الرئيسية / منشورات / جرائد / موليم لعروسي: يجب على المغرب أن يعترف بفشل نموذجه في التنشئة الاجتماعية

موليم لعروسي: يجب على المغرب أن يعترف بفشل نموذجه في التنشئة الاجتماعية

حاوره: صلاح بوسريف

سياق اللحظة الراهنة، هو سياق الإنصات إلى العلم والعلماء، وتدبير الجائحة في إطار ما يُعْرَف بالأمن الصحي. لكن، دور المثقفين والمفكرين والفنانين، والمشتغلين في مجالات الرأسمال الرمزي، كانوا، دائماً، هم من ينظرون إلى الجوائح والأوبئة، بغير عين الطبيب والعالم، هذان اللذان يقومان، في أغلب الأحيان، بدور الإطفائي الذي يكتفي بإبعاد الحريق عن الغابة، لكن المثقف والمبدع والفنان، يحفر في عمق الغابة، ليقرأ في النار، بل وفي الرماد ما ليس من شأن الطبيب، ويسعى إلى توسيع أفق النظر، في قراءته لما يجري، من زوايا متعددة ومختلفة، وهذا ما قد يُضيء ما لا نراه، خصوصاً أن الجائحة ما تزال تحاصرنا وتضغط علينا. موليم لعروسي، الذي يشتغل في حقل الجماليات، لن يكون خارج ما يجري، لأنه، مثلنا جميعاً، مُحاصر في بيته، بدون رغبة منه، لكنه، مثل المثقفين والفنانين الآخرين، يُتابع ما يجري، ويهتم باللحظة، باعتبارها خميرة لما قد يكتبه ويفكر فيه، أو يقوله، لأن للجائحة ما بعدها، في ما سنراه من أعمال وكتابات ونقاشات، بعد أم نكون خرجنا جميعاً من جحورنا، ووشرعنا في استئناف وجودنا، بكل ما سيغلب علينا من ريبة واحتياط وحذر. لا يكتفي المثقف بالجائحة، وبآثارها على الإنسان، بل يذهب إلى الصحة والتعليم، والسلطة والسياسة والدين والأحزاب والمجتمع، والدولة، وهذا هو دور المثقف، فهو العين التي، حتَّى وهي نائمة، تفكر وتُحلل وتقرأ وتفكك وتنظر، وهذا ما يبدو فيها مقلقاً ومزعجاً، منذ أن تبنَّى المثقف النقد كمِشْرط لتشريح المجتمع، بكل ما يجري فيه من مفارقات وتناقضات.

حاوره: صلاح بوسريف

ـ هل ترى ما نحن فيه حجر أو حظر، كان شيئاً ممكناً، ليس على المثقف والمفكر والفنان والمبدع، بل على عموم الناس، هرباً من العدوى ومن الموت. أولا، كيف تفسر ما يجري في ظل جائحة شرسة، حتَّى العِـلْـم ما زال عاجزاً أمامها، وثانياً، هل تستشعر رُهاب الموت، عند الناس، كيف تراه من المنظور الفلسفي، الذي يبرر كل شيء بالعقل، أو هكذا يسعى لتفسيره وتبريره؟

الحجر هو الوسيلة الوحيدة التي ابتدعها الإنسان أو اقتبسها من الحيوان للدفاع عن نفسه والحفاظ على حياته. أنت تنظر إلى الحيوانات أي الكائنات الحية التي ليست الإنسان فكلما استشعرت الخطر إلا وهرعتْ إلى جحورها واعتصمت بها وانتظرت مرور العاصفة. لكل حيوان مكان يحتمي به كلما استشعر الخطر. فالحيوان يحتمي بأنواع شتى من المنشآت التي يسهر على تشييدها بنفسه أو يبحث عنها فيُحَـوِّلُـها إلى أماكن آمنة يأوي إليها كلما أحس أن الخطر داهم. طبعا لم تكن الأخطار أوبئة فقط، بل هناك العواصف والأمطار الغزيرة والفيضانات والطوفان…نحن نتحدث اليوم عن العمران من ناحية جماليته وعظمته لكننا ننسى أن دوره بالأساس كان ولا زال هو الحماية من الأخطار، ولعل الأبيات الجميلة لميخائيل نعيمة التي تَغَـنَّيْنَا بها ونحن في التعليم الابتدائي تدل على ذلك: سقف بيتي حديد، ركن بيتي حجر / فاعصفي يا رياح، واهطلي بالمطر. التأكيد على المواد الصلبة التي يتأسس عليها بناء البيت توحي بأن هناك أمان وعدم خوف من قسوة العواصف. قرب الناس من العدوى، وإحساسهم بالخوف، له مبررات كثيرة. وإذا كان لي أن أقدم واحدا منها فإنني أشرح ذلك بالعودة إلى عقلية القطيع. فرغم ما وصل إليه الإنسان من تملك لذاته ورغم ما حققه من حرية ومن استقلال كفرد فإن عقلية القطيع تعود كلما اهتزت أركان معتقداته. فبسرعة كبيرة سامح الناس في كل مطالباتهم بالحرية واستجابوا للأوامر التي قدمت لهم على أساس انها حماية لهم. انخرطوا بسهولة في الوضعية القديمة أي وضعية العبد المأمور. لا أظن أن المنظور الفلسفي الذي يتمسك بالعقل لوحده، قادر أن يمنح أجوبة أو حلولا لمعضلات مثل هاته. فالمقاربة الفلسفية العقلانية تعد فكرا مبتورا لأنها لا تقيم وزنا لكل التعابير الفكرية الأخرى كالشعر والموسيقى والتشكيل وجميع الأشكال التعبيرية الأخرى. يجب أن نعلم أن الفلسفة ولدت من رحم الميثولوجيا أي من رحم الكتابة والخيال ومنذ أن اعتمدت اللوكوس وحده بقيت تكبت فيها لاشعوريا هذا الجانب التخييلي. اليوم تحتاج الفلسفة إلى مقاربات تعتمد الجانب الروحي والعاطفي والجمالي وإلا سوف تكون مبتورة؛ العقل وحده عاجز عن أن يعطي الأجوبة على كل الأسئلة، هناك فضاءات في النفس الإنسانية لا يصلها العقل ومن الممكن محاولة التواصل معها بطرائق تفكير أخرى. الخوف مُـتأسِّـس في بني البشر، متأسس ومسجل كانه محفور على الذات البيولوجية. يقول علماء النفس التحليلي أن الغريزة الوحيدة التي تُـَسَـيِّرُ الإنسان ـ الحيوان هي غريزة الموت وليست غريزة البقاء كما يعتقد البعض، لكن الإنسان يرغب ويطمع على الأقل في التحكم في موته وهو يخاف أن يباغته الموت دون علم منه، إنه يريد ان يموت ميتة مثالية لذا فهو يؤجل دائما موته بالطموح لاشعوريا إلى الخلود. الرُّهاب يتأسس إذن عندما يستشعر الإنسان الموت ولا يكون بقادر على التحكم فيه. ولعلك انتبهت إلى أن عددا لا يستهان به من الذين يملكون إمكانية الكتابة راحوا يدونون شذرات من حياتهم أو الحديث بإسهاب عن الماضي، هذه طريقتهم في التحكم في الموت من خلال الإحساس بوجود ما، أو من خلال القول، حتى وإن كان ذلك في الوهم فقط، ”ترى كم من منجزات حققت، لذا فأنا أستحق موتي.” وكأنهم أحسوا فجأة بدنو الأجل فساروا يسرعون في تدوين ما فاتهم.

حين نخرج لقضاء بعض مآربنا، نجد أنفسنا في مدن شبه فارغة، وأنت تشتغل في الجماليات، ما الذي يبدو لك، بهذا المعنى، منظوراً جمالياً، رغم ما يحيط بالجميل، إذا كان، من خوف ورعب ورُهاب؟

للأسف ليس بإمكاني التجوال في هذه الفضاءات الفارغة اليوم. فضاء كمدينة الدار البيضاء وكذلك مدن أخرى لا نكتشف جمال عمارتها إلا عندما يكون هناك هدوء حول هذه البنايات. كان يحدث أن أخرج بمدينة الدار البيضاء خصوصا أيام العطل والآحاد لأستمتع بجلال المعمار. صحيح أن البناء شيد أصلا ليكون مأهولا وأن جماله يجب أن يرتبط بحضور البشر فيه. لم يتصور الناس العمارة بدون سكان، بدون حياة. فالبناء غير مفصول كقيمة جمالية عن مستعمليه، لكن الحياة المعاصرة استعملت البناءات القديمة بشكل يتجاوز بكثير طاقتها الاستيعابية. انظر إلى مدينة فاس العتيقة او تطوان أو مراكش وحتى طنجة والرباط والدار البيضاء فمدنها العتيقة تحولت إلى ما يشبه السكن غير اللائق أو ما يصطلح عليه في المغرب بالبناء العشوائي. هذه أمور حدثت في التاريخ، ففي فرنسا مثلا اضطر هوسمان (Hausman Georges Eugène ) وهو محافظ أو والي كما نقول في المغرب الكبير عندنا، اضطر في نهاية القرن التاسع عشر إلى هدم الجزء الباريسي الموروث عن القرون الوسطى وذلك لعدم تلاؤمه مع الحياة العصرية وخصوصا الجانب الأمني منها. وربما لاحظت حرب العصابات التي يخوضها رجال الأمن اليوم عندنا في أحياء المدن العتيقة وأحياء البناء العشوائي لفرض الحضر. إذن عندما تكون المدينة فارغة هناك إمكانية تأملها، لكن فراغها ليس فنيا، أي أن الفراغ في المعمار، والذي هو جزء من الجمالية، ليس هو الفراغ من سكان هذا المعمار. الفراغ من السكان يوحي بالخوف والرهبة وأنا أتفق معك. الفراغ في العمارة، وسوف تكتشف ذلك عندما يكون بإمكانك السير دون أن تخاف على حياتك من سيارة تصدمك أو حفرة تبتلعك، تسير وأنت تحس بالأمان، عندها سوف تتمكن من رؤية كل عناصر المدينة تظهر لك السماء ومعها المئذنة، وتنظر في نفس الآن إلى الناس وهم مستغرقون في أشغالهم، تحس بالأمان وتطمئن للمكان، ترى الطبيعة والأشجار وتسمع خرير المياه في الحدائق العمومية، وزقزقة العصافير. إذا أحسست ببعض من هذا فمعناه أن المعماري الذي بنى العمارة، والذي خطط للمدينة لم يملأ الفراغات بالإسمنت المسلح، ولم يستغل كل حيز لبناء جدار أو إضافة باب أو سياج، بل ترك لكل عنصر فرصة البروز. عندما يكون الأمر على هذه الحال تصبح العمارة زيادة على كونها تحوي وتضم وتحمي، تملك، أيضا، قدرة الانسحاب ليظهر الوجود من حولها. والوجود هو كما صورته لك هو الذي تلجه وأنت تمشي في أزقة المدينة. إذا غاب هذا الجانب حضر الرعب والخوف والرهاب، وخصوصا الاكتئاب الذي هو خاصية تميز مجتمعاتنا المعاصرة وبشكل كبير داخل الأحياء المسماة اقتصادية والتي يغتني فيها المضاربون العقاريون على حساب الصحة النفسية والقدرة المادية للفقراء وأبناءهم.

الدولة، نزلت إلى الشوارع والأزقة والأحياء الشعبية، لردع الناس عن الخروج، وكانت مضطرة إلى استعمال وضع الطوارئ، هل الدولة، بهذا، عبرت عن فشلها في الحوار والإقناع، أم أنها كانت مدركة، منذ البداية، أن من ربَّتْهم على التمرد التسيُّب، سيواجهونها بالعصيان، لذلك، كان الحل، هو العقاب؟

أظهر هذا الفيروس اللامرئي (يراه العلماء في المختبرات فقط) عددا من المقاربات لم نكن نظن أنها ستظهر من خلال هذه الزاوية. المقاربة الأمنية أو مقاربة الإكراه، شاهدتها أول مرة بخصوص كورونا في إيطاليا شهراً بعد أن تحدثت عنها الصحف في الصين. كنت بإيطاليا عندما اكتشفت ما اعتبرته السلطات الصحية هناك أول حالة، بل كنت في مدينة لا تبعد سوى بثلاثين كيلومتر عن المدينة التي ظهر فيها المرض. أول شيء قامت به السلطات الإيطالية هو إغلاق كل منافذ المدينة. طوقت المدينة بالكامل واستعمل رئيس الحكومة الإيطالية نفس المفهوم الذي استعمله الصينيون: الحياة مقابل الحرية. لزم الإيطاليون بيوتهم وكانت العملية ناجحة إلى اليوم الذي انتقل فيه الوباء إلى مدن كميلانو أو نابولي عندها أصبح تدبير الحضر يطرح مشاكل عديدة خصوصا مع شباب الأحياء الهامشية. لم أذكر فرنسا لأن التعامل مع الحضر خضع لحسابات سياسوية ضيقة وهذا ما حدث ويحدث إلى اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية أيضا. في المغرب صحيح أن الأمر لم يخضع إلا لمنطق الخروج بأقل الأضرار أي أن السلطات فهمت منذ البداية أن الوباء من الممكن السيطرة عليه وقتله في بداياته، لأنه لو حدث أن انتشر وخرج على السيطرة فإن المغرب لا يتوفر على إمكانيات للوقوف ضده. ولكن، وكما قلتَ، وأنت محق في ذلك، فإن تلك الجحافل التي كانت تطالب بالغش في الامتحانات والتي كانت تتجول بالسيوف والسكاكين والتي كان يعتبر البعض أنها سند للاستبداد ولذا وجبت رعايتها بطرق ملتوية، هي التي أصبحت عدوة لرجال الأمن الذين كانوا يسهرون باحترافية على الأمن الإنساني بالبلد، بل أصبحت خطرا عليهم. وهنا أعتقد أنه بما أن المغرب اعترف بضعف بنيته الصحية يجب أن يعترف أيضا بفشل نموذجه في التنشئة الاجتماعية والتي لا تتحمل المدرسة وحدها المسئولية، هناك الإعلام، والأسرة، والرياضة والمؤسسات الدينية (لأن الشباب المتدين هو الذي طرح المشكل قبل المشرملين)…

المثقف والمفكر والفنان، اليوم، أصبح خارج الحزب، خارج أي شكل من أشكال الانتماء والتنظيم الثقافيين، هل ترى أنه استطاع أن يكون له موقف ما، أولا، من الدولة، وثانياً، من الحزب، وثالثاً، هل المثقف جسم واحد، أم هو أصوات بعضها يجري خارج بعض، خصوصاً أن الأزمة الراهنة تقتضي أن يكون للمثقف دور في التنوير، وإثارة الانتباه إلى العِلم والطب كضرورة بدل الخرافات والاستعمالات المؤدلجة للدين، خصوصاً أن الدولة استفردت وحدها بالشارع وبحل ما يجري من مشكلات على الأرض؟

أظن أنه من حسن حظنا أن لا يكون المثقف جسما واحدا من ناحية الرأي والفكر، ولكن أن يكون جسما واحدا من ناحية الواجب. المثقف ضمير الأمة حتى وإن كنتُ لا أحب هذه العبارة ولكن ليس لدي غيرها لإيصال ما أريد قوله. عندما تتجاوز الدولة أو يتجاوز الحزب، أي السلطة بصفة عامة ، عندما تتجاوز الحدود، يجب على المثقف أن يتدخَّل للدفاع عن الحق (ce qui est juste) وعن الكرامة الإنسانية بما هي كذلك. أما فيما يتعلق بدور المثقف في التنوير، وخصوصا إذا كُـنْتَ تعني ظروف الجائحة عندنا، فلا تهتم لبهلوانيات أهل الدين والسياسة. إنهم يتحركون هكذا لأنهم لم يجدوا لهم دورا في تدبير الأمور في هذا الظرف. فالخطابان الديني والسياسي وجدا نفسيهما عاجزين أمام الجائحة، أي خارج السباق، لذا فإنها يتناطحان حول موضوعات لا ينتبه إليها أحد. رأيت أنه في اليوم الأول عند إعلان بداية الحجر أصبحت الدولة علمانية بالكامل. طلب من الفقهاء والخطباء أن ينسحبوا ويلزموا بيوتهم كسائر البشر المواطنين، بل رأينا أن سيدة من درجة قائد طلبت بالواضح من رجل مسن كان قد وضع مكبر صوت على شرفة منزله يستمع من خلاله للقرآن، طلبت منه بحزم أن يسحب الآلة وأن يستمع للقرآن مع أسرته وأن لا يزعج الناس في الفضاء العام. من جهة أخرى حاولت وزارة الأوقاف أن تبقي للخطاب الديني دوره في الموضوع، وذلك ببرمجة خطبة جمعة، في الأسبوع الأول من الحجر، حول الوباء، لكن الأمر كان صارما، وجوب إغلاق المساجد وجميع أماكن العبادة. سمح لهم برفع الأذان….(؟)، ما فائدة ذلك؟ لا أدري. من قرر في كل هذا؟ قيل لنا إنها وزرارة الصحة، ونحن نعرف أن العالم في هذه الجائحة يسير وفق ما يفتي به علماء الطب. أصبحت الكلمة العليا للمختبر. ولكن المختبر لم يتعد حدوده، كان يبرمج وتسهر السلطات التنفيذية على تطبيق البرنامج. بين عشية وضحاها تم فصل الفضاءات، انسحب الخطاب الديني ولزم الفضاء الخاص… هذا أمر أساسي. أما بالنسبة للسياسي (خصوصا من المنخرطين في تسيير الشأن العام)، فإن البساط سحب من تحت أرجلهم في أول يوم. أظن أن من يُـسَـيِّر الأمور بشكل مباشر هو رئيس البلاد مع فريق محدود، وأن كل المتكلمين يرددون ما طلب منهم أن يقولوا، لذا تراهم يتناقضون. ما الذي تبقى لهم لكي يضمنوا حضورهم؟ أن يناوش بعضهم البعض. وهنا برز دور المثقف، لأن المستقبل غامض، ولأن الوجود في خطر، ولأن أجوبة الخطاب الديني ومعه الخطاب السياسي أصبحت مستهلكة واستنفذت صلاحيتها فكان لابد من الالتجاء لصوت المثقف الذي خفت ولم يعد له وجود بسبب تظافر عدد كبير من المتحالفين ضده حتى ولو كان ذلك عن غير وعي. فقد انتبهت الدولة متأخرة إلى أنواع الخطابات الجاهلة التي أينعت على وسائل التواصل الاجتماعي ووجدت نفسها فجأة في مواجهة مع الجهل الذي كانت إلى وقت قريب قبل الجائحة تعتبر أن فيه متنفساً للعامة، حتى ولو كان يستهزئ بالعلم والثقافة والفكر. اضطرت إلى إيقاف ومحاكمة عدد لا يستهان به من شخصيات اليوتوب الذين أساءوا كثيرا إلى عملها الميداني.

كيف يمكن أن تتصور العلاقات بين الناس بعد الحجر، وهل، فعلاً، سنرى تغيرات في السلوكيات والمعاملات، وحتَّى في الذهنيات، أم أن دار لقمان ستبقى على حالها؟

يجب أن ننتبه إلى شيء أساسي، وهو إذا كانت الدولة قد سارعت إلى تطويق الجائحة وإلى القضاء على الفيروس قبل أن يتسرب إلى أكبر عدد من الناس، فإنها لم تفعل ذلك فقط للحفاظ على حياة الناس بل قامت بذلك للحفاظ على حياتها أيضا. متى تكون الجائحة سببا في تغييرات عميقة؟ عندما تمس عمق المجتمع، عندما يموت الناس بأعداد كبيرة ويحس كل فرد في المجتمع أنه أصيب في جلده، في جسده وفي أعماق أعماقه. تعرف الدولة المغربية أن المجتمع إن هو أصيب في عمقه فهذا ليس في صالحها لذا بادرت إلى تطويق المرض. وهنا كان الحجر ووضع مسافة بين المواطن والمرض. النتيجة إذن، أن ما يحدث اليوم أننا نعيش الجائحة كفيلم رعب، نعيشه وراء الشاشة، قليل منا من أصابه في جسده أو في أقربائه، لذا لن يكون هناك تغيير كبير على هذا المستوى. سوف يعود الناس بعد الحجر إلى تدارك ما فاتهم من الحرية وسوف يُـقبلون على فصل الصيف بِـنَهم. لكن الذي سيتغير بالتأكيد، هو الحالة الاقتصادية وتأثيراتها على الحياة الاجتماعية. هناك قطاعات تهاوت بالكامل وسوف نستفيق على جحافل من العاطلين ومن المعطوبين نفسيا. لهذا يجب التفكير في تدبير كل هذا. لكن وبما أن الناس عاشوا الرعب على المستوى الفردي، أو فقط داخل خلية العائلة، فإنهم تحولوا بفعل هذا، إلى كائنات تصارع من أجل الحياة، لذا فإنني أعتقد أنهم سوف يحافظون ولمدة طويلة على بعض العادات التي تعلموها إبان الحجر: أعتقد أننا سوف نحافظ على الريبة والحذر من الآخر، وسوف نبتعد جسديا عن بعضنا البعض، وسوف تختفي القبلات الزائدة، والمصافحة… لمدة غير قصيرة؛ وهذه كلها علامات حضارة في زمن معين، سوف نرى إلى أي حد سوف يتغيَّر المغاربة بسبب مدة الحجر. أما على المستوى العام، سوف يبدأ السؤال حول النماذج السياسية والاقتصادية والفكرية…وسوف يبرز حسب اعتقادي النموذج الصيني الذي بدأ يُـرَوِّجُ لما يسميه بالنزعة الإنسانية الكونية. سوف يتطلب ذلك وقتا طويلا، على الرغم من أن الصراع بين الشرق الأقصى والغرب الأدنى (الصين وروسيا من جهة وأمريكا من جهة أخرى) قد انطلق، وتجب مراقبته عن كثب. أتمنى أن لا يخلف المغرب الموعد مرة أخرى بعدما أخلف موعد الانخراط في عصر النهضة وموعد الانخراط في الحداثة بعد الثورة الفرنسية.

بماذا تفسر انتشار الوباء بصورة مهولة في دول كبرى متقدمة، لها بنيات استيعاب صحية، وبنيات تحتية واقتصادات قوية، هل الأمر مرتبط بفشلها في تدبير الأزمة، أم بهشاشة ما كانت تخفيه صورتنا أو متخيلنا، نحن، عن الغرب وأمريكا؟

يجب أن ننتبه إلى أعداد الوفيات في هذه البلدان لا تفوق بكثير أعداد الوفيات العادية في فصل البرد بسبب بالأنفلونزا. يمكن أن نعدد أسبابا عديدة وليس سبباً واحداً. أولا قدرة هذه البلدان على تشخيص أكبر عدد من الحالات، ثانيا سن سكان هذه المجتمعات المتقدم. ففي فرنسا مثلا يكاد عدد المتوفين في دور العجزة يعادل عدد الوفيات في المراكز الطبية العادية. رابعا، ورب ضارة نافعة، يبدو أن الاستعمال المفرط للعقاقير الكيمائية يضعف المناعة بشكل كبير، وبما أننا في مجتمعنا قليلو التداوي بالعقاقير الكيميائية فإن مناعة الناس لازالت ربما أقرب إلى الطبيعة. خامسا كل البلدان النامية التي سجلت عددا قليلا من الإصابات لها ساكنة شابة تتميز بمناعة قوية، وهذا ساعد على ما يبدو في نقصان عدد الإصابات والوفيات… وعلى الرغم من كل هذا فقد أظهرت هذه الجائحة تخلف بعض البلدان على مستوى النظام الصحي، ولعل أكثرها تخلفا هي الولايات المتحدة وهذا ليس سرّاً، فنحن نعرف كل ما حاول باراك أوباما القيام به لكنه اصطدم بلوبيات عنيدة، زيادة على أن الرئيس الحالي عند وصوله إلى السلطة ألغى القوانين الصحية التي سنها سلفه الرئيس السابق. فالبنيات الصحية لهذا البلد إما أنها ضعيفة، أو يصعب ولوجها بالنسبة لعدد كبير من المواطنين، ليس غريبا أن يكون العدد الأكبر للوفيات في صفوف السود، أي الأكثر فقرا. هل ثمة أعمال فنية تمثلت الوباء، وحاولت أن تضعه في سياقها الفني الجمالي، مثلما فعل بيكاسو في عمله «غرنيكا»، أم أن ما ظهر لم يكن، عالمياً، في مستوى الأزمة وهولها، وكيف تتخيل أعمالاً قادمة في سياق الجائحة وما ستخلفه من دمار في الاقتصاد وفي الشغل، وفي الحياة العامة والخاصة؟ الأعمال المتداولة اليوم ليست في مستوى غرنيكا، وغرنيكا نفسها لم تكن في مستوى الثالث من ماي (tres de mayo) للأسباني فرانسيس غويا سنة 1808، ولكن أكثر من صور الدمار وطرحه على مستوى فكرة الموت هو (Brueghel) في عمله المعروف (El triunfo de la muerte) انتصار الموت. ما استطعتُ الاطلاع عليه ومتابعته هو أعمال تقريرية لم تستطع بعد الخروج من الصدمة. لابد من الحرية لكي يستطيع الإنسان الإبداع. ما قلته عن التغيير على المستوى السياسي والاجتماعي قد يصدق أيضا على الفكر والفلسفة والفن. باستثناء من يرسمون ويكتبون وينظمون عن كل شيء وبمناسبة أو دونها، فإن الأعمال الكبيرة تتطلب أن يكون المبدع قد مسه شيء من هذه الجائحة. أظن أننا سوف ننتظر طويلا لكي نشاهد أو نقرأ أعمالا في مستوى ما نتطلع إليه.

التعليم عن بُعد، وأنت تتابع عدداً من الدروس التي تلقى في الهواء الطلق، كيف يمكن أن تنظر إليها من حيث الجانب البيداغوجي، ومن حيث طريقة التواصل مع الطلبة وتقديم الدروس بطريقة جافة وباردة، ومن حيث المضامين التي تحملها، علماً أن الجامعة اليوم، في وضع حرج، أبان عن فشل كل مخططات الإصلاح، وخصوصاً في استعمال تقنيات التواصل الحديثة التي لا يُجيد أغلب الأساتذة استعمالها، لغياب دورات التكوين؟

لم يكن المغرب أو على الأدق المنظومة التعليمية المغربية مهيأة لهذه الوضعية. التعليم عن بعد يقتضي التوفر على إمكانيات تقنية دقيقة وعلى معلمين (أساتذة في جميع الأسلاك) يتوفرون على تكوين خاص. لكن ما رأيناه يبرز أننا لا زلنا بعيدين جدا عن هذه الممارسة. شاهدت بعض الدروس الموجهة لمتعلمين في جل المستويات من الإعدادي إلى التعليم الجامعي. رأيت أساتذة لم يغيروا شيئا من طرائق تدريسهم أي أنهم يستعملون السبورة ويلقنون الدروس لطلبة ليست لهم أدنى فرصة للمشاركة في بناء العملية التعلمية. تساءلت هل من الضروري أن يستغرق أستاذ، جامعي مثلا، ساعة أو ساعتين وهو يلقي درسا من ألفه إلى يائه وكأنه في محاضرة عمومية دون أن يأخذ بعين الاعتبار أن الذي ينظر للشاشة لا يمكن أن يتحمل نفس الصورة أكثر من دقيقتين دون أن يكون هناك حوار أو سؤال أو استفزاز ما، يوقظ المتلقي من اطمئنانه لرنة صوت المحاضر، ويدفعه بالتالي إلى التحليق بعيداً عن الخطاب المرسل. رأيت أساتذة كان يمكنهم الاستغناء عن تعب إلقاء الدروس وإرسال نصوص المحاضرات إلى الطلبة. لكن الأمر يبدو أنه على نفس الحال داخل المدرجات أيضا، فالمحاضرات ليست إلا خطبا منبرية (من المنبر) ترسل إرسالا إلى أدمغة الطلبة دون الاهتمام بالتفاعل الذي تقتضيه البيداغوجيا المعاصرة. هذا ما تسميه الوضع الحرج للجامعة و أوافقك الرأي.

الحجر، بالنسبة لك، قائم، كما أعرف منذ زمان، فالمثقف، من طينة الكائنات التي تعمل في البيت ليل نهار، قراءة وبحثاً وتأملا وكتابة، سي موليم، الحجر صار مُضاعفاً، كيف ترتب، في هذا الظرف الطارئ، يومك، وما الذي أنت منشغل به كمشاريع فكرية وجمالية، هل للجائحة تأثير عليها؟

ليس للجائحة أي تأثير على مشاريعي من ناحية المحتوى أو التصور، ولكن لها تأثير كبير على قدرة التركيز لديّ. أحب العزلة كثيرا، ولكن لا أحب أن تفرض علي. من خصائص هذا الحجر الصحي أنه يفرض علينا حتى خارج البيت عند الذهاب للتسوق أو حتى للنزهة. لقد استبطنا المنع وأصبحنا من دعاته وصُـنَّاعِـه. الخوف من أن يصيبنا الفيروس جعلنا نطور إمكانياتنا في قمع أنفسنا. أصبحنا كائنات بدون هوية تميزنا عن بقية الناس كلنا مُكَمَّمُون ومحتاطون ومرتابون…نعيش نوعا من البارونويا الجماعية. وهذه البارونويا والهذيان ووهم الاضطهاد، ترافقنا داخل بيوتنا، بل على أَسِـرَّة النوم. هذه الحالة تُشتِّت الفكر، وتقطع حبل التركيز، لذا أصبح العقل في عَطَلٍ…يلزمني كثير من الجهد لكي أكتب أو أقرأ أو أفكر… من هذه الناحية، هناك تأثير كبير للجائحة علي..

حواري مع موليم لعروسي، بعدد الثلاثاء 19 ماي 2020، من جريدة “المساء”:

رابط الجريدة: https://fliphtml5.com/bookcase/pycpw

تصفح أيضا:

حوار مع موليم العروسي حول التربية الفنية والجمالية في عصر التفاهة

‏يومين مضت شاشةمتابعاتمجلات 0

كوة بدعوة من الرابطة المغربية للشباب والطلبة، أطره الاستاذ الحسايني وحضره الى جانب موليم العروسي رشيد العلوي ويوسف الفتوحي يوم 15 ماي 2020 رابط بديل https://www.youtube.com/watch?v=uxUkk_OOYl4أكمل القراءة »

موليم العروسي: حكواتي في الفلسفة، وفيلسوف في الإبداع

7 أغسطس 2018 فلاسفةمقالات 0

رشيد العلوي يتمحور عمل الفرد المستقل من طِينة موليم العروسي حول ثلاثة مجالات كبرى: تتعلق الأولى ببرُوزِه كذاتٍ مُستقلة، والثانيَّة، كفاعِل اجتماعي وسيَّاسي بغضِّ النَّظر عن القيَّم والحُمولات الثقافيَّة، يتفاعل وينفعل مع مجموع التغيُّرات والأحداث الجاريَّة، والثالِثة كمُعبِرٍ يُجسَّدُ الفهم الذاتي للعالم وللأشياء. تغطي أعمال هذا المفكر مجالات شتى: الأدب …أكمل القراءة »

موليم العروسي: قوس الإسلاميين في المغرب في طريقه إلى الإغلاق

28 يونيو 2017 حواراتمفاهيم 0

موليم العروسي في حوار هادئ مع “الأيام” حاورته زينب مركز الجلوس والاستماع إلى الباحث موليم العروسي ليس نزهة مأمونة العواقب في حديقة جميلة. وليس وسادة كسولة للصحافي الذي يمتطي الحوار والمقابلة كظهر حمار مطواع وسهل. تضغط على زر آلة التسجيل وتسهو في عوالمك لتقرأ السؤال على المحاور وانتهى وجع الرأس…أبدا. …أكمل القراءة »

موليم العروسي: عدد مهم ممن يسمون بالمفكرين العرب لا يفكرون

21 أبريل 2017 متابعات 0

إنهم يبحثون عن الوصفات والتقنيات للغوص في التراث وتبرير العجز الإبداعي في الفكر، بل وتبرير الاستبداد في بلدانهم. حوار مع عبد الواحد مفتاح أنت من الكتاب الباحثين القلائل الذين يقولون بعدم الفرق بين الأدب والفلسفة، وتداخلهما، الأمر يبدو واضح ومنطقيا من وجهة نظر الأدب، لكن صرامة المتن الفلسفي قد لا …أكمل القراءة »

الفلسفة بالفعل في أثر موليم العروسي

10 أبريل 2017 مجلات 0

العلوي رشيد  نشر في مجلة أفكار العدد 13 فبراير 2017 “يحدث أن تنفعل أو تفعل أو تتفاعل وتضع كل هذا في لمسة فرشاة على فضاء هيء بمتعة بالغة تماما” الفضاء والجسد، ص 13. أي مدخل ممكن لفهم أثر وأعمال المفكر موليم العروسي؟ يتمحور عمل الفرد المستقل من طِينة موليم العروسي …

شاهد أيضاً

ميشال أونفراي ومشكلة البديل

“ظهور المراجعة الجديدة للفيلسوف ميشيل أونفراي” مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *