الرئيسية / العلوم الإنسانية / علم الإجتماع / الفكر السياسي المعاصر ورهانات التعددية المنهجية: مارسيل غوشيه نموذجا

الفكر السياسي المعاصر ورهانات التعددية المنهجية: مارسيل غوشيه نموذجا

الدهبي الصديق

تمهيد: 

    يشترط النظر  في المقولات الكبرى للفكر السياسي المعاصر، الأخذ بالبنية المنهجية والروح البنيوية التي تؤسسه وتشكله، وفق ترابط يستلزم بالضرورة تَملُّكَ زاوية نظر  كلية تستوعب شتات الموضوعات في إطار  تكاملي مبني، وعلى هذا الأساس وحده نفسر مثلا الرفض الذي قابل به “باومان” ذات مرة، طلب إضافة تقديم بسيط لكتابه “الحداثة السائلة” في ترجمته العربية، ليتناسب مع مشكلات القارئ العربي وهمومه الوجودية وآماله التحررية، معلقا: “إن الكلمة أمانة، ومعرفتي بالربيع العربي ضئيلة، وربما منعدمة”[1]، والقصد في هذا التعبير يصب في جزء مما نود قوله حول طبيعة الفكر السياسي المعاصر، المرتهن لكلية القول وتركيبية الاهتمامات النظرية، فهو جماع قول حول الاجتماع والتاريخ والاقتصاد….، وهو أيضا دراسة تأملية للطبائع البشرية والبنى الثقافية والوجدانية  للجماعات البشرية في سياقات موضوعة على أساس التغير الدائم والمستمر.

   الفكر السياسي، هو في الأصل على مقاس هذه البنية، ولا يحق لمالك النظر فيه أن يرتهن لرؤية أحادية، كأن يكون مؤرخا، رجل دين، رجل سياسة، خبير اقتصادي، أنتروبولوجي… وفقط، بل متمرسا على تفكيك كل أنماط القول المجاورة، ومن هنا امتناع “باومان” عن إصدار أي حكم عن التجربة السياسية للبلدان العربية، مخافة السقوط في تناقضات مرتبطة بطبيعة الموضوع  من جهة، واحتراما لمنطق السياسة من حيث النظر لا العمل من جهة ثانية. فماهية الفكر السياسي تستلزم النظر  والتأمل العقلي في الظاهر ة السياسية لتفكيك طبيعتها وأنماطها وكيفياتها ورهاناتها، دون اختزال أوجه منها على حساب أخرى، وإلا امتنع الدارس عن كشف الأبعاد العامة المشكلة للوجود البشري، وتوقف نظره للأشياء في حدود الواقعية التبسيطية، التي هي شأن من شؤون “الخبراء”، ليس لها سوى القدرة على تفكيك الحدث زمنيا، وفق رؤية حسابية لا  تعبر بصدق عن روح التفكير  في المقولات النظرية للفكر السياسي وأفقه.

  وحرصا على تشييد زوايا نظر جديدة، تحرص الفلسفات المعاصرة على امتلاك هذه الصفات في تعاطيها مع موضوعات الفلسفة السياسية، لتطوير آليات تجاوب الدولة مع المطالب والاندفاعات الغريبة للجنس البشري، فمن سوء حظ الدارسين لها، تفكيرهم في شروط خلق مجمع سياسي لتجاوز  وضعيات بئيسة، كُتِب لها ألا تنتهي، وأن تقدم تفسيرا طريفا للعالم ومنه للذين يعيشون في كنفه، وضمان حقوق من لهم الحق وأحيانا تحقيق الحق للذين يريدون أخذ الحق بدون موجب حق…، أي في النهاية التفكير في كل التعقيدات التي تطرحها الطبيعة البشرية في علاقتها بالذات والآخر والعالم، وبمفاهيم العدالة والظلم، الحرية والجبر، الحرب والسلم…،من أجل مساءلة كل موانع خلق تجربة إنسانية متوازنة في ظل الاكراهات القائمة والمطروحة “فصحيح اننا لا نؤمن اليوم بفكرة التقدم الخطي والمستمر، إنما لا يمنعنا ذلك من أن يحدونا الأمل في أننا نسير وفق الاتجاه الصحيح”[2]  .

   تجسيدا لهذه الغاية، وتحقيقا لهذه الأهداف الانسانية التي يراهن عليها الفكر المعاصر ، وسعيا منه إلى فهم وتفكيك مشكلات الزمن الراهن، بدأ التفكير جديا في خلق أنماط تأملية مركبة، لها قابلية الانفتاح الدائم على الموضوعات الكبرى التي تساعد على التفكير الجدي في تعقيدات الوجود البشري، على المستوى الفردي والجماعي، عن طريق الانصات الجيد لكل التفصيلات الدقيقة المساهمة في خلق الارتباك الحاصل في الأزمنة الراهنة، وأيضا التتبع الدقيق لمسارات تشكل الوعي البشري وكيفياته، وللتحولات الطارئة ونتائجها وامتداداتها النظرية. وتجربة الفيلسوف الفرنسي “مارسيل غوشيه MARCEL GAUCHET “، هي شكل من أشكال التعبير عن بنيوية الفكر السياسي المعاصر وتركيبيته  وكليته، من حيث تعددية النصوص والكتابات والمقاربات المستحضرة في تشييد رؤية نظرية انخرطت في سياق استيعاب التجربة السياسية الفرنسية على وجه الدقة والتحديد،  والأوروبية على وجه العموم، وهي رؤية تتزامن باستمرار مع تعددية المقاربة المنهجية، التي ترفض أي شكل من أشكال الاستكانة لوحدة المقاربة ووحدوية القراءة والبناء، وسيكون لزاما توضيح جزء من هذه البنيوية، على الأقل من حيث تعدد الموضوعات والتخصصات والمناهج والأصول النظرية والنصوص والمتن والمشاريع الفلسفية، التي اكتملت في إطار  وحدة “الفكر السياسي لمارسيل غوشيه”، كتجربة فكرية استوعبت هذه التركيبة، وخلقت منها فعليا ممكنات لتأمل نقدي رصين ورزين هدفه تفكيك مشكلات الواقع وفهمها ومن تم المساهمة في توجيهها وتجاوز قدر منها.

1.     تزاوج الفكر السياسي والتاريخ وعلوم الإنسان: مدخل منهجي لفلسفة غوشيه

     مشكلة المنهج هي في بعض الأحيان مشكلة الفلسفة ذاتها، فهو الطريق نحو المعرفة، به يتم التفكير، واعتمادا عليه تُنتَج الأفكار. لذلك يحتل النقاش حوله مكانة خاصة في العمل الفلسفي، هو ليس شيئا زائدا عن الحاجة، وبلغة الأستاذ العروي ” من أتفه ما يروج اليوم الفكرة القائلة، أن لا مشاداة في المنهج، وكأن الاختلاف حول المنهج، هو مجرد اختلاف في الرأي، كان هذا صحيحا في الماضي، إذ كان يوجد إجماع على البديهيات، أما اليوم فلا مشاداة إلا وهي في المنهج”[3]، والبحث في منهج مارسيل غوشيه  لا شك سيشكل موجها، وعاملا مساعدا، على فهم فلسفته ومواقفه الكبرى، فهو الذي وجهه نحو السبل التي سلكها، وهو يمارس فعلي التفكير والكتابة، وتحديد طبيعته  سيسمح، أو على القاعد سيساعد على تتبع خطاه، خاصة وأن غوشيه هو في عيون البعض مؤرخ، وفي عيون البعض الآخر  فيلسوف مهووس بمشكلات الحاضر.

      يلامس كل قارئ لأعمال مارسيل غوشيه الأساسية ( الدين في الديمقراطية،  تفكيك سحر العالم: تاريخ سياسي للدين.  وكذا نشأة الديمقراطية بأجزائه الثلاثة… وغيرها من الأعمال الأخرى)، حضور نمط الكتابة التاريخية في أعماله، حيث يراهن في فهمه للحاضر على معطيات الماضي وهو ما يدفع البعض إلى اعتباره مؤرخا يمارس مهام المؤرخين باحترافية كبيرة، بالاعتماد على منهجيتهم في البحث، وعلى نفس المعايير والأدوات التي يعتمدها المؤرخ .

        هذا ما يستنتجه القارئ لعمله ” نشأة الديمقراطية”  في أجزائه الثلاثة، إذ يخصص الجزء الأول “الثورة الحديثة” إلى رسم الخطوط العامة للثورات الكبرى التي حدثت في الفترة الممتدة بين 1500 و1900، وفيها يفصل القول في ثورات الحداثة المتعددة ” ثورة القرن السادس عشر الدينية، والثورة العلمية، وثورات بريطانيا وفرنسا السياسية، والثورة الصناعية”[4]، في حين يخصص الجزء الثاني المعنون ب”أزمة الليبرالية”،  للحديث عن مآسي ونجاحات الليبرالية الغربية ما بين 1880- 1914، والجزء الثالث ” مقاومة التوتاليتاريات”  سعى فيه مارسيل غوشيه، إلى توضيح مسارات الديمقراطية الغربية في مرحلة الأزمات الكبرى للقرن العشرين، خاصة الحربين العالميتين الأولى والثانية. والأعمال الثلاثة مصممة تصميما يقترب كثيرا من المقاربات التاريخية، فهو يعرض المعطيات ويحللها، بالاستناد إلى الشروط الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية، لكل مرحلة على حدة، فيبدو  وكأنه في إطار العمل التاريخي، الذي يعرض في خضمه مسار أوروبا السياسي من القرن السادس عشر إلى نهاية القرن العشرين، متوقفا على السمات العامة لكل مرحلة من مراحل هذا التطور التاريخي.

   وحتى في كتاباته السياسية الأخرى يعتمد النهج ذاته، إذ يعرض عرضا تاريخيا القضايا التي يمارس عليها فعلي التفكير والبحث، ففي كتاب “تفكيك سحر العالم” يضيف عنوانا صغيرا، توضيحيا، ” تاريخ سياسي للدين”، ويتبع في مراحل الكتاب مقاربة شبه تاريخية يعرض فيها المسار العام  للعلاقة القائمة بن الدين والسياسة وتغيراتها، وحتى كتابه ” الدين في الديمقراطية”، يضيف له عنوانا صغيرا ” مسار العلمنة”، وفي طيات الكتاب يبدو جليا مقصد غوشيه ب “المسار” إذ يعني به المراحل الكبرى التي مرت منها العلمانية في أوروبا عامة، وفرنسا على وجه الخصوص، كما يصرح هو ذاته في الفقرات الأولى للكتاب؛ ” فالعلمنة مصدر من مصادر القلق التي تشغل بال فرنسا القلقة، هذا القلق هو ما أريد أن أحاول توضيح بواعثه وتاريخه”[5].

   إن اعتماد مارسيل غوشيه على النهج التاريخي، لا يلاحظ فقط في أعماله، بل  يشير له علنا في حواره مع “François Azouvi et Syrvain Piron، فحين سئل عن طبيعة عمله، وهل يدخل في خانة عمل المؤرخ ؟ أم أنه من طبيعة فلسفية’؟، أجاب بأن عمله ينتمي إلى تقليد كبير  يمثله في فرنسا مفكرين كبار، يصعب تحديد نوعية المهام التي يتولونها، يقول: ” لدي انطباع بأنني أتموقع ضمن هذا الميراث من الملاحظين لما هو معاصر، الذين ظهروا للوجود عندما ظهر  وعي بالشرط الإنساني…. وهؤلاء فضولهم هو في طبيعته متعدد، وعملهم هو بالقوة (forcément ) يتم عبر الذهاب والإياب من خلال الاهتمام بالحاضر مع العودة للماضي، لأن ألغاز الحاضر لا تبدأ في الوضوح إلا على ضوء التاريخ”[6].

   المنهج التاريخي إذن هاجس يحضر بشكل كبير ومباشر في فكر غوشيه وأعماله، على الأقل السياسية منها، فهو يراهن على قدرة التاريخ  كنمط معرفي يهتم بالماضي، لكن دون أن يعني ذلك وجود حنين يربطه بهذا التراث، بل إن غايته من تبني المقاربات التاريخية في استشكال القضايا والمفاهيم، يتجسد في محاولة فهمه للحاضر بأسئلته ومشاكله، والوضعيات البشرية التي تحكمه ويحتكم إليها، فمتى تولد هذا الميول للتاريخ وكيف؟

   بالعودة إلى مسار غوشيه الأكاديمي، نلمس تأثره بالماركسية، التي كانت تمثل تقليدا في تلك المرحلة، ليس في فرنسا فقط بل في عدد كبير من دول العالم، وقد دفعه هذا  الاهتمام إلى الاحتكاك مع منهجه الجدلي التاريخي، تولد عنه اقتناع بقدرة هذا المنهج على تفسير الواقع وفهمه، فلقد شكلت الماركسية، باعتبارها أول ما تعرف عليه غوشيه، في المدرسة العليا للمعلمين، وهو لا يتجاوز الخامسة عشر من عمره، سندا موضوعيا لتحديد التوجه صوب المقاربة التاريخية، ولا نملك في الدفاع عن هذا الطرح شيئا أقوى من اعتراف شخصي ورد فيه قوله: ” لقد اهتممت في مرحلة شبابي أساسا بالماركسية، ومن هناك أخذت دفعة بالاهتمام بما هو تاريخي”.[7]

   فهل ننساق وراء هذه القراءة، ونقول إن مارسيل غوشيه مؤرخ يقارب القضايا التي يهتم بها بمنهجية تاريخية صرفة؟ ألن نبخس مجهوداته كفيلسوف ومتأمل اجتهد كثيرا في فهم مشكلات الزمن الراهن بغاية تفسيرها وتمثلها وتفكيك بواعثها وامتداداتها ؟ وهل يكفي أن يكون المرء مؤرخا فقط حتى يؤلف ما ألفه غوشيه وبذلك الحرص التأملي الشديد؟

   إن الإقرار بهذه المعطيات سيدفع لا محالة إلى ممارسة نوع من التعسف في حق أطروحات مارسيل غوشيه خاصة حين نقرأ له قوله: ” إنني أمر عبر التاريخ لكن مشروعي هو من طينة فلسفية”[8] فالبعد الفلسفي حاضر إذن في أعمال غوشيه، فهو يحلل واقع الممارسة السياسية، ويتفحص بروية واقع أوروبا، ويتأمل  حال بلده فرنسا، يفتح أبواب التاريخ ويمر عبرها نحو ما هو  أعمق من أجل التفكير فلسفيا، إنه فيلسوف لا يفارقه المؤرخ، ومؤرخ لا يفارقه الفيلسوف. وهو شرط نجده في الواقع  متوفر  في عدد كبير من المهتمين بالفلسفة السياسية، وهذا دو طوكفيل على سبيل الذكر لا الحصر، متوفرة فيه هذه الخصائص، فهو مفكر، مؤرخ، رجل قانون، دارس لعلم الاجتماع، مهتم بالأنتربلوجيا وعلوم الإنسان.

   والسبب في ذلك يعود  إلى طبيعة الموضوع ( الفلسفة السياسية)، الذي يقتضي تكوينا متكاملا، يحضر فيه البعد الفلسفي، التاريخي، القانوني، الاجتماعي، ويتأسس على منهج يجمع بين هذه التخصصات كلها، من خلال المسالك التي يفتحها الوجود السياسي، كحاضن لبؤر توتر حقيقية، لا تملك البشرية في حال عزمها  تجاوز بعض انتكاساتها، سوى وضع تشريح دقيق وفحص هادئ، يسمح فعليا بإلقاء نظرة شمولية على المحددات الكلية للوجود، فهل تتلاءم فلسفة مارسيل غوشيه مع هذه الروح الجديدة للفكر  السياسي المعاصر؟.

   بالعودة إلى أعماله وأقواله الشخصية، ومساره الأكاديمي، نلمس بجلاء حضور هذا الشرط، ذلك أنه اهتم في مرحلة دراسته أساسا  بثلاث تخصصات ” لقد كنت أهتم بثلاث تخصصات في مرحلة دراستي: الفلسفة، علم الاجتماع، التاريخ”[9]، وحاول قدر الامكان فهم مسارات التفاعل القائمة بينها، وممكنات الجمع، ووحدها موضوعات السياسة من تستطيع تحقيق هذا الغرض. هو إذن يراوح بين التخصصات المذكورة، ينفتح عليها كلها، ليأخذ ما يبدو له صالحا، مفيدا، معينا له على غايته ومشروعه الفكري، الذي يلخصه في فهم الحاضر والإجابة على أسئلة العصر الحية، والتاريخ في هذه الحالة يصبح منهجا مساعدا، فليس هدف غوشيه قراءة الماضي، والدخول في حوار مع الموتى، وإحياء تراث ولى وانتهى، بل غايته الاستعانة بالتاريخ، وتجاوز عتبته، ليصير  فيلسوفا، يقول: ” أنا أتقن عمل المؤرخ العادي، ومع ذلك  لا أبقى متشبثا بحرفية المجال كما لو أنه ماهية ثابتة”[10] .

    غوشيه يحاول الانفتاح على كل أنماط المعرفة البشرية التي تخول له إمكانية تحقيق ما يسعى إليه، يجالس علم الاجتماع، ينفتح على التاريخ، يفكر ويتأمل فلسفيا، في النهاية هو مقتنع بفكرة أن المفكر الحر  لا يظل حبيس منهج أحادي وواحد، وهو معطى يدخل في إطار قناعاته الرئيسية: “إنني مقتنع بأنه لا توجد فلسفة بدون معرفة تاريخية، فبدون معرفة بالتاريخ لا يمكن أن نقدم شيئا، ينبغي أن ننفتح على جميع المعارف، بما فيها الوضعية، خاصة المعرفة التاريخية”[11]، فمشكلة الحاضر ليست من اختصاص أحد، ولا أحد يملك سلطة التفكير وحده فيها، وعلى هذا المنطلق تتأسس حجة غوشيه في ضرورة أن ينفتح كل مهتم بقضايا الحاضر، على كل المعارف المتوفرة، فهل المنهج الذي يقوم على  هذا النوع من المقاربة له تسمية خاصة تحدده، ما دام أنه ليس تاريخيا ولا حقوقيا ولا فلسفيا ولا سوسيولوجيا صرفا؟.

        مارسيل غوشيه يشبِّه هذا النمط من المقاربة بالعمل « anthroposociologie transcendantale »، وهو نوع من الممارسة الفكرية التي تهتم بدراسة المجتمع، عن طريق استحضار الأبعاد الإنسانية، لكن بنوع من التأمل الفلسفي المتعالي؛ “فلقد حصل لي –غوشيه- وعرفت عملي بأنه عمل  “أنتروبو-سوسيولوجيا متعالية”، أنتروبولوجيا: بمعنى دراسة نظرية لما هو إنساني، أي بما يجعل إنسانية الإنسان قائمة. سوسيولوجيا: لأن هذين المنحيين (أنتروبولوجي ، سوسيولوجي)، يظهر أنهما مرتبطين. وترنسندنتالي لكي أعبر عن البعد الفلسفي للمشروع برمته، أي التساؤل حول شروط الإمكان”[12] . لأنه مدفوع بهم الجواب عن سؤال، يعترف بأنه هو شاغله؛ “السؤال الذي يشغلني هو ما الذي يجعل البشرية والمجتمع ممكنان؟ فأنا أبحث على وجه الدقة عن فهم التقاطع بين ما يجعل الإنسان اجتماعيا بطبيعته، وبين التنظيم النفسي الخاص بنا[13]، وهي الغاية التي فرضت على غوشيه امتلاك أسلوب خاص في الكتابة، وفي النظر للقضايا المعاصرة، من باب إعتبارها مرهونة دوما بخبايا لا تتبدى سوى باستدعاء الروح التفكيكية المتصالحة مع مجموع الاهتمامات والموضوعات، ووفق رؤية منهجية سمتها التعدد.

   منهج مارسيل غوشيه إذن متعدد، غني، منفتح، وهو بذلك شبيه إلى حد كبير بتكوين الرجل وقناعاته، فهو الذي لم يظل حبيس مجال واحد واختصاص وحيد، بل استنجد بكل العلوم والمعارف والمناهج المتاحة من أجل تحقيق غايته وهدفه  – الذي وضحناه سابقا-  لذلك يبدو مقبولا اهتمامه بمختلف التخصصات التي تهتم بالإنسان، من حيث كونه موضوع الفلسفة السياسية الأول، حتى أن غاية الغايات كلها، كما تجسدت في فلسفة أرسطو “السعادة”، تشترط تحقق الطبيعة البشرية، وتمتعها بالقدرة على جمع الفضائل  في إطار كيان الدولة، فهي وحدها من تضمن امكانية اكتمال الطبيعة البشرية بمعناها الغائي، ومنه نفسر اهتمام غوشية بالتاريخ والأنتروبولوجيا وعلم النفس* أيضا، والتي برزت في العصر الحديث تحت مسمى “علوم الإنسان ، وعلى مقاس التعددية المنهجية تشكلت فلسفة غوشيه وأطروحاته على تعددية فكرية أيضا، تلخصها الانفتاحات النظرية الكبرى والنقاشات والنصوص والفلسفات التي خاض فيها واستدمجها في إطار تشكيل رؤاه العامة.

 

2.     مارسيل غوشيه ومسار تشكل بنيوية السندات الفلسفية

    كل الفلسفات تؤسس مقولاتها وفق رؤية منهجية، ولكنها تتأسس بالضرورة أيضا على فلسفات سابقة عليها، إما باعتبارها شرحا وتفسيرا، أو  قناعة وتبنيا وتكميلا، أو نقدا وتجاوزا[14]. وفي كل الحالات يبقى تاريخ الفلسفة خاضعا لفكرة هيغل، حيث كل فلسفة هي استيعاب لسابقتها، فكل جيل يضيف لسابقه باعتباره مرجعية، ليصير مع الزمن هو ذاته مرجعية تستند عليها الأجيال اللاحقة، فتكون الفلسفة الأحدث عهدا هي ثمرة جميع الفلسفات السابقة عليها، الفلسفة في النهاية هي حوار مع تاريخها وحوله، بل ماهي إلا تاريخ ذاتها، فهي لا تخضع لمنطق القطائع والفصل. وهو ما يصدق على فكر مارسيل غوشيه، حيث تحكمه خلفيات يستند عليها، وجهته نحو بناء تصوراته الخاصة، دون أن يكون عمله طبعا مجرد تقليد لها، هي إن جاز لنا القول منطلقات استند عليها.
   مارسيل غوشيه أسس إذن لفكره الخاص، لكن بالاستناد والاعتماد والعودة إلى بعض الخلفيات والنصوص والمتن الفلسفية، فتزامنا مع التعددية المنهجية التي أسس وفقها أهم مساهماته، يعتبر غوشيه أيضا قارئا كبيرا لتاريخ الفكر الإنساني عموما، والغربي والفرنسي على وجه الخصوص، وتكفي العودة إلى عدد السجالات والنقاشات والمتن التي حرص غوشيه على استحضارها في خضم كتاباته، وفيها تتبدى بوضوح عودته إلى عدد من أعلام الفكر الإنساني خاصة الحديث والمعاصر، وعمله أحيانا هو سجال فكري مع بعضها، من باب إعادة استشكال المقدمات الكبرى، في إطار الروح النقدية للفلسفة المعاصرة، وهي تحاول رد القول إلى موضعه، من خلال رفض أي شكل من أشكال الوضعية، التي تكرس قيم القبول والإيجاب والتمجيد والرضوخ، لأنه شرط من شروط تفكيك بواعث قلق المجتمعات المعاصرة بموضوعية لها القدرة على تفعيل النقد الذاتي فعليا. وسيكون هذا الجزء من هذه المحاولة - الرامية إلى تقريب فلسفة غوشيه من زاوية نظر "تعليمية"، مع تبرير  فكرة "بنيوية الفكر السياسي المعاصر منهجيا ونظريا"- مخصصا لإبراز  تعدد الأصول الفلسفية والمنابع النظرية التي إستند إليها غوشيه، في بناء أطروحاته الأساسية في الفكر السياسي.

·        الماركسية من حيث كونها المران النقدي لفلسفة غوشيه

  ارتبط غوشيه بالسياقات الفكرية العامة التي سادت في فرنسا وأوربا خلال القرن العشرين، حيث برزت المدارس والمذاهب الفلسفية، التي شكلت فرنسا في بعض الأحيان موطن ولادتها، وفي أحيان أخرى فضاءا خصبا لتطورها (الوجودية، البنيوية، التفكيكية، التأويلية ...) التي مثلت أفكارها رهانا للإنسان المعاصر، مادامت تعبر عن أزماته ومتطلباته. ولعل من أبرزها الماركسية التي كانت بمثابة عقيدة عالمية تعد بتحقيق الحرية والمساواة بين الطبقات ، ليس في ألمانيا وفرنسا فقط، بل في أغلب بلدان ومناطق العالم الأخرى ، رغم أن تأثيرها في القرن العشرين قل مقارنة بالقرن التاسع عشر.
   إن الماركسية، وبتعبير  سونيل خيلناني *Sunil Khilnani  " كانت عقيدة عالمية تعد بالتحرر الإنساني في العالم بأسره، أما في القرن العشرين فكان قدرها أن تتشظى تحت وطأة الهموم المحلية، تظل مكبلة في الأطر القومية الجامدة، ففي الشرق أصبحت إيديولوجية دولة، وفي الغرب بقيت خارج سلطة حدود الدولة، وفي بعض الدول تم إقصاؤها إلى هامش الحياة العامة، وفي البعض الآخر حققت قدرا من المركزية الثقافية، كما كان حالها في فرنسا"[15].
       لقد مثلت فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية، المعقل الرئيسي للفكر الماركسي، خاصة مع موجة الثورات التي اجتاحت أوروبا قبل ومع وبعد الحرب. فقد أضحت مكانا لصياغة الأفكار الثورية، واكتسبت مناعة خاصة بعد أن وجدت مدافعين عنها ذهبوا إلى حد التقديس التام للمشروع الماركسي، حيث تلاقت مبادئه العامة مع السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي لفرنسا، بعد هزيمتها في الحرب وتحالفها مع الفاشية، ثم العودة فيما بعد إلى مقاومتها، وأيضا مدها الاستعماري داخل إفريقيا وآسيا، وقيام الجمهورية الخامسة...،  في ظل هذه السياقات، راهن الفرنسيون على الثورة وعلى الروح الماركسية، كمحاولة لتجاوز خيبات الآمال التي أحس بها الإنسان الفرنسي، في ظل ما آلت إليه مبادئ الثورة الفرنسية. 
   إن الماركسية في فرنسا يصدق عليها بشكل كبير وصف سونيل خيلناني، الذي أعتبر فيه أن " تاريخ الماركسية في فرنسا أشبه بالقصص، له بداية محددة وهي دخوله السريع بعد الحرب إلى ساحة الجدل الفرنسي، وله نهاية محددة هي انهياره السريع في منتصف السبعينات، وقد مثلت طيلة هذه المرحلة الأفق المثالي للفرنسيين، لكنها انتهت إلى هزيمة شنيعة، فتحولت من رمز للثورة الممكنة إلى نوع من الإرهاب السياسي"[16]. 
    بهذا المعنى، دام تأثير الماركسية على الفكر الفرنسي ثلاثة عقود، شهدت انتشارا كبيرا، باعتبارها نموذجا سياسيا واجتماعيا وإيديولوجيا وفكريا، يستحق الرهان عليه، وعرفت الماركسية في فرنسا بغناها وتعددها، " فلقد كان التنوع الكبير للماركسيات التي ازدهرت في فرنسا مذهلا، حيث كان لكل اتجاه منها صداه في فرنسا: اللينينية والتروتسكية والماوية، بالإضافة إلى الأشكال الفرنسية كالماركسية الوجودية والألتوسيرية واليسارية"[17]. لكنه تعدد كانت تجمعه وحدة يحكمها أساسا الانتماء إلى فرنسا، والبحث عن مخرج لأزماتها السياسية والاقتصادية التي تسببت فيها أساسا مشاركتها في الحرب العالمية الثانية، وكذا إحساس الفرنسيين بخذلانهم لمبادئ الثورة الفرنسية، بعد أن تم استغلال ثروات وخيرات شعوب أخرى، وهي التي كانت تدعو إلى توطيد مبادئ الحرية والمساواة، والإعلاء من مكانة الفرد والدعوة إلى حقوق الإنسان والمواطن.
   هي جزء من الأسباب التي حكمت ارتباط الماركسية بالتجربة السياسية في فرنسا، والتي سمحت لها بالانتشار وامتلاك مساحة مهمة من النقاشات الفكرية التي سادت هناك، فكان الرهان على خلق فلسفة عالمية جديدة تتجاوب مع مقولات الأنوار الكبرى "الحرية، المساواة، العدالة الاجتماعية..."، ولكنه تواجد لم يحمل معه فقط نقاش "حول الماركسية" وكيفيات فهمها واستيعابها وادراك أطروحاتها الكبرى، بل حمل أيضا نقاشا "عن الماركسية"، والقراءات التي تحتملها، فوجودها أثار نقاشا واسعا في فرنسا، لدرجة أصبح هو الأكثر رواجا في الأوساط الثقافية هناك، حيث الحديث أساسا عن كيفية وطبيعة تبني الماركسية، خاصة في ظل التأويلات العديدة التي تقبلها، ما  يعني ضرورة البحث عن صيغة ملائمة تتماشى مع خصوصية المجتمع الفرنسي، الذي لم يكن له أن ينفصل عن السياقات الخارجية للماركسية " كان الارتباط الدائم بين الماركسية الفرنسية والاتحاد السوفيتي يعود إلى الاستجابة الفرنسية الأولى للثورة البلشفية في 1917"[18]
   أصبحت الماركسية في فرنسا إذن، نموذجا ثوريا تعلقت عليه آمال عدد من المفكرين في فرنسا، فقد انجذب إليها أغلبهم هناك، على غرار جون بول سارتر الذي أسس لما يسمى ب " الماركسية الوجودية"، إضافة إلى ميرلو بونتي، ووضعا إلى جانب غيرهما " نقدا كاملا واضح النبرة، مناهضا للبرجوازية، مناهضا للرأسمالية، مناهضا لأمريكا، ومناهضا لليبرالية، شعبيا في نزعته السياسية، متحالفا مع الحركة الشيوعية، ومدافعا عن الاتحاد السوفيتي"[19]  ، وقد استمر هذا الإعجاب - على الأقل في العقود الثلاثة- وانتقل إلى عدد كبير من أدباء ومفكري فرنسا ( هيغو Hugo، مالرو   Malraux، ميشيله Michilet ...)، لكن هذا الإعجاب التام والمطلق سيزول تدريجيا، وسيتحول إلى نقد أحيانا من داخل الماركسية نفسها، وأحيانا أخرى من خارجها. فحتى سارتر سيعيد النظر في شهادته المبجلة لها، وحسب قراءة سونيل خيلناني؛ فقد " استنتج سارتر أن وعد الثورة البلشفية ثم سقوطها قد حطم الآمال في نظرية ثورية عالمية، حيث تحولت الماركسية، وهي في الأصل إيديولوجية وممارسة عالمية، ولدت في أكبر دولة أوروبية صناعية – إلى "تشوه تاريخي" ل "الاشتراكية في دولة واحدة" – أي تم اختزالها في دوغما وطنية وسياسية واقعية لدولة مفردة أطاحت مداها العالمي وتركتها مكسورة ومحددة"[20]. 
   في هذا السياق بالضبط نشأ فكر مارسيل غوشيه، حيث تزامنت مرحلة تكوينه الأكاديمي مع هذه الشروط السياسية والثقافية والتاريخية والاجتماعية في فرنسا، فقد تأثر كما هو حال باقي المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين بمبادئ الفلسفة الماركسية، التي كانت أهم مرجعية فكرية داخل البلاد (مابين نهاية الأربعينيات ومنتصف السبعينات من القرن العشرين)، وهي المرحلة التي تزامنت مع التحاق مارسيل غوشيه بالمدرسة العليا للمعلمين 1961، وقد شهدت هذه الفترة أول احتكاك له مع الماركسية، التي تأثر بها كما هو حال باقي مفكري وطلبة جيله في تلك الظرفية، قبل أن يتبرم منها في بداية السبعينات، يقول: " لقد كنت مهتما في مرحلة شبابي أساسا بالماركسية"[21]. 
    لكن هذا التأثير لن يدوم طويلا، بل كان لحظيا فقط، فمع الهزات والانتقادات الداخلية والخارجية التي تعرضت لها الماركسية، بعدما تم ربطها بإيديولوجيات سياسية كالستالينية والفاشية، أعلن غوشيه إسوة بعدد من معاصريه دعوته العلنية بضرورة تجاوز الماركسية، هذا التجاوز عبر عنه في موضع لاحق بالقول: " أنا أحاول تجاوز الماركسية والفرويدية التي أثرت علي في مرحلة الشباب"[22]، دون أن يعني ذلك أن هذا التراجع، لم يقترن بمؤثرات أخرى ساهمت هي ذاتها في تكريس هذا التراجع، وفي خلخلة الإيمان المطلق بالمشروع الماركسي كأفق للتحرر من بعض أشكال العبودية الجديدة التي كرستها مقولات الحداثة في الاقتصاد والسياسة والعلم والمخيال الجمعي.
   حسب غوشيه، هناك سبب آخر أساسي ورئيسي تحكم في تنازله وتراجعه عن دعم المشروع الماركسي، ويتمثل أساسا في اختلاف وجهة نظره عن بعض مبادئ البراديغم الماركسي، والذي جعل فيه الاقتصاد مفسرا وقاعدة لما هو سياسي، وهي الفكرة التي لم يرحب بها عدد من المفكرين المعاصرين، وغوشيه أحدهم: " أنا أنتمي لأولئك المفكرين الذين يرون بأنه ليس الاقتصاد هو الذي يفسر السياسة، وأن السياسة تسبق الاقتصاد، وهذا هو البراديغم الذي ظهر شيئا فشيئا في القرن العشرين"[23]، وهو الطموح الذي بدأ يتشكل تدريجيا بعد تجريب المآلات الكبرى للمقولات الماركسية، وتلمس مدى الحاجة للموضوعية السياسية في التعاطي مع تحولات المجتمعات الحديثة والمعاصرة، بعد أن حدث الزواج رسميا بين المقدمات الكبرى للديمقراطية سياسيا، والمبادئ النظرية للرأسمالية اقتصاديا، وتحول النقاش من سؤال الأولوية والأسبقية بين الاشتراكية والرأسمالية، إلى تسابق الرأسمالية والديمقراطية[24]. 
   لقد شكلت الماركسية إذن - على الأقل في بداية المسار الفكري لغوشيه -  دافعا وموجها أساسيا له، ومن ثم فإن ماركس شكل خلفية فكرية رئيسية بفضلها ولج غوشيه إلى مجال الاهتمام بما هو سياسي " في المدرسة العليا بدأت تتكون عندي أفكار سياسية ونقابيةـ وتعرفت هناك على الستالينية والاشتراكية"[25]، ويضيف أيضا  في موضع آخر: "كنا في هذا الوقت بين رفضنا للمجتمع البرجوازي وبين ترحيبنا بالنظام السوفيتي"[26]، ما يعني أن الماركسية كان لها فضل كبير في تكوين مارسيل غوشيه، الذي خضع تأثره بها لنفس مسار دخولها إلى  الفضاء الثقافي الفرنسي، وخروجها منه، فقد تأثر بها حين كان الجميع كذلك، وانتقدها على غرار معاصريه الفرنسيين؛ أي أن تأثره ونقده لها، ارتبط ارتباطا مباشرا بالسياقات العامة للفكر الفرنسي. وحملته النقاشات الدائرة هناك، خاصة مع أكثر المقربين له، إلى إعادة بلورة تصوراته العامة وتجديدها وفق قراءات مغايرة، كما لو أنه يستكشف ضرورية حدوث الهزات الكبرى في تشكيل الوعي السياسي، وضرورية الانخراط بشكل أكبر في الجدل الدائر حول الموضوعات الكبرى في السياسة والاقتصاد والعلوم الانسانية والتاريخ، من حيث كونه شرط من شروط الولوج إلى بؤر التوتر في الفكر السياسي المعاصر، والذي لا يتشكل إلا وفق بنيوية تحتاج مزيد بيان ومزيد احتكاك مع مشاريع فكرية أخرى.
       على هذا الأساس،  لا بد وأن غوشيه إضافة إلى تأثره بالماركسية في بداية احتكاكه المباشر مع ما هو سياسي، فكرا وممارسة، قد تأثر أيضا  بتوجهات فلاسفة ومؤرخين وسوسيولوجيين وحقوقيين، وكما تبرز أعماله واعترافاته الشخصية فهناك انجذاب كبير لأستاذه "كلود لوفور"*، ولا دال على هذا الارتباط أقوى  من اعترافه الشخصي، يقول: " لم أعتمد في حياتي على تكوينات داخل الفصل الدراسي، فلم يكن أساتذتي يروقونني ما عدا أستاذ واحد  كان يدعى   ‘كلود لوفور’ "[27] .  وهو قول قد يبدو أكثر وضوحا إذا ما عدنا إلى بعض السمات العامة لفكر " كلود لوفور"، حيث أن غوشيه سلك سبلا  كان قد سبق للوفور أن سلكها. فأين يكمن هذا التأثير الذي مارسه " كلود لوفور" على تلميذه " مارسيل غوشيه"؟ وكيف ساهم في تشكيل الروح التركيبية لفلسفة ومواقف وأطروحات مارسيل غوشيه السياسية على الأقل؟.

·        كلود لوفور  أو  “المعلم الأول”

   يقتضي الجواب عن هذا السؤال العودة إلى إبراز بعض الاهتمامات الفكرية ل"كلود لوفور"، وأيضا مواقفه من بعض القضايا والإشكالات، خاصة الفلسفة  السياسية، التي أولاها اهتماما خاصا، حيث خصص جزءاً كبيرا من كتاباته من أجل نقد التجربة الكليانية، كما ساهم في تطوير  النقاش القائم حول الديمقراطية، وحقوق الانسان*، إذ وضح طابعها السياسي، والرمزي، وروحها الوضعية، لكن بالاعتماد على مقاربة فلسفية تأملية، ما يعني أنه كان يعتمد على نهج سوسيو- سياسي، يحلل به المعطيات التاريخية والسياسية والاجتماعية، توصل من خلاله إلى وضع قراءة تحليلية عميقة لأسباب ونتائج انهيار المعسكر الشيوعي، باحثا عن ملابساته، وطارحا الإشكالات السياسية والفلسفية المترتبة عنه، طامحا في النهاية إلى وضع أسس موضوعية لنقد التجربة الكليانية، التي كان من مآلاتها انقسامات المعسكر  الشيوعي، وفي هذا المستوى يذهب " لوفور" إلى توجيه نقده للمذهب الماركسي باعتباره السند الرئيسي للكليانية، ولبعض التوجهات المنشقة عنها، دون أن يعني ذلك تقديم نقد راديكالي للماركسية، بل إنه ركز أساسا على نقد التأويل الماركسي لحقوق الإنسان، وتحليله للثورة الديمقراطية البورجوازية.
    توصل "كلود لوفور" فيما يخص النقطة الأولى إلى أن ماركس اعتمد على تأويل يضمر العديد من الأحكام الجاهزة، جعلته سجين الترجمة الإيديولوجية للحقوق، وهو ما منعه من التعامل الموضوعي مع منطوق هذه النصوص. أما فيما يخص النقطة الثانية المتعلقة بالنقد الماركسي للثورة الديمقراطية وللثورة البورجوازية، فقد برهن ووضح لوفور كيف أن استنتاجات كارل ماركس، توجهها مرجعية فلسفية تعطي قيمة قصوى للعامل المادي، مع  تغييب وتجاوز العوامل الأخرى بما في ذلك العامل السياسي والروح الحقوقية، وهو ما ينتقده لوفور، ليعتبر في النهاية أن التجربة الكليانية تفضح، نقائص ومزالق هذا التأويل، وتنقيص ماركس من قيمة الشأن السياسي هو الذي قاده إلى هذه الاستنتاجات المغلوطة، وليس التحليل المادي للتاريخ هو المتحكم وحده في هذه الأهداف، فالتأويل الماركسي للتحرر البورجوازي تحركه رواسب فلسفية وسياسية أخرى تعتنق تصورات معينة عن الحرية و الإنسان والمجتمع والدولة. 
    وهو يعتمد في هذا النقد على منهجية قوامها استحضار النصوص الماركسية، وتفكيك البنيات الناظمة للخطاب التأويلي الماركسي، مع ربطه بالطفرات السياسية والتاريخية،  ليخلص إلى إبراز أن الديمقراطية ليست مجرد حلم طوباوي أغرق النزعة الإنسانية المجردة  في أوهام  زيفت الواقع، بل هي وليدة سير التاريخ،  إنها ثمرة نضالات سياسية وفكرية واجتماعية سجلت قفزات نوعية في تاريخ الفكر السياسي، واخترقت الحدود التقليدية للأنظمة السابقة عليها.
     الدراسات التي قدمها "كلود لوفور" حول ماركس ودو طوكفيل وميرلوبونتي وغيرهم، وكذا المفاهيم التي سعى إلى تطوير البحث ضمنها كحقوق الإنسان والديمقراطية والتجربة الكليانية.....، هي التي ستشكل محور اهتمام مارسيل غوشيه، الذي لم يبتعد كثيرا عن مجال اهتمام أستاذه، فقد خصص هو أيضا دراسة حول ميرلبونتي بعنوان " مكان الفكر" « Lieu de la pensée »، وكلود لوفور كان من كبار المفكرين الفرنسيين الذين أبدوا اهتماما خاصا بأعمال وفكر ميرلبونتي.
   كما حاول بدوره الانخراط في محاولة الجواب عن السؤال الذي كان مطروحا بقوة في الأوساط السياسية الفرنسية، والذي نظمت له مجلة أسبري ( Esprit ) لقاءا خاصا: " هل حقوق الإنسان سياسة؟"حيث انشغل غوشيه أيضا، تيمنا بأستاذه بمحاولة الإجابة عن هذا السؤال، مخصصا له مقالات عديدة أبرزها" حقوق الإنسان ليست سياسة"« Les droits de l’homme ne sont pas une politique  »، رغم أن وجهة نظره اختلفت عن وجهة نظر أستاذه، فكلود لوفور ذهب إلى اعتبار حقوق الإنسان سياسة، خاصة إن تم الرهان على الديمقراطية كنموذج تأصيلي لهذه العلاقة، من باب كونها  المبادئ الأساسية التي أنتجتها الديمقراطية في العصر الحديث ، لكن قيمتها لا تكمن في كونها قواعد وقوانين ودساتير وضعية مكتوبة، بل في بعدها الرمزي، والمجتمعات الديمقراطية في نظره هي التي يتجلى فيها الوعي الديناميكي والمنفتح بأهمية هذه الحقوق، وبقيمتها المعنوية. أما مارسيل غوشيه وإن كان يعترف بدور  وقيمة حقوق الإنسان داخل المجتمعات التي قد يجوز تسميتها بالديمقراطية في مقالته " حقوق الإنسان ليست سياسة"،  إلا أنها تمتلك بعض الخصوصيات التي تجعل منها غير كافية لتحديد السياسة، فحقوق الإنسان في نظره أخذت بعدا تقديسيا، حيث أصبحت تمثل جوهر  الديمقراطية، وهو ما لم يسمح بإبراز شكوكها، ولو أنه سيعيد النظر  في تفسيره هذا، بعد عشرين سنة من كتابة هذا المقال، وهي مراجعات لم تمنع حدوث استمرارية في التلقي والتأثر، بقدر ما أنها إعادة نظر تزامنت مع التحولات الحقوقية والسياسية، التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وهيمنة النزوعات الكليانية، وما كان للمواف الحقوقية والسياسية أن تظل في منأى عن مجموع هذه التغيرات، أما صلات الوصل بين غوشيه وأستاذه فظلت قائمة وتتمدد. 
   تأثير لوفور كان حاضرا وبشكل مباشر  أيضا في النقاشات التي خاضها مارسيل غوشيه حول مفهوم الديمقراطية، فكتاب " الإبداع الديمقراطي"  للوفور ، مهد إلى عدد من الاجتهادات التي قدمها غوشيه في هذا الباب، حيث أن التفكير  في الديمقراطية مثل إحدى أهم أولوياته، ولو أن رهان لوفور عليها كان أكثر حماسة مقارنة بغوشيه، الذي ذهب في مسار إبراز الشكوك التي تطرحها، والتي اعتبرها كامنة في الديمقراطية ذاتها ، كما يلخص ذلك عمله الأساسي في هذا الباب " الديمقراطية ضد نفسها" « la démocratie contre elle même » . ما يعني أن غوشيه لم يخرج في اهتماماته الفكرية عن أستاذه "كلود لوفور" لدرجة أنهما تقاسما نفس الاهتمامات، حتى أنه يبدو أحيانا بأنهما كانا يفكران معا. فهل نفترض أن هذا الطرح كافيا، ونقول: إن كلود لوفور وقبله كارل ماركس مثلا الخلفية الوحيدة التي وجهت المسار الفكري العام لمارسيل غوشيه؟ وكيف سنبرر اهتمامه واعتماده  في هذه الحالة  على بعض المفاهيم ك " نزع السحر عن العالم" رغم أنها لم تكن مطروحة لا في متن ماركس ولا في كتابات لوفور؟.

·        تفكيك سحر العالم… أو غوشيه في رحاب ماكس فيبر

         لو ركزنا على مفهوم "نزع السحر عن العالم" أو" تفكيك سحر العالم" – كما يفضل البعض- «  le désenchantement du mande » ، لتوصلنا إلى إبراز تأثير  آخر، كان بدوره أساسيا ومهما في لفت انتباه " غوشيه"، إلى وضع تفسير للكون، مؤسس على فكرة أن العالم فقد سحره، الحديث هنا عن "ماكس فيبر"، الذي كان سباقا إلى نحت فكرة زوال سحر العالم، وفيها يوضح كيفية تخلص العالم من سحره الذي ارتبط به ولأزمنة طويلة، وكيف زال وانمحى، يكفي هنا العودة لتصور فيبر للحداثة، حيث تمثل في نظره الحدث الذي بفضله ثم فصم الائتلاف والوحدة بين السماء والأرض، مما يجلي العالم عن وهمه ويلغيه من سحره. العالم بالمعنى الفيبيري أضحى خاضعا لقواعد وقوانين، ومؤسس على عقلانية تُدبِّر  بنياته، وها هو ينفك تدريجيا من أوهام كسرتها صيرورات التعقل البشري.
     تمتاز المجتمعات الغربية الحديثة حسب ماكس فيبر  بتنظيمها العقلاني للمجالات ( الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية...)، حتى روح البروتستانتية استدمجت أخلاقها في إطار هذا التعقيل، وأصبحت تمثل قاعدة التطور الاقتصادي، كما توضح أطروحة كتابه الأساسي " الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية"، فالعقلنة شكلت السمة المميزة للإقتصاد الرأسمالي " إن القضية الأساسية في تاريخ الحضارة الشامل.... هو تطور  رأسمالية المؤسسة البورجوازية مع التنظيم العقلاني للعمل الحر"[28]، فما كان الاقتصاد ليشهد كل هذا النمو، لولا العوامل التقنية التي ارتبطت هي أيضا بالتطورات التي شهدها العلم الحديث، المؤسس على التفسير التجريبي والعقلانية الرياضية، وعلى العلوم الأخرى المتفرعة عنهما، "إن البنية العقلانية الخاصة بالقانون والتنظيم الإداري هي من غير شك ذات أهمية، وتقضي رأسمالية المؤسسة العقلانية بضرورة التخمين المحسوب، لا في مجال تقنيات الإنتاج وحسب، بل في مجال القانون والإدارة ذات القواعد الشكلية"[29] ، وبفضل هذا النمط الجديد من التنظيم، سيصير العالم مرتكزا على عقلانية مقننة، منتجة، دقيقة، علمية، محسوبة، لا على تفسيرات مفارقة.
   روح الحياة الاقتصادية الحديثة ستصير مقرونة حسب ماكس فيبر  بروح الأخلاق البروتستانتية، ومرد هذا التوافق والائتلاف يعود في واقع الأمر، إلى الطبيعة  العقلانية لهذه الأخلاق، وفي هذا المستوى يبدو واضحا جدا التلازم الذي يصر عليه "فيبر "، بين العقلانية والرأسمالية، فالأخيرة ما كانت لتتأسس كقوة محركة وكنموذج، وآلية للتطور، الذي شهدته المجتمعات الغربية الحديثة، لولا استنادها على أنساق عقلية، بها يفسر الديني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والقانوني- ولو أنه أغفل في هذا التحليل العلمي للعقلانية الغربية ولجذورها ووضعيتها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولم يتفطن إما سهوا أو قصدا لعيوبها، فمآلات النظام الرأسمالي، شكلت الدافع للحركات الاستعمارية الامبريالية التي نهجتها أوروبا- وهو بهذا التفسير الجديد لبنية المجتمعات الغربية  الحديثة، أنتج فكرا سوسيولوجيا  مؤسسا على الفهم، من نتائجه أن الإنسان سيصير متحكما في عالمه، لكن ليس قصد "ماكس فيبر" هنا – وحسب قراءة " فيليب راينو"- أن يتخلى البشر عن دينهم، ذلك أنه لعب دورا في عقلنة المجتمعات الغربية، بل " ينبغي من جهة أخرى إضافة أن لدى ماكس فيبر نفسه، الفكرة القائلة بأن تطور منطق "صور العالم" الدينية قد شجع عقلنة المجتمع، وذلك بتثمين إلى أقصى حد أشكال أخلاقية " عقلية"و ( في العالم الغربي)، لن يؤدي أبدا إلى اختزال تاريخ الدين إلى مجرد لحظة في التطور "الديالكتيكي" للعقل الغربي . وفي حين أنه من كونت Compte   إلى دوركهايم Durkheim، وأن التيار المهيمن للسوسيولوجيا الأوروبية غالبا ما تنبأ باختفاء الديانات التقليدية بسبب عدم انسجامها المفترض مع التصورات الحديثة، لم يفكر فيبر أبدا بأن عقلنة "صور العالم" الدينية يجب بالضرورة أن تقود إلى اندثارها. في بعض النصوص على العكس، فإنه يمهد لفرضية تجعل تدريجيا من التجربة الدينية مستقلة، باعتبارها ملازمة للإنعتاق من السياسية، لتكوين "الفن" في دائرة نشاط وخبرة مستقلة، وفي تطوير العقل العلمي الحديث" [30].
    الاستناد على هذا القول من شأنه أن يعزز فكرة الارتباط الموجود بين فيبر وغوشيه، حيث لا أحد منهما يدعي فكرة تلاشي الدين وزواله وانمحائه وانهياره الكلي والتام، فهو يلعب في نظرهما معا دورا، من حيث كونه قناعة فردية وذاتية، لكنه تنازل تدريجيا عن  سحره الذي كان يمنحه قدسية خاصة، هذا الزوال والتفكك الذي أصاب العالم هو الذي  يحلله  غوشيه في عمله " تفكيك سحر العالم: تاريخ سياسي للدين" وحتى في الجزء الأول من مؤلفه " نشأة الديمقراطية: الثورة الحديثة"، منذ عصر النهضة، الذي شكل لحظة مهدت إلى نشوء العصر الحديث بعقلانيته، ديمقراطيته واقتصاده الصناعي. وهو رهان استدعى حضور الروح الفيبيرية، التي قدمت سندا معرفيا ومنهجيا به امتلك غوشيه إمكانية الانتباه إلى هذا السحر، قبل أن يحلل وبروح فلسفية بنيته العامة.  غير أن سحر العالم لم يكن مرتبطا فقط بنقد فكرة تحكم الديني، فهناك أوهام أخرى مُنِحت صبغة القدسية، فكشف التاريخ  فيما بعد عيوبها ومساوئها، التي انتبه إليها غوشيه أيضا. فهل كان انتباهه هذا حدسا فلسفيا خاصا، امتلكه الرجل بمحض صدفة من صدف التاريخ؟ أم أن الأمر يتعلق بتوجيه آخر مورس على غوشيه، فمثل بدوره مرجعا من المرجعيات التي استند عليها في تحليله لمعضلات ومشاكل أوروبا  ما بعد الحداثة؟. 

·        فريديريك نيتشه: “نبي” الفلاسفة و “ملهم” غوشيه

   رحلة التفكيك التي انطلق منها غوشيه في كتابيه السالفين: ( تفكيك سحر العالم: تاريخ سياسي للدين و نشأة الديمقراطية في جزئه الأول " الثورة الحديثة")، شكلت فقط تمهيدا من أجل نقد ثنائي، سيوجهه غوشيه على التوالي إلى العقلانية الحديثة، التي تعتريها في نظره ثغرات وفجوات، وجب تحليلها وتفكيك رموزها السياسية والاقتصادية. وأيضا إلى أكاذيب التقدم،وأوهام المستقبل التي تفجرت داخل أوروبا، حيث انهارت الليبرالية فاسحة المجال أمام صعود التوتاليتاريات. في هذا المستوى يكون استحضار  أسلوب التفلسف  بالمطرقة  الذي مارسه "فريدريك فيلهم نيتشه  Friedrich Wilhelm Nietzche"  منهجية أساسية، وغوشيه ما كان ليقدم على هذا النوع من التفكيك دون الاستئناس بتصوراته، التي تنبأت دون سواها من الفلسفات الحديثة بهذه الأوهام، ووضعت إشارات واضحة إلى ما سيحل بعد عقود من الزمن، ليس في الأمر رجم بالغيب، ولا سحر يشبه ذلك الذي تقوم به العرافة، ولا هو حدس قبلي تحكمه صدفة لا تقبل التبرير، بل هو نبوءة من نوع خاص.

        ” نيتشه النبي” هو العنوان الذي اختاره غوشيه للفصل الأول من الجزء الثاني لكتابه “نشأة الديمقراطية: أزمة الليبرالية”،  حيث خصصه لإبراز قدرة فيلسوف النسف والنقد، على قراءة المستقبل والتنبؤ بمآلاته، والإعلان عن إعجابه واحترامه وتقديره الكبير للعمل الذي قام به نيتشه، وبالحس الفلسفي المميز الذي لم يمتلكه سواه “ففريدريك نيتشه محطم أوثان القرن التاسع عشر الرسولي، صيغت حكمه النهائية بين 1883و 1888، إنها تسجل بحساسية مبشرة بالهزات الأولى، مازالت غير مرئية من الأغلبية، الإيمان الذي سيدمر قريبا قصور الإيمان الجديد، ومعابد الإيمان القديم في الوقت نفسه: الشعب، العلم، التقدم. ألوهيات خادعة، اعتقد المحدثون أنهم باستطاعتهم تشييد مذابحها مقابل مذابح إله المسيحيين المخلوع،بدأ ملكهم الغابر يبلغ أجله. إنها متأهبة لأن تحمل على موجة عدم الإيمان التي أفرغت أماكن العبادة القديمة”[31] .

     لقد امتلك نيتشه القدرة على إدراك عمق الفجوات التي سقطت فيها المبادئ العامة للحداثة ( العلم- التقدم- الشعب)، تركيبة ثلاثية تحمل في عمقها أزمة جديدة، فهي تستطيع إنتاج الأشياء التي أنتجت من أجلها، وتستطيع في الآن ذاته أن تنتج نقيضها، فالعلم تقلد مسؤولية إعادة المجهول إلى المعلوم، بيد أنه، ومن دون أن يختار حوَّل تدريجيا ما هو معلوم إلى ما هو مجهول، فألغاز الكون ستظل موجودة، وأزمة العلم التي كان يعتبر نفسه قد تجاوزها بلا رجعة،مازالت مطروحة، والوضعية بهذا المعنى متوترة، وقابلة للاندلاع[32].

   نقد نيتشه طال أيضا فكرة التقدم، التي ثبتتها أساسا تاريخانية  هيجل، حيت تنظر للإنسان المعاصر على أنه كمال تاريخ العالم، هذه الفكرة  يتبرم منها نيتشه تبرما شديدا، يلخصه دانهوزر في إحدى مقالاته المنشورة بموسوعة تاريخ الفلسفة السياسية، يقول: “يقرر نيتشه، في مقابل نظرية هيجل التي تذهب إلى أن السيرورة التاريخية هي عملية عقلية، بلغت في عصر هيجل، أوج مجدها في لحظة مطلقة، أن السيرورة التاريخية لا تنتهي، ولا يمكن لها أن تنتهي، وأن اكتمال التاريخ ليس مستحيلا فحسب، بل هو غير مرغوب، لأنه يفضي إلى الحط من قدر الإنسان، وأن التاريخ ليس عملية عقلية، بل هو مملوء بالعمى، والجنون، والظلم”[33] . نقد نيتشه للتاريخانية  لم يكن مجرد نقد، بل هو في صميمه تعبير عن قلق فكري، وخوف من مستقبل مجهول، يحكمه تصور أساسه المتين  ” فكرة التقدم”. حتى الفردانية التي تم الرهان عليها من أجل بناء ” الشعب” أخطأت المسار وتوجهت نحو كليانية جديدة.

   مبادئ الحداثة في النهاية فقدت مصداقيتها، وقد صدقت “رؤيا”[34] نبي الفلاسفة، فقد كان محقا في قلقه اتجاه ما سيؤول إليه العالم، وحسب مارسيل غوشيه ” لم يبد أحد هذا الكم من القلق والاهتمام بالبحث  والتدقيق بتبعات المستجدات الخفية التي تسخو بها المرحلة، والتي يتأقلم معها المعاصرون بسهولة …  إن كان ثمة شاهد على أزمة الليبرالية، بالمعنى الذي نسعى لإعطائه هنا للمفهوم، فهو نيتشه، إنها تشكل مادة مؤلفاته، ويعد لها دراسة وتحليلا، إعدادا عظيما، إنه بالنسبة إليها نبي مرتين”[35].

      فريدريك نيتشه، في نظر غوشيه، ليس مجرد دارس للتاريخ والفن والأدب والقانون والفلسفة، بل هو متأمل في أعماق الوجود، نظره بعيد لا حدود له تجاوز أسوار الزمان والمكان، فهو يخاطب الألمان وغير الألمان، زمانه والأزمنة التي تليه، هو بهذا المعنى نبي من ناحيتين: من حيث كونه يدري ومن حيث كونه لا يدري، فهو لا يدري أن قراءة المستقبل التي يقدمها ستصدق، ولكنه يدري أنه يمارس عملية التنبؤ، لذلك يعتبر غوشيه أن نيتشه حين قال “ما أرويه هو تاريخ العصرين القادمين”، لم يكن يتبجح أو يعلي من مكانة نفسه، وقيمة ما يقوم به [36].

     لأزمة الليبرالية ومشكلات الديمقراطية ومآزق البنية الوجودية أسباب ومظاهر وتداعيات، يحللها غوشيه، ويفكك روابطها بالتدريج، يفحص نواتها باقتدار شديد، لكن عيون نيتشه هي التي منحته الآليات المنهجية والفكرية، التي سهلت عليه قراءة وقائع، تنبأت بها من قبل أناجيل فيلسوف النقد والمطرقة، فهو  الذي صدق وأصاب في قراءة روح عصره وروح العصور اللاحقة، فما كان لغوشيه إلا أن يعبر عن انجذابه لنبي الفلاسفة، وقوله التالي يلخصه: ” لا نستطيع، بهذا الصدد، أن نقرأ هذه السطور التي يلخص من خلالها روح عصره، من دون أن نشعر بالإنجذاب إليها: ’’ تتحرك ثقافتنا الأوروبية برمتها، ومنذ زمن، بضغط مؤلم يتصاعد يوما بعد يوم، كما لو أنه يتجه نحو كارثة : مقلقة، عنيفة وسريعة: كنهر يريد أن ينبض، ولا يسعى للرجوع للذات’’ ستحل الكارثة”[37].

     فلسفة مارسيل غوشيه، وفكره، ومواقفه السياسية، وأطروحاته حول الدين والديمقراطية وأزمات الليبرالية، وكذا حول العالم الذي تفكك وزال سحره. هي في النهاية محكومة بخلفيات أشرنا من باب الاختيار  إلى  أربعة منابع أساسية منها ارتوى فكر غوشيه، ماركسيته في مرحلة الشباب التي بفضلها ولج غمار البحث والاهتمام بالتاريخ والفلسفة، وتشبته وإعجابه بمعلمه وأستاذه كلود لوفور، الذي بفضله انخرط في سياق النقاشات المثارة حول أسئلة الفلسفة السياسة داخل فرنسا المعاصرة،  وماكس فيبر  ناحِتُ المفاهيم الكبرى  التي هيمنت على قاموس كتابة غوشيه، حتى أضحت عناوين عريضة لأعماله واجتهاداته الكبرى ك ” تفكيك سحر العالم: تاريخ سياسي للدين Le désenchantement du monde : une histoire politique de la religion “. وفريدريك نيتشه، نبي غوشيه الذي تنبأ بما سيصيب العالم ما بعد سنوات من وفاته، ففكر وتأمل وتنبأ فصدق وأصاب. ليحكم على مسار الفكر الغربي بالانزياح عن قناعاته الكبرى، التي ترسخت كقيم ومبادئ محددة، فرضتها الحداثة الغربية التي ولدت مرضا نمى وتطور  في داخلها، حتى أضحت تحارب نفسها بنفس أسلحتها ، والحديث هنا عن (الشعب- التقدم- العلم)

      ليس معنى هذا أن ( ماركس- فيبر- نيتشه- لوفور ) وحدهم من ألهموا تفكير غوشيه، ووجهوه نحو السبل التي سلكها، بل إنهم يمثلون فقط الجذور الكبرى، والأكثر تأثيرا في مسيرته، فغنى كتاباته تشير بوضوح تام إلى اهتمامه بأعمال فرويد ولاكان، وأيضا بألكسيس دو طوكفيل، الذي خصص له مقالة خاصة، وهو شيء مبرر جدا، فدو طوكفيل يعتبر من أوائل المنظرين الفرنسيين لمسألة الديمقراطية، خاصة في كتابه ” الديمقراطية في أمريكا” بجزأيه الأول والثاني، مع تسجيل اهتمامه الخاص بميرلوبونتي، ليو شتراوس، ريمون آرون، فوكو، وقبلهم هيدجر  وهوسرل، وأيضا نقده للتوجهات السوسيولوجية الداعية إلى جعل المجتمع والفرد معا مادة علمية، يتم إخضاعها لمنطق التجريب العلمي، باعتبارها ظواهر تخضع لنفس منطق الظواهر العلمية، ودراستها بذلك لا تخرج عن أفق المنهج التجريبي ( كونت، دوركهايم…..).

      غوشيه في النهاية قارئ كبير لتاريخ أوروبا وفرنسا، الفكري والسياسي، انفتح على مصادر ومتن يصعب حصرها، كوّن منها رصيده المعرفي الخاص، بنى من خلالها ومن خلال اجتهاداته الخاصة منهجه في التفكير والكتابة، به فكر وتأمل وحلل إشكالياته الفلسفية الكبرى ، عن طريق فتحه لمسارات وآفاق، بفضلها نقد الديمقراطية وأبرز أزمات الليبرالية، ووضح كيف أن المسيحية هي دين الخروج من الدين، وكيف تم التحول من اعتقاد ذات طبيعة دينية إلى آخر  ذات طبيعة سياسية، مبرزا بذلك الخصائص العامة لفرنسا الحالية، التي تعيش على واقع جديد تحتاج أسسه إلى إعادة هيكلة، فالحاضر يحمل تأويلات، ويقدم نفسه على شكل تمظهرات جديدة، لا تفهم إلا في إطار المسار الطويل الذي مرت فرنسا منه، سيتيح كل هذا إمكانية لمارسيل غوشيه من أجل رسم الأفق العامة لمسار العلاقة بين الدين والديمقراطية، حيث تحول الاعتقاد يفرض على الديمقراطية ضرورة مراجعة نفسها.

خلاصة

      على هذا الأساس نفهم جزءً من طبيعة الفكر السياسي المعاصر، فتجربة مارسيل غوشيه هي نموذج يمكن الأخذ به من أجل توضيح وتلمس البنيوية المنهجية والمفاهيمية والموضوعاتية، فما من إمكانية موجودة لتشييد رؤية فكرية مرتبطة بالفلسفة السياسية دون العودة إلى أفق التشكل العام للمجتمعات المعاصرة في الاقتصاد والسياسة والفن والعلم…، ولا مجال لاستكمال القول السياسي، إلا باستحضار أفق كونية الفلسفة، فبين التحليلية والجدلية التاريخية والوجودية والتأويلية والتفكيكية والبنيوية…، تنشأ مقولات الفلسفة السياسية المعاصرة وتكتمل ممكنات تدارك جزء من القلق الذي ينتاب الأزمنة الراهنة، بعد أن اكتملت القناعة الجماعية بضرورة تفكيك بواعث هذا القلق في بنيوية وتركيبيته الوجودية ، ولا عذر  تملكه الفلسفة السياسية المعاصرة، وهي تستقصي مآزق العالم، سوى الرهان على الممكنات المعرفية المتاحة، التي تحقق هذا المنطق التركيبي، باعتباره شرطا نظريا ومنهجيا لبناء القول السياسي في صيغته الفلسفية.     


[1] – زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، ترجمة حجاج أبو جبر، تقديم هبة رؤوف عزت وزيغمونت باومان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2016، ص 8.

[2] – تزفيتان تودوروف، أعداء الديمقراطية الحميمون، ترجمة غازي برو، دار الربيع للنشر، الطبعة الأولى، فبراير 2015، ص 181.

[3] – عبد الله العروي، مفهوم العقل، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة، 2001، ص 11.

[4] –  مارسيل غوشيه، نشأة الديمقراطية، الجزء الأول: الثورة الحديثة، ترجمة جهيدة لاوند، دراسات عراقية، بغداد- بيروت- أربيل، الطبعة الأولى 2009، ص 8.

– مارسيل غوشيه، الدين في الديمقراطية: مسار العلمنة،ترجمة شفيق محسن،مراجعة بسام البركة،المنظمة العربية للترجمة،بيروت، الطبعة الأولى ،نوفمبر2007،ص 23.[5]

[6]– Marcel Gauchet, La condition Historique, Entretiens avec François Azouvi et Syrvain Piron,Edition Stock, Paris,2003, chapitre I, p .10

[7]– Marcel Gauchet, La condition Historique, ibid. p. 26.

[8] –  Ibid. p 26.

[10] – مارسيل غوشيه، نشأة الديمقراطية، الجزء الأول، ص 12.

[11] – Ibid. p 17.

[12] – Marcel Gauchet, La condition Historique, ibid. p 13.

[13] -Ibid. p13.

*  لقد كان اهتمام مارسيل غوشيه بعلم النفس كبيرا، ففي سنة 1966 حضر  رسالة الماجستر حول علم النفس بين فرويد ولاكان، وهو العمل الذي أشرف عليه أستاذه في جامعة كان “كلود لوفور” Claude Lefort.

[14] – يبدو أن المرونة المنهجية، وهامش “التأويل الحر”، الذي يميز الفلسفة، أو بالأحرى “تتميز به الفلسفة”، ربما يجعلها وحدها ودون سواها من التخصصات، مبنية بشكل دائم على نفسها، وعلى أساس هذا الإعتبار، الذي لا يبدو بأنه في حاجة لتبريرات تأكيدية، يمكن الحسم في ضرورة إستناد الفلسفة على الفلسفات السابقة وبالضرورة، فالفلسفة لا تكون إلا في حضرة فلسفات أخرى، أو بالأحرى لا تستمر الفلسفات في منح معاني جديدة لنفسها، إلا في حضرة فلسفة جديدة تحتضنها، وإن تكن هذه الأحضان باردة على شكل أطروحات نقدية، ربما تكون غايتها إفراغ بعض الفلسفات من دعاماتها الأساسية، وفلسفة غوشيه هي في الواقع مران نظري، وتجربة دالة على هذا التوافق النظري بين الفلسفة الواحدة وباقي الفلسفات الأخرى السابقة.

*  أستاذ العلوم السياسية ومدير قسم دراسات جنوب آسيا، بكلية نيتز للدراسات الدولية، جامعة جونز هويكنز، واشنطن.

[15] – سونيل خيلناني: الماركسية الفرنسية – من الوجودية إلى البنيوية – ضمن الفكر السياسي في القرن العشرين، المجلد الأول، ترجمة مى مقلد، مراجعة طلعت الشايب، المركز القومي للترجمة، العدد 1338، الطبعة الأولى 2009، ص 403.

[16] – المرجع نفسه، ص 403.

[17] – نفسه، ص 404.

[18] – نفسه، ص 406.

[19] – نفسه، ص 412.

[20] – نفسه، ص 416.

[21] – Marcel Gauchet, La condition Historique, ibid. p.26.

[22] – ibid, p 19.

[23] – Ibid, p 21.

[24] – أنظر كتاب نورينا هيرتس، السيطرة الصامتة، الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية، ترجمة صدقي حطاب، ضمن سلسلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 336، فبراير 2007.

[25] – Ibid, p 25.

[26] – Ibid. p 32.

*  فيلسوف فرنسي معاصر، توفي 3 أكتوبر 2010، عرف باهتمامه بالفلسفة السياسية، وقد شغل في حياته مناصب مهمة، حيث تقلد منصب مدير معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية، وكان أيضا عضوا بارزا في مركز الأبحاث السياسية "رايمون آرون"، وقد اشتغل على عدد من الفلاسفة: (مكيافيللي، دو طوكفيل، ماركس، لاكان، حنا آرندنت، ميرلبونتي....).

[27] – ibid., p 27.                                                                                                                 

*  يمكن العودة هنا إلى عمله الأساسي حول الديمقراطية  ” الإبداع الديمقراطي- L’invention démocratique”، وهو الكتاب الذي جمع فيه  عدد كبير من مقالاته،  التي كان قد نشرها في مجلات مختلفة، منها مقاله حول حقوق الإنسان: ” حقوق الإنسان والسياسة – Droits de l’homme et la politique”. 

[28] – ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة محمد علي مقلد، مراجعة جورج أبي صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت ، ص. 10.

[29] – نفس المرجع، ص 11.

[30] – فيليب راينو، ماكس فيبر ومفارقات العقل الحديث، ترجمة وتقديم محمد جديدي،  منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، ط الأولى 1430هـ-2009، ص 122.

[31] – مارسيل غوشيه، نشأة الديمقراطية، الجزء الثاني: أزمة الديمقراطية، ترجمة جهيدة لاوند، دراسات عراقية، بغداد- بيروت- أربيل، الطبعة الأولى 20011، ص 18.

[32] – إستخدام تعبير “الإندلاع”، يأتي في سياق تأكيد “الروح الثورية للعالم الرقمي”، باعتباره سليل مسار النزعة العلموية، التي ربما تمهد فعليا لنوع جديدة من الإنعطافة التاريخية، وتدفع بالتداول نحو أفق جديد لن يكون فيه بالإمكان التفكير من نفس زوايا النظر التقليدية في الوجود والإنسان، وإستنادا إلى بعض التأويلات، يمكن أن تندلع بالفعل إشارات لقلق جديد محتمل، يكفي أن نسجل بعض التأويلات التي تنظر لهذا الأفق بنوع من التوجس، الذي يعتبر “أنه لم يعد الناس يعيشون ضمن هذه الثورة باعتبارهم كينونة مستقلة تتغذى من القيم وتنتشي بكل مظاهر العزة والكرامة والإستقلالية في القرار والعواطف، لقد طمرت اللحظة ذلك “الثقب”الزمني الذي نطل من خلاله على المستقبل، وغطت عليه رغبات تتناسل باستمرار دون أن تقود إلى إشباع حقيقي”، أنظر مارك دوغان و كريستوف لابي، الإنسان العاري: الديكتاتورية الخفية للرقمية، ترجمة سعيد بنكراد، منشورات المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، بيروت، الطبعة الأولى 2020، ص 11. ولعله الأفق الذي بشر به نيتشه عطفا على قراءة غوشيه.

[33] – شتراوس ليو: ”  فريدريك نيتشه “، ضمن تاريخ الفلسفة السياسية، ترجمة محمود سيد أحمد، مراجعة إمام عبد الفتاح إمام،الجزء الثاني، المشروع القومي للترجمة، القاهرة،الطبعة الأولى 2005، ، ص 504.

[34] – إعتبار تصور نيتشه من منظور غوشيه “رؤيا” وليس “رؤية”، مؤسس في الغالب على إقترابه من “رؤى” الشخص المتنبئ بما سيحدث مستقبلا، دون أن يمتلك السندات الموضوعية، التي يتم إعتمادها في تأكيد إمكانية حدوث أشياء ما، من منظور علمي، يشار إليه في الغالب بوسم “التنبؤ العلمي”، وهو ما لم يكن متوفرا في هذه القراءات النيتشوية، التي إنطلقت من حدوسات ربما لم تكن محدداتها وإشراطاتها واضحة في زمن الإتيان بها على القدر التي هي عليه الآن؛ فكانت بمقتضى هذا التأويل أقرب لأن تكون “رؤيا” على أن تكون “رؤية”.

[35] – مارسيل غوشيه، نشأة الديمقراطية، الجزء الثاني: أزمة الديمقراطية، مرجع سبق ذكره، ص 18. بتصرف.

[36] – أنظر المرجع نفسه، ص 38.

[37] – نفسه، ص 39.

شاهد أيضاً

عودة باتمان بطل الظلام (الكوفيد 19)

عبد الجليل ولد حموية  عبد الجليل ولد حموية  شهدت السنة الماضية، 2019، العديد من الكوارث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *