الرئيسية / منتخبات / عامة / غسيل المعرفة في المؤسسة الدينية!

غسيل المعرفة في المؤسسة الدينية!


هايل علي المذابي

*احتمالية النصوص ومرونتها، مبرر تشوه المقدس؟!.

هايل علي المذابي

 إن النصوص الدينية بكل أشكالها هي عبارة عن مواد تتصف بالمرونة والمطاطية، ولا يمكن أن يصدق عليها التأكيد الجازم فيما تذهب إليه هذه النصوص من معنى، بمعنى أنها مواد احتمالية في معناها ولكنها لا تعطي محتويات.
هذه الاحتمالية والمرونة التي يتصف بها أي نص ديني  تجعله قابلا للإتساع في التأويل إلى حد أن يعتبره البعض في تأويله متناسباً مع الغاية التي يرومها، وملبياً لحاجاته، فيجسد النص الديني في هذه الحالة القابلية لاتخاذ مسارين، الأول مسار الخير والثاني مسار الشر، لولا أن الاجمالي العام في الرسائل الدينية وما تحمله من معاني يسير في طريق الخير ولذلك فتحميل النص الديني صبغة العنف والقتل وتبرير الشر هو غسيل للمعرفة البيضاء التي يحملها معنى النص الديني وما يفترض به أن يحمله، فالجانب الخاطئ ليس من اختصاص النصوص الدينية بل احتماليتها تدفع نحو الجوانب الصائبة، وتوجب على أي مستخدم للنص الديني أن يذهب تأويله في اتجاهها.
إن النظر العميق يهدي إلى وحدة الغرائز السيكولوجية، بمعنى أن جميع الغرائز تنبع من مصدر واحد، وهو حب النفس ورجاء الخير لها، فالإنسان يتصرف وفقا لهذه السيكولوجية وما تفرضه عليه، وكل ما يفعله كذلك ينبع من عقيدة الإنسان بأنه يلبي نداء غرائزه ويخدم احتياجاته، وهنا نجد أن تفسير النصوص الدينية وتأويلها يتم بناء على هذه الحقيقة السيكولوجية التي تكون فيه حالة المرونة في المعنى تأخذ مسار تلبية احتياج الإنسان ورغباته.
لقد ولد التشوه في المؤسسة الدينية عندما قام الإنسان بعملية غسيل معرفي للنص الديني فجعله يلبي رغباته وغرائزه، حتى ولو كانت في الإتجاه الخاطئ، بدلاً من الامتثال للتعاليم الدينية التي تحث على الخير والمحبة وإشاعة قيم كالتسامح والسلام بين الناس، فصار نفور معظم الناس من مؤسسات الدين ورجالاتها ليس بسبب كراهية النصوص الدينية بل بسبب هذه الاتجاهات الخاطئة التي يسير فيها تأويل هذه المؤسسات ورجالاتها للنصوص الدينية بشكل عام بطريقة واضحة أنها لا تخدم سوى مصالحهم ولا تلبي سواء نداءات رغباتهم وما تفرضه سيكولوجية حب الذات عليهم.
وبهذا صارت المؤسسة الدينية في توجه نقيض لما يدعو له النص الديني ويفترض به أن يحمله من معاني إنسانية وقيم أخلاقية، وصار النافرين من مؤسسات الدين هم من يسيرون في إتجاه الخير ويروجون لقيم الأخلاق والإنسانية.
إن الإتساع التأويلي في ما يحمله النص الديني يفرض إتساعا في معاني الخير التي يحملها المعنى ويوجب أن تحمل عليه، لكن غسيل المعرفة للنصوص الدينية يجعل المعنى يتسع في اتجاه الشر، ولكن ليس لأنه قابلٌ لهذا، حتى لو توافق قليلا مع هذا التصور أو هذا الإتجاه في التأويل، ولكن لإن رغبات الإنسان الذي يقوم بالتأويل، وشهواته أو حتى طبيعته الأخلاقية، هي ما تفرض على معنى النص أن يسير في هذا الإتجاه ويحمل على هذا الوجه تلبيةً لها.
وهنا لا تختلف المعرفة السوداء في المؤسسة الدينية عن الشكلين الرئيسيين لغسيل المعرفة، ففي الشكل الثاني يتم غسيل المعرفة في المؤسسة الدينية حين يتم تصريف المعرفة الدينية النظيفة المأخوذة من مضانها الأصيلة واستخدامها في تبرير القتل والإرهاب والتحريض على ذلك أو توظيفها في إيصال رسائل ليس لها علاقة بالدين ومنها المسائل الشخصية على سبيل المثال توظيف النصوص الدينية آيات وأحاديث وظائف غير أخلاقية نظرا لاتساع اللفظ واتساع المعنى أيضا وكذلك تصبح هذه المعرفة النظيفة معرفة سوداء حين تستخدم في المنابر لإيصال رسائل ليس لها علاقة بالدين وإنما بغرض إيصال رسائل معينة لأشخاص وقد ورد مثل هذا الكثير في مواضع كثيرة من قصص التاريخ الإسلامي.
لكن المسألة الأخطر حيث تصبح فيها المعرفة الدينية النظيفة معرفة سوداء قاتمة حين يستخدم النص الديني في تبرير القتل والتخريب والعمليات الإرهابية لإن الضرر هنا لم يعد مقتصرا على صاحب الفعل فقط بل إنه يصور المعرفة الدينية النظيفة في نظر العالم على انها معرفة قذرة سوداء تحرض على التخريب والموت والقتل والإرهاب وأن هذا الدين ومن يعتنقونه هم جميعا نمط واحد من الأشخاص غير المتحضرين المتعصبين والمجرمين.
ولعل أوضح الأمثلة على ما بلغته المؤسسات الدينية من الوحل والمعرفة القذرة والسوداء التي أصبحت سمة بارزة لها هو ان آخر الإحصائيات تشير إلى أن عدد الملحدين في الوطن العربي قد وصل إلى 85 مليون ملحد وهذا العدد قابل للزيادة بالضرورة كل يوم، ولا يختلف الامر عن الغرب كثيرا فثمة مؤسسات خاصة بالملحدين اخذت تتوسع بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة كما ان هناك مطالبات على نطاقات واسعة بقوانين أكثر مرونة من اجل حرية الملحدين في طرح آرائهم والحفاظ على سلامتهم مما قد يهددهم من المتعصبين والمتطرفين. وكما يبدو فإن هذا نتيجة طبيعية للانحراف الملحوظ نحو المعرفة القذرة في مؤسسات الدين خصوصا حين تبرر الإرهاب وتصدر فتوى التكفير وتبيح أرواح أهل الفكر أو تعتقلهم لمجرد اشتباه بلا يقين وأسباب في نفس هذا الاتجاه كثيرة.
إن النصوص الدينية بكل أنواعها وفي كل الديانات كانت غايتها الحفاظ على التوازن في المكونات البنيوية في المجتمعات، حتى يكون هناك تكافؤ بين الفضيلة والرذيلة، بين الجدوى واللاجدوى، بين المبنى والمعنى، لكن هذه الغايات تضاءلت كثيرا وتشوهت معالمها بسبب فساد المؤسسات الدينية وسيرها على غير هدى بعيدا جدا عن هذه الغاية.
إن الحضارة الإنسانية لم تزدهر إلا بأولئك الذين استطاعوا التوفيق بين ثقافة الجدوى واللاجدوى والقلب والعقل فهم من استطاع ان يمد جسورا بين الحضارات يعجر حتى البناؤون عن مدها، وعندما يصبح العالم بثقافة واحدة هي ثقافة الشكل والتقليد فقط ويفتقر إلى الجدوى فإن الجريمة والشر ستصبح هي الثقافة المطلقة فقط وهي الشريعة المنتهجة في المجتمعات البشرية.
إن النصوص بكل أنواعها لا تعطي سوى احتمالات فقط ولا يمكن أن يعطي النص محتويات، وهنا يصبح التفسير لهذه النصوص خاضعا لمسألة أخلاقية فقط وليس قواعد او قوانين، مثلا، حين يكون رجال الدين متعصبون يصبح تفسير النصوص متعصبا ظالماً، والعكس صحيح أيضاً، بمعنى إن النصوص لها طبيعة مرنة جداً بحيث يمكن ان تتسع ليكون الإنسان وخدمته هو الغاية وقد تضيق كذلك حتى تصبح مشكلة عظيمة جدا لا يمكن ان تذهب أبعد من قتل الإنسان وجعله مجرماً إرهابياً لا يتقبل الآخر ولا يمكن ان يعامله إلا من خلال منطق العدو بفارق أنه منطق مطلق ورؤية شمولية.
لكن التخلف الواضح بسبب شلل الذهنية التي تنتهج اتباع النصوص بمنطق “الحفظ، والتلقين الأبوي الذي يتم التنشئة عليه في معظم المجتمعات، أو ما يسمى “Atavism” “تقديس الأسلاف” والذي يجعل الإنسان ضحية لمعتقداته بدلا من ان تكون له نصيرا ومعينا على الرقي والازدهار واستئناف مشوار بناء الحضارة الإنسانية وليس تدميرها.
ويستطيع الإنسان بكل سهولة أن يفهم ذلك المنطق المتعصب الذي يستخدمه رجال الدين وفقا لرؤيتهم وتفسيرهم المتعصب للنصوص في سبيل القضاء على خصومهم ومحاربة اعدائهم كما هم يرونهم على الأقل، أنه ناشئ عن بيئة سيئة نشئ فيها هؤلاء الأشخاص ممن يعتد بهم في المسائل الدينية حيث أنها بيئات متعصبة وسيئة إلى أبعد ما يمكن تصوره، فرغم التقديس العظيم للمؤسسات الدينية في أعراف المجتمع إلا أن أسهل وظيفة يمكن لشخص ليس له أدنى حظ من العلم والادب والفهم والتفكير أن يحظى بها خصوصا أن الكثير ممن نجدهم اليوم يتصدرون المراتب العليا في هذه المؤسسات لم يكونوا، إلا من رحم الله، في شبابهم سوى مجرمين وسوابق وحين يتم اقصاؤهم واستبعادهم نظرا لتلك السوابق من كل الوظائف والاعمال وحتى التعاملات الاجتماعية لا يجدون غير الالتحاق بالمؤسسات الدينية، وهنا لنا أن نتساءل كيف يمكن ان يكون تفسير النص الديني وفقا لرؤية شخص له كل هذا التاريخ وخصوصا في تعاملاته مع أعدائه، أو على الأقل ممن يفترض أنهم أعدائه؟

هذا الفساد في المؤسسات الدينية جعل الكثيرين ضحايا لأفكار مثل هؤلاء فالرغبة في الانتقام من المجتمع والمخالفين للرأي لديهم تصبح ظاهرة بوضوح في كل ما نجده اليوم في كل التعاملات وعلى كافة الأصعدة.
حين تستبعد البغي في المجتمع من كل شيء نظراً لما تفعله وهذا يحدث أيضا حتى بعد توبتها بمعنى انها قد تتوب وقد يتقبل الله توبتها إلا أن المجتمع يتصرف معها بشكل أكبر من تسامح الله فلا يمكن ان يغفر لها مطلقا وتظل مستبعدة مشتبهة وحينها لا تجد بداً من الاستمرار في مشوار البغاء كانتقام من المجتمع الذي نبذها، وما يحدث خلاف هذا هو قليل جدا نظرا لقلة الوعي، وهذا الاستبعاد هو ما يجعل رجال الدين متعصبون جدا وهو سبب وجود إرهاب وجريمة في العالم بأسره.
وكمثال على طريقة غسيل المعرفة البيضاء وتحويلها إلى معرفة قذرة في المؤسسة الدينية، وتطويعها لخدمة مصالح شخصية لأفراد وجماعات، نذكر مثالاً على ذلك حادثة اعدام توماس مور، إذ وفي عام 1534 اصدر الملك هنري الثامن قرارا بفصل الكنيسة الانجليزية عن كنيسة روما، وذلك لاسباب شخصية جدا تخص رغبة الملك في تطليق زوجته الملكة كاترين وعين الملك نفسه رئيسا لكنيسة انجلترا وطلب من رجال الدين والدولة الاعتراف به رئيسا للكنيسة ورفض مور فيمن رفضوا الإقرار برئاسة الملك للكنيسة ولم يمضِ على هذا الموقف بضعة شهور حتى كان مور متهما بالخيانة وأمر الملك رسميا بالقبض عليه وسجنه عام 1535 وبعد أشهر قليلة قضاها توماس مور في السجن صدر الحكم بإعدامه وحدد طريقة الإعدام بقطع الرأس ثم شق الجسد وإخراج الأحشاء وبعد محاولات كثيرة لاستعطاف الملك اكتفى بتنفيذ حكم الإعدام فقط وقد نفذ الحكم في 6 من يوليو 1353.

 لقد تعمم دور فكرة الصواب جماعي والخطأ فردي أيضاً التي قال بها ابن تيمية وتتمحور حولها الكثير من الأفكار الدينية وتنطلق منها بطريقة غسيل المعرفة ذاتها إلى مختلف مجالات الحياة بأكثر مما تحمله من خطأ في الفكرة ومحتواها ذاته حين نخضعها للنقاش، فأصبحت تمثل الشللية والتكتل في الممارسة الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية وغيرها وغباء الأفراد وفشلهم يغطي عنه صواب فكرة الصواب جماعي. وكل مختلف مهما بلغ عبقرية وابداعا وعلما منبوذ في كل الحالات ومهضوم ومسروق الفكر والمعرفة لحساب ذات الفكرة ومفهومها. بمعنى اننا هنا تجاه خطأ مركب يمثل إنحدار وإنحدار الإنحدار في المعرفة والمفهوم.

المعرفة_السوداء

إننا نعيش في العصور الذهبية للمعرفة السوداء وجرائم غسيل المعرفة..

وكل شيء لا يعطي من الدلالات سوى عكس مهمته!

فاللا متغيرات البنيوية أصبحت في موضع المتغيرات…

والفقراء يحتشدون كل يوم ليتظاهروا ضد الرغيف، ثم يعودون إلى منازلهم ليبتهلوا، ويسبحوا، بحمد سياط الجلاد المضفورة من جلودهم.!

رجال الآلهة يدعون كل يوم إلى القتل وسفك الدماء..
والملحدون أنبياء، يدعون إلى المحبة والسلام، وإشاعة قيم التسامح بين البشر.!

أجهزة الأمن سلسلة لا تنتهي من المجرمين، والسجون يعمرها الشرفاء.!

الأوطان التي كانت مهمتها كرامة المواطنين وصونها تحولت إلى آلة لإنتهاك كرامة المواطن.!

المؤسسات الثقافية والفنية والنقابات، تحولت إلى بيوت دعارة، سخّرت نفسها لأكل لحوم المثقفين والمبدعين.!

والعوالم السفلية وبيوت الدعارة، أصبحت الملاذ الآمن لحماية المبدعين.!

كل الأسماء التي نصادفها، إلا لماماً،
لا تعطي على الواقع إلا ما هو عكس دلالاتها وضد ما تعنيه من الصفات.!

هايل علي المذابي

شاهد أيضاً

درس محمد عابد الجابري: في العلاقة بالآخر

محمد ازويتة في إحدى المساهمات الثقافية التي قدمها الباحث المغربي عز العرب بناني ، على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *