الرئيسية / منتخبات / تغطية / العرضَ ما قَبل الأوّل[1].. حتى لا ننسى

العرضَ ما قَبل الأوّل[1].. حتى لا ننسى

محمد بدازي

محمد بدازي

تبدأ قصة الرواية بعودة “البطل” كمال من باريس إلى طنجة سنة 2018 بعد خبر احتضار والده. يتوفى الوالد ويعود كمال إلى البيت الذي كان يسكنه الوالد لوحده بعدما توفيت أم كمال. من داخل البيت، نعرف من كمال أن والده كان قاسيا معه ومع أمه، صعب المزاج… لذلك هاجر إلى فرنسا مباشرة بعد وفاة الأم (ص 10). كما نعرف أن الوالد، كان ميّالاً إلى العُزلة، إذْ كان مُخرجا سينمائيا يقضي جل وقته في القراءة والتّحضير لأفلامه، وهذا ما زاد من اضطراب علاقته مع ابنه كمال. يقول الأخير وهو ينظر إلى مكتبة والده التي تَحْوي مئات الأفلام العالمية وعشرات الكتب والروايات والمسرحيات: “لمن تركت هذا يا أبي؟ ها أنت ترقد الآن تحت الأرض ولا أحد سيذكرك. أعترف بأنك وهبت نفسك للفن والكتابة كما فعل الكبار، لكنك في الوقت نفسه كنت أبا سيئا لأقصى حد” (ص 13).

عموما، فكمال لا يتحدث عن والده في بداية الرواية بشكل إيجابي، بل يعتبره أبا سيئا قَسَا عليه وعلى أمه ولم ينفعه الفن والفكر في شيء كما يُبين ذلك المقتطف المُشار إليه فَوق. لكن مشاعر كمال تجاه والده ستبدأ في التَّغَير بعدما “لفت انتباهه صندوق صغير من خشب العرعر كان مدسوسا بين مجموعة مجلدات” (ص 14)، ويعرف ما يوجد داخل هذا الصندوق؟

ما الذي يوجد في هذا الصندوق؟

نعرف لاحقا أنه يحتوي على “جهاز تسجيل صغير ومجموعة من الأشرطة المرقمة بالتتابع، ومن ضمن الأشياء الأخرى عثر على مجموعة من الأوراق الخاصة بوالده” (ص 14). وبعدما يقرأ ما يوجد في الأوراق ويستمع إلى بعض الأشرطة، يكتشف أن والده كان يضع آخر لمساته لفلم حول “الجنود المغاربة الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية ووقعوا أسرى لدى النازيين” (ص 14).

بعد هذا الاكتشاف، ستتغير مجموعة من الأمور في مسار الرواية. من جهةٍ سيبدأ كمال في التخفيف من حدة غضبه على والده لأنه سَيُعجب بالعمل القَّيم الذي قام به والده، بل إن غضبه ذاك سيتحول إلى شفقة وحب للأب بعدما يقرأ رسالة تركها له والده يعرف فيها حقيقة صادمة. ومن جهة أخرى سينتقل زمن سرد الرواية من الحاضر حيث يوجد كمال، أي سنة 2018، إلى زمنٍ سرديٍ ماضيٍ هو سنة 1939، أي زمن بداية الحرب العالمية، بحيث نسمع مع كمال ما سجله والده في الأشرطة عن الجنود المغاربة وغير المغاربة الذين سيقوا قصرا إلى فرنسا من أجل محاربة الجيش النازي الذي احتل الأراضي الفرنسية.

إذن، فالرواية تتأرجح بين زمانين ومكانين مختلفين. تارة يضعنا الكاتب مع كمال في طنجة، وتارة أخرى ينقلنا إلى أجواء الحرب العالمية الثانية حيث نعرف قصة الجنود المغاربة التي يَقُصّها لنا الكابورال محمد ابن ريف تازة. وهذه طريقة ذكية في الكتابة اعتمدها الكاتب للعب بين زمنين. (اعتمد هذه الطريقة عديد الكتاب: مثلا إليف شفاق في روايتها “قواعد العشق الأربعون”، سعيد بنسعيد العلوي في روايته “ثورة المريدين”، عبد المجيد سباطة في روايته “ساعة الصفر 00:00″…)

عند الانتهاء من الرواية، يتبين أن الكاتب قصد الوقوف عند حقيقة تاريخية ربما لا يُشير إليها الإعلام اليوم، سواء المغربي أو الأجنبي، وهي واقع الجنود المغاربة الذين قُتِل بعضهم، والبعض الآخر عطب، والقليل نجا، الأمر الذي يجعل القارئ يتساءل عن مصير هؤلاء الجنود بعض الحرب، وعن واجبات فرنسا تجاههم. نقرأ في هذا الصدد مقتطفا للشاب عمر الذي ساعد والد كمال في جمع حقائق حول مصير الجنود المغاربة: “كلما كنا نتعمق في البحث كان يتضح لنا أن فرنسا لم تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية تجاه كل المغاربة الذين حاربوا في صفوفها المتقدمة، البعض منهم اعتبرتهم مجرد مرتزقة مأجورين والبعض الآخر أجبرتهم على التجنيد لأنها قوة استعمارية مثلها مثل الألمان أنفسهم” (ص 171).

 إن رواية العرض ما قبل الأول، هي عَرضٌ لبعض معاناة المغاربة أرغمتهم السلطة الفرنسية، بلد الأنوار، وحقوق الإنسان، والحريات…، على خوض حرب ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل، ودفعتهم إلى الموت، وبكيفية بشعة، بعد أن تركوا عائلاتهم خلفهم. نقرأ في هذا السياق مقتطفا يحكي فيه الكابورال محمد استشهاد أحد رفاقه وواحد من أبناء قريته: “لم يجد المجذوب الوقت الكافي ليوجه بندقيته، سقطت قنبلة يدوية أمامه فأردته قتيلا على الفور. ظل جثة هامدة. كانت مِيتَةً فجائية. لم أشعر بحالي حتى وجدتني أزحف صوبه؛ كانت علامات الانفجار بادية على ظهره الممزق والشظايا عالقة في عنقه كأنياب كل كلب مسعور…” (ص 50). الأنكى من هذا، كما يحكي الكابورال محمد، أن فرنسا دفعت بجيشها، خاصة المغاربة والجزائريين والتونسيين، لمواجهة جيش ألماني المزود بعتاد جربي متطور، في حين لا يملك جنودها سوى بندقيات بسيطة، الأمر الذي ينتج عنه تصفية عدد كبير من الجنود التابعين للجيش الفرنسي، أو أسرهم في محتجزات نازية وتعذيبهم كما حصل للكابورال محمد. يصف الأخير ما عاشه داخل الأسر، فيقول: “في الكثير من الأحيان تمنيت لو تبعت المجذوب إلى العالم الآخر، الموت أهون من جحيم السجن؛ على الأقل هو مات مرة واحدة أما أنا فأموت في اليوم الواحد مرات ومرات.” (ص 76)

سيهرب الكابورال محمد في آخر الرواية بعد مسار طويل من العذاب ويعود إلى المغرب… ويعمل كمال، بمساعدة الشاب عمر، على إكمال الفلم ويحرص على ذلك خاصة بعدما قرأ ما في الرسالة التي تركها له والده.

لكن السؤال الذي يطرح هو: هل يتذكر الفرنسيون اليوم أن أجدادنا دفعوا حياتهم مقابل حرية بلدهم؟ هل يتذكرون أنه في الوقت الذي كان هؤلاء الأجداد يدافعون عن بلدهم، كان أجدادهم يرتكبون المجازر في حق المغاربة باسم الإصلاح أو الحماية أو الرعاية…؟ هل نتذكر، نحن المغاربة، ذلك؟

حتى لا ننسى.. كتب نزار كربوط روايته: العرض ما قبل الأول.

صفوة القول، إن رواية العرض ما قبل الأول، هي محاكمة أخلاقية للتاريخ. محاولة للتذكر، وذلك حَالُ الكتابة: محاربة النسيان. وهي رواية ضد العنف، ضد الشر، ضد الموت، ضد الحرب. يقول أحد الجنود المغاربة من ساحة الحرب: “الحرب أبشع شيء في الوجود، لست أدري لماذا يتقاتل هؤلاء البشر عديمو الرحمة؟ منذ وُجد الإنسان على هذه الأرض وهو يفسد فيها ويسفك الدماء…” (ص 40).


[1]  نزار كربوط، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2020.

شاهد أيضاً

الكوميديا الإلهية: المتوسّط تطلق مشروع إعادة إنتاج “الكوميديا الإلهية” عربياً

دار المتوسط عن دار المتوسط تبدأ منشورات المتوسط العمل على إعادة إنتاج ترجمة حسن عثمان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *