الرئيسية / ترجمة / حوار مع ستانلي كافيل: تأملات في مسيرة فلسفية

حوار مع ستانلي كافيل: تأملات في مسيرة فلسفية


جميلة حنيفي

ترجمة: جميلة حنيفي*

حوار مع ستانلي كافيل Stanley Cavell

تأملات في مسيرة فلسفية Reflections on a Life of Philosophy

أعتقد بإمكاننا أن نبدأ الحوار بسؤال حول لودفيغ فيتجنشتاين. في عام 1996 قمت رفقة الأستاذ ريتشارد موران Richard Moran بتقديم درس حول كتابك الموسوم ادعاء العقل The Claim of Reason، وإذا لم أكن مخطئًا تلك كانت أول فرصة لإعادة قراءة جادة ومنظمة لهذا الكتاب منذ صدوره. علاوة على ذلك مثّل هذا الحدث فرصة للعودة إلى لقائك الحاسم مع فيتجنشتاين، فلماذا هذه العودة؟ كيف كانت دلالتها بالنسبة إليك؟

أنت محق، إنها أول إعادة قراءة جادة ومنظمة لهذا الكتاب منذ صدوره. إن السؤال “لماذا” مهم بالنسبة إلي، وقد سبق وأن طرحته أنا نفسي، ولا أريده أن يندثر بدعوى أن هناك إجابة عملية مباشرة. وددت، في لحظة ما، إهداء هذا الكتاب لقسم الفلسفة في جامعة هارفارد كواحدة من الإهداءات المقدمة له. فمن المحتمل جدًا إذا كتب أحدهم، في أي قسم، كتابًا هاما أن يُعتمد كمادة للتدريس. ولكني لم أجد البتة طريقة للقيام بذلك، وكان وجود أستاذٍ شابٍ وحديثٍ في القسم، فرصة جيدة بالنسبة إلي. ففي أحد الأيام في سياق حديثي مع ريتشارد موران سألته إن كان مهتمًا بالفكرة. لقد تبدت لي فرصة الإنصات لصوت شابٍ، تكون استجابته للأمر مختلفة عن استجابتي الخاصة، السياق المناسب للقيام بذلك.

مع هذا الكتاب تحديدا وأكثر من أي كتاب آخر قمت بتأليفه، لم أفكر في أي وقت آخر من الأوقات في تدريس مادته، فما كتبته لم أستطع تدريسه لأنه ليس علمًا دقيقًا، كما أنه ليس منطقًا؛ فأنا لا أريد أن أكون شرطيًا لأراقب ما إذا كان المرء على صواب في فهمه أم على خطأ. وبطبيعة الحال يهمني ذلك بوصفي مدرسا، لكنني بوصفي كاتبا فإن أي رد سيجعلني لا محالة أفكر؛ وأسأل لماذا انبجس رد معين في صدر بشري آخر، هذا ما أود معرفته. من الناحية التقنية هذا يثير بعض المشاكل، فقد كانت فرصة الاستماع للصدى الرجعي للكلمات، مبتورة بعض الشيء، خاصية أخرى تضاف إلى خاصيتين خارجيتين أخريين – هل هما خارجيتين؟ – الحق جميعها ما تزال تثير أصداء قوية للغاية بداخلي.

في عام 1997 صدرت الترجمة الفرنسية لكتاب ادعاء العقل. لقد عملت في هذا المشروع في أوقات مختلفة على مدى السنوات العشر أو الاثنا عشرة الماضية حيث كانت الترجمة قيد الإنجاز، وحيث تم إيقافها تارة وتأخيرها تارة أخرى، وأنا بصدد التفكير في هذه المقاطع بلغة أخرى -وهو أمر إنجازه مهم جدا، كما أنه يشكل مصدرا لنوع دقيق من الاغتراب- حتى أتمكن من إعادة الأمور إلى نصابها، وإعادة النظر فيما كان يحدث في النص، فأحيانا يتفاجأ المرء، وأحيانًا يسعد، وأحيانًا أخرى يترح.

هناك شيء آخر، لقد كان ذلك آخر عهدي بالتدريس، وكطريقة معينة لتوديع الجانب الرسمي له، بدت لي تلك طريقة لمراجعة كل شيء في حياتي وفي إصداراتي، ما دام أن كتاب ادعاء العقل يشكل قسما معتبرا من أطروحة الدكتوراه. ولا يزال أيضا يشكل جزءا مما أقوم بكتابته مؤخرا. لذلك إذا كان هناك نص واحد لي، أعود إليه بغية حسم الأمور، فسيكون هذا الكتاب بعينه.  

السؤال الذي لا أجد له إجابة هو لماذا كنت أشعر بأنني مستعد للقيام بذلك، حتى إنني شعرت أنه قد يكون القيام به أمرا مبدعا، والفرصة الأخيرة للقيام بشيء ما في قاعة الدرس التي اعتدت عليها وجعلت منها منزلي، والفرصة الأخيرة للقيام بذلك والاستماع إلى هذا الكتاب من خلال تلك الأحاسيس. تلك تجربة لم أرد تفويتها. آمل بل إنني أشعر بأنني أستفيد من القيام بذلك.

يعتبر لقاءك مع فيتجنشتاين لقاءً مع كتابه الموسوم تحقيقات فلسفية PhilosophicalInvestigations،لماذا تحجم عن التعليق على كتاباته الأخرى المتأخرة، مثل في اليقين  OnCertainty أو محاضرات في المعتقد الديني Lectures on ReligiousBelief أو الثقافة والقيمة  Culture and Value؟ هل تجدها بشكل ما أقل شأنا من كتاب تحقيقات فلسفية ؟

لم أجب عن الجزء الأول من سؤالك السابق. بقدر ما يعتبر نصي هذا تعليقا على فقرات من كتاب تحقيقات فلسفية، فأنا لا أجد أن تدريس كتاب ادعاء العقل يحيلني إلى فتجنشتاين. ربما السبب يكمن –بمعنى ما- في كوني لم أتخل مطلقا عن فتجنشتاين، فهو دوما موجود وعلى وشك الظهور. إذن لما يختلف الأمر مع كتاباته المتأخرة؟ إذن ذلك سؤال جيد نتفادى به سؤالك عن الأعمال المتأخرة. أنا أحترم وجهة نظرك بكل لطف.

حصريا أعلمك بأنني وعلى وجه التحديد قد كتبت في مناسبتين نصوصا متفرقة عن الثقافة والقيم في افتتاحية المجلات، وكتبت واحدا على وجه الخصوص، وهو نص متأخر جدا، في السنتين أو الثلاث سنوات الماضية عن فتجنشتاين، وتلك كانت أول مرة أحاول الكتابة عنه بطريقة منظمة. في هذا النص ربطته مباشرة بالرومانسية الألمانية. ولكن ذلك يروي بصفة جزئية القصة التي لدي بهذا الشأن. لا أشعر بأنني مجبر على العودة إلى فيتجنشتاين أو المواصلة معه، لكن عندما يلمع وميض صغير من النور، أرحب بذلك ويسرني أن أتابعه إلى حيث يقودني. أو عندما يدفعني شخص ما للقيام بذلك، فأنا أسعد بذلك أيضا. أو عندما يخبرني أحدهم أن فيتجنشتاين هو نيوبراغماتي  neo-pragmatist، أو كلمات من هذا القبيل، أسعد أيضا، تماما كما فعلت في ورقة بحثية صغيرة قدمتها في ملتقى براغماتي، حيث تمت إثارة هذا السؤال. لا أرى نفسي دارسا لفيتجنشتاين، وأنا لا أستمر في افتناني بما يمكن أن يقدمه فلسفيًا، بغض النظر عن أن هذا الافتتان المتغير الوتيرة قد استولى عليّ فيما يتعلق ب تحقيقات فلسفية. فكل ما تأثرت به تقريباً يبدو لي أنه صدر من هذا الكتاب.

لن يكون الأمر صحيحًا بالنسبة إلى الرياضيات، لكنني أقول بضعة أشياء عن الرياضيات في ادعاء العقل، وأقولها إلى درجة أنني أعتقد أنه لدي شيء جديد أو نافع لقوله بشأنها. الأن أنا متأكد من أن أيّا من تلك النصوص الأخرى سيهمني ويلهمني، ولكنني لا أجد ذلك في كتاب في اليقين على الرغم من أشياء كثيرة أعجبتني فيه. ولكن يبدو لي بالمقارنة مع تحقيقات فلسفية– ولكن لماذا أقارنه بهذا الكتاب، أقوم بذلك فقط حتى أغوص فيه- لا بد أن يكون الأمر بطريقة ما مختلفًا. أعتقد لست مهتما بتسجيل الفروق البسيطة أو التقدم الطفيف في هذه الطريق أو تلك. لكن لديّ أصدقاء ويمكن لأي منهم أن يساعدني في فهم إحدى هذه النصوص إذا أرادوا ذلك. في الحقيقة لم يحثن أحد، وبصورة جزئية أدرك جيدًا عدد الأشياء الأخرى التي لم أقرأها ولم أفكر فيها، وأنا الآن منغمس فيها.

اهتمامي بشكسبير، على سبيل المثال، ينبثق بسرعة كبيرة مرة أخرى، وفي العديد من المناسبات، بعضها يعيدني إلى فتجنشتاين. ولأنني لست على عجلة من أمري فإنني أدع الأمر يسير على وتيرته. ولاحقا تتشكل العلاقة الغريبة مع فتجنشتاين. كنت سعيدًا جدًا بكتابة نصوص متأخرة إلى حد ما عن فتجنشتاين كفيلسوف في الثقافة. لقد كانت تلك مهمة كلفني بها بعض من الفتجنشتاينيين  Wittgensteinians الذين سألوا إن كنت قد فكرت فيها؛ ولما كنت لم أفعل فوددت القيام بذلك. وعندما تولدت لدي الفكرة حول كيفية التفكير في كتاباته من حيث مقارنتها بكتابات أخرى، وبخاصة كتابات شلجل Schlegel (لن أخوض في السبب الذي جعل هذا احتمالًا ممكنا) استفدت منها. لو تم الأمر من دون شغف فإنني لن أكون مدفوعا لتأديته إلا من باب تكملة مهمة. أعتقد أنني قلت كل شيء فيما يخص كتاب تحقيقات فلسفية، وأود أن يخبرني أشخاص آخرون ما إذا كنت بحاجة إلى قول المزيد.

ما هو شعورك إزاء توصيف فيتجنشتاين بفيلسوف الدين؟ هل أنت مسرور بما وجدته بهذا الشأن؟

إنه لمن الصعوبة بمكان الإجابة عن هذا السؤال. أنا لم أر قط أي شيء يسرني. أنا لست مطلعا على معظم الكتابات الثانوية حول فلسفة فتجنشتاين المتأخرة. أشعر بالحرج لقول ذلك، لكن اهتمامي بفلسفته بدأ في وقت مبكر جدًا –بهذا الصدد أنا مرتبط بجيلي-. كان تقييمي للكتابين الأزرق والبنيBlue &Brown Books  بأغلب الأحوال مبكّرا حقًا في اللعبة الفيتجنشتاينية في هذه الثقافة. كان ذلك، لا أعرف، قبل خمسة وثلاثين عامًا عندما كتبت “صلاحية الفلسفة المتأخرة لفتجنشتاين” The Availability of Wittgenstein’s Later Philosophy وليس هناك مما قلته ما أضطر إلى التراجع عنه. أقصد أن المسار الذي انتهجته بعزم في أطروحتي هو نفسه المسار الذي انتهجته بصدد كل كتابات فتجنشتاين.

هذا يعني أن ذلك المسار قد تم اتخاذه من خلال قراءة عدد قليل نسبيا من الكتابات الجيدة التي كنت أعرفها، والتي تم اقتراحها عليّ والتي كانت متاحة في ذلك المجال، ولم أبحث عن كتّاب آخرين يخالفونني الرأي. بالطبع أعتقد أن فتجنشتاين يوحي بأنه شخص ذو ميول دينية أو مناجات أو أمنيات لاهوتية. لقد قال ذلك بوضوح، وكذلك فعل طلابه ويمكن للمرء أن يقرأ نصوصه بهذا الخصوص.

أنا لا أقصد أن أكون مسرفا في التدقيق، لكنني أشعر بمثل هذه الميول في كتاب تحقيقات  فلسفية، وههنا تحديدا عليّ أن أفحص بنفسي ما الأثر الذي أعتقد أنه سيحدثه في اهتماماتي الدينية الخاصة. عندما يتناول فتجنشتاين موضوع الدين بشكل عفوي ونسبي ولكنه مثير للاهتمام دوما وواضح، – أنا مسرور لأنك تسألني إذا كنت سعيدًا بذلك – أشعر بالسعادة لتجاوب الناس معه. لا أشعر بالتزمت حيال اضطرارهم إلى جعل كل مقطع لفظي يقولونه عن الديني غنيمة يكسبونها من الاشتغال على جميع النصوص الأخرى لفتجنشتاين، لكن إذا لم تثمر هذه الطريقة أي تقدم فسيكون من الصعب بالنسبة إلي أن أولي الموضوع اهتماما أكبر. أقول هذا الآن وأنا أجهل الكثير مما تم إنجازه. في سنّي هذا يجب أن تلتزم معي الدقة، أعني لا بد أن يضع المرء بين يدي قراءة لاهوتية لفيتجنشتاين ويقول: “هنا، لم تفكر في ذلك، أليس كذلك؟” وبعد ذلك سأطلع على الأمر بكل سرور.

لدي سؤال عن الاكتمال الأخلاقي  Moral Perfectionism. يقول ستيفن مولهال  Stephen Mulhall، الذي أبدى اهتمامًا كبيرًا بعملك، : إن التفكير الاكتمالي لدى شخصيات مثل فتجنشتاين وهيدجر وإيمرسون  Emerson وثورو Thoreau غالبًا ما يظلله طيف التفكير الديني. في رأيك أين يلتقي الاكتمال الأخلاقي بالدين، وما هو وزن هذا اللقاء؟ هل تم ترك الدين في الخلف أم أن الاكتمال أصبح نوعًا من الدين؟

حسنًا ، فكرة الاكتمال لدى إيمرسون Perfectionism Emersonian هي قطعا بالنسبة إلي تستدعي فلسفة، ليس فقط فيما يتعلق بالحياة -كما دعا إليها أحيانًا أشخاص مغتاظين من الفلسفة الأكاديمية، ويحبذون أن يكون للفلسفة بعض التأثير في نمط عيشنا كما يقولون- بل بصورة مذهلة أكثر الفلسفة نفسها كنمط حياة. وتلكما العلاقتين بين الفلسفة ونمط العيش تعودان لإيمرسون، فبتلك الطريقة اختار تقليدًا في التفكير الفلسفي عريضا جدا وممتدا ورائعًا ومشرفًا. إن الأمر في ذاته ليس دينيا أكثر مما هو عليه-هل طرحتم إمكانية استبدال الدين؟ – لا أدري إذا كنت سأقول بديلاً تاما عن الدين، لكن هذا الأمر يشكل جزءًا من خصام الفلسفة مع الدين أو التنافس مع الدين في صوغ أساس ما للوجود الإنساني. على كل حال لقد غادر إيمرسون المنبر في أوائل الثلاثينات من عمره. وهناك الطريقة التي يتحدث بها عن عدم الإيمان بالعشاء الأخير  Last Supper، والطريقة التي ينكر بها لاحقا شخص المسيح، مع ذلك وعلى الرغم من كل شيء، يوصي بشكل حياة ذي دلالات دينية واضحة، إن أقل ما يمكن أن أقول هو أنني قد انبهرت بذلك. هكذا تطور اهتمامي العام بإيمرسون، حيث لم أكن قادرا على التخلي عنه، ولكن لم يكن ذلك أول ما أثار اهتمامي.

عندما أسأل نفسي وألح عليها بالسؤال؛ ما الذي حدث لي مع إيمرسون؟ “ما الذي يجذبني إليه مرارًا وتكرارًا؟ في كل مرة أنتهي من فكرة، تجذبني أخرى، وهكذا ودواليك فأنا دائم العودة إليه –يا ترى لماذا؟” لأن كتاباته تستبطن كتابات كل من فتجنستاين وهيدجر. وهذا أمر رائع- لماذا رائع؟ لا شك أن اهتمامي بالفيلسوفين هو الذي جعلني أهتم بهذا الجانب من إيمرسون. لكن إيمرسون يسمح لي برؤية علاقة عميقة بين فتجنشتاين وهيدجر، يحضرني الوجود والزمن  BeingandTime وتحقيقات فلسفية  Investigations-لنكتفي بهذين الكتابين- أولاً وقبل كل شيء إنهما عملين متكاملين، وكما سبق وأن قلت أعتقد أن العلاقة بين الفيلسوفين مهمة. وتعتمد لفظة “مهم” على ما يقوله كل نص عن كليهما بوصفهما كاتبين، كل واحد منهما يصوغ نوعًا معينًا من الاستجابة لقرائه، وهو ما لا تفعله معظم النصوص الفلسفية الأخرى. هل لهذا الارتباط الذي أعتقد أن له أيضًا جوانب دينية، نغمات وإيقاعات وأوزان؟ سواء أجبت بنعم أو بلا، فأنا أود أن أقول نعم عن شيء شارح لشيء يجب على كل هيدجري وفتجنشتايني أن يزعم وجوده في عمله أو ينكره.

يزعم فتجنشتاين أن عمله يشتمل على بعض التطلعات الدينية. ساق ذلك أصدقاء شباب وتلاميذ -كان أصدقاؤه الشباب تلاميذا. يمكنك أيضًا أن تأخذ في الحسبان على وجه الخصوص، كما فعلت في إحدى مقالاتي الصادرة مؤخرا، ما يدرك الجميع أنه حماس الكتابة في تحقيقات فلسفية. أتسآل عما إذا كان هذا الحماس دينيًا أو ما إذا كان يمكن فهمه أخلاقياً. ولكن في حالة كتابة اكتمالية، هذا اختلاف ليس من الصعب رسمه فحسب، بل صعب أن تجرؤ على محاولة رسمه. إنه لا يتطلب بالضبط معتقدات متعالية، لكنه بالتأكيد يتطلب التزامات بالاستجابة لوجود المرء الخاص، ما لا تفعله معظم النصوص الفلسفية الحديثة على أية حال، إلا إذا وجدت طريقة تجعلها تفعل، وأنا لا أعارض على الإطلاق. على سبيل المثال أن تجد أن نقد العقل الخالص يحوي بالقدر نفسه الدافع العلاجي العميق نفسه الذي تجده في تحقيقات فلسفية فهذا لن يضرني في شيء.

أما هيدغر، بعيدًا عن تشجيع الناس على التفكير في عمله بهذه الطريقة، فهو مرارًا وتكرارًا ينكر أن يكون كتابه الوجود والزمن عملا أخلاقيا. لكنه ينكر ذلك مرات عديدة لدرجة أنك تتعجب من استمراره في الإنكار، من المؤكد أن عليه القيام بذلك مرارًا وتكرارًا، فمن وجهة نظري ظللت أشعر بأن الأمر على ما هو عليه. لكن بمرور الوقت توصلت أخيرًا إلى وضع أصبعي على ما كنت أقصده بالضبط، وذلك عندما شرعت في كتابة مقدمة أوضاع جميلة وقبيحة ConditionsHandsome andUnhandsome ، حيث تطرقت في الواقع إلى قضية الاكتمالية الإيمرسونية Emersonian Perfectionism. وقد أوضحت لي هذه النظرة إلى إيمرسون أيضًا شيئًا أساسيًا تمامًا يتعلق بأن انكبابي على الكتابة حول الفيلم، كيف كانت وكيف أصبحت، يعد إسهامًا إضافيًا في المعنى الذي أعتقد أنه تعنيه.

في كتاباتك من أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينات، تهتم بجدية بفكر هيدجر. بالنسبة إلى كثير من الفلاسفة ، يعتبر هيدغر شخصية محظورة بسبب ارتباطه بالحزب النازي. أتساءل عما إذا كان بإمكانك إخبارنا كيف تفهم فلسفة هيدجر في ضوء سياسته. يبدو أن هذه المشكلة تستدعي سؤالًا أكبر: كيف تفهم العلاقة بين حياة الفيلسوف وكتاباته؟

أنت لا تتوقع مني أن أجيب على كل أطراف هذا السؤال؟ دعني أحاول. حتى لو لم أكن مهتمًا بما قرأته من كتابات هيدغر، فنظرًا لالتزامي بفهم الامتداد بين الفلسفة كما هي معروفة في أوروبا والفلسفة كما هي معروفة في العالم الناطق باللغة الإنجليزية، فأنا ملزم بمحاولة القيام بشيء ما إزاء هيدغر. لا يوجد فيلسوف أوروبي أخفق في ذلك (مع استثناءات قليلة لدرجة أنها تصبح رائعة إذا استرعت اهتماما- مثل استثناء فلاديمير جانكليفتش  Vladimir Jankelevitch في فرنسا، المفكر الرائع والكاتب المبدع، ولكن بسبب رفضه لهيدجر على الأسس السياسية التي ذكرتها رفض قراءة أي شيء باللغة الألمانية، ما جعل كتاباته مضطربة، غامضة وغير معروفة).

لم أكن أعتزم عدم معرفة هيدغر. لست معتزما على الرغم من أن ذلك يكلفني عدم قراءة هيدغر ومعرفة ماضيه أو معرفة شيء من ماضيه أو عدم معرفة ما يجب فعله إزاء ماضيه. ليس لدي أية إجابة عن علاقة الفيلسوف بكتاباته، أو علاقة كتابات أي شخص آخر بحياة الفيلسوف أو حياة أي شخص. لكن مجازيا، لا أعتقد أن علاقة الفيلسوف بكتاباته قابلة للرفض حتى لو كانت علاقة حياة العالم بكتاباته قابلة للرفض – أشك في ذلك أيضًا-. لكن فيما يخص هيدجر، لدينا الحالة الأقصى تطرفًا حيث لا يكتفي الفيلسوف بالاشتراك في سياسة المقت وسياسة الضغينة أساسا، بل لديك حالة تبدو فلسفته، وقد أكون مخطئا، وكأنها سياسة الضغينة تلك. هناك فترات تقترب فيها لغة هيدجر من اللغة التي توصف بها النازية – ما يجعل الالتزامات النهائية تُحدد بوحدة أوسع بينهما- وبلفظ مروع نقول توجد لدى هيدجر فقرات تقشعر لها الأبدان.

الآن إذا كان هيدجر يمثل أحد الأصوات الرئيسية في الفلسفة، وذات الحضور البارز في الفلسفة، في القرن العشرين، وإذا كانت واقعة النازية تمثل إحدى الحقائق الفارقة في القرن العشرين، التي آمل أنني أؤمن بها ليس من باب أنه علي الإيمان بها، بل لأنني يهودي Jew ، فإن دراسة هيدغر والنازية معا هي طريقة ضرورية لمحاولة تحديد العلاقة ببعضيهما بعضا، وعلى وجه الخصوص كيف يمكن أن يكون عمل هيدجر في بعض جوانبه قد فُهم خطأً بأنه يستجيب لتطلعات النازية للثقافة – من دون معاداة السامية، فليكن ذلك جزءا جانبيا من المسألة، على الرغم من أنه لم يكن كذلك- ثم هناك طريقة أخرى أشعر فيها بأنني معلق باضطراري إلى القراءة والنظر في الطرفين، بقدر ما أستطيع. لدي معدة ضعيفة. أنا عاكف على العمل لاستخلاص ما أمكنني من هيدغر، ففي محاضراته عن نيتشه -التي حددت معايير تأويل نيتشه، هذه المهمة التي كان على الفلاسفة الأوروبيين أن يستجيبوا لها، علما أن كلهم مهتمين بتأويل نيتشه باستثناء عدد قليل جدًا منهم- يوصي بأن نهتم بنيتشه الشاب بشكل خاص، مع العلم أن نيتشه الشاب هذا هو بوضوح نيتشه الأكثر مديونية لكتابات إيمرسون.

  هكذا في عام 1936، يقدم هيدغر بشكل مستمر تأويلات مؤثرة لكلمات، يعود بعضها إلى إيمرسون، لكنه لم يكن يعلم ذلك. هذا شيء أنا منكب عليه، وأريد أن أستجليه، كما أود أن أعرف أن كتاب الحياة في البرية Walden لهنري دافيد ثورو Henry David Thoreau لا يتم تفسيره بشكل بيّن إلا من خلال بعض نصوص هيدجر، أكثر من أي عمل فلسفي آخر. أذكر مقال “البناء والسكن والتفكير“Building, Dwelling, Thinking” وكذلك مقالات أخرى. إلا أنه عمل نموذجي أيضًا، وقريب من كتاب الوجود والزمن بشكل عام. لكن هذه الصلة مع ثورو، الذي أعتبره فيلسوفا عبقريًا وعبقريًا أمريكيًا، الذي ألهمني وأعتزم أن أستلهم منه مرة أخرى – إذا كنت محظوظًا – لا يمكنني تجنب الرغبة في معرفة كيف حدثت.

من حيث المصير الملعون لهيدجر وإدانته كونه عاش في وقت حيث استدعته الحركة الاستبدادية التي اقترن بها اسمه، فإن من العمى عدم رؤية أن الفلسفة برمتها قد أضحت بهذا الشكل موضع تساؤل بسبب سقطة هيدجر، فالأمر لا يتعلق فقط بكتابات هذا الرجل المعفاة من الإدانة بشكل متمايز. إن المرء بالفعل يرث الفلسفة الغربية إلى حد يشعر بأنها- ليست مجرد إرث، بل إرث أصيل لجزء ضخم من الفلسفة الغربية – فلسفة تلعب دورًا في فكر هيدجر نفسه، حتى عندما ينظر إليها هيدجر على أنها خطأً وشتات للذهن. وبالتالي فهي تلعب دورا في إقامة هذا الرابط بين الفلسفة والاستبداد  tyranny.

لقد شكّل الفيلم محور اهتمامك منذ مطلع السبعينيات، ولكن مؤخرًا في كتابك تحدّر الفلسفة (1994) A Pitch of Philosophy وبعض الدروس التي قدمتها، يلاحظ أنك قد حولت انتباهك إلى الأوبرا. ما الذي تجده من الناحية الفلسفية مثيرًا للاهتمام في الأوبرا، وكيف يرتبط ذلك باهتمامك بالفيلم؟

أخشى أنني سأقول بعض الأشياء المألوفة والجاهزة حول هذا الموضوع. هل بمقدوري تجنب ذلك؟ ما قلته سابقا هو أن الأوبرا والفيلم يرتبطان بعلاقات داخلية مع بعضيهما بعضا – تبرز من كون أن كل واحد منهما قد تم اختراعه بطريقة ووظيفة مدروستين، إن في مستوى العاطفة التي يستثيرانها، أو في سعة جمهور المتفرجين الذي يجتذبانه. لقد قلت في استهلال كتابي الأخير عن الميلودراما melodrama, ، إن الفيلم مصنوع للفلسفة. إنه ينقل أو يسلط ضوءًا مختلفًا على كل ما قالته الفلسفة عن المظهر appearance والواقع reality, ، الممثلين actors والشخصيات characters, ، حول الريبية skepticism والدوجماتية dogmatism, ، الحضور presence والغياب absence..

لا أعتقد مطلقا أن الأوبرا بهذا المعنى قد صنعت من أجل الفلسفة، على الرغم من أنها يجب أن تُبهر الفلاسفة، وستفعل ذلك-هل يجب أن أقول المزيد عنها؟ لقد أبهرت الفلاسفة من حجم نيتشه وكيركغارد –. لكن كما تعلم، كون الأمر يتعلق بالأوبرا وبالاحتفال بالصوت البشري، فبمقدور المرء القول: في نداء الأوبرا في بداية زمن التراجيديات الكبرى لشكسبير، وهو أمر لا أريده أن يستشكل عليّ، أعني أن فهمي الخاص للفلسفة، لا يكمن في محض الاحتفال، ولكن في استهجان الصوت البشري في جهوده للتخلص من لحظاته التي لا يمكن فك شفرتها وغموضها واندثارها، هذا هو الشيء الذي أعتقد أن الأوبرا يمكنها التأثير فيه. وكوني جربت مرةً الكتابة بهذا الخصوص فإن الأمر ما يزال يشغل تفكيري. هناك شيء آخر لم أتحدث عنه، ويستحوذ أيضا على تفكيري بشكل كبير، وبغية تكييف السؤال الأول الذي طرحته علي، فهو يتعلق بالاستفهام لماذا توجد الأوبرا مؤخرًا في حياتي الخاصة ؟ ما أعتبره رمز تفاؤلٍ لأنه يعيدني أدراجي إلى الاهتمامات الأولى في حياتي؛ اهتمامات متعلقة بالموسيقى. يجب أن تكون هذه الموسيقى، مع الأخذ في الحسبان استثناءات كبرى،  الفن الذي يجب أن يتم التعامل معه بشكل منهجي على الأقل من قبل الجماليين، إنها الفن الذي يفرض تحديًا ويستلزم حذرا. ويبدو أنني على استعداد للاضطلاع بهما.

أعتقد أنه يجب علي القول إن الشيء التالي الذي أنا بصدد التفكير فيه – لا أعرف ما الذي يجعلني أقول هذا- لكن، كما تعلم، كنتيجة مباشرة لدروس قدمتها عن الأوبرا، فإنه بقدر ما يعد اهتمامي بالأوبرا قديما على الأقل، فربما بالقدر نفسه يعد اهتمامي بالكوميديا الموسيقية الأمريكية أقدم منه بكثير. ومرة أخرى، يتم اقتيادي وأخطو خطوات عبر الأحجار غير المرئية في الماء، لطرح أسئلتي حولها؛ أي نوع من الموهبة وأي نوع من الثقافة يعبران عن نفسيهما بهذه الطريقة؟ أي نوع من الناس لديهم موهبة أداء الكوميديا الموسيقية؟ من يكتبها؟ إنها ليست مجرد فن شعبي ولا فنًا عاليًا، ولكنها فن شعبي عالي من نوع الشعبية العالية التي تشتهر أمريكا بقدرتها على إبداعها. إن هذه الأمور التي كانت عرضة للرفض لسنوات، مثل الكوميديا الموسيقية musical comedy وموسيقى الجاز jazz كما كان حال مع الفيلم في الماضي أيضا، قد أصبحت أقل عرضة للرفض اليوم.

بالتالي سؤالك عن اهتماماتي بأشياء مثل موسيقى الجاز والكوميديا ​​الموسيقية هو نفسه السؤال عن اهتمامي بأمريكا، وهذا السؤال يشغل بالفعل حيزا كبيرا من عملي الآن، وأريده كذلك، كما أريد أن تكون لدي القدرة على قول المزيد عنه. الأمر مع ذلك يتعلق باعتراف بأن جزءًا من التزامي مدى الحياة بالفلسفة يعتبر التزامًا مدى الحياة بمحاولة إيجاد طريقة للكتابة بأسلوب تعهدته بالعناية، بأسلوب تبدى لي دوما بأنني أعرفه. إن استعمال الفلسفة كواسطة medium يمكن من خلالها الكتابة، وخاصة كتابة عمل يكون مقبولًا، وعلى مرمى سمع الفلاسفة التحليليين الناطقين بالإنجليزية يبدو شيئا غير ملائم وآخر ما نبحث فيه. وعلى الرغم من ذلك ولأسباب مختلفة، كانت الفلسفة ملهمة بالنسبة إلي. آمل أن تستمر على هذا المنوال. فيما يخص علاقة أمريكا بالأوبرا، ربما تتذكر أنني افتتحت درس الأوبرا [في جامعة هارفارد] بسؤال كيف يكون بمقدور أميركي أن يأمل ادعاء عمق تجربة الأوبرا والكتابة عنها بشكل مفيد بالنظر إلى حقيقة أن ثقافة أمريكا لم تنتج أوبرا إلى غاية وقت قريب، وبدرجة لا تتماثل مطلقا مع إنتاجات ثقافات كل من إيطاليا وألمانيا وفرنسا.

لقد كنت موجودا هنا في جامعة هارفارد في الستينيات أثناء الحركة الطلابية. كيف أثرت فيك تلك السنوات؟ كيف تؤثر فيك اليوم؟ وماذا تبقى منها عالق بذاكرتك اليوم؟

من المؤكد أن الستينيات كانت أوقات تكوينية للعديد من الأشخاص الذين شكلت الجامعة محور حياتهم؛ فهي المكان حيث يمكن معايشة ذلك الحدث. ولكن مبدئيا يتعلق الأمر بكون تقريبا جميع أصدقائي الشباب، وتقريبًا كل طالب تحدثت إليه، سواء كانوا مؤيدين للنشاط الطلابي أم معارضين، فإن ذلك الحدث قد شكل حيواتهم. لقد عايشت ذلك وعايشوه أيضا. شعرت أنه لم يكن بمقدوره أن أبدي هذا النوع من الاهتمام، الذي يمثل في النهاية انشغالي بما يفكر فيه الشباب، دون أن أغمس ذاتي في تلك التجربة؛ بشكل جزئي من خلال تحديد الهوية identification ولكن بشكل جزئي آخر وصريح من خلال تباعد distancing معين.

إن جزءًا من دوري في تلك السنوات تمثل بالضبط في الحفاظ على مخيلة مشتركة مع الشباب، وأيضًا الحفاظ على طريقة معينة لإظهار مسافة محتملة مما كانوا يشعرون به، كطريقة لتذكّر شيء كان من المفترض أن تقوم به أمريكا وما يزال بإمكانها القيام به، وأنه لم يعايشوه طوال حياتهم. أستحضر صورتي وأنا أقحم نفسي في منتصف أية محادثة، محاولة مني لفض أي نزاع ينشب بين طرفين. بالطبع أضناني الجهد أحيانا، وحالفني التوفيق أحيانًا أخرى. لكن الإحساس بالقرب مما كان يمزق هؤلاء الشباب، وما تكبدت من ألم كونهم لم يعرفوا أمريكا التي اعتقدت أنني أعرفها، وأن هذا البلد يُضيّع ذاته، كان مؤلمًا جدًا لدرجة أنني وجدت شيئا أفعله حيال ذلك، أعني أنني آنذاك أعادت اكتشاف إيمرسون وثورو Emerson و Thoreau.

لم أكن أعلم حينها أن ذاك هو السبب الذي جعلني أعيد اكتشافهما. لم أكن أؤيد فكرة أن ثورو هبّي*  أصيل. لم يخطر ببالي قط أنه كان المفضل لدى جيل الستينيات حتى وقت لاحق. يعود اكتشافي لثورو بشكل واضح إلى مجموعة من الباحثين الأجانب الزائرين – أوروبيين وآسيويين وجنوب أمريكيين – كنت أقوم رفقتهم بندوة صيفية summer seminar حول كلاسيكيات الفكر الأمريكي. ومع ذلك، ففي تلك الفترة، في تلك الفترة بالذات يشعر المرء توا بأنه سيصاب بالجنون، وهو يحاول تصور أيّ خير يمكن أن يجلبه كل ذلك التنكيل. كان الاهتمام الأجنبي تواقا، يماثل تقريبًا الاهتمام الذي عبر عنه الطلاب الأمريكيون الشباب المهتمين بإيمرسون وثورو. الجميع، على ما يبدو، كانوا يحاولون العثور على وجه أمريكا السابق أو وجه مختلف عن الوجه الذي كان يظهر للعالم في تلك الآونة، ابتغوا أن يفكروا في أمريكا بشكل أفضل مما تطلبُ أمريكا أن يُفكر في ذاتها في تلك الفترة العصيبة، إذا جاز التعبير. كان اكتشاف هذه الأعاجيب واكتشاف الحماقات التي كانت الأعاجيب ترتبط بها بطريقة أو بأخرى، تجربة لا تُنسى – هل هي الغطرسة؟ هل كانت نشوة البراءة هي التي شعرت بأنه بمقدورها فعل أي شيء؟ ما كان ذلك؟ إن معايشة ذلك مع الطلاب الذين أهتم لشأنهم، قد طبعني بشكل دائم، لا يمكنني تصور الأمر بأية طريقة أخرى. إن قول المزيد في هذا الموضوع، يتطلب بعض التفصيل. أعتقد أنني على الرغم من ذلك أقف على الفرق -وليس دائمًا فرقًا مرضيا، هو شيء مثل مسافة غير قابلة للاختصار، مسافة فاترة- بين أولئك من جيلي الذين عايشوا تلك الفترة عن قرب مع الطلبة بمقابل أولئك الذين رفضوا باستمرار إلى حد ما -كما كنت أفعل في بعض الأحيان- ما كان يحدث، معتقدين أنه كان احتضارا وكربًا. أبدأ في التفكير في الكثير من القصص التي يجب أن أضعها جانبًا عند البدء في الحديث عن هذا الأمر. لقد تغيرنا كلنا بسببه سواء للأفضل أو للأسوأ. إنها تجربة لم تمت بل لقد أسهمت بطريقة ما في الثقافة، سواء للأفضل أو  للأسوأ، لم يكن هناك شيء آخر يمكن أن نفعله، وما نزال ندفع ثمن مفعوله الرجعي. أعتقد أن هذه وجهة نظر مشتركة الآن. ربما علينا أن ندفع ثمن ذلك أيضًا -كانت هناك تجاوزات من جميع الجهات-.

لقد ذكرت مرتين بالفعل هذا المكان المسمى “أمريكا”. ما هذه أمريكا وما هو موقعها المتميز اليوم؟ لا أقصد موقعها في الفلسفة الأكاديمية في حد ذاتها، ولكن موقعها في إرث الفكر الذي يعد كل من إيمرسون وثورو نموذجين عنه.

قلت ليس أكاديميا تحديدا، ولكن بالنظر إلى ما أقوم به، فأنا بداية أفكر بطريقة أكاديمية. إن الحد الأدنى من الإجابة الذي أتوقعه؛ هو أن أمريكا هي المكان حيث توجد الفلسفة والأدب في علاقة مختلفة مع بعضيهما بعضا أكثر مما هما عليه في الكثير مما أعرفه من الثقافات الأخرى. باستثناء أن رواياتها التأسيسية العظيمة، كما قلت من قبل، قد تلقطت التطلعات الميتافيزيقية التي لم يتم تبريرها، فإنه لم يحدث أي شيء مماثل للتطور الأوروبي للفلسفة الأكاديمية، وذلك إلى غاية وقت معين.

هذا جانب شبه احترافي من الإجابة. أما الجانب الآخر – هل فات الأوان لتوقع وجود معنى لتجريب اجتماعي social experimentation يكون مختلفا عن مشاريع الثقافات الأخرى؟ فأقول إنه على الرغم من أننا لم نخرج من ماضي استعماري ولا من ماضي ملكي فإن المرء يشعر بأن إمكانية معينة للتجريب ما تزال متاحة بالنسبة إلينا مع ما يجري من مظاهرات من أجل العدالة. كوننا نعاني مشكلة عنصرية بارزة هي مهمة أشعر، في أكثر أحوالي رومانسيةً، بأنها ستكون دلالة على إنجاز اجتماعي عظيم إذا أمكن جعلها أكثر انصياعا، أو الاستمرار في جعلها أكثر انصياعا مما كانت عليه – ولا أعتقد أنه لم يكن هنالك أي تقدم يذكر بهذا الشأن–.

إن شخص مثلي منحدر من عائلة من إنجلترا الجديدة New England بالكاد يمكن ألا يكون مفتونًا بشيء، أسميه بالحق جزءًا من الاختلاف الأمريكي في الفلسفة  a part of the American difference in philosophy كما هو مدوّن في كتابات ثورو وإيمرسون. وأقصد تحديدا استعدادهم للرحيل، لأجل ما يسمونه التخلّي abandonment ، وما يسمونه الارتقاء onwardness، باختصار لأجل احتواء حالة الغربة المتواجدة في حيواتهم. في مستهل تفكيري حول إيمرسون أدهشني أنه قَلَبَ التركيز الهيدجري  emphasis Heideggerian على تعلم السّكن حيث تُوجد، لقد قلب التركيز وأصرّ على تعلم مغادرة المكان حيث توجد، وهو ما يعني جزئيًا الرغبة في السماح بتغييره، والرغبة في السماح بتغييرك، وأن تكون قادرا على السماح لنفسك وتقديمها بشكل يجعلها تتغير. هذا طموح رائع بالنسبة إلى أية ثقافة ومفكريها الرياديين ليضعوه نصب أعينهم.

ستانلي كافيل ( 1926-2018 ) فيلسوف أمريكي، كان أستاذا للاستيتيقا والنظرية العامة للقيمة بجامعتي هارفارد Harvard  وبركلي Berkeley. تأثر أعظم تأثر بجون أوستين فاهتم بفلسفة اللغة العادية، وصدر له بهذا الخصوص مقال بعنوان: “هل من اللازم أن نعني ما نقول؟” (1957) “Must We Mean What We Say?. وعلى العموم لفلسفته مشارب متنوعة؛ تحليلية وقارية وأدبية وفنية. لقد اهتم باستكشاف الصلة بين الفلسفة والإنتاج السينمائي والمسرحي وتطويرها، وبتقديم قراءة فلسفية للفيلم على وجه الخصوص. من مؤلفاته نذكر ادعاء العقل: فتجنستاين، الريبية، الأخلاقية، والتراجيدياThe Claim of Reason: Wittgenstein, Skepticism, Morality, and Tragedy” (1979). و العالم مرئي: تأملات في أنطولوجيا الفيلم (1971) The World Viewed: Reflections on the Ontology of Film  وفقرات فلسفية: فتجنستاين، إيمرسون، أوستين، دريدا Philosophical Passages: Wittgenstein, Emerson, Austin, Derrida (1995)

المصدر: مجلة هارفارد للفلسفة (1999). ويمكن العودة إلى النص الأصلي على العنوان الإلكتروني الآتي:

http://www.hcs.harvard.edu/~hrp/issues/1999/Cavell.pdf

 


*  أستاذة باحثة بقسم الفلسفة، جامعة الجزائر2 –أبو القاسم سعد الله-

 *  الهبيز hippies حركة ظهرت في المجتمع الأمريكي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. يدافع أصحابها عن قيم الحب والجمال والسلم ضد قيم الاستهلاك التي فرضها النظام الرأسمالي.

للمترجمة أيضا:

المرأة الجزائرية والإبداع الفلسفي بقلم د جميلة حنيفي – الجزائر

21 مايو 2017 بصغة المؤنث 0

  د جميلة حنيفي – الجزائر أستاذة محاضرة – قسم الفلسفة بجامعة الجزائر2 أبو القاسم سعد الله إن تهميش المرأة فعل مترسخ في ذهنية مجتمعاتنا فهي لم تكن شيئا يذكر على حد قول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “والله ما كنا نعد النساء شيئا حتى أنزل الله فيهن …أكمل القراءة »

حوار مع ستانلي كافي: تأملات في مسيرة فلسفية

‏5 دقائق مضت ترجمةفلاسفةمجلات 0

جميلة حنيفي ترجمة: جميلة حنيفي* حوار مع ستانلي كافيل Stanley Cavell تأملات في مسيرة فلسفية Reflections on a Life of Philosophy أعتقد بإمكاننا أن نبدأ الحوار بسؤال حول لودفيغ فيتجنشتاين. في عام 1996 قمت رفقة الأستاذ ريتشارد موران Richard Moran بتقديم درس حول كتابك الموسوم ادعاء العقل The Claim of …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: كل مقالات وترجمات موقع كوة

‏أسبوعين مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

نقدم لكم في هذه الوصلة مجموع ما نشره موقع كوة لفوكو وعنه من مقالات وترجمات ودراسات وابحاث باللغة العربية من لغات مختلفة. ميشال فوكو: المراقبة و العقاب ‏يوم واحد مضت علم الإجتماع, فلاسفة, مقالات 0 أسامة البحري بقلم : أسامة البحري – طالب في مسلك علم الإجتماع – بني ملال “السجن أقل حداثة عندما …أكمل القراءة »

روابط 76 مقالة نشرتها كوة حول كورونا

‏3 أسابيع مضت أخرىعامةعلم الإجتماععلم النفسمتابعاتمفاهيممقالات 0

فريق كوة نقدم لكم هنا مجموع ما نشره موقعنا حول أزمة كورونا من مختلف المقاربات الفلسفية والسيوسيولوجية والنفسية والادبية والفنية… نجمعها في صفحة واحدة لتجنب عناء البحث في الموقع هل سنشهد”عالما جديدا” بعد فيروس كورونا؟ ‏5 دقائق مضت عامة, مساهمات, مفاهيم 0 أ.كرام ياسين أستاذ فلسفة بجامعة سطيف 2 – الجزائر-          وضع العالم …أكمل القراءة »

جورجيو أغامبين: توضيحات

‏3 أسابيع مضت ترجمةتغطيةفلاسفة 0

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي آل صحفي إيطالي على نفسه، وفقًا لأفضل ممارسة ممكنة لمهنة الصحافة، القيام بمهمة تشويه وتزييف أفكاري بشأن الارتباك الأخلاقي الذي ألقي فيه الوباء البلاد، حيث لم يعد هناك أي احترام، حتى للقتلى ذاتهم. ومثلما لا يستحق الأمر عناء ذكر اسم الصحفي، فهو كذلك لا يستحق …أكمل القراءة »

حوار مع كورنيل وست: إعمال الإيمان الفلسفي

‏3 أسابيع مضت ترجمةحواراتفلاسفة 0

Philosophical Faith in Action حوار مع كورنيل وست Cornel West ترجمة جميلة حنيفي جميلة حنيفي كنا نأمل أن نبدأ هذا الحوار بالحديث عن كيفية ولوجك إلى عالم الفلسفة، وتحديدا الفلسفة البراغماتية وفلسفة الدين. فهل يمكن أن تقدم لنا وصفا لمسارك الدراسي؟ أعتقد أن الأمر برمته يعود إلى العائلة والكنيسة معا. …أكمل القراءة »

روبرتو إسبوسيتو: علاج إلى غاية النهاية

‏3 أسابيع مضت متابعاتمجلاتمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي Roberto Esposito Cured to the Bitter End أجد في ثنايا هذا النص الذي كتبه جون-لوك نانسي، جميع السمات التي ميزت دوما شخصيته – على وجه الخصوص جوده الفكري الذي حظيت به شخصيًا في الماضي، وتأثري الكبير بتفكيره، لا سيما في بحوثي المتعلقة بالجماعات. إن معارضته الشديدة والدائمة …أكمل القراءة »

تقرير عن ندوة محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني

‏3 أسابيع مضت تغطيةمجلاتمساهمات 0

بقلم الأستاذة جميلة حنيفي أقام مخبر إشكالية البحث العلمي في بناء المجتمع العربي الحديث والمعاصر، بقسم الفلسفة في جامعة الجزائر2 –أبو القاسم سعد الله- ندوة فكرية بعنوان: “محمد شحرور: مسيرة نضال من أجل تجديد الخطاب الديني”. وذلك يوم 11 مارس2020 المنصرم. شارك في أشغال هذه الندوة كل من الأساتذة الأتية …أكمل القراءة »

دانييل لورينزيني: السياسة الحيوية في زمن الفيروس التاجي ( فيروس كورونا )

17 أبريل 2020 حواراتفلاسفةمجلات 0

ترجمة : محمد ازويتة مدخل : يندرج هذا المقال ضمن سلسلة الحوارات التي تمت بين عدد من الفلاسفة الغربيين المعاصرين بشأن إشكالية العلاقة بين الطب و السياسة ، ما أسماه فوكو بالسياسة الحيوية ، في ظل اجتياح الفيروس التاجي . إنه بذلك ” إضافة ” لما نشرته الباحثة عائشة نجار …أكمل القراءة »

جان-لوك نانسي: استثناء فيروسي

5 أبريل 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

ترجمة جميلة حنيفي يزعم جورجيو أغامبين، وهو صديق قديم لي، أن فيروس كورونا لا يكاد يختلف عن الأنفلونزا العادية. يبدو أنه قد نسي أن مرض الإنفلونزا “العادية” يمكن علاجه بواسطة لقاح قد ثبتت فعاليته. ومع ذلك فهو يحتاج إلى إعادة التكيف مع الطفرات الفيروسية عامًا بعد عام. ثم إن الإنفلونزا …

جورجيو أغامبين: حالة استثناء أثارتها حالة طوارئ بلا دافع

29 مارس 2020 ترجمةعامةمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي من أجل فهم التدابير الطارئة، الجامحة وغير المعقولة وغير المبررة على الإطلاق المعتمدة لمواجهة وباء فيروس كورونا المزعوم، يتوجب علينا أن نبدأ من إعلان مجلس البحث الوطني الإيطالي (NRC)، والذي يقول: “لا يوجد وباء SARS-CoV2 في إيطاليا. “ ويواصل: على أي حال “تسبب العدوى وفقًا للبيانات الوبائية …أكمل القراءة »

من السلطة الحيوية إلى الأمن الإنساني: التفكير في دور الدولة في عصر “الحداثة” ومع بعدها

28 مارس 2020 أخرىدراسات وأبحاثمفاهيم 0

بقلم: ادريس شرود تقديم     ترافق صعود الرأسمالية مع ميلاد الدولة الحديثة  وتطور عقلانية سياسية جديدة، استهدفت تعزيز سيطرة الدولة وأجهزتها الإدارية على ’’السكان’’ ومراقبة نمط عيشهم وما يُهدد صحتهم وأمنهم وحياتهم. ركّزت هذه العقلانية على نشاط الفرد وإنتاجه، واجباته وحقوقه، ومستهدفة بالأخص “عافية الدولة واقتدارها”. هكذا تطور مفهوم إداري جديد …أكمل القراءة »

إلى الحجر الصحي من الحجر الصحي: روسو وروبنسون كروزو و”أنا” كاثرين مالابو

27 مارس 2020 بصغة المؤنثمجلاتمفاهيم 0

To Quarantine from Quarantine: Rousseau, Robinson Crusoe, and “I” Catherine Malabou ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 في شهر ماي من عام 1743، رست سفينة قادمة من مدينة كورفو Corfu باليونان تحمل جثث أفراد طاقمها الذين ماتوا بسبب مرض غامض إلى مدينة ميسينا Messina بإيطاليا. لقد تم إحراق السفينة والحمولة، …أكمل القراءة »

آلان باديو: حول جائحة الكورونا فيروس

25 مارس 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفة 0

ترجمة: جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 منذ البداية، كان لدي اقتناع بأن الوضع الراهن، الذي اتصف بجائحة فيروسية، لم يكن على وجه الخصوص استثنائياً. من جائحة فيروس الإيدز AIDS، إلى أنفلونزا الطيور، إلى فيروس إيبولا Ebola، إلى فيروس السارس1SARS – ناهيك عن ظهور العديد من أنواع الأنفلونزا، وأنواع من مرض …أكمل القراءة »

سلافوي جيجك: الشيوعية العالمية أو قانون الغاب _ كورونا فيروس يرغمنا على اتخاذ القرار

22 مارس 2020 ترجمةمجلاتمفاهيم 0

ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 في الوقت الذي ينتشر فيه الرعب من فيروس كورونا، يتوجب علينا الحسم بين اختيارين- إما أن نفرض منطق البقاء للأصلح، وهو المنطق الأكثر وحشية، أو نوعًا من الشيوعية المبتكرة التي تتم بالتنسيق والتكاتف العالمي. ما يفتأ إعلامنا، وبلا هوادة، يكرر عبارة “لا داعي للرعب!” …أكمل القراءة »

جوديث بتلر: للرأسمالية حدود

21 مارس 2020 بصغة المؤنثترجمةفلاسفةمجلات 0

ترجمة جميلة حنيفي جامعة الجزائر 2 Capitalism Has its Limits تناقش الفيلسوفة جوديث بوتلر Judith Butler وباء كورونا فيروس-19 وآثاره السياسية والاجتماعية المتصاعدة في أمريكا يتزامن الأمر بالحجر الصحي مع اعتراف جديد بترابطنا الكوني المتبادل خلال زمان ومكان جديد للوباء. من جهة نحن مطالبون بحجز أنفسنا في وحدات عائلية أو …أكمل القراءة »

في فلسفة القانون حوار مع ألَن مورتن درشويتس* Alan Morton Dershowitz

24 فبراير 2020 بصغة المؤنثترجمةمجلات 0

ترجمة جميلة حنيفي** في الآونة الأخيرة، أثير بعض الجدل في كلية الحقوق بجامعة هارفارد حول الحظر المقترح على خطاب الكراهية. ما هي وجهة نظرك حول قوانين الخطاب؟ ما أؤيده هو حكم محدد يوضح أنه لا يمكن حظر أي شيء ما لم يتم تحديده بموجب قاعدة معينة. والشيء الوحيد الذي أنا …أكمل القراءة »

في الجمهورياتية والليبرالية – حوار مع مايكل ساندل

20 فبراير 2020 ترجمةحواراتفلاسفة 0

Machael Sandel ترجمة جميلة حنيفي* الجزائر  عُرفت بوصفك ناقدا لليبرالية، فما المقصود بالضبط بالليبرالية وما المشكلة المطروحة بشأنها؟ أعتبر نفسي ناقدا لصيغة معينة من الليبرالية، تلك الصيغة التي تجد تعبيرها أو حكمها الأكثر تأثيرا لدى إيمانويل كانط، لكن أيضا لدى فلاسفة آخرين معاصرين مثل جون رولز. إنها الصيغة التي ترى …أكمل القراءة »

إصدارات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية في معرض الدار البيضاء

3 فبراير 2019 دراسات وأبحاثديداكتيك الفلسفةصدر حديثامنشورات 0

إصدارات الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية في معرض الدار البيضاءأكمل القراءة »

الدرس الفلسفي في الجزائر: التحديات والآفاق

19 سبتمبر 2017 تغطيةدراسات وأبحاثمتابعاتمجلات 0

د. خديجة زتيلي – الجزائر        كتاب الدرس الفلسفي في الجزائر: التحديات والآفاق هو آخر إصدارات الجمعيّة الجزائريّة للدراسات الفلسفية لعام 2017، وجمع بين دفّتيه أعمال المؤتمر السنوي لها الذي انعقد بالجزائر العاصمة يومي 25/26 أفريل 2017، وقد شارك فيه ثلّة من الخبراء والأكاديميين والمختصّين والباحثين والمهتمّين من داخل الوطن …

شاهد أيضاً

دلالات مفهوم الرغبة في فلسفة اسبينوزا

محمد المخلوفي محمد المخلوفي           حظيت قضية الرغبة باهتمام فلسفي منقطع النظير، حيث توجهت اهتمامات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *