الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / “السايبورغ” ومستقبل البشر… بين هاراوي وبوتون

“السايبورغ” ومستقبل البشر… بين هاراوي وبوتون

نصير فليح


نصير فليح

فكر دونا هاراوَي Donna Haraway يمتد في مجالات متعددة مثل أغلب الفلاسفة والمنظرين النقديين المعاصرين في عالمنا الحالي، وكتاباتها ونتاجها الفكري ما يزال مستمرا من عقود والى زمننا الحاضر. لكن ابرز مجالات فكرها يرتبط بما بعد الانسانوية ومفهوم “السايبورغ” فضلاً عن العلم والنظرية النسوية. وكتابها المعروف الشهير في هذا السياق هو “بيان سايبورغ” A Cyborg Manifesto.

في توصيف ذاتي طريف لنفسها تقول: لأني تدربت ودرست في مجال البايولوجيا الجزيئية والتطورية، فأني أُحدَّد كمؤرخة للعلم. ولأني قدّمت على فيزا لأجل بقاء طويل الأمد في المناطق المتداخلة للأنثروبولوجيا، فاني كائن فضائي مقيم في هجين من المباحث المتقاطعة. لكن وطني الحقيقي هو المادة الفَظة، والمناطق الخيالية للتكنو-علم technoscience.

السايبورغ

مفهوم “السايبورغ” cyborg مفهوم رئيسي في فكر هاراوَي، والسايبورغ عبارة عن كائن هجين او تركيب من المواد العضوية والاجهزة الالكترونية والميكانيك. ولعل كثير من القراء العرب شاهد افلاما سينمائية من افلام الخيال العلمي عن كائنات من هذا النوع، لكن للموضوع ابعاده المعرفية النظرية ذات الصلة بالواقع ايضا، بالاقتران مع تطورات البحوث في حقول البايولوجيا والوراثة والتكنولوجيا والسيبرنيطيقا (لعل من مفارقات الترجمة الطريفة الى العربية وجود ترجمة على الشبكة العنكبوتية مجهولة المصدر ترجمت “السايبورغ” الى “سعالي”، اي جمع “سعلاة”، الكائن الخرافي المعروف!!).

ولهذا المفهوم او الكائن ظلاله التي يلقيها على العالم الحالي ومستقبله، سواء على مفهوم “الانسان” وطبيعته وحدوده وافاقه، او مواضيع التطور العلمي التقني (التكنو-علم) واتجاهاته التي يسير فيها وما يمكن ان يفضي اليه، بالاضافة الى مواضيع الجندر والنسوية. وفي رؤية هاراوَي ان الحركة الجارية باتجاه “السايبورغ” كفيلة ايضا بتخطي الاشكاليات المزمنة في التاريخ البشري مثل التمييز على اساس الجندر او العرق او العنصر وما شابه.

هاراوي وبوتون

وهنا يمكن ملاحظة شيء من الشبه بين فكر هاراوي وفكر الان دو بوتون. فمن يطلع على ارائه في كتاب (هل أفضل ايام البشر قادمة؟) (الذي ترجمناه وقدمنا له بشأن المحاججة عن مستقبل البشر في ضوء القرنين الماضيين من الزمان) سنراه يقول ان الجنس البشري الحالي، اي “الهوموسابينز”، يمتلك “جوزة خطّاءة” في رأسه، اي الدماغ البشري، مشبها اياه بشكل الجوزة. ذلك ان آلافا من السنين اثبتت عدم قدرة البشر على التعلم من اخطائهم. واذا كان ثمة امل في المستقبل – ما لم يحدث ما يفني البشر اصلا او يعيدهم عصورا الى الوراء – فان ظهور جنس جديد من هذا الجنس الحالي، على اساس تغيرات الانسان نفسه بفعل التداخل التكونولوجي، قد يفتح افقا لأمل آخر لجنس جديد نكون نحن اسلافه. وهنا نجد الاقتراب من فكرة “السايبورغ” وما يمكن ان يحققه في المستقبل لدى هاراوي (كما سنعرج على توظيف جيجك للسايبورغ في فلسفته في منشور قادم، لعدم صلته بموضوع المنشور الحالي).

مع هاراوَي وضدها

بالطبع اطروحة من هذا النوع لهاراوي لا بد ن تتلقى نقدا قويا من اكثر من اتجاه، فضلا عن وسمها باللاواقعية، او ضعف الواقعية على الاقل. فالنقد من الاتجاهات النسوية لافكار هاراوَي يركز على لا واقعيتها وانها لا يمكن ان تتحول الى ادوات في منهج سياسي محدد في الخطاب والممارسة الفمنستية. فضلا عن النقد المقترن بنقد التطور العملي والتكنولوجي الحالي وما يفضي اليه في ظل الراسمالية والعولمة من ابتعاد عن الاحتياجات والاوضاع الفعلية لاكثرية البشر، ومخاطر البيئة والحروب، والاغتراب والقلق، وهو نقد واسع النطاق بين عدد من ابرز مفكري العالم المعاصر ومنظريه.

لكن تتوجب الاشارة – وكما تدافع هاراوَي عن آرائها – انها اولاً ليست مع التكنو-علم الجاري بتوجهاته الحالية بما لها وما عليها. وانها لا تدعو لاكثر من الاستفادة من الامكانات التي يوفرها هذا التقدم لتخطي اشكاليات مزمنة في حاضر وماضي التاريخ البشري. ذلك ان السايبورغ كيان او مفهوم لا يندرج بطبيعته ضمن تقسميات العرق والعنصر والجندر التي وسمت ماضي البشر وحاضرهم. وهي تؤكد ان هناك حركة فعلية تجري في هذا الاتجاه، مثل استخدام بعض الاجهزة الالكترونية في عمليات القلب واجزاء بشرية اخرى، او في الاستخدام الواسع النطاق للاطراف الصناعية، وانها – أي هاراوَي – وكما هو عنوان احد كتبها، “شاهد متواضع” على ما يجري.

ولكنها تنتقد الكثير من ممارسات العلم الجاري بما فيها تكثير كائنات مثل فئران التجارب وما يثيره من اسئلة اخلاقية عن تعامل الانسان مع بيئته والكائنات الاخرى فيها. ويمكن الملاحظة، على اساس تصورات كهذه، ان هاراوَي تندرج في الاتجاه ما بعد الانسانوي posthumanism. فما بعد الانسانوية اتجاه نقدي يناهض مفهوم “الانسان” والنزعة الانسانوية التي اقترنت به، بمعنى مناهضة التصورات عن مركزية الانسان واولويته التي تتيح له تسخير كل شئ لصالحه فقط بعيدا عن التاثيرات الناجمة عن ذلك وعن حق الكائنات الاخرى في الحياة، وايضا ارتباط مفهوم “الانسانوية” بالانسان الغربي بوجه خاص باعتباره هو “الانسان” الذي تمت باسمه عمليات الهيمنة الكبرى في التاريخ الاستعماري وما بعد الاستعماري وعالمنا الحالي، فضلا عن التهديدات الخطيرة للبيئة وكوكب الارض نفسه التي وصلت حدا تلوح فيه كوارث على المستوى الكوني.

العلم والخيال العلمي

لعل من المفيد الاشارة هنا الى ضرورة التمييز بين العلم والنظرية من جهة، وتجليات الخيال العلمي من جهة أخرى. فالافلام الهوليوودية التي يعرفها مشاهدونا دأبت على تقديم مواضيع من هذا النوع، عادة ممزوجة بالكثير من العنف لاغراض الاثارة وجذب المشاهدين (أفلام الأكشن، حرب النجوم، بشر أليين…الخ). ولكن المقاربة العلمية والنظرية الرصينة لموضوع التطور العلمي والتكنولوجي، وما يترتب او يمكن ان يترتب عليه بما في ذلك موضوع “السايبورغ”، بعيدة كثيرا عن هذه الاثارات السطحية. فنظرة الى التطور المستمر الواقعي للعلم والتكنولوجيا، تشير الى انهما يتحركان بثبات واستمرارية (وهنا سؤال اخر مهم عن اتجاه الحركة ودرجة اخلاقيته ودوره في تحسين اوضاع البشر ام القلة فقط). وان ما قد نتصوره خيالا اليوم، قد لا يكون كذلك بعد قرن من الزمان مثلا، كما حدث كثيرا في التاريخ. ألم يكن الصعود الى القمر يوما خيالا علميا لا غير؟

للكاتب أيضا:

كتاب الفلسفات في آسيا ترجمة نصير فليح

‏3 أسابيع مضت صدر حديثا 0

نبذة عن الفلسفات في اسياــــــــــــــــــــرغم أن الفكر الفلسفي النَسقيّ (systematic) ظهر أولاً في الـ أوْبَنِشَدْ (Upanishads) والأنساق الفلسفية المبكرة في القرنين من السابع الى الخامس ق.م، فإن الفكر التبصّري العميق موجود أصلاً في رِغْ فيدا (Rig Veda)، التي تمّ تأليفها قبل ذلك بألف عام على الأقل. فمنذ تلك البدايات المبكرة، أنتج …أكمل القراءة »

سلافوي جيجيك: أو ما بعد دريدا

21 يناير 2019 صدر حديثاكتب 0

قريبا..عن دار ومكتبة عدنان..صدور اول عددين من سلسلة (ما بعد دريدا: فلاسفة وفلسفات معاصرة من القرن الحادي والعشرين) بحث واعداد وتقديم نصير فليح…العددان سيكونان عن الان باديو وسلافوي جيجك…ومن المؤمل توفرهما في معرض بغداد الدولي المقبل…أكمل القراءة »

ألان باديو: أو ما بعد دريدا

21 يناير 2019 صدر حديثاكتب 0

قريبا..عن دار ومكتبة عدنان..صدور اول عددين من سلسلة (ما بعد دريدا: فلاسفة وفلسفات معاصرة من القرن الحادي والعشرين) بحث واعداد وتقديم نصير فليح…العددان سيكونان عن الان باديو وسلافوي جيجك…ومن المؤمل توفرهما في معرض بغداد الدولي المقبل…أكمل القراءة »

بعد ما بعد الحداثة: دلالة المعنى وغرابة المصطلح

‏5 أيام مضت متابعاتمفاهيممقالات 0

نصير فليح نصير فليح ــــــــــــاذا كانت “ما بعد الحداثة” تشير الى العقود الاخيرة التي تم فيها تخطي سمات “الحداثة” ثقافيا، فما الذي يمكن ان يشير اليه مصطلح من قبيل “بعد ما بعد الحداثة”؟ هل هي عودة الى “الحداثة” مرة اخرى، ام هي عودة لبعض السمات في الحداثة دون غيرها؟ وما …أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: كل مقالات وترجمات موقع كوة

‏أسبوع واحد مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

نقدم لكم في هذه الوصلة مجموع ما نشره موقع كوة لفوكو وعنه من مقالات وترجمات ودراسات وابحاث باللغة العربية من لغات مختلفة. ميشال فوكو: المراقبة و العقاب ‏يوم واحد مضت علم الإجتماع, فلاسفة, مقالات 0 أسامة البحري بقلم : أسامة البحري – طالب في مسلك علم الإجتماع – بني ملال “السجن أقل حداثة عندما …أكمل القراءة »

أغامبن..”المهدور الدم” ..واشكالية ترجمة المصطلح النظري

‏أسبوع واحد مضت ترجمةمفاهيممقالات 0

نصير فليح نصير فليح مشكلة ترجمة المصطلح مشكلة رئيسية في ثقافتنا العربية، ذات الترجمة المتدهورة اصلا كما بينا في اكثر من منشور سابق. وهذا ما يتكرس بوجه خاص في المصطلحات ذات الاهمية المحورية في فكر او فلسفة معينة. فضلا عن توظيف المفاهيم والافكار لقراءة واقعنا العربي، التي نحن بعيدون جدا …أكمل القراءة »

جوديث بتلر..الجندر والفلسفة و”معاداة السامية”

‏أسبوعين مضت بصغة المؤنثترجمةمفاهيم 0

نصير فليح نصير فليح ـــــــــــــــــــــ ثمة اسماء عديدة نشطت في الدراسات النسوية (الفمنستية)، والفيلسوفة والمنظرة النسوية جوديث بتلر Judith Butler (1956) من ابرزها. وفي هذا المضمار تمثل بتلر شخصية فكرية مثيرة للسجال والجدال، بحكم اطروحاتها الجذرية التي تتقاطع مع الكثيرين بمن فيهم بعض الاسماء البارزة في حقل الدراسات الفمنستية. لكن …أكمل القراءة »

دريدا: عن ما يتبقى من عمله بعد موته

‏3 أسابيع مضت فلاسفةكتبمتابعات 0

نصير فليح نصير فليح “…هذا السؤال أكثر اهمية اليوم مما كان سابقا. انه يشغلني باستمرار. لكن زمن ثقافتنا التقنية تغير جذريا في هذا المضمار. الناس من “جيلي”، ومن بابٍ أوْلى اولئك السابقون، تعودوا على ايقاع تاريخي معين: الشخص يعتقد انه يعرف ان عملا معينا قد يبقى أو لا ، بالاستناد …أكمل القراءة »

أسئلة الجمال في الفلسفة: بين امانويل كانت وروجر سكروتن

‏3 أسابيع مضت أخرىشاشةمقالات 0

نصير فليح في فلسفة الجمال مجالات متعددة، كالابداع الفني والادبي، واسئلة جمال الطبيعة، ومواضيع الجمال في الحياة اليومية أيضا كما نعيشها جميعا من اختيار الملابس الى اشكال الاقداح التي نشرب بها الى اثاث بيوتنا وما شابه، فضلا عن الجمال في الكائن الانساني وعلاقته بالرغبة الجنسية (الايروتيكي). أما مصطلح “الاستطيقا” aesthetics …أكمل القراءة »

جيجك..ومعضلة الايديولوجيا

‏4 أسابيع مضت فلاسفةكتبمقالات 0

نصير فليح موضوع الايديولوجيا من المواضيع التي تهم المثقف العراقي والعربي عموما، والمصطلح نفسه في تداول مستمر. كما ان الكثير من مثقفينا العراقيين والعرب اطلع على هذا الموضوع بدءا من خلال الارث الماركسي. لكن ثمة محطات مهمة تطورت فيها مقاربة الايديولوجيا، مرورا بانطونيو غرامشي، ولويس التوسير، وبيتر سلوتردك، ولعل اخر …

تطبيقات “التفكيك” في الدراسات النسوية المعاصرة

19 أبريل 2020 أخرىبصغة المؤنثمفاهيم 0

نصير فليح التطبيقات المعاصرة التي توظف التفكيكية في المجالات البحثية المختلفة تؤكد الخصوبة والأهمية الكبيرة لها. فتأثيراتها وتوظيفاتها الفاعلة مستمرة في زمننا الحالي في مجالات متعددة، حتى بعد موت رائدها ومؤسسها جاك دريدا باكثر من خمسة عشر عاما، ورغم التعارضات الحادة في ما يخص النظرة الى التفكيكية نفسها. ـــــــــــــــــــ ومن …أكمل القراءة »

دريدا..في أيامه الأخيرة

15 أبريل 2020 فلاسفةمجلاتمقالات 0

نصير فليح نصير فليح قبل خمسين يوما من موته، الذي كان بسبب السرطان، اجرت صحيفة اللوموند حوارا صحفيا مع جاك دريدا، فاصبح بذلك الحوار الصحفي الاخير معه. فماذا يمكن ان يكون كلام فيلسوف مثل دريدا في حوار صحفي من هذا النوع والمرض في مراحل متطورة في جسده؟ الحوار الصحفي تعرض …أكمل القراءة »

ما سر اختلاف الان باديو عن مفكري وفلاسفة العالم المعاصر

6 أبريل 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةكتب 0

نصير فليح كما ظهر ديكارت ذات يوم ليضع كل ما قبله على طاولة التساؤل والشك، وكما ظهر كانْت ليفعل شيئا مشابها ولكن من زاوية مختلفة، بأن يضع حدوداً للعقل وتمييزاً بين نطاقاته ليمسي ما هو خارج ذلك “ميتافيزيقيا”، أو كما ظهر هيغل، ليراجع كل ما قبله وأيضاً من زاوية مختلفة …أكمل القراءة »

سلافوي جيجك ونكتة الرجل المجنون

20 أبريل 2019 عامةفلاسفةمقالات 0

نصير فليح المرح والطرافة في الأدب والفن والفكر عموماً أمر معروف في تاريخ الثقافة البشرية وحاضرها، وله تجسدات كثيرة في كل هذه الجوانب. لكن أن يتم استخدام المرح والطرافة، بشكل النكات مثلا، لتوضيح افكار نظرية وفلسفية، فأمر ليس بالمعتاد كثيرا، وقد يظنه البعض يتعارض مع رصانة الفكر. ولكنه ليس كذلك …

شاهد أيضاً

نشأة الكلام والكتابة ومصطلح ما فوق اللغة (اللغة العربية نموذجا)

علي محمد اليوسف علي محمد اليوسف اسئلة مفتاحية هل مبحث نشأة اللغة مقتصرا على اثنولوجيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *