الرئيسية / ترجمة / فرانسوا بافويل: مجتمعاتنا المريضة بالجماهير

فرانسوا بافويل: مجتمعاتنا المريضة بالجماهير

مرسلي لعرج

قسم علوم الاعلام والاتصال ،جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر.

في زمن صعود الشعبوية، البريكسيت والسترات الصفراء، قراءة عمل خوسيه أورتيغا ذ. غاسيت ثورة الجماهير (1929) (مقدمة خوسيه لويس جوينا، مترجمة من الإسبانية بواسطة ل.بارو، الآداب الجميلة، 2010) هي أحداث عاجلة وملتهبة.

«واقع في اللحظة الراهنة يحدد بشكل حاسم –إن خيرا أو شرا -الحياة العامة في أوروبا؛ إنه صعود الجماهير وتولي القوة الاجتماعية كاملة» تترجم هذه الظاهرة بحقائق: “العنف هو الآن بلاغة عصرنا” -العنف الذي يعرفه المؤلف بأنه “سخط العقل”؛ عنف يجد مصدره في الحرية الراديكالية التي تمنحها الجماهير لنفسها والتي تسمح لها بالاستغناء عن أية وساطة “عندما تعمل الجماهير من تلقاء نفسها، فإنها تفعل ذلك بطريقة واحدة فقط -لا تعرف أي شيء آخر: إنها تعدم”. تثور الجماهير حتى ضد نفسها متحررة من جميع الأصول والمرجعيات التاريخية: “إنها تثور ضد مصيرها الذاتي”. لذلك فإنها تعطي نفسها قاعدة واحدة فقط: العنف المعمم. يبدو أن الأخبار الأخيرة تظهر أهمية وصحة تحليلات غاسيه.

ظهور الإنسان الجمهور

وفقا للمؤلف، فإن “الثورة الجماعية” هي ظاهرة متكررة في التاريخ، ولكن ما يميز القرن العشرين هو تفوق “الإنسان الجمهور” الذي يُفهم على أنه “نوع من البشر”. . في تحري الأسباب التي من المرجح أن تفسر ظهوره، يضع المفكر الإسباني في الاعتبار سلسلة من العوامل: المعدات، مع التقدم التقني الذي شهده القرن التاسع عشر والذي يمثل ذروة تحرر وتيرة الابتكار التي عدلت معايير الفكر والعمل. روحيا، مع هيمنة الحقوق الفردية والسيادة الفردية التي صيغت في القرن الثامن عشر؛ جماعيا، بالنضال الذي أطر المجتمع برمته. تعارض الأقلية النشطة – “أقلية النخب” – مع الأغلبية السلبية الخاضعة لها، تناول هذا النضال جوانب من العنف غير القابل للقمع في القرن التاسع عشر.

غاسيت لا يسند برهنته إلى أي تحليل بعدم المساواة المادية المرتبطة باستغلال العمال، واتي هي أصل تمرد الجماهير. لم يذكر ماركس ذلك أبدا، وكذلك فرويد، حتى لو كان المؤلف يعتقد بأن التاريخ هو عالم نفس: بالنسبة له، التقدم الذي أدى إلى الإيمان بالتكرار الحتمي للأرباح المكتسبة عبر التاريخ أدى إلى “طمس الروح”. من خلال منح الفرد جميع الاحتياجات والرضا الملائم، فإن القرن التاسع عشر “أنتج تلقائيًا إنسانا جديدًا “. أدى تدفق السلع إلى الرضا عن الذات ونسيان أي اتجاه منضبط للعمل. وفي هذه العملية، تتحمل النخبة جزءًا كبيرًا من المسؤولية: لقد فشلت في واجباتها تجاه الجماهير التي أصبحت محمومة بالغضب وعدم الرضا والإحباط والاستياء. ومن هنا تنشأ ثورة الجماهير: “فرار الأقليات الحاكمة دائمًا وراء ثورة الجماهير”

 يعتبر عاديًا (أي جزء من نظام الطبيعة) والذي هو نتاج للفعل البشري (النظام الثقافي)، فإن الإنسان الجمهور هو طفل مدلل: مدلل بنسيان ما حصل له كميراث؛ نسيان الانضباط الذي يتطلبه المجتمع من الجميع للقيام بواجبهم، وبالتالي فهو طفل يؤمن بأن كل شيء مسموح له القيام به، ويعتقد بأنه قادر على كل شيء لأنه يتمتع بحقوق (فردية). لذلك، هذا الإنسان الجديد يسمح لنفسه بعدم احترام أي سلطة، ويتخلى عن أي تفسير، لذلك فهو غير مسؤول: الطفل الذي يعتقد أنه مركز العالم ويرى نفسه كمرجع رئيسي لكل فكر وكل عمل، ومن تلك اللحظة فصاعدًا طرح الاثنان مباشرة لأنهما مطلقان. إنه فجر النرجسية.

الهمجية(البربرية) الجديدة وتجاوزاتها السياسية

وبالتالي فإن زمن الجماهير هو زمن السلطة الشمولية للأغلبية، عندما تتركز السلطة في يد فرد واحد، حكومة بلا رؤية والتي ينتهي التاريخ بسببها. هذا هو الوقت الذي يكون فيه “الأنا” قوية للغاية “النحن”، أي الديمقراطية المفرطة: “الديمقراطية والقانون والجماعة الشرعية مترادفان. نشهد اليوم انتصاراً لديمقراطية مفرطة تتصرف فيها الجماهير مباشرة بدون قانون، وتفرض تطلعاتها وأذواقها عن طريق الضغط المادي “. إنه بالنسبة لغاسيت زمن البرابرة: “ليس لدى البرابرة قانون، الهمجية هي غياب المعايير واستحالة أي ملاذ “. هذه هي الحالة التي تجد فيها أوروبا نفسها اليوم، عندما يُعلن أن النقاش الذي ميزها لقرون، في تبادل متواصل بين دولها المختلفة هو اليوم عديم الجدوى. إن الإنسان الجمهور يمثل تصفية هذا المجتمع من الأفكار والمشاريع ويتميز بتعزيز فكرة وطرحها والتي يعتقد أنها هي وحدها فقط التي يجد فيها أصل أفكاره الذاتية.

لن نناقش هنا “تفسير التاريخ الأرستقراطي الراديكالي” الذي دافع عنه المؤلف والذي وجهت له انتقادات في كثير من الأحيان بشأنه. يبدو أن الأهم بالنسبة لنا هو حدود تفكيره بخصوص الثورتين اللتين شهدهما (الفاشية والبلشفية) واللتين يقيِّمهما بمعيار نظام فكره الليبرالي. ولأنه مقتنع بشدة بأن الفكر والعمل يوجهان بشكل حصري بالنظر إلى مبدأ نظام تعديلي، والذي لا يستطيع إدراك الاضطراب الناتج عن هذين النظامين. مع الأخذ بعين الاعتبار بأنه بدون هذا المبدأ التعديلي، لا يوجد شيء دائم، لا يتوقع أن تفتقر الليبرالية في هذه الأنظمة إلى ابتكار جذري في التاريخ (على الأقل السوفيتية). وبالمثل، لا يمكنه قبول أن السلطات الديكتاتورية يمكن أن تؤمن بما تؤكده: “إلى أين نحن ذاهبون؟، هذا إذا اضطررنا إلى تقبل الكينونة الحقيقية لفرد ما يدعي أنه يؤكدها لنا على ما هي عليه ؟؟؟ ” لذلك كم يتجاهل غاسيت كل النصوص المختلفة التي تحاكي مبادئ دولة القانون -مثل الدستور السوفياتي لعام 1936 -لا وظيفة أخرى له، مدعيا تحديد مجموع حقوق المواطن، من منع أي اعتداء على عدم احترام القانون “الاشتراكي” وبالتالي إدانة أولئك الذين يمارسونه بالاضطهاد القانوني.

بالنسبة للكاتب، الفاشية والبلشفية هي ثورات مطابقة لتلك التي سبقتها في التاريخ، ولأنه يوجه لهما نقدا لاذعا في عدم التفكير في التاريخ الحادث والذي يعتبرانه بدون مستقبل: ما حدث في روسيا تاريخياً لم يكن ذا أهمية، إنه بكل صرامة عكس بداية حياة صاعدة “. في ظل هذه الظروف -ولكن أيضًا لأنه كتب في عشرينيات القرن الماضي -لم يستطع أن يفهم أن عنف البلشفية لم يكن قابلاً للاختزال لأي تجربة ثورية سابقة، والتي ستنجب تحت حكم ستالين ما يبدو أنه غير ممكن تصوره قبل مجيئه إلى السلطة: مجتمع قابل للحياة، ينتج قواعده الخاصة في العمل والتنظيم والأفضل من ذلك، ولنوع معين من الإنسان: أوموسوفياتي  homo sovieticus   ، يؤكد غاسيت أنه إذا نجحت البلشفية، فسيكون ذلك فقط بسبب ضعف أوروبا.

على هذا النحو، فإن ثورة الجماهير هي نداء حي من أجل انتعاش أوروبا وتأكيد المثل العليا فيها، في مواجهة تجمهر الأفكار والأفعال التي في تبسيطها ليست سوى خداع. إن قراءتها يمكن أن تحفزنا فقط على التفكير في أزمة أوروبا نفسها اليوم من خلال محاولة تجاوز حدود هذا العمل. بعبارة أخرى، التفكير في كيفية عمل هذا الإنسان الجمهور في الوقت الحاضر، وكيف يمكن لليبرالية الاقتصادية أن تتوافق جيدًا مع النظام السياسي الديكتاتوري، وما تظهره الصين ومعها بعض الدول الأخرى. هذه كلها تفكيرات يمكن أن تقودنا إلى تعميق الإطاحة وإسقاط الديمقراطيات الليبرالية في اللاليبرالية، ما يسمى أحيانًا بالشعبوية و “مجتمعاتها المرضية” والتي تستمر في خلق أشكال يمكن افتراض أنها مستدامة.

المصدر: فرانسوا بافويل

فرانسوا بافويل عالم اجتماع ومدير أبحاث في CNRS (CERI-Sciences Po) ، ونشر بشكل خاص في هيرمان “الرغبة الدؤوبة للقتل” (2017) ، “ماكس ويبر ، الواقعية ، حلمية ورغبة القوة ” (2018) و “فرويد ويبر ، الوراثة – الأجناس ، الجماهير والتقليد” ( 2019)

مؤلف ماكس ويبر

شاهد أيضاً

الفلسفة وحدث الكورونا: خمسة دروس أساسية

بقلم الدكتور محمد محسن الزارعي محمد محسن الزارعي ما تزال حالة الهلع تسري في كيان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *