الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / خِطابُ العَقْل المُنير: الْحُرِّيَّةُ مبدأُ كُلِّ وُجُودٍ إنْسَانِيٍّ جَوْهَرِيٍّ في الْوُجُودْ

خِطابُ العَقْل المُنير: الْحُرِّيَّةُ مبدأُ كُلِّ وُجُودٍ إنْسَانِيٍّ جَوْهَرِيٍّ في الْوُجُودْ

عبد الرَّحمن بسيسو 

إزاء استمرار تواصل المقولات التي تنتجها إيديولوجيات التَّخلُّف والثبات، والتَّسلط والاستبداد، والظلام والظُّلم، مع أشباهها ونظائرها المعتمة المخزونة في أقبية التُّراث الثَّقافي العربي النَّقليِّ الرَّاسخ على امتداد مراحل متعاقبةٍ تربو على ألفية كاملةٍ من أزمنة الاتِّباع والتبعية، والاستبداد والاستعمار، والثَّبات المميت، والسكوت المُهين على واقعٍ تَسَلُّطيٍّ استعماريٍّ ضَارٍ ومرير، كيفَ يُمكنُ لخطاب العقل أنْ يُؤَصِّلَ نفسه فكرياً؛ عقلياً ومنطقياً وإبداعياً وتنويرياً، وأنْ يُرسِّخَ حضوره وجوداً فاعلاً في وعي النَّاس، وفي الواقع الذي يتوقونَ إلى تغييره،؟ وكيف لهذا الخطاب أنْ يُوقِدَ شُعلة إطلاق مسيرة التغيير النَّهضويِّ، وأن يكون مُحفِّزاً للنَّاس على الانخراطِ الفاعل في مسارات التغيير المتشعِّبة والمُتواكبة؟
لعلَّ للتجاربَ المتعاقبة التي خضناها فما انتهت لشيء سوى الفشل، أنْ تُعلِّمنا أنه ليس لأيِّ خطاب تنويريٍّ يستندُ إلى بداهة العقل وفطرته، ويراعى أحكامه، ليكون هو خطاب التَّقدُّم والنَّهوض والتَّحوُّل الدائم، إلا أنْ يفتحَ أبوابَ ثلاثة مداخل أساسية، وأنْ ينخرط في جميع المسارات التي ينفتحُ عليها، أو يُوجبها، أيُّ مدخل منها. 
فمن جهة أولى، ينبغي للخطاب التنويريِّ ألا يكفَّ، أبداً، عن التواصلِ الحواريِّ الخلَّاق مع المكونات المُنِيرة في التُّراث الثَّقافيِّ العربيِّ العقليِّ ليستلهمها جميعاً في صَوْغِ  رؤيته النَّهضوية الإبداعية المؤسَّسة على المعرفة العلمية العقلية الخالصة، وليعمِّق ما اكتنزتهُ هذه الرؤية من مبادئَ وقيمٍ ومكوناتٍ فكريةٍ جوهريةٍ.
وتأسيساً على هذه المبادئ والقيم، ينبغي لخطاب العقل أنْ يُؤكِّدَ، ضمنَ ما يُؤكِّده من حرياتٍ أساسيةٍ وحقوق إنسانية شاملة ومترابطة، حرية الإرادة الإنسانية في التفكير والاختيار والفعل، وأنْ ينهضَ، وفقَ ذلك، بتعريف مكونات هُويَّة الإنسان العربي الجديد، وتحديد أُسسها، ومنابعها، وتراتب أولوياتها، على نحوٍّ يُفضي إلى رسم صورته الإنسانية الجوهرية العميقة، تلك التي لا يليقُ غيرها به كإنسانٍ حرٍّ قبل أنْ يكون عربيَّاً؛ إنسانٍ تتجَسَّدُ هُوِيَّتُهُ وضَّاءةً، ومنفتحةً على الحياة والنَّاس، إذْ تنعكسُ في مرآتين متناظرتين هُما الإنسانية والعُرُوبة: ثقافةً وحضارةً، وتطلعاً لاهباً لتفاعلٍ خلَّاق يُثري حياة الإنسان، ويسمو بحضارته، وقيمته، ومعنى وجوده في الوجود. هذا من الجهة الأولى. 
أما من الجهة الثانيةٍ، وفي توازٍ متفاعلٍ مع مراجعته الدَّائمة لمنجزه الفكريِّ المُعاصر، وتفاعله الاستلهامي مع المكونات المُنيرة في التُّراث الثَّقافيِّ العربيِّ المتراكم عبر القرون، ينبغي لخطاب العقل المُنِير أنْ يُتابعَ، بدأبٍ ومثابرةً تتخطَّى العثرات وتُقاومُ العراقيل والصِّعاب، مساره التأسيسي  في إنجاز تحليلٍ علميِّ، مُتَشَعِّب وعميق، للواقع القائم في “العالم العربي” على تباين الشروط الحاكمة مجتمعاته وبلدانه العديدة.
ومن الجهةٍ الثالثةٍ، ينبغي لهذا الخطاب أنْ ينخرطَ في حوارٍ مُتكافئ وطليق مع ثقافة الآخر المتقدِم الحديث، ومع مكونات فكره التنويري على تعدُّد اتجاهاته وتنوُّعها، وأنْ يُمْعِنَ العقلَ مُتبصِّراً في قراءة التجارب التي خاضها هذا الآخر المُتَقَدِّم والمُختلف، في أيٍّ من قارات العالم وبلدانه، لينتقلَ عبر مخاضاتها، المريرة والنَّبيلة، من واقعه الذي كان قائماً إلى واقعٍ تطلَّع إليه فحقَّقَهُ وجوداً راسخاً في الواقع، مُدَشِّناً بذلك زمن انبثاق أزمنة حداثته الخاصَّة، تلك النَّاهضة على تفعيل ممكنات تجاوز الشُّروط التي حكمت مجتمعاته، والفاتحة آفاق الانفتاح الدَّائم على التَّقدُّم المُطَّرد، والتَّحول المُتواصل، والحداثة المُستدامة.
وبقدر ما هو مُجافٍ للمنطق أنْ نجعلَ من “ماضي الأنا” مُستقبلاً قابلاً للاستعادة، فإنه لمن غير المنطقي، أيضاً، أنْ تُخْتَزلُ غاية التَّبصُّر في تجارب الآخر المُخْتَلف في السَّعي إلى محاكاة هذه التَّجارب على نحو يخلو من التَّبصُّر! 
فما الغايةُ التي نرجوها، والتي يُسوِّغها العقلُ لمثل هذا التَّبصُّر الذي ندعو إليه، إلا الإفادةُ من معطيات هذه التجارب الحضارية، واستلهام دروسها المُستفادة، إِنْ سلباً او إيجاباً، وذلك بما يتواءم مع ما خَلُصَتْ إليه، أو ما سَتَخْلُصُ إليه، الدِّراسات العلمية المُعمَّقَةِ المُتَّصِلَةِ بتحليلِ الواقع العربي تحليلاً متعدِّدَ الحقول والمجالات والمستويات والأبعاد، وبما يستجيب للحاجة إلى اكتشاف “الحداثة العربية الخاصَّة”، وتوفير الشروط الموضوعية والذَّاتية وتنمية الموارد البشرية والمادية والمعنوية الواجب توفُّرها لتمكين المجتمعات العربية من تدشين زمن حداثتها عبر الانتقال من الواقع القائم إلى الواقع الممكن في مجرى صيرورةٍ حداثيةٍ وتحديثةٍ عربيةٍ دائمة ومُتجدِّدة، تستبدل الحرية بالاستبداد ولا تذهب إلى مسار يناقض الحرية مبدأً، وقيمةً، وأساساً لكلِ وجودٍ إنسانيٍّ جوهريٍّ في الوجود!

للكاتب أيضا:

خِطابُ العَقْل المُنير: الْحُرِّيَّةُ مبدأُ كُلِّ وُجُودٍ إنْسَانِيٍّ جَوْهَرِيٍّ في الْوُجُودْ

‏دقيقة واحدة مضت مفاهيممقالاتنصوص 0

عبد الرَّحمن بسيسو  إزاء استمرار تواصل المقولات التي تنتجها إيديولوجيات التَّخلُّف والثبات، والتَّسلط والاستبداد، والظلام والظُّلم، مع أشباهها ونظائرها المعتمة المخزونة في أقبية التُّراث الثَّقافي العربي النَّقليِّ الرَّاسخ على امتداد مراحل متعاقبةٍ تربو على ألفية كاملةٍ من أزمنة الاتِّباع والتبعية، والاستبداد والاستعمار، والثَّبات المميت، والسكوت المُهين على واقعٍ تَسَلُّطيٍّ استعماريٍّ …أكمل القراءة »

الْعَارِي لَا يُعَرَّى: حَوْلَ “الإنْتَرْنِتْ” وانْتِهاكِ “الْحَقِّ فِي الْخُصُوصِيَّةِ” أَو التَّخَلِّي الطَّوعِيِّ عَنْهُ

‏4 أسابيع مضت أخرىدراسات وأبحاثعامةمفاهيم 0

عبد الرَّحمن بسيسو سَواء أَضُيِّقَ مَفْهُومُهُ أَمْ وُسِّعَ، فَسَيَكونُ لمُصْطَلَحِ “الْخُصُوصِيَّةِ” أَنْ يَظَلَّ مَأْهُولاً بِمْدْلُولاتٍ عَمِيْقةٍ تَتَركَّزُ فِي مَفْهُومِ “الْحَيِّزِ الْخَاصِ”، وسَيَكُونُ لـِلْكَلِمَةِ الاسْمِ: “الْحَيِّزِ” مَعْزُولَةً عنِ الصِّفَةِ “الْخَاص”ِ، أَنْ تُحِيْلَ إِلى شَيءٍ مُتَعيَّنٍ في الْوَاقِعِ، أَو مُتَصَوَّرٍ في الْفِكْرِ، وقَدْ يَكُونُ هَذَا الشَّيءُ “مَكَانَاً”، أَوْ  “نِطَاقاً”، أو “مَجَالاً” أو …أكمل القراءة »

إبْدَالُ نِظَامِ التَّحْريْمِ الكُلِّيِّ بالْحُرِّيَّة أو إِعَادَةُ تَكْوينِ الْعَالَمْ

6 أبريل 2020 أخرىدراسات وأبحاثعامة 0

عبد الرَّحمن بسيسو يبدو جليّاً الآن، وبلا أدنى مُواربةٍ أو غُموضٍ، أنَّنا إزاء عمليّة بلورةٍ نهائيّةٍ لنظامٍ تَابُوِيٍّ كُلِّيٍّ مُعَوْلَمٍGlobalized Taboo System ؛ نظامٍ لا يتوخَّى شيئاً سوى إعادة تكوين العالم وفق مشيئة الرَّأسماليَّة العالميَّة المتوحِّشة، وبإرادتها المطلقة المُوظِّفَةِ كُلَّ قُوَّتِهَا وكُلَّ ما بِحَوْزَةِ أتباعها المتكاثرين من مواردَ وإمكانيّاتٍ وقُوَّة، …

شاهد أيضاً

عودة باتمان بطل الظلام (الكوفيد 19)

عبد الجليل ولد حموية  عبد الجليل ولد حموية  شهدت السنة الماضية، 2019، العديد من الكوارث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *