الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / حول الجنوسة الاجتماعية

حول الجنوسة الاجتماعية

رقية لكبير

يهتم علم الإجتماع بالدراسة التفصيلية للمجتمات البشرية، و الانساق الإنسانية، و العلاقات الأسرية، و سائر التفاعلات الاجتماعية و الجماعية و التنشئة الاجتماعية و كل ما يتعلق بالتمثلات و الاتجاهات في الحياة البشرية، فهو علم يهتم بدراسة الحياة الاجتماعية للأفراد سواء بشكل مجموعات أو مجتمعات.
و من بين أهم القضايا التي يتناولها علم الاجتماع نجد الجنوسة فهي واحدة من الإشكاليات التي تطرح باستمرار في العلوم الاجتماعية الحديثة.فالجنوسة أو الجندر بالانجليزيه هو علم الجنس السوسيولوجي و يعني دراسة المتغيرات حول مكانة كل من المرأة و الرجل في المجتمع بغض النظر عن الفروقات البيولوجية بينهما وفق لدراسة الأدوار الاجتماعية التي يقومان بها ، أي بمعنى أن المرأة أو الرجل ينبغي النظر إليهما من منطلق كونهما إنسان بغض النظر عن جنس كل منهما.

الجندر/النوع الاجتماعي

وقد برز هذا المفهوم الجندر أو النوع الاجتماعي بصورة واضحة في بداية السبعينات من القرن الماضي و من أوائل من حدد مفهوم النوع من وجهة نظر سوسيولوجيا نسائية هي آن اوكلي التي ميزت بين الجنس و النوع ، فكلمة الجنس تحيل على الفوارق البيولوجية بين الذكور والإناث ، و إلى الفوارق الظاهرة بين الاعضاء الجنسية، و كذا إلى الفوارق في ارتباطها بالوظيفة الفيزيولوجية و الانجاب . أما النوع فهو معطى ثقافي يحيل على التصنيف الاجتماعي مذكر/مؤنث ، و تخلص اوكلي إلى القول بأن النوع الاجتماعي هو بمثابة الجنس الاجتماعي ¹.في هذا السياق نجد Antoinette Fouque التي اعتبرت أن مفهوم النوع الاجتماعي يعني مميزات الرجل و المرأة و هي مميزات تتصل بعلاقتهما الاجتماعية تحت تأثير عوامل اقتصادية و ثقافية و أيديولوجية تحدد ادورهما ، و ناقشت أيضا مسألة المساواة بين الجنسين في السياسات العامة الحكومية و غير الحكومية.إذن إن الفروقات في الجنوسة أو بين الأنواع الاجتماعية ليس من الضروري نابع من الفروقات البيولوجية بين الذكر و الانثى إنما هي فروقات مترجمة عن نظرة المجتمع و الحضاره للنوع الاجتماعي بشكل أساسي و على التوقعات التي يبنيها المجتمع نفسه من النوع الاجتماعي الآنف ذكره . اي ان نظرة المجتمع و التوقعات الجندرية فيه هي التي تبني و تصمم مراحل تطور الذكر كرجل و الانثى كامرأة و هي نفسها التي تصمم الطبقية و المجتمعية القائمة على تفوق لصالح الرجل عن المرأة.نظرا لإرتباط الفوارق الجنوسية ارتباطا وثيقا بالمسائل المتعلقة بالتفاوت و عدم المساواة و القوة في المجتمع فإن هذه القضية تستحوذ على اهتمام كثير من علماء الاجتماع . يضاف إلى ذلك أن التغيرات التي أحدثتها الحركات النسائية خلال العقود القليلة الماضية قد أدت إلى الاعتقاد لدى الكثيرين بأن أنماط التفاوت و اللامساواة الجنوسية إنما يجري إنتاجها و تعزيز وجودها بل و تحويلها من جانب المجتمع . و قد غادت الدراسات المتخصصة بشؤون الجنوسة و السلوك الجنسي من الموضوعات التي يكثر الإقبال عليها في العلوم الاجتماعية الحديثة ².

التنشئة الاجتماعية و الجنوسة

ماذا يعني أن يكون الإنسان رجلا ؟ و ماذا يعني أن يكون امرأة ؟ قد يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أن يكون الإنسان رجلا أو امرأة أمر مرتبط بجنس الخصائص البيولوجية الجسدية التي ولدنا بها بمعنى أنه يتعلق بالتميز الجنسي بين الجنسين اي من خلال الوصف التشريحي . غير أنه في منظور علم الجنس السوسيولوجي أمر مختلف فالمرء يولد كائنا بيولوجيا و النظم و الأنساق الاجتماعية و الثقافية هي من تحوله إلى ماهو عليه ، اي انه يولد ذكر أو أنثى ، و التنشئة الاجتماعية و التربية هي التي تحوله إلى إمرأة أو رجل . إن تصورنا عن الهوية الجنوسية، بل و عن الاتجاهات و التمتلات  و التصورات و التفاعلات و العلاقات و الميولات الجنسية تشكل جانبا أساسيا من شخصيتنا تبلور في مرحلة مبكرة جدا من حياتنا و أصبح راسخا في أعماق نفوسنا طيلة العمر .فالجنوسة أو النوع الاجتماعي ليس أمرا مقدرا مند اللحظة التي نتكون فيها قبل تسعة أشهر من ولادتنا بل إنها أمر نسهم نحن في صنعه و تنميته خلال حياتنا اليومية عبر تفاعلنا الاجتماعي مع الآخرين فمن الوجهة الاجتماعية ننتج و نعيد إنتاج الجنوسة من خلال آلاف من الأفعال و الممارسات في الحياة اليومية³. 
إن طرحنا لهذه المسألة و بهذه الكيفية يحيلنا مباشرةً إلى إشكال جوهري لابد لنا أن نستحضره و هو نفس الإشكال الذي طرحته سيمون دي بوفوار في كتابها الشهير “الجنس الآخر”  حيث قالت « ليس بوسع البيولوجيا الإجابة على السؤال الذي يشغل بالنا : لمذا تكون المرأة الجنس الاخر؟ ينبغي لنا أن نعرف ما فعلته الإنسانية بالأنثى البشرية»⁴.في نفس السياق عند دي بوفوار ترى أنه لا يمكن لأي حدث بيولوجي أو نفسي أو اقتصادي أن ينفرد بتحديد الشكل الذي ستتخده الانثى البشرية في قلب المجتمع، لكن مجموعة الظروف الحضارية هي التي تكون هذا المنتوج المتوسط بين الذكر و الخصي ، الذي نسبغ عليه صفة الأنوثة عند المرأة⁵.

الجنوسة و البيولوجيا

لكن رغم هذا التوجه فإن هذه المسألة تطرح نقاشات مغايرة فهناك اختلاف العلماء فيما بينهم حول الدرجة التي تتحكم فيها الخصائص البيولوجية التي نولد بها على شخصيتنا الجنوسية و أنشطتنا الجنسية بصورة قاطعة مطلقة و دائمة⁶.و في هذا الصدد تتحدث ميليسا هاينز في كتابها جنوسة الدماغ عن «فروق جنوسية gender differences» و «فرق جنسي» ،بحيث تعد فروق الجنوسة محددة اجتماعيا، في حين تقوم الفروق الجنسية على أسس بيولوجية، و تقول «أنه نظرا إلى محدودية معرفتنا بماهو محدد إجتماعيا أو بيولوجيا ؛ فإني اعتقد استحالة مثل هذا التمييز »⁷ . و تعتبر أن  الفروق السلوكية و الجنسية هي نتاج تفاعلات معقدة بين عدد من المؤثرات المتباينة ، يعتبر بعضها بيولوجيا و البعض الاخر اجتماعيا ، لكنها تستنج أخيرا أن التمييز بين المؤثرات البيولوجية و الاجتماعية هو أمر زائف نوعا ما، و تقول في هذا السياق « كل سلوكنا محكوم من قبل أدمغتنا ، و بهذا المعنى هو ذو أساس بيولوجي »⁸.يتضح اذن أن أصحاب هذا التوجه يعتبرون أن التكوين الجسمي البيولوجي للإنسان مثل ( الهرمونات و الكروموزومات و حجم الدماغ و المؤثرات الجينية هي المسؤولة عن فروق فطرية في سلوك الرجال والنساء⁹. حيث يعتبرون أصحاب هذا الرأي أنه يمكن ملاحظة هذه الاختلافات في مختلف الثقافات مما يعني أنه ثمة عوامل طبيعية تؤدي إلى اللامساواة بين الجنسين في جميع المجتمعات تقريبا .هكذا يتضح أن الدارسين في هذا السياق يعتبرون أن الفروق بين الرجال والنساء محدد جينيا.
لكن هذا التوجه يواجه الكثير من النقد ، ذلك أن النظريات القائمة على الاختلافات الطبيعية كثيرا ما تعتمد على البيانات التي تتوافر عن السلوك الحيواني -مثل التفوق في النزعة العدوانية- ؛ لا على البيانات الانثروبولوجية أو التاريخية عن السلوك الإنساني.يضيف النقاد لهذه النظريات أن شيوع صفة ما في جميع المجتمعات لا يعني أنها بيولوجيا في أصولها، حيث أنها قد تنتج عن عوامل ثقافية متماثلة في تلك المجتمعات أو انشاءات اجتماعية متشابهة.
*على سبيل الختم* يمكن القول بأن وضعيات الرجال والنساء في المجتمع ليست نتاج بيولوجي أو لها علاقة بالفروق الطبيعية و إنما هي عبارة عن انشاءات اجتماعية لها علاقة بالأساس بالتنشئة الاجتماعية و العوامل الثقافية.فيمكن أن نشير في هذا السياق إلى الحديث عن التقسيم الجنسي للعمل أو التقسيم الاجتماعي للعمل بين الجنسين هذا التقسيم الذي يتضح انه لا يترجم التكامل بين المهام بقدر ما يترجم السلطة التي تمارس على النساء و كل انواع القهر و الإقصاء و التهميش الذي تعانيه المرأة داخل المجتمع ، حيث أنه يتضمن نوع من الأولوية بين الرجال و دائرة الإنتاج ، بينما يحصر النساء في دائرة إعادة الإنتاج . هذا يتضح من خلال مبدأي هذا التقسيم ؛ مبدأ الفصل  حيث هناك أعمال خاصة بالرجال و أخرى خاصة بالنساء ، و مبدأ التراتبية فنجد أن أعمال الرجال لها قيمة أكثر من أعمال النساء .هذه المفارقة التي تبدو في أغلبية المجتمعات إلى درجة يبدو فيها هذين المبدأين أمر طبيعي وا صالح لكل المجتمعات هذه الأيديولوجيا التي تحيل إلى أن الأمر بديهي ، نجد أن الواقع التاريخي و الأبحاث الانثروبولوجية تثبت العكس و توضح أن التقسيم الجنسي للعمل ليس ثابتاً أو جامداً أو طبيعياً ، هذا لأن قسيم العمل بين الجنسين يتغير تبعا للتغير الزمان و المكان ، الوقائع التاريخية و الدراسات الانثروبولوجية تظهر ذلك و تعر لنا الواقع فمثلا المهام التي تعتبر أنثوية في مجتمع ما يمكن أن تعتبر ذكورية في مجتمع آخر و يمكن الإشارة بالأعمال الرائدة لمارغريت ميد .حيث أن سؤال هل يختلف الرجال والنساء فعلا ؟ يطرح  مستويات عديدة يسهل الخلط بينها لكن البحوث الانثروبولوجيا و السوسيولوجيا التي أجرتها مارغريت ميد تشير إلى أن الجنوسة بنية ثقافية ، و ثمة في المقابل أقطاب البيولوجيا الاجتماعية أمثال ويلسون بثوا الحياة في الحجة القائلة إن الأنماط السلوكية القياسية الذكور والإناث قد تحددت بيولوجيا . انها مناظرة الطبيعية مقابل التنشئة . و فيما بين هذين الطرفين تقع مساحة واسعة من الظلال الكثيفة و وفرة من تساؤلات بلا جواب 10 !
من الناحية العقلية ثمة كوكبة من النساء المتخصصات في العلوم و الرياضيات مشهود لهن بإنجازاتهن . و من الناحية العاطفية ثمة العديد من الذكور الفنانين و الموسيقيين و الكتاب أفصحوا عن أن الكروموزوم (y) لم يحل بينهم و بين المشاعر العاطفية .

المراجع

1 : آن اوكلي “الجنس ،النوع ،المجتمع”19782 : انتوني غدنز “علم الاجتماع” ترجمة و تقديم:الدكتور فايز الصياغ، الطبعة الرابعة ،2005 ، ص 1863 : أنتوني غدنز نفس المرجع، ص 1854 : سيمون دي بوفوار “الجنس الاخر” ص 215 : سيمون دي بوفوار ،نفس المرجع،  ص 206 : أنتوني غدنز ،نفس المرجع، ص 1867 : ميليسا هاينز “جنوسة الدماغ” 2008 ،ص238 : ميليسا هاينز ،نفس المرجع، ص 239 : أنتوني غدنز ،نفس المرجع، ص 18710 : ليندا جين شيفرد “أنثوية العلم” ،ترجمة يمنى طريف الخولي ,2004 ص 27

شاهد أيضاً

دلالات مفهوم الرغبة في فلسفة اسبينوزا

محمد المخلوفي محمد المخلوفي           حظيت قضية الرغبة باهتمام فلسفي منقطع النظير، حيث توجهت اهتمامات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *