الرئيسية / صدر حديثا / مراجعة الكتاب الأخير لجيجك: عالمٌ أقلّ اغتراباً بعد كورونا

مراجعة الكتاب الأخير لجيجك: عالمٌ أقلّ اغتراباً بعد كورونا

بقلم: جوي سليم

(1)
كتب ماركس في الأطروحة الحادية عشرة من “أطروحات حول فويرباخ”: “لم يقم الفلاسفة سوى بتفسير العالم بطرق متعددة، ما يهم هو تغييره”. في معارضةٍ لهذه المقولة، كرر سلافوي جيجك مرات عدة الدعوة إلى “التفكير بالعالم” بعدما أمضى كثيرون وقتاً خلال القرن الأخير في محاولة تغييره. عند مفاصل أساسية في العقد الحالي مثل احتجاجات “وول ستريت”، وجه جيجك الدعوة إلى المتحمسين للتغيير كي يفكروا ملياً، وفي كتابه الأخير “Pandemic! Covid-19 shakes the world ” يدعو الفيلسوف السلوفيني الناس إلى استغلال مدة العزل المنزلي للمضي في هذا التفكير وتعميقه.
فالأوقات الميتة، أو لحظات الانسحاب (Gelassenheit) أساسية لـ”إعادة احياء تجربتنا” وللتفكير في (لا) معنى مأزقنا. فعلى سبيل المثال، قد يستجمع بعض البريطانيين شجاعتهم الآن للشعور بـ”عار سقوطهم أمام الحلم الأيديولوجي الذي أتى به بريكست”، يقول جيجك في تفكير رغبوي إلى حد ما.
“فيروس التفكير” إذاً هو ما يتزامن مع فيروس كورونا. التفكير بماذا؟ الإجابة جاهزة دائماً عند جيجك: بنظامٍ عالمي آخر. سيضطرنا وباء كورونا الذي مثّل “ضربة قاضية” للنظام الرأسمالي إلى “إعادة اختراع الشيوعية”. وعوضاً عن الهلع، الإجابة تكمن في “العمل الجاد والعاجل” لاقامة نوع من التعاون العالمي الفعال.
وباء كورونا ليس مؤشر فقط على حدود عولمة السوق بل مؤشر أيضاً على الحدود المميتة لـ”الشعبوية القومية” التي تشدد على كامل سيادة الدولة. فالأكيد بالنسبة لجيجك أن الدولة القومية انتهت. لا “أميركا أولاً” بعد الآن، ولا أي دولة أخرى. لأنه كما قال مارتن لوثر كينغ: “قد نكون أتينا على مراكب مختلفة، ولكننا في السفينة نفسها الان”.
الفكرة المركزية في الكتاب هي ضرورة إقامة مجتمع بديل قائم على السمات التي برزت بعد كورونا. “شيوعية جديدة”. يشدد جيجك مرات عدة على أمر “الجدّة”، إذ إنه في الوقت نفسه يرى أن كورونا ممكن أن تمثل نهاية النظام الشيوعي في الصين. هنا تمنى جيجك ظهور أشباه لأسانج وسنودن ومانينغ في الصين، لكشف أسرار هذه المرحلة وحقيقة تعامل بكين.
يخيّرنا الكتاب بين البربرية أو شكل من الشيوعية المعاد اختراعها. كيف يتحقق ذلك؟
أولاً عبر شبكة رعاية صحية عالمية، واعتماد قطاع الصحة على مساعدة الجماعات المحلية للعناية بالضعيف والمسن. ثانياً، اتخاذ الدولة دوراً أكثر فعالية والوقوف بشدة ضد خطوات الخصخصة. نحن إذاً أمام “شيوعية جديدة” إصلاحية إن جاز التعبير.
أما إذا لم يتحقق ذلك فإن التهديد الأكبر ليس النكوص إلى البربرية المفتوحة (مع ان ذلك ممكن) ولكن إلى البربرية بوجه إنساني، وهنا يستعير عبارة جورجيو أغامبين حين يقول إن الإعلام في ظلّ كورونا عمل على أدلجة الأفراد على فكرة “الحياة العارية”: يشدد الإعلام منذ أشهر بشكل كبير على المسؤولية الشخصية. تركيز كهذا على المسؤولية الفردية يعمل كأيديولوجيا تحجب اسئلة أكبر مثل كيف نغير كل نظامنا الاقتصادي والاجتماعي.
في الوقت نفسه، يشير جيجك إلى رفض البعض تبرير وتشريع اجراءات السيطرة والتحكم في الناس بحجة كورونا، مع ذكر موقف أغامبين الشهير حين شجب اجراءات الطوارئ “غير العقلانية والجنونية” التي تُظهر “دولة استثناء” حقيقية. وفيما يرى جيجك أن هناك بالفعل حاجة الى السيطرة على السلطة نفسها، يعتقد أنه لا يجب تقليص الاجراءات التي أثارها الوباء الى باراديغم فوكو المعتاد عن “المراقبة والتحكم”.
وفي هذا السياق، يلاحظ أن اليمين المتطرف وما يسميه بـ”اليسار الزائف” اجتمعا في طل هذه الأزمة على التقليل من أهمية كورونا. فالأُوَل مثل مناصري دونالد ترامب اعتبروا الوباء مؤامرة من الديمقراطيين ومن الصين، فيما رفض الآخرون الاجراءات المقترحة من قبل اجهزة الدولة والصحة بعد اعتبارها متسمة بخصائص “رهاب الأجانب” (الزينوفوبيا).

(2)
يمكن القول إن الكتاب هو عبارة عن تعليق سريعٍ ومقتضب مؤلف من أفكار متناثرة حول كورونا واثارها، من الأكيد أن جيجك كان ليستغني عن إصداره لو أنه يمتلك صفحة خاصة على فايسبوك مثلاً.
ولكن في أحد أهم أجزاء الكتاب، يشير جيجك إلى ضرورة مقاومة غواية تفسير الجائحة بكونها شيء لديه “معنى أعمق”. كورونا ليست عقاب إلهي بالطبع، ولا عقاب وحشي للإنسانية على استغلال أشكال الحياة الأخرى على الأرض. وعوضاً عن أن نكون “ما قبل حداثيين” في بحثنا عن رسالة مخبئة خلف اندلاع هذا الوباء وكأن الكون يتواصل معنا على غرار أنبياء العهد القديم، علينا تقبل أن هذه الجائحة هي نتيجة للعرضية الطبيعية (contingency). هي مثل معظم الأمور، تحدث فقط، وليس لديها معنى أكثر عمقاً. هنا يُبرز جيجك جانبه الوجودي، أو ربما جانبه “المسيحي الملحد”. فكثيراً ما يعلن جيجك انتماءه إلى تيار “الإلحاد المسيحي” الذي يرى بعض مفكريه في سيرة المسيح جسراً ضرورياً للعبور إلى الإلحاد. هنا يصبح الصلب حدثاً وجودياً إلحادياً، يجسّد موت الألوهة أو موت المعنى، أو بمصطلحات لاكان التي يتبناها جيجك “موت الـ big other” أي النظام الرمزي. إذاً موت المسيح على الصليب أعلن “موت الإله” قبل نحو ألفي سنة من عبارة نيتشه الشهيرة (الله قد مات ونحن من قتلناه). ومن هنا، لا تخرح كورونا عن سياق موت المعنى نفسه، فتصبح كل محاولة لإضفاء معنى على كارثة كهذه، عزاء ميتافيزيقي لا أكثر.
مع ذلك، أمرٌ واحد يبقى أكيداً وغير عرضي بالنسبة لجيجك ويختار تحميله معنى، هو أن العزل وحده وبناء جدران جديدة، لن يقوما بالمهمة. نحن بحاجة إلى التضامن الكامل غير المشروط والتعاون العالمي، إلى شكل جديد مما كان اسمه “شيوعية”.

(3)
ترمز ووهان اليوم (نشر الكتاب قبل أن ترفع ووهان تدريجياً قيود الحجر) إلى ما قد يبدو عليه عالمٌ لا استهلاكي. عالمٌ أقلّ اغتراباً. والاغتراب (Entfremdung) كما نعرف هو مقولة ماركسية أساسية، والتسمية تبناها ماركس في “المخطوطات الاقتصادية والفلسفية 1844” حين وصف حالة العامل بعدما صادرت الرأسمالية قوة عمله. فأصبح “الاغتراب عن الذات” شعوراً اصيلاً للحياة في ظلّ الرأسمالية. وفيما صوّرت بعض الأفلام القديمة نهاية العالم عبر مشاهد التدمير التام، أظهرت كورونا أن نهاية العالم ليست سوى أن هذا العالم يصبح غير “جاهز في المتناول” (ready-to-hand)، وهنا يستعير جيجك المصطلح من هايدغر.
أما الضغط والقلق والسوداوية التي يختبرها معظم الناس اليوم، فهي تعود برأيه -كالعادة- إلى تحوّل “الأنا العليا” التي تمثل السلطة الأخلاقية من النهي عن الاستمتاع (التصوّر المسيحي التقليدي للأخلاق) إلى الأمر بالاستماع في عالم ما بعد الحداثة. يذكر هنا مانيفستو “الموقفيين” (situationnistes) عام 1966: “العيش بلا وقت ميت، الاستمتاع بلا عقبات”. هذا الحضّ على ملء كل لحظة بالمشاركة الثقيلة، هو السبب خلف هذا الاستياء.
ماذا يمكننا أن نفعل لنحيا الضغط العقلي للعيش في زمن الجائحة؟
القاعدة الأولى عند جيجك هي، بخلاف العديد من التوصيات والنصائح، الانتباه إلى أن الوقت الآن ليس للبحث عن “الأصالة الروحية” لمواجهة الهاوية المطلقة للكائن.
وفي ما يشبه الدليل الموجز للتعايش مع كورونا، ينصح جيجك الفرد بـ”التماهي مع العوارض” من دون خجل، ما يعني أن تتقبل العادات الصغيرة التي سوف تساعدك على استقرار حياتك اليومية. لا تفكر كثيراً بالمدى الطويل، فقط ركز على اليوم، ما ستفعله إلى حين يأتي وقت النوم.
في عالمٍ لديك فيه شقة وأساسيات مثل الطعام والمياه وحب الآخرين وعمل مهم، لا يبدو واقعياً أن نحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك. هكذا يصف جيجك مثال “الحياة غير المغتربة” التي يتمنى أن يبقى منها شيئاً بعد تجاوز كورونا.

شاهد أيضاً

مركزية الأم في الخطاب الروائي عند علي عديدو

الناقد لحسن بنيعيش الناقد لحسن بنيعيش                صدرت رواية “بين اللحاء و اللحى“  للكاتب علي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *