بترتيب اللاعبين، وتعيين الجدد منهم.

الخطير في هذه الاستراتيجيات، أنها لا تتجلى كظاهرة بارزة للعيان، بل خفية يصعب رؤيتها بوضوح، وتتغلغل حتى في الطبقة المثقفة المسلحة بكل أشكال النقد العقلي، بل يعمل هؤلاء على شيوعها وترسيخها من خلال تكريسها بكل الأشكال، كالتأليف والكتابة مثلا، أو حتى التواطؤ بالصمت، لما لهذا النظام من عواقب تصل حد الإقصاء والإبعاد المعنوي أو الرمزي، أو عقوبات أكبر، “لأن لعب اللعبة هي مسألة عالية الكلفة”(17) ، مهما كنت حرا أو مجبرا؛ ومهما كانت طبيعة دورك، وبالتالي، فإن الإنسان العادي يقع فريسة في أحابيلها ولا يجد مناصاً من تقليدها، والانصياع لها، وإعادة انتاجها.

تأثيرات نظام التفاهة في المجالات الحيوية للدولة:

نظام التفاهة نظام نشيط، من حيث قواعده وقوانينه، وكذلك من حيث فاعليه المتفانين في السطحية من خلال أساليبها الناعمة التي تكرس الابتذال في الواقع، وقد طال تأثيرها كل المجالات الحيوية لحضارة الإنسان فانعكس سلبا عليها، كالسياسة والاقتصاد والاعلام والاجتماع والثقافة.

  • التفاهة في الفعل السياسي:

يشكل الميدان السياسي بيئة مناسبة، لتطور وازدهار التفاهة، بما يحوزه من إمكانيات مساعدة على ذلك، من المال والسلطة والجمهور، وأيضا الغايات التي يبتغيها السياسي من وراء سيادة نظام التفاهة، فضلا عن الحقوق التي تضمنها الأنظمة الديمقراطية كحقي الحرية والتعبير.

وقد شهد السلوك والخطاب السياسيان في نظر آلان دونو، تسطيحا يفوق الجرأة القياسية، وذلك بالاستمرار في تبسيط الأوضاع الفردية المعقدة إلى أقصى الحدود، وتعويم الخطاب في السطحية المبتذلة، حيث أفرغت المفاهيم السياسية والإنسانية الكبرى، كالحق والواجب والالتزام، والمصلحة العامة، من محتواها، وأنجبت كيانات سياسية هجينة مهووسة بهاجس الربح والسلطة والقيادة ليس إلا، أضف إلى ذلك الشعارات العاطفية المسلية والقوية وأحيانا المبتذلة التي تعتمدها في تسييد مواقفها، وتحفيز العواطف الجمعية وتعبئتها، وكذا التنازلات التي تقتضيها بعض الشروط، لتوحيد الرأي العام، وكسب تعاطفه واستمالته،  

يترتب على ذلك أنه رغم ما هو معلن من الشفافية، والمواطنة، والديمقراطية، إلا أننا نشهد ازدياد ونمو حجم الفساد واللاديمقراطية بوثيرة سريعة ، من خلال تواطؤ السياسي ونظام التفاهة نظرا للخدمات المتبادلة خاصة في دول العالم الثالث، لأن التفاهة هي وسيلة لاستمرار الفساد الاستبداد كما أن “مبدأ الديمقراطية صار يفسح المجال لنظام جديد يوصف بكلمة: بالحوكمة gouvernance:  إن الجامعة الفاسدة ينتهي بها الأمر كمؤسسة تعمل على بيع الخبرة؛ والاقتصاد الفاسد يؤدي إلى ظهور الأوليغارشية المالية؛ والمؤسسات القضائية الفاسدة تقود إلى قيام جهات خاصة تعنى بالتسويات المكلفة للمنازعات“(18).

وبالتالي، تعمل المؤسسات الجديدة على ترسيخ الواقع من خلال تخدير قدرة الوعي والتفكير، وتكريس سياسةالجهل والتعتيم، هذه الأخيرة التي تساهم في نجمنة التافهين من الناس وإشاعة قيم الرداءة والسطحية حد الافراط، من خلال التقليد الأعمى الذيسيخلق حتما أجيالاً من الضباع على حد تعبير جسوس، ما يقودنا إلى “تسليم مَلَكَة الحكم السليم إلى نماذج اعتباطية مسوق لها من قبل السلطة”(19)،

يعتبر دونو أن النظام السياسي في ظل سيادة نظام التفاهة يقوم على مبدأ اللاديمقراطية أو الديمقراطية الفاسدة، يمثل الناس فيها بشكل كاريكاتوري من طرف مؤسسات وأشخاص لا يمكن ايلاءهم الثقة، لا يهمهم غير الامتيازات واكتناز الأموال، والعمل على خدمة السلطة وتركيزها في الأعلى، تحت مسمى المصلحة العامة والمشتركة.

  • التفاهة في المجال الاقتصادي

لا يوجد مجال تتسيد فيه التفاهة مثلما تسود في ذاك المجال الذي نسميه الاقتصاد”(20)

يشكل هذا المجال دعما كبيرا لسيادة التفاهة، من خلال سياسات رجال الأعمال، وسلطة المال، والاقتصاد، والشركات الكبرى، التي لا يهمها غير تنمية الرأسمال وتراكم الأرباح، دون مراعاة لشروط تنمية الإنسانية، باعتبارها المبدأ المنشود التي نسيته السياسات الكبرى للاقتصاد والرأسمالية المتوحشة، على حساب أهدافها الخاصة، موظفة بذلك كل وسائل التدليس، والفساد، والتفاهة.

 أنَّ الاقتصاد الرأسمالي شغوف بالهيمنة والسيطرة لهذا يسعى الى تكريس سلطة التافهين، في مجال السوق الذي هو الميدان الواقعي للتفاهات، من خلال تبضيع السخافة والإسهام في وضاعة وفي انحطاط المجتمع الأخلاقي التي آلت إليها حياتنا اليومية، ويتجلى ذلك في معلمين أساسيين،  

أولا:  تشجيع وتنمية عقلية الاستهلاك، وانعاش أسواق التفاهة لدرجة يجعل الناس يصابون بمرض الاستهلاك، الشيء الذي أثر في البعد الاجتماعي والثقافي للإنسان، وكذا البعد القيمي والأخلاقي، فتم تعويض المشاعر النبيلة للإنسان، بالمال والنقد الذي هو الغاية الجديدة والمطمح لكل الناس، لأن المال أصبح قيمة مطلقة، وهو الوسيلة لضمان كل شيء، هذا ما استحضره دونو من خلال بروفايلات الشخصيات الإنسانية: “البخيل، المسرف، الجشع، المولع باللذة، والساخر”(21) ، خاصة في ظل الشروط الحضارية التي يعيشها الإنسان المعاصر، حيث الناس “بعيدين عن العمليات الاقتصادية التي كانت قابلة في السابق للإدراك بالحواس، عندما كانت هذه العمليات تنطوي على استراتيجيات للتقليل من الهوة التي تفصلنا كأشخاص عن الأشياء موضوع رغبتنا”(22).

ثانيا: العمل على مبدأ الحط من خبرة أصحاب الكفاءة، استبعادهم من مجالات التأثير العام، القادرين على كشف وفضح القيم الحقيقية للفعل الاقتصادي، ولصيرورات الإنتاج وتدابير الإدارة والتنظيم، فضلا عن استعمار العقول بالإعلانات التجارية، واستلاء الشركات الكبرى على الفعل التجاري والتحكم فيه، وتوارد ماركات كثيرة وعديدة للاستهلاك بمواصفات لا تراعي الجودة، فهذه الأخيرة، ليست رهان الاقتصاد، ولكن غايته الربح السريع وبأقل تكلفة ولو على حساب الإنسان،

 على مستوى التجارة والتمويل، نجد أن نظام التفاهة لا يتوان في ترسيخ وتطوير آلياته، حيث يعتمد في ذلك على استراتيجيتين أساسيتين:

  • الإستراتيجية الأولى ترتبط بالسوق العالمية، إذ عملت هذه الأخيرة؛ على غزو العالم بمنتوجاتها، بحثا عن الأسواق الاستهلاكية. غير أن الأمر ليس باليسير، بل فرض شروطا وقواعد جديدة في المعاملات تخص الأداء والتأمين الاحتكار والعرض والطلب …، لكن الأمر لم يتطور وفق قواعد طبيعية، ويتجلى ذلك من خلال الصراع والحروب الطاحنة؛ بين الشركات الكبرى التي تسير وتهدف إلى الاستحواذ على الرأسمال، وذلك باعتماد كل الوسائل الجديدة المتطورة، لضمان بقاءها وفقا للمبدأ الدارويني البقاء للأقوى،   
  • الإستراتيجية الثانية موجهة نحو السوق المحلية، وهي نتيجة لتأثير السوق العالمية، من خلال نشاط العولمة، التي تعمل على تغيير وتحويل قيم مجتمع ما، سياسيا واقتصاديا، واجتماعيا وثقافيا، والتي تدفع إلى الدخول في علاقات جديدة، من خلال الاقتصاد وتقارب الأسواق، وما تفرضه من سياسات جديدة مادامت الشركات الكبرى تغلغلت في كل الأسواق، فضلا عن كون هذه الأخيرة، لم تعد بتلك الصيغة الموروثة، فقد تطورت وأصبحت تعاملاتها تأخذ مناحي جديدة، تخضع للمضاربة، والاحتكار، وتتأثر بمنطق العرض والطلب، الشيء الذي انعكس سلبا على المعاملات الإنسانية وجعلها عرضة لتقلبات وتغيرات الاقتصاد وأزماته، هذه الأخيرة التي دفعت بكبار التجار وصغارهم إلى حالة هستيرية مجنونة بالمال والثروة، فانتشر النهب والتهريب، والفساد والاقتراض، وهي كلها أعراض لمرض التفاهة الذي تغلغل في اقتصاد الشعوب الضعيفة، وجعله عبدا تابعا للمؤسسات المالية الكبرى؛ كالنقد الدولي. 
  • تفاهة في المجال الإعلامي

يلعب الإعلام دورا رياديا في توطيد أركان التفاهة، وذلك من خلال التحكم في كل مفاصل نظام المجتمع، من خلال كل أشكاله (23)، وبالتالي تقوم بدور اختزالي تعديلي، فيقدم الخبر والمعلومة وفق ما تبتغيه قوى التفاهة، ووفق أليات نظام التفاهة؛ الذي يعمل على دعم السطحية والرداءة.  

غالبا ما يهتم الاعلام الصحفي مثلا، بمواضيع تافهة ترتبط بحياة طينة من الأفراد، وفضائها، وقصصها، وأخبارها، بصور ومقالات مطولة ترصعها اللغة الرنانة، وتصونها في ذلك مؤسسات وقوانين، فلا تكاد تشير إلى موضوع إنساني من زاوية كونية وعقلية، وبالتالي؛ فهي تكرس التفاهة وتسيدها في المجتمع. 

إن الصحافة صناعة تواصلية،” يحركها هاجس المصلحة والتسويق”(24) ، للاهتمام بالقضايا التافهة، ما يعني أن التفاهة الإعلامية تثرثر في آلاف مؤلفة من الموضوعات الخاصة، التي قد لا تخطر على بال، دون أن تشير وتتناول موضوعا علمية؛ وتسهب في تفسيره وشرحه، لأنها هي ذاتها عاجزة عن خوض غمار النقاش العلمي، والأمر هنا لا يتعلق فقط بالصحافة وآليات اشتغالها، وإنما أيضا “بنوعية القراء أيضا”(25) ، فهم يتحملون جزءا من المسؤولية، إذ هناك عدد كبير من الناس يلتهمون التفاهة، ويلعبون دورا أساسيا في استهلاك التفاهة وانتشارها، من خلال تشجيعها والترويج لها، إذ يفتقرون لآليات القراءة، من النقد والتفكيك والكتابة، “فنظام التفاهة لا يثبت فعاليته القصوى إلا مع هؤلاء من الناس”(26) ، وفي ظل هذه الشروط.  

إلى جانب الصحافة، نجد التلفزة العمومية، ، وما تذيعه من المسلسلات التي تخلو كليا من أي مؤشر يعمل على استنهاض الفكر النقدي، اللهم التشجيع على ترويج منتوجات من خلال الإشهار، ومسلسلات منحطة بمئات الحلقات وفي أوقات مقصودة؛ تستهدف من خلالها جميع الشرائح والفئات، فتخدر عقولهم، وتشحن عاطفتهم، وتغير قيمهم وتعمل على تنمية قيم استهلاكية، باعتبار أن المستفيد الأول من هذا الوضع هو السوق الاستهلاكية، وبالتالي فالتلفاز كقوة عمومية يعمل على تكوين الإنسان، كما يفصل الأفراد من خلال ما يذيعه من مختارات من الأخبار؛ عن الواقع الحقيقي، وينزع عنهم الحس الجماعي والاجتماعي؛ ويجعلهم منغلقين فاقدي الإرادة والقوة، “فالتلفاز يمكننا من أن نعيش شيئا على مسافة منا”(27) ، أي ما يسميه دونو علاقة منفصلة عن الواقع، أو علاقة افتراضية حميمية، مع الشخصيات التلفزيونية التي يحسن معدوا البرامج في انتقاءها.  

فضلا عما تذيعه من البرامج التي تكرس السذاجة مثلما هو الأمر في برامج شهر رمضان من خلال خلق محتوى جاف، وافتعال المواقف وكلمات النابية مع تعنيف الجسد خاصة الوجه بحركات تثير السخرية والاشمئزاز حد الغثيان، فضلا عن برامج مثل: (كي كنتي كي وليتي، ورشيد شو، وكاميرا كاشي …)، ذات حلقات كثيرة تشتغل على مواضيع فارغة، وضيوفها الذين غالبا ما يكونون نخبة التفاهة ومشاهيرها، فتجتهد في تتويجها وجعلها نماذج ناجحة، تنصح على الاقتداء بها، وبالتالي تعمل على “انتاج منتج قيمي صالح لتحدي الزمن”(28)، وتخريب الحضارة.

تكمن خطورة الاعلام والتواصل في تعدد وسائله وأنماطه، والتي نجد منها، الشبكات الإعلامية، بمجموع ألوانها، فهيليست سوى فضاءات افتراضيةللتشبع بقيم التفاهة، قبل نقلها للواقع، أي فضاءات لاختبار وترويج التفاهة، وضمان اعتراف العقل الجمعي بها،   

يعرف إنتاج التفاهة في المجال الإعلامي التواصلي تفاعلا كبيرا، وتراكما تسارعيا ضخما مؤسسا بجزء كبير من التهكم، ومرتبطا بشخوصه وقيمه، وذلك راجع إلى يسر أساليبها وتوفر إمكانياتها في يد كل من هب ودب بعيدا عن التخصص والكفاءة والجودة وفي غياب أيضا التأطير والرقابة والحدود، فضلا عن أن منتجو التفاهات الذين بدأوا يلقبون بالأساتذة والعلماء والشيوخ، يجدون مساندة من ذوي رؤوس الأموال لتكريس ثقافة الاستهلاك الإعلامي.  

التفاهة في المجال القيمي الاجتماعي

أول ضحية لسيادة التفاهة هو منظومة القيم، وسقوط الأذواق، بفعل سيادة التفاهة في كل المجالات، فيسعى مباشرة إلى تغيير القيم، وإقرار معايير جديدة للممارسات، تمس كل المجالات والميادين، بطريقة ضمنية وغير مباشرة، ويلجؤون إلى تكريس قيم وأساليب وتصورات بليدة ورديئة، بتواطؤ مع القوى الفاعلة لنظام التفاهة،

إن النظام التافه يستمر في إلقاء ثقله كاملا، من خلال تشكيل النماذج التي يقتدي بها الإنسان، فيمنح الاعتبار إلى مشاهير نجوم الثقافة التافهة، أمثال: (سينا، ونيبا، مول البندير، اكشوان، وفيصل إثري …)، فيحدد لغتنا، اختياراتنا، وميولاتنا، ورغباتنا، وقيمنا وعلاقاتنا الاجتماعية، وذلك بتحريف هذه الأخيرة، موظفا بذلك وسائل نافذة، كالقيم، والثقافة، والدين، والفن…

وضمن هذا السياق يرى دونو أن الفن والدين من الوسائل المؤثرة بشكل كبير، فالدين فهو “أداة ممتازة للتلاعب، فالمجتمع المغلق الذي يُخلق حول شعار يكون من السهولة بمكان التلاعب به من خلال الاعتقاد”(29) ، كما أن نظام الرأسمالية بكل المؤسسات السياسة والاقتصادية، لا يزال يتوسل الروابط الروحية لكسب المشروعية، وتزكية شركاتها،  وتطوير خدماته باسم الدين، وقد يلجأ في ذلك إلى مفاهيم دينية كأسماء لسحب الاعتراف كشركة حلال أو البنك الإسلامي، مستندة في ذلك إلى فقهاءها المنتقين أحس انتقاء، داخل ما يسميه ألان دونو الدين المقاولاتي(30) ،  الذي “يستخدم أشكالا حقيقية من التشارك لتوحيد سرب من المؤمنين به، وهو سرب لا يشمل الموظفين فقط وإنما الموردين والمستهلكين أيضا”(31) ، اذن نحن أمام منظومة مدروسة، تشكل خلفية لكل سلوكاتنا واعتقاداتنا وقيمنا الاجتماعية، ترسم أفقها وحدودها وفق ما يضمن مصالحها.

  ليس نظام التفاهة اذن، بنظام عفوي جاء صدفة، بل هو نظام يشتغل بآليات، وتوجد وراءه مؤسسات ضخمة تصونه وتحفظ استمراريته، من خلال لا مبالاتنا تجاه محيط بيئتنا الاجتماعية، ما يعني أن جذوره غارقة وراسخة في مجتمعات التفاهة، ويمكن ارجاع ذلك إلى أصول هي:

  • الفقر الفكري

يكمن أصل التفاهة وينبع من قاعدة التفقير الفكري، “التفاهة تشجعنا، بكل طريقة ممكنة على الإغفاء بدلا من التفكير“(32) ،  ومن ثم العمل على تسطيح الأفكار والتفكير وبالتالي تحيلنا إلى أغبياء، في كل المجالات، ولوثت الصحافة المأجورة الثقافية الفكرية، وعوضت وسائل الاتصال في الشبكات الاجتماعية حميمية الكتب بسخافة المحتويات ورديئها، كما تغيرت كليا الأدوار التي تقوم بها التلفزة والإذاعة في الرقي بالأذواق، وتراجع الفنون، وتضاءل جمهور المسرح واضمحلال المسارح ودور الثقافة والسينما…، فأصيبت الثقافة الحقيقية بالشلل التام، وغابت عن أدوارها التنويرية بعد أن شلت ملكات العقل التفكيرية.

  • الفقر قيمي

يتجلى الفقر القيمي، في عدم الالتزام بالقيم والمبادئ الإنسانية السامية، بل تتفسخ القيم وتموت حين يحتل التافهون موقع السيادة، ومكان القرار أي مكان الحكيم، فيلتف وراءهم الجمهور ويتركون العلماء على الهامش، فإذا كانت السلطة في يد التافهين واستقرت أمورهم بتواطؤ السياسي،  تمتد التفاهة إلى جميع جوانب الحياة : الاقتصاد والمال والأعمال والعلوم والثقافة والقانون والسياسة والإعلام وشبكات الاتصال الحديثة، فإنها ستنجب ابنا شرعيا هجينا، يعيد تعريف ذواتنا والأشياء وفقًا لقواعد التفاهة، فيدمر قيم الشعوب، وينسف حضارتها.

إن نظام التفاهة نظام نافد، وإذا كانت وسائله وآلياته سلسة ناعمة، فإنه يدرك غايته بوضوح، ويسير بخطى ثابتة، أمام تواطؤ كل القوى في رسم قواعدنا الاجتماعية وقيمها.

التفاهة في المجال الثقافي الحضاري

يعتبر المجال الثقافي الحضاري، أسمى تجليات نظام التفاهة، بعد تغلغله في المجال الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، حيث أن مجموعة من المؤثرات تساهم في تشكيله كالثراء، والنجومية التافهة للفاعلين المجانين في نظام الثقافة، الذين حددوا بطريقة غير مباشرة معايير الحياة وقيمها الجديدة، “فالثراء وخصائصه يمكنان المرء من أن يطلق العنان لسلوكيات دنيئة لا يشفع لها إلا وضعه كرجل ثري”(33) ، وليس فقط على مستوى الأفعال وإنما أيضا على مستوى قيم الأشياء فكل شيء له مقابل مادي كتعويض، في تغافل تام عن القيمة الحقيقية للأشياء، وكذا العنف المترتب عن التعامل المادي كوسيط بين التافه وبين الآخر والأشياء على حد سواء، رغم “أن الأثرياء ينكرون العنف، بينما هم يباشرونه، أما الفقراء فيكبتونه فيما هم يسلمون أنفسهم له”(34).

إن نمط النجومية والثراء ليست تقف عند ممارسة التفاهة فقط، بل يساهم إلى جانب فاعلين أخرين في تنمية تراكم الرأسمال الثقافي، فيقف موقف الفقيه المشرع لها، فينتجها ويؤمن بها ويُقَعّدُ لها، من حيث مواقفه وآرائه، ويجد في ذلك قبولا اجتماعيا كمرجعية تزكي نهجه الثقافي، ومرونة أو تواطؤا سياسيا لأنه يؤدي خدمة لتكريس الهيمنة، وإعلاميا لأنه مادة مستهلكة بامتياز، وبالتالي يصير المرتكز الثقافي ككل دعامة أساسية لترسيخ نظام التفاهة، وتجذير التخلف الحضاري، من خلال تسويق نماذج دنيئة للثقافة.   

  وهذا ما يفسر أيضا واقع المجالات الثقافية: من الفنون والمسح والسينما، حيث “يفرض على الفنانين العمل وفقا لأهداف السوق أكثر من الأهداف المرتبطة بعملياتهم الإبداعية الخاصة”(35) ، فكما يشهد الواقع فإن الفن عرف في ظل سيادة التفاهة تحولا كبيرا ليس ازدهارا ولكن سيرا قدما في الانحطاط بانتشار الفن الساقط والقبيح، مضمونا وشكلا، لغة وصورة، كما ساهم في ذلك أيضا رؤوس الأموال المسخرة لذلك، حيث تحتكر الشركات المنتوج الإبداعي الفني، بتحكمها في سياسات واستراتيجيات تسويقه وتشجيعه والاستثمار فيه، إذ “بثقة تامة في رأسمالهم الثقافي يملك الرعاة الآن مدارسهم الخاصة التي يمكن لفنانيهم المختارين التدرب فيها”(36) .

وما يمنح الخصوصية لنظام التفاهة في المجال الثقافي الحضاري، هو أنه لا يستغني عن كل المجالات والميادين وهو يمارس عمله في الثقافة ويرسم أفق الحضارة لبلد ما، إذ لا زال يؤكد دونو وهو يُشَرّح دور الفن في ذلك، هو أن هذا الأخير بعد أن يسلم نفسه للسلطة السياسية، بموجب الإثراء الذي غرق فيه من خلال الأموال والأوسمة، “فإن الفنان الخاضع لقيود الإدارة الخاصة يمكن أن يجند في أوقات الأزمة”(37)، يصبح آلية نشيطة في تكريس الوضع، وتزييف الحقائق وتوجيه الرأي العام مدعوما بكل الوسائل الاعلامية، سواء بعمل خيري، أو قد يصبح كبش فداء عن طريق فضيحة؛ تغطي عن الحدث السياسي الهام، ليطاله التغافل والنسيان.  

تركيب

كتاب الميديوقراطية أو نظام التفاهةّ، كتاب متميز، من خلال موضوعه وكذا رهاناته، أراد به صاحبه كشف طبيعة الأنظمة المعاصرة، وتحليل لآلياتها واستراتيجياتها، وقد تتبع خلاله دونو التفاهة؛ كنسق متغلغل ضمن الجسد السياسي، والاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي، والإعلامي، تساعده قوى خفية مدفوعة بأهداف مرتبطة بالهيمنة والسيطرة، كما تدفع إلى تنميط المجتمع وقيمه، والحط من حضارته من خلال كل الاشكال الثقافية.

ان نظام التفاهة ليس بالشيء الذي يستهان أمره، بل هو نظام كامل القواعد لا يخطئ هدفه، تكمن خطورته في طبيعة خطابه، الذي هو خطاب مصلحي محض، وشروط تحققه وانتشاره ممكنة ويسيرة، فهو يجد كل القنوات مفتوحة لمستهدفيه، فيسهل التسليم به والانقياد الأعمى له، خاصة في ظل سيادة أزمة فكرية وعلمية، وبالتالي؛ “فحقيقة هذا النظام الوسطي المتطرف قاسية ومميتة معا“(38).  

 المرجع:

  • دونو، آلان، نظام التفاهة، ترجمة مشاعر عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر، ط1، لبنان-بيروت، 2020،

الهوامش:

(1)دونو، آلان، نظام التفاهة، ترجمة مشاعر عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر، ط1، لبنان-بيروت، 2020، ص 69

(2) – نفس المرجع، ص 70

(3) -نفس المرجع، ص 74

(4) – نفس المرجع، ص 73

(5) – نفس المرجع، ص 70

(6) – نفس المرجع، ص 360

(7) – نفس المرجع، ص 74

(8) – نفس المرجع، ص 77

(9) – نفس المرجع، ص 356-357

(10) – نفس المرجع، ص 331

(11) – نفس المرجع، ص 73

(12) – نفس المرجع، ص 97

(13) – نفس المرجع، ص 93

(14) – نفس المرجع، ص 127

(15) – نفس المرجع، ص 130

(16) -نفس المرجع، ص 129

(17) – نفس المرجع، ص 143

(18) -نفس المرجع، ص 308

(19) – نفس المرجع، ص 78

(20) – نفس المرجع، ص 185

(21) -نفس المرجع، ص 204

(22) -نفس المرجع، نفس الصفحة

(23) -نقصد هنا كل أنواع وأشكال الاعلام والصحافة الرسمية والأقلام المأجورة التي تشتغل لصالح قوى معينة تنطوي على التفاهة،

(24) – نفس المرجع، ص 46

(25) -نفس المرجع، ص 47

(26) – نفس الرجع، ص 49

(27) – نفس المرجع، ص 286

(28) – نفس المرجع، ص 51

(29) -نفس المرجع، ص 339-340

(30) – نفس المرجع، ص 339

(31) – نفس المرجع، نفس الصفحة

(32) – نفس المرجع، ص 85

(33) – نفس المرجع، ص 251

(34) – نفس المرجع، ص 253

(35) – نفس المرجع، ص 266

(36) -نفس المرجع، نفس الصفحة

(37) – نفس المرجع، ص 279

(38) – نفس المرجع، ص 84

أنظر أيضا للكاتب:

مفــهوم الحال في فلسفة سبينوزا (*3)

‏3 أسابيع مضت كتبمفاهيممقالات 0

احمد اوزاهي ” أعني بالحال ما يطرأ على الجوهر، وبعبارة أخرى ما يكون قائما في ذاته ويتصور بشيء غير ذاته.”(1) ينطلق سبينوزا في تحديده للحال من اعتباره دالا على كل ما ينتج عن الطبيعة الإلهية الوجودية المطلقة، أي الطبيعة الطابعة، بطريقة مباشرة، أو بكونها محددة لإنتاج معلولات ما، “فكل شيء …أكمل القراءة »

مفــهوم الصفة في فلسفة سبينوزا (2)*

‏3 أسابيع مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلاتمفاهيم 0

احمد اوزاهي . أجمد أوزاهي ” أعني بالصفة ما يدركه الذهن في الجوهر مقوما لماهيته”(1) الصفة مفهوم أساسي وهام في المنظومة الفكرية لسبينوزا، إذ يتناولها كمبدأ للمعقولية، فهي ملازمة للجوهر، وما به يتحدد هذا الأخير بالنسبة للذهن ويتحقق، أي ما يدركه الفهم على أنه مقوم ومحدد للجوهر، وهي من جهة …أكمل القراءة »

في الجوهر عند سبينوزا

‏4 أسابيع مضت عامةمفاهيممقالات 0

احمد اوزاهي احمد اوزاهي كل مقبل على سبينوزا وفلسفته، لابد وأن ينطلق بداية؛ من معرفة أساسية بمفاهيمه* قصد تشرب معاني خطابه وإدراك دلالاته، فيدرك الحوار الذي قاده سبينوزا وأجراه مع التراث الديني والفلسفات القديمة والمعاصرة له، محاولة في تقعيد وتأسيس معجم جديد هو بمثابة مشروع أصيل وجريء، يحدد من خلاله …

شاهد أيضاً

دلالات مفهوم الرغبة في فلسفة اسبينوزا

محمد المخلوفي محمد المخلوفي           حظيت قضية الرغبة باهتمام فلسفي منقطع النظير، حيث توجهت اهتمامات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *