الرئيسية / ترجمة / ميشيل فوكو: التكنولوجيا السياسية للأفراد

ميشيل فوكو: التكنولوجيا السياسية للأفراد

ترجمة : محمد ازويتة

مدخل:

إذا كانت الحكمانية الرعوية قد تميزت بمفارقة التفريد و التجميع ( حماية كل شاة على حدة و حماية القطيع كمجموع  ) فإن الحكمانية الجديدة مع عقلانية الدولة ، و من خلال المنظومة الامنية ( ممثلة في الشرطة و الجيش ) قد تميزت ، فضلا عن جعل الدولة فوق الجميع ، بمفارقة الحياة و الموت ، شعارها في ذلك ” اذهبوا لكي تقاتلوا ، فسنضمن لكم حياة طويلة ورغدة ، حيث تأمين الحياة يتساوى مع قرار الموت ” .

هناك سؤال ظهر في نهاية القرن 18 ، حدد الإطــــار العام لما أسميه ب ( تقنيات الذات ) . لقد أصبح هذا السؤال أحد توجهات الفلسفة المعاصرة . لقد قطع بوضوح مع الأسئلة الفلسفية المسماة بالتقليدية : ما هو العالم ؟. ما هو الإنسان ؟. ماذا نمتلك من الحقيقة ؟. ماذا نمتلك من المعرفة ؟. كيف تصبح المعرفة ممكنة ؟. وهكذا الخ . برأيي فان السؤال الذي انبثق مع نهاية القرن 18 ، هو كالتالي : من نحن في هذا الزمن الذي هو زمننا ؟. تجدون  صياغة لهذا السؤال في نص لكانط . هذا لا يعني أنه يلزم   طرح جانبا  الأسئلة التقليدية السابقة ، الخاصة بالحقيقة والمعرفة الخ .  فهي تشكل حقل تحليل متين ومتماسك ، و الذي يمكن أن أسميه  بالأنطولوجية الشكلية للحقيقة . غير أنني أعتقد بأن النشاط الفلسفي قد أدرك قطبا جديدا تميز بطرح السؤال الدائم والمتجدد باستمرار وهو : ( من نحن الآن في هذا   الحاضر ؟.) ، ذلك برأيي هو حقل التحليل التاريخي حول ذواتنا .  لقد حاول كل من كانط  وفيخته  وهيغل ونيتشه وماكس فيبر وهوســـــرل وهيـــــدغر  ومدرسة فرانكفورت ….جميعهم الإجابة عن هذا السؤال .

بالسير على نفس التقليد .  مقصديتي هي أن أقدم أجوبة جزئية ومؤقتة لهذا السؤال من خلال تاريخ الفكر ، أو بالتحديد من خلال التحليل التاريخي للعلاقات بين تفكيرنا وممارساتنا داخل المجتمع الغربي       

لنقل باختصار بأنني حاولت ، من خلال دراسة الجنون وطب الأمراض النفسية العقلية ، الجريمة والعقاب ، توضيح كيف أننا تكونا بطريقة غير مباشرة من خلال إقصاء البعض الأخر : المجرمين والمجانين الخ…وعملي في الحاضر سيعالج  ، من الآن فصاعدا  السؤال التالي : كيف تتشكل  بطريقة  مباشرة هويتنا من خلال بعض تقنيات  الذات التي تطورت منذ القديم إلى أيامنا هذه ؟. ذاك هو موضوع الحلقة الدراسية هناك  الآن مجال آخر للأسئلة  التي أود دراستها : الطريقة التي ، من خلال بعض التكنولوجيات السياسية للأفراد ، أدت إلى التعرف على ذواتنا باعتبارنا مجتمعا ، عنصرا لوحدة اجتماعية ، جزءا من وطن أو من دولة . أريد هنا أن أعطيكم لمحة ، ليس حول تقنيات الذات ولكن حول التكنولوجيا السياسية للأفراد . الأكيد  أنني أخشى أن تكون المواد التي سأعالج غير كافية على المستويين التقني والتاريخي من أجل محاضرة عامة . أنا لست  محاضرا ، وأعلم بأن هذه المواد يمكن أن تصلح أفضل لحلقة دراسية ، غير أنه وبالرغم من تقنيتها الزائدة ربما ، فان لدي سببين رئيسيين لأقدمهما لكم كما يلي :

قبل كل شيء ،  يبدو لي ، أنه شيء ما متكلف فيما أعتقد أن أعرض بطريقة أقل أو أكثر تنبؤية ، ما يلزم على الناس أن يفكروا به . أفضل أن يستخلصوا نتائجهم بأنفسهم أو العمل على استنتاج أفكار عامة ، أسئلة ما ، والتي أبذل قصارى جهدي لإثارتها من خلال تحليل المواد التاريخية بشكل دقيق . أعتقد بأن ذلك هو أكثر تقديرا لحرية كل واحد منا . السبب الثاني لتقديم هذه المواد بشكل تقني هو أنني لا أفهم لماذا سيكون جمهور محاضرة ما أقل ذكاء وحذرا أو أقل ثقافة بالمقارنة مع متتبعي درس مثلا . لنشرع الآن في معالجة  مشكلة التكنولوجيا السياسية  للأفراد .   

في سنة 1779 ظهر الجزء الأول من مؤلف الألماني j p Frank تحت عنوان ( النظام الطبي الشامل System einer vollstandingen Medicinischen) ستليه خمسة أجزاء أخرى . وعندما صدر الجزء الأخير سنة 1790 كانت الثورة الفرنسية قد بدأت (1). لماذا عملت على الربط بين حدث كبير هو الثورة الفرنسية وهذا المؤلف الغامض ؟. السبب بسيط .  إن كتاب (Frank) هو أول برنامج كبير ومنظم حول الصحة العامة بالنسبة للدولة الحديثة ، بحيث انه حدد ، بشكل مفصل و دقيق ، ما يلزم على الإدارة أن تقوم به من أجل ضمان التمويل العام ، السكن اللائق والصحة العامة ، دون أن ننسى المؤسسات الصحية الضرورية لصحة جيدة للسكان ، وباختصار لحماية حياة الأفراد . من خلال هذا الكتاب يمكن أن نرى كيف أن الاهتمام بالحياة الفردية في هذه المرحلة قد أصبح واجبا بالنسبة للدولة .                                                                                                   

في نفس المرحلة ، أعطت الثورة الفرنسية إشارة للحروب الوطنية الكبرى في حقبتنا والتي استعملت فيها الجيوش الوطنية ونجحت ، أو وجدت أوجها ، من خلال مجازر جماعية ضخمة . يمكن أن نلاحظ   فيما أعتقد ظاهرة مشابهة خلال الحرب العالمية الثانية . يبدو لي أنه من الصعب أن نجد داخل كل التاريخ المرتبط بالمذابح شيئا يشبه ما تم في الحرب العالمية الثانية . إذ في هذه الفترة  ، في هذه المرحلة بالضبط تمت صياغة البرامج الكبرى للحماية الاجتماعية ، للصحة العامة وللمساعدات الصحية .  في نفس المرحلة سيتم  ، إن لم يكن مصمما ، فعلى الاقل نشرا لمخطط Beveridge. يمكن أن نلخص هذه المصادفة وفق الشعار التالي : اذهبوا لكي تقاتلوا ، فسنضمن لكم حياة طويلة ورغدة ، حيث تأمين الحياة يتساوى مع قرار الموت .                                                                                       

إن تعايش آلات التدمير الضخمة والمؤسسات الخاصة لحماية الحياة الفردية ، لصالح البنيات السياسية ،هوشيء محير يستحق البحث . إنه إحدى المفارقات المركزية لعقلانيتنا السياسية والتي سأنكب على دراستها ، لا بسبب أن المذابح الجماعية كانت مفعولا لها ، النتيجة أو الخلاصة المنطقية لتلك العقلانية ، ولا بسبب أن الدولة كان من واجبها العناية بالأفراد  مادام  أن لها الحق في قتل الملايين من الأشخاص . كما أنني لا أنوي نفي بأن المجازر الجماعية أو الحماية الاجتماعية لهما تفسيراتهما الاقتصادية أو تعليلاتهما المؤثرة .                                                                         

اسمحوا لي بالعودة إلى نقطة البداية : نحن كائنات مفكرة ، بعبارة أخرى أن نقتل أو نموت ، أن نقوم بالحرب أو أن نطلب مساعدة باعتبارنا عاطلين عن العمل ، أن نصوت بنعم أو ضد الحكومة التي تقلص ميزانية الحماية الاجتماعية مقابل الرفع من ميزانية الجيش ، فنحن لسنا سوى  كائنات مفكرة ، كما أننا نقوم بكل ذلك ، بالتأكيد ، باسم قواعد السلوك العالمية ، ولكن أيضا بمقتضى عقلانية تاريخية جد محددة .  إن هذه العقلانية ، إضافة إلى لعبة الموت والحياة التي نتحدد في إطارها ، هي ما أود دراسته ضمن أفق تاريخي . لقد تطور هذا النوع من العقلانية السياسية ، الذي يشكل أحد السمات الأساسية للعقلانية السياسية المعاصرة ، في القرنين 17 و 18 من خلال الفكرة العامة ل( عقلانية الدولة ) وأيضا من خلال مجموعة دقيقة من تقنيات الحكم التي أعطي لها في الماضي اسم دقيق وهو الشرطة .                                                                        

لنبدأ بعقلانية الدولة . سأذكر باختصار بعدد قليل من التعريفات تحمل بصمات لكتاب ايطاليين وألمان . في نهاية القرن 16 ، أعطى رجل القانون الايطالي بوتيرو (Botero)  ، التعريف التالي لعقلانية الدولة : ( معرفة جيدة بالوسائل التي من خلالها تتشكل الدول ، تتقوى وتدوم وتتطور )(2) . ايطالي آخرPalazzo كتب في نهاية القرن 17 ( خطاب الحكومة وحقيقة عقلانية الدولة  1606)(3) (المقصود بعقلانية الدولة أنها طريقة أو فن يسمح لنا باكتشاف كيف نعمل على نشر النظام أو الأمن لصالح الجمهورية .) . ثم هناك شيمنيتز (Chemnitz) ،  وهو كاتب ألماني في النصف الثاني من القرن17 م ( عقلانية الدولة 1647 )(4) الذي يقدم التعريف التالي :  ( بعض الإعتبارات السياسية العامة لكل القضايا العامة ، توجيهات ومشروعات ، التي يكون هدفها الوحيد هو المحافظة ، التوسيع ورفاهية الدولة ) ـ  لننتبه إلى الكلمات التالية : المحافظة على  الدولة ، توسيع قوة الدولة ورفاهيتها ـ إلى أية غاية نستعمل هذه الوسائل الأكثر سرعة و الأكثر ملائمة ) .                                                                                                          

 لنتوقف عند بعض السمات المشتركة لهذه التعريفات . لقد تم ، بداية ، اعتبار عقلانية الدولة بمثابة ( فن ) بمعنى نوعا من التقنية المطابقة لبعض القواعد . لا تهم تلك القواعد  فقط العادات والتقاليد ولكن أيضا نوعا من المعرفة العقلانية . في أيامنا هذه فان عبارة ” عقلانية الدولة ”  ، كما تعلمون ، تحيل على التعسف أو العنف . غير أننا آنذاك كنا نقصد بها عقلانية خاصة بفن حكم الدول . من أين يستمد فن الحكم هذا سبب وجوده ؟. لقد أثار الجواب عن هذا السؤال  الكثير من الجدل في الفكر السياسي الناشئ في فجر القرن السابع عشر. ومع ذلك ومن خلال الكتاب الذين ذكرتهم فإنه من البساطة القول بأن فن الحكم هو عقلاني بشرط أن ينظر إلى طبيعة ما يديره ويحكمه ، وبعبارة أخرى الدولة نفسها .                                                                                  

غير أن القول بــــــــــهذه البداهة ، هو في الحقيقة القطع في آن واحد مع تقليدين متعارضين :  التقليد المسيحي ونظرية ميكيافيل Machiavel ، تلك التي تقتضي أنه لكي نكون في غاية الإنصاف والعدل على الحكومة أن تحترم نسقا من القوانين : الإنسانية والطبيعية والإلهية .                                                                          

  بخصوص هذا الموضوع نجد نصا موضحا لسان توماس(saint Thomas) يشرح فيه كيف أن على الملك في حكومته أن يحاكي حكم الله في الطبيعة . على الملك أن يبني مدنا كما خلق الله العالم ، عليه أن يسعى بالإنسان نحو غايته كما يفعل الله مع الكائنات الطبيعية . وما هي غايات الإنسان يا ترى ؟. الصحة الجسدية ؟. لا ، يجيب سان توماس . إذ لو كانت غاية الإنسان هي الصحة الجسدية لتطلب ذلك طبيبا فقط وليس ملكا . هل غايته هي الثروة ؟. مطلقا ، إذ يكفيه وكيل أعمال . هل الحقيقة هي غايته ؟ . لا . ذلك أن البحث عن الحقيقة والوصول إليها يقتضي معلما وليس ملكا . الإنسان في حاجة الى شخص يكون قادرا على فتح الطريق إلى المباركة الإلهية بأن يطابق ما هو أرضي بما هو سماوي . مهمة الملك هي أن يسعى بالإنسان نحو ما هو سماوي مثلما إلى غايته الطبيعية والإلهية .                                                                            

  لا يمثل نموذج الحكم العقلاني عند سان توماس الأقل في العالم  السياسي ، هذا بينما في القرنين 16 و 17 ، بدأ البحث عن أسماء أخرى لعقلانية الدولة ، عن مبادئ قابلة لتوجيه فعلي للحكومة ، لم يعد الأمر يتعلق بالاهتمام بالغايات الطبيعية والإلهية  للإنسان ، ولكن إلى مكون الدولة ذاته .                                                     

نجد عقلانية الدولة أيضا معارضة لشكل آخر من التحليل : مشكلة ميكيافيل في كتابه ( الأمير ) هي معرفة كيف يستطيع الحماية والمحافظة ، ضد خصوم الداخل والخارج ، على مقاطعة أو أرض تمت حيازتها عن طريق التوارث أو الغزو . كل تحليل ميكيافيل منصب على تحديد ما يوطد الصلة بين الأمير والدولة ، هذا بينما المشكلة المطروحة في بداية القرن 17 م عبر مفهوم عقلانية الدولة هو وجود وطبيعة هذا الكيان ذاته الذي هو الدولة . وهذا ما يفسر كيف أن منظري عقلانية الدولة كانوا يجتهدون لكي يبقوا بعيدين أكثر ما يمكن عن ميكيافيل ، الذي كان يتمتع بسمعة سيئة في تلك المرحلة . لقد كانت مشكلتهم بعيدة جدا عما طرحه ميكيافيل : انصب اهتمام هذا الأخير على ما يوطد العلاقة بين الأمير  وأرضه وشعبه بينما اهتم منظروا العقلانية السياسية بالدولة ذاتها . وبالرغم من  كل الخصومات  حول ( الأمير ) وحول مؤلفات ميكيافيل ، فان عقلانية الدولة أقامت نصبا أساسيا في ظهور نوع من العقلانية مختلف كليا عن الشكل الخاص المرتبط بمنظور ميكيافيل . إن غاية هذا الفن الجديد للحكم هو بالضبط تقوية الدولة ذاتها وليس سلطة الأمير .                                                                

لكي نلخص ذلك نقول : إن عقلانية الدولة لا تحيل إلى الحكمة الإلهية ولا إلى العقل أو استراتيجيات  ( الأمير ) ، وإنما إلى الدولة ذاتها ، إلى طبيعتها وإلى عقلانيتها الخاصة . تقتضي  أطروحة  تقوية الدولة مجموعة من الأفكار ، أعتقد أنه من المهم معالجتها لكي نتابع مصير وتطور عقلانيتناالسياسية المعاصرة .                                                                                               

  النقطة الأولى تهم العلاقة غير المسبوقة بين السياسة كممارسة والسياسة كمعرفة  . بحسب سان توماس(saint Thomas) ، فانه يكفي الملك أن يظهر فاضلا . أما بالنسبة لرئيس المدينة في الجمهورية الأفلاطونية فعليه أن يكون فيلسوفا .لأول مرة على الإنسان الذي يود تسيير الآخرين داخل إطار الدولة أن يكون رجل سياسة ، عليه أن يرتكز على مقدرة ومعرفة سياسية .                                                                                                    

 الدولة هي شيء موجود لذاته . إنها نوع من الموضوع الطبيعي ، حتى ولو كان المشرعون يهدفون الى معرفة كيف يمكنها أن تتكون بطريقة شرعية . الدولة هي من ذاتها نظام للأشياء ، كما أن المعرفة السياسية تميزها عن التأملات القانونية . لا تعالج المعرفة السياسية قوانين الشعب ، ولا القوانين الإنسانية أو الإلهية وإنما طبيعة الدولة التي عليها أن تحكم . لا تكون الحكومة ممكنة إلا عندما تعرف قوة الدولة :                                 

اذ بفضل تلك المعرفة يمكنها أن تصان  . كما يلزم معرفة قوة الدولة والوسائل التي تمكن من تنميتها ، وأيضا  معرفة قوة وقدرات الدول الأخرى المنافسة . لا يمكن أن يقتصر دور الحكومة فقط على تطبيق المبادئ العامة للعقل والحكمة والاحتراس . إن معرفة خاصة هي ضرورية :   معرفة ملموسة ومحددة  مستندة إلى قوة الدولة . ان فن الحكم ، صفة عقلانية الدولة ، هو  مرتبط  بعمق بتطور ما تمت تسميته  في تلك الفترة  بالاقتصاد السياسي  ، بمعنى المعرفة التي تمنحها المعرفة السياسية . أقصد بذلك  الإحصاء الذي ليس له رابط مع الاحتمال ولكن بمعرفة الدولة وبالقوى المميزة لمختلف الدول .                                                                         

النقطة الثانية الأساسية المنبثقة عن فكرة عقلانية الدولة ليست شيئا آخر غير ظهور علاقات غير مسبوقة بين السياسة والتاريخ . ضمن هذا المنظور ، فان حقيقة الدولة لم تعد تدرك كتوازن بين مجموعة من العناصر حيث  يستطيع قانون جيد أن ينتظمها في المجموع . وإنما تظهر كمجموعة من القوى والمؤهلات المحتمل أن تزداد أو تضعف حسب السياسة التي تتبعها الحكومات . إنها تقتضي تقوية قواها على اعتبار أن كل دولة تجد نفسها في منافسة دائمة مع بلدان أخرى ، أمم أخرى ودول أخرى ، بحيث لم يعد لكل دولة شيء آخر أمامها سوى مستقبل غير محدد من الصراعات أو على الأقل من المنافسات مع دول أخرى مشابهة . طيلة العصر الوسيط كانت الفكرة السائدة هي أن جميع ملكيات الأرض ستكون يوما ما موحدة داخل إمبراطورية أخيرة وذلك بالضبط قبل عودة المسيح إلى الأرض . منذ بداية القرن 17 لم تعد هذه الفكرة الشائعة سوى حلم ، والتي مثلت أيضا إحدى الخطوط الكبرى للفكر السياسي أو للفكر التاريخ ــ سياسي طيلة العصر الوسيط . وهكذا سيتبخر مشروع تكوين إمبراطورية رومانية إلى الأبد . على السياسة إذن وبعد الآن أن تعالج تعددية غير مختزلة للدول التي تتصارع وتتنافس داخل تاريخ محدد .                                                                                                        

النقطة الثالثة التي نستخلصها من مفهوم عقلانية الدولة ، هي كالتالي : مادامت الدولة هي الغاية ، وأن عزم الحكومات لم يعد قاصرا فقط على المحافظة على الدولة ولكن أيضا تقويتها الدائمة ، فإن على الحكومات ألا تهتم بشأن الأفراد إلا إذا مثلوا مصلحة لهذه الغاية : ما يقومون به ، حياتهم ، موتهم ، نشاطاتهم ، سلوكاتهم الفردية ، أعمالهم الخ . أقول  داخل هذا النوع من التحليل بأن العلاقات بين الدولة و الفرد ، بأن هذا الأخير لا يهم الدولة إلا في نطاق ما يمكن أن يقدمه بشأنها   . نستطيع أن نحدده  إذن كمهمش سياسي في نوعه ، حيث الشيء الوحيد موضع سؤال هنا هو المنفعة السياسية .   من وجهة نظر الدولة فان الفرد غير موجود إلا على أساس أن يقدم تغييرا ، كيفما كان حجمه ، لتقوية الدولة سواء أكان في الاتجاه الايجابي أو السلبي . ليس للدولة أن تهتم بالفرد إلا في نطاق أن هذا الأخير يقدم تغييرا ما . والدولة تطلب من الفرد الحياة ، العمل ، الإنتاج والاستهلاك ، وأحيانا أخرى تطلب منه الموت .                                                                              

 هذه الأفكار هي قريبة من مجموعة من الأفكار التي يمكن أن نجدها في الفلسفة الإغريقية . والحق يقال بأن الإحالة إلى المدن الإغريقية هو متواثر داخل الأدب السياسي لبداية القرن 17 م . غير أنني أعتقد بأن عددا قليلا من الموضوعات المتشابهة يخفي شيئا مختلفا جدا في العمل  داخل هذه النظرية السياسية . في الدولة المعاصرة  فإن الإدماج الهامشي للأفراد لنفعية الدولة لا يأخد شكل المجموعة الايتيكية المميزة للمدينة الاغريقية .  في هذه العقلانية السياسية المعاصرة فهي تكتسب بمساعدة تكنولوجيا جد  خاصة هي الشرطة .                                                                              

 نلامس هنا المشكلة التي أحاول تحليلها في عملي المستقبلي وهي كالتالي :   ما  نوع التقنيات السياسية ، ما هي تكنولوجيا الحكم  التي استعملت ووظفت داخل الإطار العام لعقلانية الدولة لكي تجعل من الفرد عنصر قوة بالنسبة لها ؟. في الغالب عندما نحلل دور الدولة داخل مجتمعنا ونفكر مليا في المؤسسات ــ الجيش ، الوظيفة العمومية ،البيروقراطية ــ ونوع الأفراد الذين يسيرونها ، أو نعمل على تحليل النظريات أو الإيديولوجيات ، فان ذلك يتم بهدف تبرير أو شرعنة وجود الدولة وعلى العكس من ذلك ، فان ما أبحث عنه هي التقنيات والممارسات التي تعطي شكلا ملموسا لهذه العقلانية السياسية ولهذا الشكل الجديد من العلاقة بين الكيان الاجتماعي والفرد . لقد وجد هناك ، وبطريقة غير متوقعة ، اتفاق ، على الأقل في دول كفرنسا وألمانيا ، بين أشخاص لكي يستكشفوا ضرورة وصف وتحديد وتنظيم بشكل واضح ومفصل هذه التكنولوجيا الجديدة للسلطة وللتقنيات الجديدة التي تسمح بإدماج الفرد داخل الكيان الاجتماعي . إنهم يستحسنون هذه الضرورة ويعطونها اسم : الشرطة في الفرنسية كما في الألمانية ( أعتقد بأن لهذا الاسم معنى مختلف في الإنجليزية ) . سيكون من حقنا أن نعطي أفضل التعاريف لما يقـــــصد بكلـــــــــــمة الشرطة في تلك الفترة .                                                                                      

لكي نحلل بشكل دقيق هذه التقنية الجديدة للحكم ، سيكون من الأفضل تناولها من خلال ثلاثة أشكال كبرى ، بحيث إن كل تكنولوجيا اتخذته من خلال تطورها ومن خلال تاريخها : باعتبارها حلم  أو بالأحرى يوتوبيا  ، ثم ممارسة ، حيث القواعد تنظم مؤسسات حقيقية ، وأخيرا تأديبا أكاديميا .                                              

 يقدم لنا لويس تيركي دماييرن (louis turquet de mayerne) مثالا جيدا ، في بداية القرن 16 ، عن الرأي السائد في تلك المرحلة مقابل التقنية الطوباوية أو الشاملة للحكم . في مؤلفه ( الملكية الأرس ــ ديمقراطية ) ( 1611 )(5) ، حدد وظيفة الشرطة في  السهر على الاحترام الوطني وعلى الأخلاق العامة .                                                                                     

 اقترح تيركي(Turquet) خلق ، داخل كل مقاطعة ، أربعة  مستشارين للشرطة مهمتهم الحفاظ على النظام العام .اثنان يسهران على الأشخاص ، و اثنان على الممتلكات . على المستشار الأول أن يسهر على المظاهر الايجابية ، الفعالة والمنتجة للحياة . وبعبارة أخرى ، أن يهتم بالتربية وأن يحدد بدقة تامة أذواق وكفاءات كل فرد . وأن يختبر كفاءات الأطفال منذ نعومة أظافرهم : كل شخص سنه أكثر من خمسة وعشرين سنة عليه أن يقيد في سجل يوضح كفاءاته واهتماماته ، أما الآخرون فيتم اعتبارهم كرعاع للمجتمع .                                                                                                      

على المستشار الثاني أن يهتم بالمظاهر السلبية للحياة : الفقراء ، الأرامل ، الأيتام والشيوخ الذين هم في حاجة إلى المساعدة ، عليه أيضا أن ينظم حالة الأشخاص الموجهين إلى عمل ولكنهم يتظاهرون بالعناد ، والى الفعاليات التي تتطلب مساعدة مالية ، كما عليه أن يدير مكتبا للهبات أو إقراضات مالية للمعوزين. عليه أيضا أن يسهر على الصحة العامة  ــ أمراض ، أوبئة ــ و الحوادث كالحرائق والفياضانات ، وأن ينظم نوعا من التأمين لصالح الأشخاص الذين يلزم حمايتهم من أحداث ما . أما المستشار الثالث فيتخصص في السلع و المنتجات الصناعية . عليه أن يحدد ما يلزم إنتاجه وكيف السبيل إليه ، ولكن أيضا مراقبة السوق والتجارة . المستشار الرابع يسهر على الإقليم والمجال ،  الممتلكات الخاصة  ،  الوصايا و على الهبات والبيوعات دون أن ينسى القوانين السيادية ، الطرق ، الأنهار والمآثر العمومية الخ .                                                                                           

 يمكن القول ، في هذا الصدد ، بأن هذا النص ينتمي إلى الطوباويات السياسية المتعددة في تلك المرحلة وحتى منذ القرن 16 م . غير أنه معاصر أيضا للنقاشات النظرية الكبيرة حول عقلانية الدولة والتنظيم الإداري للملكيات .                                                                

 ماذا يوضح هذا النص ؟.  بداية ، فهو يوضح بأن  (الشرطة ) قد ظهرت كإدارة تسير الدولة بالتنافس مع العدل ، الجيش والمالية . وفعلا فهي تحتضن كل تلك الإدارات ، وكــما يفسر ” تيركي ”  فإنها توسع من نشاطاتها إلى كل المؤسسات ، إلى كل ما يقوم به الناس أو يفعلوه  . مجال الشرطة يضم إذن العدل ، المالية والجيش (6).                                                                                                

وهكذا ، وكما تلاحظون ، فان الشرطة داخل هذه الطوباوية تشمل الكل  . إن ما يهم الشرطة هو تواجد الناس فوق إقليم ، علاقاتهم من حيث الملكية ، ما ينتجون ، ما يتم تبادله في السوق الخ …إنها تهتم أيضا بالطريقة التي يعيشون بها ، بأمراضهم وبالحوادث التي يمكن أن تعترضهم . وبكلمة واحدة فان ما تسهر عليه الشرطة هو إنسان حي فاعل ومنتج . يستعمل تيركي عبارة جديرة بالملاحظة ، كما يؤكدها بكل اختصار ، وهي : الإنسان هو الموضوع الحقيقي للشرطة (7) .  إن ما يهم في هذه  الفكرة هو التغير التاريخي للعلاقات بين السلطة والأفراد . أود  القول إجمالا  ، بأن السلطة الإقطاعية كانت مصنوعة من العلاقات بين ذوات قانونية  ، لهذا وجدت نفسها خاضعة داخل تلك العلاقات بسبب ولادتها ، مرتبتها أو مشاركتها الشخصية ،  بينما الحكومة ، في ظل هذه الوضعية الجديدة للشرطة ، قد بدأت في الاهتمام بالأفراد ، طبعا على أساس وضعيتهم القانونية ، وهذا صحيح ، ولكن أيضا على أساس أنهم كائنات تعمل ،  تحيا وتتاجر .                                                                                             

 لننتقل الآن من الحلم إلى الواقع والى الممارسات الإدارية . نجد مختصرا فرنسيا في بداية القرن 18 يقدم لنا ، داخل نظام نسقي ، التنظيمات الكبرى للمملكة الفرنسية . يتعلق الأمر بكتاب وجيز أو موسوعة نسقية ليستعملها الكتاب الكبار للدولة . تتألف الموسوعة الخاصة بالشرطة التي قدمها (De Lamare) ( بحث في الشرطة 1705 ) (8) من اثني عشر فصلا . الأول يعالج الدين ، الثاني الأخلاق ، الثالث الصحة ، الرابع التموين  ، الخامس الطرق والسدود والقناطر والمآثر العامة ، السادس الأمن العام ، السابع الفنون الحرة ( إجمالا الفنون والعلوم ) ، الثامن التجارة ، التاسع المصانع ، العاشر المساكن والمحكوم عليهم ، والحادي عشر الفقراء . ذلك بالنسبة ل ” دي لامار ”  ، ولمن تبعه ، الممارسة الإدارية في فرنسا ، ذلك أيضا هو مجال الشرطة ، من الدين إلى الفقراء ، مرورا بالأخلاق والصحة والفنون الحرة . تجدون نفس التصنيف  في أغلبية البحوث أو المختصرات الخاصة بالشرطة . وكما هو الحال في يوتوبيا ( تيركيه )، باستثناء الجيش والعدل بحصر المعنى والضرائب غير المباشرة ، فالشرطة تسهر ظاهرا على كل شيء  .                                                                                     

  ولكن ما المقصود  ، من وجهة النظر هذه ،  بالمــــــــمارسة الإدارية الفرنسية الفعلية ؟ . ماذا كان المنطق المستعمل وراء التدخل في الممارسات الدينية وتقنيات الإنتاج على نطاق ضيق، الحياة الثقافية وشبكة الطرق ؟.

يبدو جواب  ”  دي لا مار” غريبا بعض الشيء . أحيانا يحدد الشرطة بكونها  ( تسهر على كل ما يهم سعادة الناس ) (9) . أحيانا أخرى يحدد بأن ( الشرطة تسهر على كل ما ينظم المجتمع ) (10 )، ويقصد بالمجتمع العلاقات الاجتماعية ( التي تسود بين الناس )(11)  . وأحيانا أخرى ، يؤكد على أن الشرطة تسهر على  الحياة  . بأي معنى ؟.

 تهتم الشرطة بالدين ، ليس بطبيعة الحال من وجهة نظر الحقيقة  الوثوقية  ولكن من وجهة نظر نوعية أخلاق الحياة . بأن تسهر الشرطة على الصحة وعلى التموين فإنها تنكب على المحافظة على الحياة ، وسواء تعلق الأمر بالتجارة أو الصناعة ، بالعمال أو الفقراء أو بالنظام العام  فإنها تهتم برفاهيات الحياة . فهي بالسهر على المسرح وعلى الأدب وبأشكال الفرجة فإن موضــــــــوعها ليس شيئا آخر غير ملذات الحياة . وباختصار فان الحياة هي موضوع الشرطة  . الضروري ، النفعي و الفائض أو الزائد : تلك هي الأشياء  الثلاثة التي نحن في حاجة إليها ، أو التي نستطيع توظيفها في حياتنا : أن يعيش الناس  أو أن يقوموا بما يحفظ حياتهم : تلك بالضبط هي مهمة الشرطة .                                                                                                    

  يبدو لي أن هذا التنظيم  للممارسة الإدارية الفرنسية هو جد مهم لأسباب متعددة . بداية ، وكما يمكنكم أن تلاحظوا ، فهو يبذل قصارى جهده لكي يصنف الحاجيات ، وهو تقليد فلسفي قديم ، و لكن مع المشروع التقني لتحديد التطابق  بين درجة المنفعة من أجل الأفراد و درجة المنفعة من أجل  الدولة .  إن أطروحة (De Lamare) ، في العمق ، هي أن الفائض يمكن أن يكون ضروريا بالنسبة للدولة و العكس بالعكس  . النقطة الثانية وهي أن De Lamare يجعل من السعادة الإنسانية موضوعا سياسيا .  سعادة الأفراد هي ضرورة بالنسبة لحـــياة الدولة وتطورها . إنها شرط ، وسيلة وليس فقط نتيجة . لقد أصبحت سعادة الناس عنصرا لقوة الدولة . وفي موضوع ثالث يؤكد De Lamare بأن الدولة عليها أن تهتم بالمجتمع وليس فقط بالناس أو بكتلة سكانية تعيش مجتمعة . المجتمع والسكان باعتبارهم كائنات اجتماعية ، أفراد أقوياء بعلاقاتهم الاجتماعية : ذلك هو موضوع الشرطة .                                                                                  

 و أخيرا ،  الشرطة كفرع معرفي . لا يتعلق الأمر هنا بممارسة إدارية ملموسة أو بحلم ، وإنما  بالمعنى الأكاديمي للمصطلح . يتم تدريسه تحت اسم علم الشرطة داخل جامعات ألمانية متعددة وبخاصة في (Göttingen)، وهي الجامعة التي كان لها اهتمام كبير في التاريخ السياسي لأوروبا ، إذ فيها تم تكوين كبار موظــــفي الدولة البروسية ، النمساويين والروس ــ  أولئك الذين سيتكلفون بالإصلاحات في عهد جوزيف الثاني ، أو كاترين الكبرى ، كما أن عددا من الفرنسيين  داخل محيط نابليون بالخصوص ، قد خبروا نظريات علم الشرطة .                                                      

الوثيقة المهمة والمعتمدة في تدريس الشرطة هي نــــــــــوع من الموجز لعلم الشرطة  :  يتعلق الأمر بكتاب ( عناصر الشرطة ) لجيستي   Justi  (12) . لقد ظلت مهمة الشرطة المحددة في هذا الموجز الموجه للطلبة مثلما كانت عند ” دي لا مار”  ( وهي السهر على حياة الأفراد داخل المجتمع ) ، مع اختلاف في طريقة تنظيم الكتاب مع ” جيستي ” .  يبدأ الموجز بدراسة ما يسميه (  ممتلكات الدولة ) بمعنى الإقليم ، الذي  يتناوله من خلال مظهرين : كيف هو مسكون ( المدن والبوادي ) ، ثم من هم سكانه ( العدد ، النمو الديمغرافي ، الصحة ، الأخلاق ، الهجرة  الخ ) . ثم يحلل ” جيستي ” ( الممتلكات والمفعولات ) ، البضائع ، صناعة الممتلكات ، تم رواج كل ذلك ، و الذي يخلق مجموعة مشاكل تمس ثمن البيع  ، الائتمان  والنقد . وأخيرا الجزء الأخير من دراسته المخصص لسلوك الأفراد : أخلاقياتهم ، وضعياتهم المهنية ، كرامتهم و احترامهم للقانون .                                                                                     

 في نظري فإن مؤلف ” جيستي ” هو بمثابة برهنة جد مفصلة عن تطور مشكلة الشرطة بالمقارنة مع مقدمة ( دي لا مار) في مؤلفه ، وذلك لأسباب متعددة :  أولا ، فان ” جيستي  ” يقيم تمييزا مهما بين ما يسميه الشرطة وما يسميه السياسة . السياسة هي بعمق المهمة السلبية للدولة  . فهي تستند ، بالنسبة لها ، على محاربة  أعدائها في الداخل كما في الخارج ، مستعملة القانون ضد الأول والجيش ضد الثانية . وعلى العكس من ذلك فان للشرطة مهمة ايجابية ، ووسائلها ليست الأسلحة أكثر من القوانين   . إن هدف الشرطة هو تنمية ، بشكل دائم ، إنتاج شيء جديد . مفروض أن يدعم الحياة المدنية وقوة الدولة .  الشرطة تحكم  ليس بالقانون  ، ولكن بتدخلها بطريقة مميزة ، دائمة وايجابية في سلوك الأفراد . رغم أن  التمييز الدلالي بين السياسة المتحملة لأهداف سلبية والشرطة المؤمنة لأهداف ايجابية قد اختفى من الخطاب ومن المصطلحات السياسية ، فان مشكلة التدخل الدائم للدولة في الحياة الاجتماعية ، حتى ولو بدون شكل للقانون ، هو إحدى تمظهرات سياستنا المعاصرة . فالنقاش الذي سيتواصل منذ نهاية القرن الثامن عشر ، حول الليبرالية ، وحول السياسة ودولة القانون وما إلى ذلك ، يجد جذوره في مشكلة الأهداف الايجابية والسلبية للدولة ،  داخل إمكانية أن الدولة لا تتحقق بدون سلطة التدخل في سلوك الناس .                                                                      

هناك نقطة أخرى مهمة ، في هذا المفهوم ل  Justi ، والذي أثر بشكل كبير في الشخصيات السياسية والإدارية للدول الأوروبية مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ، و المقصود بذلك السكان . وسيكون من غير المجدي أن نبحث عن هذا المفهوم في مقال آخر عن الشرطة . نعلم جيدا أن جيستي لم يخترع لا المفهوم و لا الكلمة  ، غير أن ما يستحق الإشارة إليه هو أن المؤلف أخذ في اعتباره  ، تحت كلمة سكان ،  ما كان الديمغرافيون في نفس المرحلة يحاولون استكشافه . فالعناصر المادية والاقتصادية للدولة ، مأخوذة في كليتها ، قد شكلت فضاء للسكان .  صحيح أن (Turquet)  والطوباويين من فصيلته تحدثوا أيضا عن الأنهار ، الغابات والحقول الخ …غير أنهم ينظرون إليها أساسا كعناصر قادرة على إنتاج  المحاصيل وتحصيل الضرائب . بالمقابل  فان  ” جيستي ”  يرى أن السكان والفضاء يقيمان بشكل دائم علاقة متبادلة وحية ، وعلى الدولة أن تدير هذه العلاقات بين هذين النوعين من الكائنات الحية . يمكن  أن نقول  بأنه مع نهاية القرن الثامن عشر أصبح السكان موضوعا حقيقيا للشرطة ، أو بعبارة أخرى ، أصبح مفروضا على الدولة  أن تسهر على كل ما يهم الناس باعتبارهم سكانا . إنها تمارس سلطتها على الكائنات الحية باعتبارها كذلك ، وبالتالي فان سياستها هي بالضرورة سياسة ــ حيوية . ليس السكان سوى ما  تسهر عليه الدولة لمصلحتها الخاصة  ،  فالدولة  يمكنها ، إذا لزم الأمر ، أن تقتلهم . السياسة القاتلة هي أيضا الوجه المعكوس للسياسة الحيوية .                                                                      

 أعلم بأن الأمر لا يعدو أن يكون مخططا إجماليا أو خطوطا موجهة . فنحن نستطيع ، على الأقل من (Botero) إلى (Justi)، من نهاية القرن السادس عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر ، أن نتكهن بتطور عقلانية سياسية مرتبطة بتكنولوجيا سياسية معينة . من فكرة أن الدولة تمتلك طبيعتها وغايتها الخاصة إلى فكرة أن الإنسان منظورا إليه كفرد حي أو عنصرا من السكان في علاقته بالمجال ، نستطيع أن نتابع تدخل الدولة المتنامي في حياة الأفراد ، الأهمية المتزايدة لمشاكل الحياة بالنسبة للدولة ، و  تطور حقول معرفية ممكنة بالنسبة للعلوم الاجتماعية والإنسانية  تأخذ  في اعتبارها مشاكل السلوك الفردي داخل السكان والعلاقات بين ساكنة حية ومجالها .                                                             

  اسمحوا لي الآن بأن أقدم ملخصا جد مختصر  . بداية فانه من الممكن أن نحلل العقلانية السياسية كما نستطيع أن نحلل أية عقلانية علمية . صحيح أن هذه العقلانية السياسية ترتبط بأشكال أخرى من العقلانية. كما أن تطورها هو جد مرتبط بالسيرورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية . فهي دائما تتجسد داخل مؤسسات واستراتيجيات ، كما أن لها خصوصيتها المميزة . تتميز هذه العقلانية أيضا بكونها تمثل أساس عدد كبير من المسلمات ومن البديهيات المتنوعة ومن المؤسسات و الأفكار . انه من المهم بشكل مضاعف ، من وجهة نظر نظرية وعملية ،  متابعة هذا النقد التاريخي ، هذا التحليل التاريخي لعقلانيتنا السياسية التي هي مختلفة شيئا ما عن النقاشات التي تخص النظريات السياسية ، ولكن أيضا تشعبات الاختيارات السياسية . إن فشل النظريات السياسية الكبرى اليوم عليه أن يفتح ، ليس طريقة في التفكير غير سياسية ، ولكن حول بحث يهم كيف كانت طريقتنا في تفكير السياسي طيلة هذا القرن .                                                                                                             

سأقول بأن فشل النظريات السياسية ، داخل عقلانيتنا السياسية اليومية ، لا يعود  على الأرجح  إلى السياسة أو النظريات ولكن إلى نوع العقلانية التي تتجذر داخلهما  . وفق هذا المنظور ، فان المظهر العام لعقلانيتنا الحديثة ليس هو تشكل الدولة ، الأكثر برودة من بين كل الوحوش المسخة الباردة ، و لا هو مصير الفردانية البورجوازية  . لن أقول حتى بأنه مجهود تابت من أجل ربط الأفراد بالكلية السياسية . لقد ارتبط  المظهر العام لعقلانيتنا السياسية  ، في نظري ، بهذا المعطى :  هذا الإدماج للأفراد داخل مجموعة أو كلية ناتج عن ترابط دائم بين تفريد يزداد دائما أكثر و تقوية هذه الكلية . من وجهة النظر هذه نستطيع أن نفهم لماذا التناقض قانون / نظام  سمح بعقلانية السياسية المعاصرة  .              

 القانون ، بالتحديد ، يحيل دائما إلى نظام قانوني ، بينما النظام يستند إلى النظام الإداري ، إلى نظام خاص للدولة ـ  وهو ما كان بالضبط  فكرة كل الطوباويين منذ فجر القرن السابع عشر ، ولكن أيضا كل الإداريين الحقيقيين في القرن الثامن عشر . إن الحلم بالمصالحة بين القانون والنظام  ، الذي كان حلم الأفراد  ، عليه أن يبقى في حالة  الحلم . من المستحيل أن يتم التصالح بين القانون والنظام ، حتى عندما نحاول ، لأنه فقط يتم تحت شكل إدماج القانون داخل نظام الدولة .                                                                                  

ستكون ملاحظتي الأخيرة كالتالي : كما تلاحظون فإننا لن نعمل على فصل ظهور العلوم الاجتماعية عن مصير هذه العقلانية السياسية المعاصرة ، ولا عن هذه التكنولوجيا السياسية . كل واحد يعلم بأن الإثنولوجيا هي وليدة الاستعمار ( دون أن يعني ذلك بأنها علم امبريالي )  ، وعلى نفس المنوال ، فأنا أعتقد بأنه إذا صار الإنسان ـ النحن ، الكائنات الحية ،  للكلام ، للعمل ـ  موضوعا لعلوم متعددة ، فإنه يلزم  البحث عن السبب لا في الإيديولوجيا ، ولكن في وجود هذه التكنولوجيا السياسية  التي كوناها لصالح مجتمعاتنا .

الإحالات :    

النص وارد في الجزء الثاني 1976 ـ 1988 ” كتابات و أقوال ” من ص 1632 الى ص 1647 

(1 ) فرانك . ج . ب ( النظام الطبي الكامل للشرطة ) مانهايم س. ف . شوان 1780 ـ  1790 الجزء الرابع .

 2 )  بوتيرو . ج ( العقل وحكم الدولة في عشر مؤلفات ) ترجمة ج . شابيس . باريس 1599 .    

3)   أ .ج . بالازو  ( خطاب الحكومة والعقل الحقيقي للدولة ) ترجمة فالييرس 1611 .

(4)  شيمنيتز ( مقالة في عقلانية الدولة داخل الأمبراطورية الرومان_ جرمانية ) 1647 .

(5)  تيركي دو ماييرن ( الملكية الأرستو ـ  ديمقراطية أو الحكومة مكونة من الأشكال  الثلاثة من الشرعية العامة ) 1611 .

(6)  نفس المصدر ص 19 .  (7) نفسه . (8 ) _ الكتاب الأول ، ج 1 ص4 . (9 )  مدخل ج 2 . 10) . الكتاب 1 ج 1 ص 2 . ( 11 ) ص 4 . ( 12) جيستي ( عناصر الشرطة ) 1756 .

تصفح أيضا:

فريديريك غرو: لماذا تُطيع؟ لأنني مُذعن

‏3 أيام مضت ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

فريديريك غرو ترجمة: جمال شحيد لماذا تُطيع؟ لأنني مُذعن: ويستحيل أن أتصرّف بطريقة مغايرة. هذه العلاقة واضحة وضوح الشمس. الذي يطيع على نحو مميَّز، هو العبد. وأقصد بالإذعان طاعة إكراهية خالصة: نطيع من يحمل في يديه السلاحَ والسوط، والقدرةَ على التحكّم بالوظيفة، بل بالحياة والموت. أي إننا نطيع ربَّ العمل …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: الكثير من الأمني يقتل الأمن

‏6 أيام مضت ترجمةحواراتفلاسفة 0

ترجمة الحوار : محمد ازويتة نحن فعلا في حالة حرب ، كما يشرح غرو  ، لكن احذروا  السقوط في المزايدة الأمنية . يمكن أن تكون مقاومة مناخ الرعب ايتيكية  بقدر ما هي عسكرية وسياسية ، ذاك ما يؤكده أستاذ الفكر السياسي فريديريك غرو ، الذي بالنسبة له  “يجب إعادة صياغة …أكمل القراءة »

دانييل لورينزيني: ايتيك العصيان من ثورو Thoreau إلى راولز Rawls وأرندت Arendt

‏7 أيام مضت ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

ترجمة : محمد ازويتة ملخص أولاً ، يشير العصيان إلى حركة سياسية ليست في متناول الجميع ، ولكنها متاحة فقط للأفراد الذين هم جزء من”النقاش” الديمقراطي في بلادهم بموجب القانون – أي المواطنون.  ثانياً ، أن العصيان المدني هو ممارسة مدرجة بشكل أساسي في اللعبة الديمقراطية ، وهو شكل من …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: كل مقالات وترجمات موقع كوة

‏أسبوع واحد مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

نقدم لكم في هذه الوصلة مجموع ما نشره موقع كوة لفوكو وعنه من مقالات وترجمات ودراسات وابحاث باللغة العربية من لغات مختلفة. ميشال فوكو: المراقبة و العقاب ‏يوم واحد مضت علم الإجتماع, فلاسفة, مقالات 0 أسامة البحري بقلم : أسامة البحري – طالب في مسلك علم الإجتماع – بني ملال “السجن أقل حداثة عندما …أكمل القراءة »

روابط 76 مقالة نشرتها كوة حول كورونا

‏أسبوعين مضت أخرىعامةعلم الإجتماععلم النفسمتابعاتمفاهيممقالات 0

فريق كوة نقدم لكم هنا مجموع ما نشره موقعنا حول أزمة كورونا من مختلف المقاربات الفلسفية والسيوسيولوجية والنفسية والادبية والفنية… نجمعها في صفحة واحدة لتجنب عناء البحث في الموقع هل سنشهد”عالما جديدا” بعد فيروس كورونا؟ ‏5 دقائق مضت عامة, مساهمات, مفاهيم 0 أ.كرام ياسين أستاذ فلسفة بجامعة سطيف 2 – الجزائر-          وضع العالم …أكمل القراءة »

فوكو وشجاعة قول الحقيقة: 8 – خصوم القول الصريح

‏3 أسابيع مضت دراسات وأبحاثعامةفلاسفة 0

بقلم: ادريس شرود تقديم     أثار انتباهي وأنا أتناول في مقالات سابقة موضوع “شجاعة قول الحقيقة” عند الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو⃰ ، تطور معارضة تاريخية  ل”القول الحق، الصريح  والصادق والحر ” تزعّمها خصوم لهم علاقة فريدة مع “الحقيقة”، ومتميّزة مع “الآخر”، وأخصّ بالذكر سقراطSocrate  والفلاسفة السنيكيين les Cyniques. ذلك أن شخصيات مثل الخطيب/البلاغي والحكيم والنبي تمتلك تقنيات وطرائق في الكلام …أكمل القراءة »

دانييل لورينزيني: السياسة الحيوية في زمن الفيروس التاجي ( فيروس كورونا )

17 أبريل 2020 حواراتفلاسفةمجلات 0

ترجمة : محمد ازويتة مدخل : يندرج هذا المقال ضمن سلسلة الحوارات التي تمت بين عدد من الفلاسفة الغربيين المعاصرين بشأن إشكالية العلاقة بين الطب و السياسة ، ما أسماه فوكو بالسياسة الحيوية ، في ظل اجتياح الفيروس التاجي . إنه بذلك ” إضافة ” لما نشرته الباحثة عائشة نجار …أكمل القراءة »

فريديريك غرو: في الحاجة الى إعلان عالمي لحقوق الإنسانية

23 مارس 2020 ترجمةكتبمفاهيم 0

ترجمة محمد ازويتة النص وارد في كتاب فريديريك غرو ” سؤال الأمن ” ، الذي ستصدر ترجمته قريبا عن المركز الثقافي العربي . مدخل: يعيش العالم اليوم بفعل التهديد المباشر لفيروس كورونا تحديا عالميا حقيقيا يهم الأمن الحيوي في نواته الأساسية أي الحياة الإنسانية . صحيح أن تحديات و عوائق …أكمل القراءة »

دانييل لورانزيني: الجنس كفن

15 مارس 2020 ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

ترجمة: محمد ازويتة لماذا نترجم فوكو ؟ الغاية من نقل نصوص فوكو الى اللغة العربية ، و نشرها على موقع كووة الثقافي ، هي : أولا ، تعريف أكبر عدد ممكن من القراء باهتمامات الفكر الفلسفي الغربي في ما يخص القضايا و الاشكاليات التي يطرحها في ثقافته ، ثانيا ، …أكمل القراءة »

مارك هينيادي: من الاعتراف الى الحرية

10 مارس 2020 Non classé 0

هل مازال أكسيل هونيث Axel Honneth منتميا إلى مدرسة فرانكفورت ؟. مارك هينياديMark Hunyadi (1) ترجمة : محمد ازويتة تقديم يهدف هذا المقال إلى بيان أمرين :                                      ــ  الأول ، هو التحول المعرفي الذي طرأ على النظرية النقدية في ألمانيا . فبعد أن كان التمييز يتم بين مرحلتين  ــ …

ميشيل فوكو : التفريد و التجميع: في نقد العقل السياسي

4 مارس 2020 Non classéترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

ترجمة : محمد ازويتة نشر المقال   في مجلة ( مناظرة ) نوفمبر 1986 . العدد 44  . وقد استندت هنا الى   (   أقوال و  كتابات) الجزء الثاني ” 1976 / 1988 . من  ص 953 إلى ص 980  . غاليمار طبعة  2001 تقديم أورد محمد عابد الجابري في مقدمة ”  …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: لنجعل من الحياة عملا فنيا

24 فبراير 2020 ترجمةفلاسفةمقالات 0

ترجمة : محمد ازويتة أنجزه : Edouard delruelle أستاذ الفلسفة الأخلاقية بجامعة لييج ببلجيكا في ابريل 1983 ، قام فوكو بزيارة دراسية إلى جامعة بركلي في كاليفورنيا . خلال إحدى جلسات العمل  سأله أحد الطلبة السؤال التالي :  ما هو نوع الأخلاق الذي يمكن أن نطرحه حاليا في عصرنا الحاضر ؟. كان …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: الجنون والمجتمع

‏3 أسابيع مضت دراسات وأبحاثفلاسفةكتب 0

تقديم و ترجمة : محمد ازويتة ” اختفى الجذام ، و توارى المصاب به أو كاد من الذاكرة ، إلا أن بنياته ستستمر . فستشهد الأماكن ذاتها نفس لعبة الإقصاء قرنيين أو ثلاثة بعد ذلك . فقد حل الفقراء و المشردون و الخاضعون للإصلاح و المرضى عقليا محل المصاب بالجذام …أكمل القراءة »

فوكو وشجاعة قول الحقيقة _ 6 _ القول الصريح عند المسيحيين

15 أبريل 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

بقلم: ادريس شرود مقدمة     يميز ميشيل فوكو بين أخلاق الإغريق وفلسفتهم، وتقنيات الذات والفحص الذاتي والمسؤولية الأخلاقية عند المسيحيين. فالناس في أخلاق الإغريق، كانوا يهتمون بسلوكاتهم الأخلاقية وعلاقتهم بذواتهم وبالآخرين أكثر من اهتمامهم بالمشاكل الدينية، بحيث كان موضوعهم الكبير هو تأسيس نوع من الاخلاق تكون بمثابة علم جمال الوجود. أما أخلاق …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: الذاتية و الحقيقة

21 فبراير 2020 ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

محمد ازويتة مقدمة المقال: تميز فكر فوكو في الثمانينات بانعطاف مفصلي ، محوره الانتقال من ذات تشكلت من خلال منظومة السلطة المعرفة الى ذات تشكلت من خلال العلاقة التي أقامتها مع الحقيقة ، إنه البحث في التذويت و في الأشكال التي اتخذها قول الحقيقة استنادا الى التقنيات التي تشكلت من …أكمل القراءة »

الباريسيا السنيكية (المقالة الثالثة)

31 ديسمبر 2019 دراسات وأبحاثمفاهيم 0

بقلم: ادريس شرود تقديم      تعتبر تجربة الفلاسفة السنيكيين وجها آخر للممارسة السقراطية للباريسيا وامتدادا للخطاب الفلسفي السقراطي، والصورة المعارضة للفلسفة الأفلاطونية. فهي تجربة مختلفة تقدّم كيفية أخرى في التفلسف وفي إدراك الحياة الفلسفية والممارسة السياسية. فإذا كان سقراط يدعو المواطنين الآثينيين إلى الإهتمام بأنفسهم حتى يتمكنوا من حكم أنفسهم والآخرين …أكمل القراءة »

فوكو وشجاعة قول الحقيقة – القول الصريح عند سقراط وأفلاطون- (المقالة الثانية)

10 ديسمبر 2019 دراسات وأبحاثفلاسفة 0

بقلم: ادريس شرود تقديم     أعطى ميشيل فوكو أهمية للأعمال وللتحولات التي يتوجب على الذات القيام بها حتى تصير جديرة بأن تكون ذاتا صريحة وصادقة وحرة. فقد استنتج من الأبحاث التي قام بها حول كتابات بعض الفلاسفة اليونان والرومان أن العلاقة مع الحقيقة هي مباشرة أخلاقية وتتمظهر في تلك العلاقة المشروطة …أكمل القراءة »

فوكو وشجاعة قول الحقيقة – الباريسيا أو القول الصريح الصادق والحر- (المقالة الأولى)

8 نوفمبر 2019 ترجمةدراسات وأبحاثفلاسفة 0

بقلم: ادريس شرود “لم يبق لنا على الأقل إذن باعتبارنا محكومين إلا  أن نؤكد بالطبع على الحق في طرح أسئلة الحقيقة” ميشيل فوكو تقديم     في آخر حوار لمشيل فوكو(1)، ميّز بين إيتيقا العصر القديم اليوناني والروماني والإيتيقا المعاصرة، ونفى وجود قواسم بينهما. على النقيض -يقول فوكو- حين نأخذ الأخلاق 

شاهد أيضاً

اسم الفيلسوف عند العرب بين «أعلى العليّين» و«أسفل السَّافلين»

محمد شوقي الزين محمد شوقي الزين أوديسَّا الفلسفة في تاريخ البشر محفوفة بالمزالق والمهالك؛ فهي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *