الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / تفكير في “المسألة النسوية” مع ابن رشد(2)

تفكير في “المسألة النسوية” مع ابن رشد(2)

لطيفة المصدق

لطيفة المصدق

لربط هذا الجزء بما سبقه،أعيد صياغة السؤال الإشكالي الذي طرحه إبن رشد في القسم المعنون ب”النساء كالرجال:فيلسوفات وحاكمات” من كتاب “الضروري في السياسة”
هل طباع النساء مماثلة لطباع الرجال،بحيث يلزم عنها الاشتراك في الأفعال الإنسانية،أم أنها مختلفة عنها؟
سأعرض فقرتين بالكامل من أجل الوقوف على جواب إبن رشد، وموقفه تجاه المسألة.
النص الأول:

“قلت إن النساء من جهة أنهن والرجال نوع واحد في الغاية الإنسانية،فإنهن يشتركن وإياهم فيها[الأفعال الإنسانية ] وإن اختلفن عنهم بعض الاختلاف.أعني أن الرجال أكثر كدا في الأعمال الإنسانية من النساء.وإن لم يكن من غير الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقا في بعض الأعمال، كما يظن ذلك في فن الموسيقى العملية، ولذلك يقال إن الألحان
تبلغ كمالها إذا أنشأها الرجال وعملتها النساء.”( ص 124)

النص الثاني:

“فإذا كان ذلك كذلك،وكان طبع النساء والرجال طبعا واحدا في النوع،وكان الطبع الواحد بالنوع إنما يقصد به في المدينة العمل الواحد،فمن البين إذن أن النساء يقمن في هذه المدينة بالأعمال نفسها التي يقوم بها الرجال،إلا أنه بما أنهن أضعف منهم فقد ينبغي أن يكلفن من الأعمال بأقلها مشقة.”

في هذين النصين-بل في معظم الصفحات الخاصة بوضع النساء في المدينة الفاضلة ووضعها في الواقع- ينفرد إبن رشد بصوته،ليعبر عن موقفه الخاص من مشاركة النساء للرجال في تدبير المدينة فكريا وسياسيا (سبق أن أشرت إلى أن هناك تداخلا بين موقف ابن رشد وموقف أفلاطون)
تبدو الإجابة عن السؤال واضحة، ودونما مواربة او تستر أو احتماء بصوت أفلاطون. ففي هاتين الفقرتين إقرار من ابن رشد بانتماء النساء والرجال إلى ذات النوع،وإلى طبيعة واحدة،وتأكيد على اشتراكهما في الغايات الإنسانية.وهو ما سمح بالاستدلال البرهاني الذي ينتهي الى القول بالاشتراك في الأفعال الإنسانية(فيكون من بينهن محاربات وفيلسوفات وحاكمات…)
وإذن، يمكن للنساء أن يقمن بمثل ما يقوم به الرجال من أفعال إنسانية وأعمال جليلة وعظيمة،وإن كان ابن رشد يقر ببعض الاختلاف بين الإثنين مرتبط في جزء منه بالقوة البدنية،و لكنه لا يلغي التكافؤ بينهما؛ومثال ذلك قدرة الرجال على الكد والتعب مقارنة مع النساء،و حذق ومهارة النساء في الموسيقى العملية وأعمال النسيج مقارنة مع الرجال.
إن ابن رشد يبرهن بما لا يدع مجالا للشك،أن النساء مؤهلات ومهيآت بالطبع والنوع للقيام بجلائل الأعمال التي يقوم بها الرجال،وأنه لامجال للقول أو الاعتقاد بأن دورها ينحصر في البيت،وفي المهام المرتبطة بالإنجاب والرضاعة والاعتناء بالأزواج.يقول ابن رشد في هذا الصدد: “وإنما زالت كفاية النساء من هذه المدن(= مدن الأندلس ) لأنهن اتخذن للنسل دون غيره وللقيام بأزواجهن،وكذا للإنجاب والرضاعة والتربية.فكان ذلك مبطلا لأفعالهن [الأخرى ].”(ص125)
المرأة من حيث المبدأ، من حيث انتماؤها الى النوع الإنساني، هي كفؤ ومؤهلة مثل الرجل تماما،لتدبير المدينة،مؤهلة لتكون حكيمة وحاكمة،لكن التربية والتنشئة،أزالت عنها كفاءتها وأهليتها ،واختزلت دورها وقصرته على الإنجاب والرضاعة والقيام بالأزواج.
وقد يعترض معترض على مثال الإنجاب،بالقول إنه لأمر بدهي أن يرتبط الإنجاب بالنساء.لكن الإنجاب لايقصد به الفعل البيولوجي،فهذا جلي وواضح بذاته،لأن الطبيعة هيأت الأنثى بيولوجيا وفيزيولوجيا لذلك،لكن المقصود هو الدور الذي حصر فيه المجتمع المرأة وانشأها على الاقتصار عليه وعلى تحقيق ذاتها من خلاله،بحيث غيب(الدور) باقي الجوانب،وخاصة ملكة التفكير. كما أن مثال التربية لا ينبغي أن يفهم من منطلق علوم التربية الحديثة،بل الأرجح أنه يحيل الى العناية بالرضيع والطفل فيما يتصل بالطعام والنظافة … أما ما يتصل بالتهذيب والتأديب وتعليم السلوكات الجيدة،فقد كان يعهد به إلى معلمين من “أهل الاختصاص” من شعراء وأدباء وفقهاء وفلاسفة وموسيقيين،ومعلمي الفروسية…وهذا ما رجح كفة الذكور-الرجال على الإناث-النساء في التفكير والتدبير والتعبير والحكمة،وفوت على الإناث-النساء أن يأخذن نصيبهن من الفضائل،وجعلهن متمركزات حول أجسادهن،ومتقوقعات في ثناياها.يقول ابن رشد: ” ولما لم تكن النساء في هذه المدن مهيآت على نحو من الفضائل الإنسانية، كان الغالب عليهن فيها أن يشبهن الأعشاب”
فالنساء،وتحديدا في الأندلس والعالم العربي الإسلامي،لا يربين على الفضائل الإنسانية، ولايهذبن بما ينمي ملكاتهن،وينضج عقولهن،مثل الرجال،بل ينشأن كما اتفق مثل الأعشاب البرية من دون رعاية أو عناية.
اذن،ما يمكن أن نخلص اليه هو أنه و من حيث المبدأ ليس هناك اختلاف بين النساء والرجال في الطبع والنوع والغاية الإنسانية،إذ يقوم البرهان على أن الاشتراك في النوع والغاية الإنسانية يترتب عنه بالضرورة الاشتراك في الأفعال الإنسانية.
ويمكن صياغة ذلك في هذه الصورة/القضية المنطقية:
– ينتمي الرجال إلى النوع الإنساني،فيقومون بالأفعال الإنسانية
-النساء مثل الرجال ينتمين إلى النوع الإنساني
– إذن، فالنساء يشتركن مع الرجال في القيام بالأفعال الإنسانية.

(يتبع)

الجزء الأول:

تفكير في “المسألة النسوية” مع ابن رشد(1)

‏6 أيام مضت بصغة المؤنثعامةفلاسفة 0

لطيفة المصدق لطيفة المصدق هل يمكن أن نبحث عن جذور تفكير عربي إسلامي، ما قبل عصر النهضة فيمايسمى ب”قضية المراة” داخل المتن الرشدي؟وهل يسعفنا التراث الرشدي في التفكير معنا في القضية النسوية،وفي الإجابة عن أسئلتنا الحاضرة؟وهل قضية المرأة واحدة ومتماثلة،بحيث يكون في مقدور المتن الرشدي أن يمدنا بالخيط الهادي الذي …

شاهد أيضاً

فريديريك غرو: شجاعة الحقيقة من سقراط الى كانط

ترجمة : محمد ازويتة مدخل في غمرة حدث الفيروس التاجي ، يفرض سؤال الحقيقة نفسه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *