الرئيسية / منشورات / جرائد / كمال عبداللطيف: لم نصبح بعد سادة على الطبيعة

كمال عبداللطيف: لم نصبح بعد سادة على الطبيعة

كمال عبد اللطيف

حاوره صلاح بوسريف

زمن الحروب والأوبئة زمن المراجعات الكبرى

كما قارب مثقفون ومفكرون ونقاد مغاربة، راهن اللحظة التي نعيشها، بكل ما تحتمله من تزاعيات، وما ترتب، أو قد يترتب عنها من نتائج، على المستوى الوطني أو الكوني، يسعى كمال عبد اللطيف، في هذا الحوار، أن يقترب أكثر من سياقات العزل الصحي، وما يمكن أن يكون له من أدوار في الوقاية والحماية من انتشار الوباء وإزهاق الأرواح، وأيضاً ما يمكن أن ندخل فيه جميعاً من عادات لم تكن ممكنة من قبل، ونحن نعيش وضع أسْرٍ قَسْرِيّ أو إلزامي. وطبيعة المفكر والمثقف، هي طبيعة استشرافية، رغم ما يبديه من ونقد واحتجاج، تسعى لوضع الأمل في طريق الناس، ليس بنوع من الطوباوية، بل بقراءة الواقع، وما يفرزه من وقائع ومعطيات.

فكمال عبد اللطيف، ينتقد الخطابات الفجائعية القيامية، التي تناسلت في وسائل التواصل وبعض المواقع الإلكترونية، التي سعت إلى اقتناص الفاجعة، لاعتبارها غضباً من الله، وأنها هي بداية نهاية العلم والإنسام، دون أن يتنبهو إلى أن «الساعة من أمر ربي». فهم يغضون الطرف عن نص، لينتصروا لنص آخر يخدم رؤيتهم وفكرهم الذي يدين العلم والمعرفة، كما يدين الحداثة والتنوير، بل يدين الوجود كاملاً، حين يدين العقل وما يتسم به الإنسان من قدرة على حل مشكلاته التي تطرأ في الحياة.

ولعل أهم ما يذهب إليه الأستاذ كمال عبد اللطيف، هو وضع التشتُّت والتَّخبُّط الذي يعيشه العرب اليوم، مؤسساتهم معطوبة ومشلولة، لم تغادر شرفاتها لتنزل إلى الواقع، وما كان من أمل في التغيير تبخَّر، وتلاشت خيوط الذي التي بدتْ من شمسه التي تكاد تكون منطفئة، وهذه الجائحة، زادت من كثافة الغمامة التي حجبت عنا الرؤية أكثر، وبتنا في وضع الأعمى الذي تقوده عصاه.

حاوره: صلاح بوسريف

ــ كيف تلقيت سي كمال هذه الجائحة التي لم تقتصر، في رعبها على بلد دون بلد، أو قارة دون قارة، بل انتشرت، كما يُقال، مثل النار في الهشيم، وما خلفته من موت ودمار اقتصادي وحتَّى نفسي على الإنسان، فهل نحن أمام تصور آخر للحياة، أم أننا، مهما كانت الأسباب سنتكيَّف مع هذا الوضع المُفاجِيء؟

لم يكن الأمر متوقعاً والبشرية تَـنْعَـمُ منذ عقود بفتوحات ومآثر العلوم الطبية، إلا أن بروز فيروس كوﭭﻳﺩ 19 المتداول باسم كورونا، وتحوله خلال أشهر معدودة إلى جائحة، وضع العالم في مواجهة عدو قاتل، وضعه في الوقت نفسه، أمام ذاته وذلك رغم كل الجهود والاكتشافات الطبية، التي ساهمت في تيسير حياة الإنسان طيلة عقود القرن الماضي.

لنترك المتخصصين في علوم الطب يواجهون الدوائر الغامضة في مجالات تخصصهم، ولنتجه نحو الآثار الأخرى المرتبطة بالجائحة التي شملت عالمنا وبدون تمييز، ما عدا التمايزات القائمة بين المجتمعات في موضوع الموارد البشرية والبنيات التحتية، ذات الصلة بالقطاع الصحي بمختلف أصنافها. فنحن على بيِّنة بأن البنيات والموارد المذكورة تظل كيفما كان مستواها غير قادرة على مواجهة مختلف الآثار التي تُنتجها الأوبئة، وهي تملأ الأرض بالضحايا، وتنشر وسط المجتمعات مظاهر الخوف والترقب بكل ما يترتب عن ذلك من نتائج نفسية، وبكل الآثار التي تولدها في الاقتصاد وحركة الإنتاج..
أتصوَّر أن أخطر ما في الأوبئة ليس الموت الذي يصبح قريباً.. وليس التأثيرات المتصلة بحياة الناس داخل المجتمعات، وخاصة المكوث في بيوتهم في إطار ما يُـعرف بالحجر الصحي.. إن أخطر ما يصاحب الأوبئة والجائحات هو مناخها النفسي العام وما يرتبط به من أحاسيس كاشفة هشاشة البشر.. ومقابل ذلك، نتصور أن الخطوة الأولى المطلوبة لمواجهة كورونا تتمثل في بناء ما يساعد على ضرورة التعايش معها.. حيث ينبغي أن نواصل إقبالنا على الحياة، رغم كل المصائب والأحزان المترتبة عنها، ورغم كل أصناف الضيق والتبرم التي تولِّـدها. يُـبرز وباء كورونا جوانب عديدة من صوَّر عجزنا أمام معطيات طبيعية، لم يكن بإمكاننا أن نتوقع حصولها.. وحلم الإنسان المسلح بالعلم والتقنية والأمل، وهو حلم استغرق أكثر من أربعة قرون، لم يُتِح لنا رغم كل منجزاته الفائقة، أن نصبح فعلاً سادة على الطبيعة، حيث ما زالت هذه الأخيرة تصنع أمامنا بين الحين والآخر ما يبرز محدودية معارفنا، عالم ما نزال نجهل كثيراً من أوجهه وأحواله..

ــ نحن جميعاً في وضع الحظر أو الحجر الصحي، لأن الوقاية كما تَبَيَّن، والابتعاد عن الاختلاط،، هما الحل الراهن، كيف تنظر إلى الحجر الصحي، الذي هو نوع من العزل، وما مدى تأثيره على الحياة اليومية، وعلى مرافق الإنتاج المختلفة، هل تتصور أن طاقة احتمال هذا العزل ستبقى بنفس الحماس عند الجميع، أو القدرة على التكيُّف معه، خصوصاً أن هذا الحجر أمر غير مسبوق؟

تختلف أشكال مواجهة المجتمعات للأوبئة والكوارث حسب طبيعة الأوبئة ونوعية الكوارث، ويعد الحجر الصحي من بين الإجراءات الضرورية للحدّ من تفشي وباء كورونا داخل المجتمع. وقد دخلت عشرات المجتمعات خلال الأسابيع الماضية في تطبيقه، ومنعت الأفراد من الخروج من بيوتهم إلا للضرورات التي تقتضي ذلك، امتثل الجميع خوفاً من عدو غير مرئي، وخوفاً من العزل الصحي الذي يدخل المصابين بكوﭭﻳﺩ 19 إلى المستشفيات والمصحات، في انتظار الدواء الذي يتواصل البحث عنه في أكثر من مختبر في العالم. يتم هذا في الوقت الذي يرتفع فيه عدد الضحايا في مختلف أنحاء العالم، سواء في الدول المتقدمة أو الفقيرة.

من المؤكد أن الجوائح لا تخيف ولا تنشر الهلع فقط ، كما أنها لا تقتل المآت يومياً، إنها تصنع نمط وجود مناسب لطبيعتها، فتدعونا للبقاء في البيوت وأمرها لا يُـرَدّ، وما علينا إلا أن نكيِّف ما تبقَّى من عمرنا مع مقتضياتها في انتظار الفرج. لكن البقاء في البيت بالنسبة للذين ألفوا الخروج منه للعمل أو للتسلية ليس أمراً سهلاً، إلا أنه أمر يمكن التدرُّب عليه ثم الاستئناس به انطلاقاً من اعتباره مؤقتاً، حتى عندما يكون من المتوقع في ظِـلٍّ جائحة اليوم أن يستمر أشهراً.

الحجر الصحي ليس إجراءً حياتياً معتاداً، إنه يتم في زمن الأوبئة ليوقف نمط من العادات والأعمال، وترتبط مقتضياته والنتائج التي يمكن أن تترتب عنه بنمط الإنتاج داخل مجتمعاتنا، الأمر الذي يترك آثاره في كل مرافق الحياة، كما يترك آثاره في النفسيات والسلوكات.. وهو لا يؤدي فقط إلى حرمان الأفراد من العادات التي ألفوها، بل إنه يتيح لهم في الآن نفسه، وضعاً يُمَـكِّنهم من العودة إلى ذواتهم، ومعاينة أشكال من المعاناة والنظر في جوانب من حياتهم بعيون أخرى، حيث يمكن أن يستطيب الواحد منهم في قلب بيته مزايا عديدة وغير متوقعة.. كما أن الشوارع والمدن المهجورة تتخذ صوراً أخرى بدون حركة المارة والسيارات، ودون مقاهي ومطاعم وأصوات.. صحيح أن الحجر الصحي يرتبط بمسألة الوقاية والحد من تفشي الوباء، ولكنه يمكن أن يستوعب كخلوة للاستماع إلى الذات وكسر ما التصق بها من عادات وسلوكات..

ــ ربما ما انتشر من أخبار في وسائل الاتصال المختلفة، بثَّ نوعاً من الرعب والخوف في الناس، خصوصاً أن هذه المواقع باتت مُتاحة بصورة مُـفْرِطَـة، فمنها ما يحمل طابع السخرية والتسلية، كنوع من الهروب من صخب الوقائع والأحداث، ومنها ما يذهب بنا إلى البُعْد المأساوي القيامي، خصوصاً من شرعوا في الحديث عن نهاية وجودنا على الأرض، وما يجره هذا الخطاب خلفه من تداعيات، كيف تقرأ أنت هذه المشاهد، وكيف تنظر إليها من زاوية المتأمل الفاحص؟

لنترك فيروس كورونا في أجهزة المختبرات بين أيدي المختصين، ولنتوقَّـف عن الاستماع لأخبار وأرقام وصوَّر القنوات التلفزيونية المواظبة على ملاحقة ضحايا الفيروس في المستشفيات والمصحات، ولنقاوم رغبتنا في معرفة أحوال الناس في الحجر الصحي، وحكاياتهم المتشابهة داخل بيوتهم.. ولنتجه بدل كل ما ذكرنا، إلى معاينة الفيروس وآثاره في الفضاءات الرقمية، حيث صَـنَع حدث الوباء شبكةً من المعطيات المختلفة عن أغلب ما يجري في الواقع، وأصبح كل من يلج مواقع كورونا في الشبكة العنكبوتية، يجد نفسه أمام وقائع وحكايات وأفعال مسلية، أفعال ساخرة وأخرى ماكرة وثالثة ساحرة.

لا أريد التحدث عن المواقع التي تلخص الجائحة في الصراع الدائر بين الصين وأمريكا وإيران، ولا في المواقع التي لم يتردد أصحابها في الحديث عن دور الجائحة في إنهاء القوة الأوروبية والأمريكية، قوة الغرب وجبروته وعدم تمكُّـنه رغم غناه وجشعه، من توفير الشروط الضرورية للتطبيب والعلاج داخل مجتمعاته. فهذه السرديات تحضر وتختفي باستمرار في عالمنا، وخاصة زمن الكوارث الطبيعية والحروب والأوبئة.. إن أهم ما يشدني اليوم في مدونات الجائحة ورسومها ومروياتها المصوَّرة، هو ما تتداوله وتتقاسمه الوسائط الاجتماعية من حكايات عن بداية نهاية العالم. ولأنني لا أتصوَّر بداية النهاية بدون بداية جديدة، فقد شدَّني إلى موضوع النهاية – البداية البعد الدرامي المجسِّد لقسماتها، حيث سيتاح للبشر اليوم أو غداً، معاينة النهاية بكل مقتضياتها والمشاركة في طقوسها وأجوائها، وسيكون من حظ الأحياء والأموات، انتظار الموعد الذي يقترب لإنهاء عالم وإطلاق بداية عالم جديد..

ــ بناء على ما تذهب إليه، في ما يخص هذا الخطاب الفجائعي القيامي، وهو نوع من القراءة المبنية على فكر غيبي مفرط في غيبيته، لكنه، دائماً، يبني تصوراته ورؤاه على مشكلات اجتماعية، خصوصاً ما يعتبرونه انهياراً للقيم، وإغراق هذه المجتمعات في الحداثة والتحديث، وفي اعتبار العقل والعلم وحدهما يكفيان في فهم ومواجهة المشكلات الككونية الكبرى، كيف تلقيت بعض هذه المبررات ؟

ما راقني في المرويات هو ما سكتت عنه، حيث يمكنني أن أقوم بتتميم ما ورد فيها ناقصاً. واصلتُ متابعة مستجدات سردية الكورونا ونهاية العالم، فتبينت أن الذين يقدمون في الأيام الأخيرة تفاصيل أكثر عنها، يحرصون على إبراز طابعها العقابي، وذلك بتسليط الضوء على صوَّر ابتعاد المجتمعات المعاصرة عن روح القيم التي ترعى التضامن والعدل والأخوة داخل عالمنا، حيث ينتصر البشر اليوم لكثير من القيم التي أبعدتهم عن كل ما هو إنساني، وقد ذهب بعضهم إلى ربط ما جرى ويجري بمآزق التحديث والتنوير، متناسياً كل مآثر ومنجزات عالمنا.. إلا أن هذه المواقف مجتمعة كشفت جوانب مما تخفيه سردية النهاية، حيث تحولت بعض التدوينات إلى أحاديث في التبشير بيوم الميعاد.. وقد انتابني نفور وقلق من المدونات التي تلعن الحاضر بمختلف مزاياه.. وتهرب من الجائحة وسياقاتها وأسئلتها لتصنع العجائب.. وبحكم أن سحر سردية نهاية العالم يرتبط في ذهني ووجداني بغموضها، فقد تخليت عن العناية بالمواقف التكرارية التي ترتبط في هذه المرويات العقابية بالحشر وعذابات الآخرة، ووجهت عنايتي نحو الأحاديث التي تربط النهاية بالبداية، حيث يظل أمامي مرة أخرى متسع من الفراغ القابل للملء بما يبدو لي أقرب إلى النهاية – البداية، الأمر الذي يسمح لي بالقول بأن نهاية عالمنا تضعنا أمام تباشير جديدة تنقلنا بدورها إلى عالم جديد، عالم سيشهد البعض منا اللحظات الأولى لانبثاقه وهم يعاينون أجواء النهاية، فنصبح في الأخير أمام بداية نهاية عالم وبداية البدايات في عالم جديد..

ــ ألا ترى معي أن ما أشرتَ إليه، هو جزء من طبيعة الوضع العربي العام الذي نعيشه، في بعدية الثقافي والسياسي، فانهياراتنا الوحدوية والتضامنية منعدمة، ونحن، عربياً، نعيش في وضع كارثي، لذلك لم يَبْدُ، في هذا الوضع أننا نحن العرب فعلنا شيئاً يوحي بخروجنا مما نحن فيه من مصائب، ناهيك عن هذه الجائحة التي أفاضت الكأس؟

نواصل تأرجحنا بين اليقين واللاَّيقين، ونحن نتابع أحوالنا العربية وأحوال البشر عامة أمام الأوبئة والحروب ومختلف الكوارث، التي نساهم اليوم بطريقة أو أخرى في حصولها. فأمام المصائب التي تأتي من زوايا مختلفة نُـصَـابُ بالْـعَـمَى فلا نعود نُبصر شيئاً.. ثم ننخرط بعد ذلك، في محاولات نتوخى من ورائها معرفة ما يجري أمامنا بهدف مغالبة آثاره. نتردَّد كثيراً قبل الحديث بلغة اليقين ومنطق الحتميات وخاصة في التاريخ والسياسة، ونتردَّد أكثر لكي لا نلج أبواب اللاَّيَقين. وقد دفعنا فيروس كورونا إلى الخوف، فتعطَّلت مؤقتاً بعض صوَّر إيماننا العظيمة بفتوحات العلم والتقنية في حياتنا..

ازددت تأكداً من التأرجح القائم والمتواصل في حياتنا، وأنا أتابع تحوُّلات الراهن العربي، وأُعَـايِـن الدهاليز المظلمة التي يترنح العرب اليوم في قلبها، بين خيارات ونزوعات أبعدتهم كلية عن الشعارات والآمال التي تغنت بها أجيال القرن الماضي، ولم نتمكَّـن من الاقتراب منها، فأصبحت اليوم في صورة أفق بعيد المنال. ولا أريد أن أفسر ما حدث بما اعتدنا قوله في الأغلب الأعم، بسوء الحظ وتظافر العوامل الخارجية وحدها، ذلك أن مختلف المصائب التاريخية التي ألَمَّت بنا، في مختلف أوجه ومظاهر الحياة، تتعلق أولاً وقبل كل شيء بسوء تقديرنا وتدبيرنا لمصائرنا.. وإلا كيف نفسر النفور الذي أصبحنا ننظر من خلاله للجامعة العربية، ومختلف مؤسسات العمل الإقليمي العربي؟ كيف نفسر جمود المؤسسات التي أنشأنا لننظر في صوَّر خلافاتنا ومستقبلنا، ونرعى التضامن والتعاون فيما بيننا؟ لا يتعلق الأمر هنا فقط بمجلس التعاون الخليجي ولا باتحاد المغرب العربي، بل أنه يشملهما معاً، ويشمل كذلك المؤسسات الفرعية المرتبطة بهما. فلماذا ننشئ المؤسسات ونُنْفِق عليها، ثم نحولها إلى مجرد لافتة لا نستطيع الاستغناء عنها رغم نفورنا منها؟

ــ في ظل هذه الجائحة، وما قد يترتب عنها من تحوُّلات في عدد من الأمور، ستمس قطاعات كثيرة، هل معنى هذا أن كل أحلام الثورات والخطابات الثورية، وما جرى من خروج للساحات العامة، وذهاب أنظمة ومجيء أخرى، عربياً، كان في نظرك، قبض ريح، كما يُقال؟

يُـواجِـه العرب اليوم مثل بقية دول العالم وباء كورونا، في زمن تراكمت فيهم أمامهم تداعيات عقد كامل، من النتائج التي ترتَّبت عن ثورات شبابهم، التي اندلعت في أكثر من ساحة عربية، بهدف تجاوز حالات الانسداد السياسي، التي شملت أغلب بلدانهم مطالع هذا القرن.. وفي قلب عمليات المواجهة بإيجابياتها وبما صنعت من ثورات مضادة، وكذا بمختلف أشكال الصراع العربي العربي، والصراع الإقليمي والدولي الذي نشأ وتطور بمحاذاتها، وما نتج عن ذلك من صعوبات وعوائق جديدة في مسألة تجاوُز تَـبِـعات كل ما جرى ويجري. ووسط انقسامات وخلافات تروم مزيداً من تقسيم بلدان عربية بتواطئ مع المصالح المعلنة لبعض القِوَى الإقليمية والدولية.. وفي قلب الزلازل الحاصلة أو المنتظرة الحصول، برزت خلال الأشهر الأربعة الماضية جائحة كورونا، فأضافت إلى المحيط العربي إشكالات جديدة، عَرَّت المستور في السياسات العمومية العربية، فازدادت الأوضاع

سوءاً، وأصبح من المؤكد أن تضارُب مصالح القِـوَى العظمى وقد تعددت رؤوسها اليوم، والقِـوَى الإقليمية وقد أصبحت لها مواقع عسكرية جديدة في قلب الديار العربية.. ارتفع عدد ضحايا الوباء في أغلب البلدان مثلما ارتفع في أغلب بلدان المعمور وقاراته، فازدادت الأمور تعقيداً.

واجه العرب قبل الوباء القاتل أوبئة الاستبداد السياسي، التي مارست وتُمارس منذ عقود الفتك بحقوق مواطنيها، وواجهوا منذ ستينيات القرن الماضي إسرائيل ومن يقف معها وخلفها، لمحاصرة الطموح العربية في النهضة والتنمية.. فهل يستطيعون اليوم مغالبة الغشاوات التي تملأ أعينهم وتمنعهم من رؤية صوَّر العنف التي تملأ ديارهم؟

ــ هذا سؤال كنتُ أودُّ أن أطرحه عليك، في سياق ما قلتَه، لأننا في حوارات سابقة مع مفكرين ومثقفين مغاربة، اكتفينا بالبقاء في المغرب، ولم نوسع الموضوع في الاتجاه العربي، فما دمت أنت من طرحْتَه، وأنت كتبت مراراً عن الأفق النهضوي العربي، كيف تُجيب عن السؤال؟

ليس من قَـبِـيل المبالغة أن نقرّ بأن الحالة العربية تَـعْـبُرُ اليوم مفازات مرعبة، وأن الوباء الجديد يملأها اليوم بويلات لم تكن تنتظرها ولا تتوقع حصولها.. فقد تراكمت منذ سنوات أخطاء سياسية أدخلت بلداننا في دوامات لا تفضي إلى دروب الأمل، وواصلت أغلب أنظمتنا السياسية استئناسها بوتيرة التراجع، ودون أي مبادرة تسعف بما يساعد ويمكِّن من تقليص حجم الخسارات والأهوال التي تضاعفت، والنزيف الذي لم نتمكن من وقفه، فأصبح الجميع اليوم في قلب الهاوية.

لا نتحدث عن البلدان التي حُـوصِـرَت طموحاتها في الثورة والتغيير، ولا عن البلدان التي أطاحت برؤوس الاستبداد والفساد في مجتمعاتها، ولم تنجح في تدبير سياسات عمومية مكافِـئة للطموحات، التي عبر عنها شباب الميادين، وقت حماسهم لشعارات محاربة الفساد. كما أننا لا نتحدث عن الأنظمة التي اختارت مواجهة مشروع التغيير في بلدانها وفي البلدان التي حصل فيها التغيير، فأعلنت ثورات مضادة وركبت دروباً غير مأمونة في التاريخ وفي السياسة. إننا نتحدث عن العرب بالجمع، زمن الحروب والأوبئة زمن المراجعات الكبرى.

نص الحوار الذي أجراه صلاح بوسريف مع كمال عبداللطيف، في جريدة المساء عدد الثلاثاء 28 أبريل 2020:

رابط الجريدة: https://fliphtml5.com/bookcase/pycpw

شاهد أيضاً

ميشال أونفراي ومشكلة البديل

“ظهور المراجعة الجديدة للفيلسوف ميشيل أونفراي” مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *