الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / تأملات في واقع الذات البشرية زمن جائحة كورونا

تأملات في واقع الذات البشرية زمن جائحة كورونا

سارة دبوسي

أستاذة الفلسفة بجامعة قفصة

مقدمة:

لم يكن بإمكان العقل البشري أن يتوقع حدوث مثل هكذا حدثا كونيا تاريخيا من مثل هذه الجائحة الغير المسبوقة في تاريخ الإنسانية جمعاء، حيث كثر الحديث عن الذات البشرية زمن الجائحة، وأغلبها يصب في كيفية الحفاظ عن الذات البشرية وتجنب الوقوع في أزمة الرعاية الصحية، ومن ذلك تجنب ما بات يعرف اليوم بالعدوى السلبية كالعنصرية وعزل الأعداء وتقوية الحدود القومية، والتفكير بمجتمع بديل قوامه التضامن العالمي، ومن ذلك صار الحفاظ على الذات البشرية في شتى أصقاع المعمورة من أهم المشاغل التي أولاها الفكر البشري بالإهتمام  وهذا ما يجعلنا نولى أنظارنا مجددا نحو ما دونه  بعض الفلاسفة من أفكار شأن السلوفيني ” سلافوي جيجيك” (1949). فكيف تناول جيجك هذه الجائحة بالدراسة والتحليل؟

التحليل:

ليست الكورونا مجرد فيروس طبيعي كباقي الفيروسات الأخرى التي يتم معالجتها طبيا والتصدي لها بالعلم، وإنما هي مفهوم جديد وغريب عن الواقع الإنساني المعيش، حتى أنه  ساهم في خلخلة نظام  الكون والأشياء معا في حيز وجيز من الزمن، فقد جعل هذا الفيروس من الإنسان الذي بلغ أقصى درجات العلم والمعرفة إنسانا خاويا من المعرفة مفرغا من شتى أبعاده المعرفية والأخلاقية، معلنا بالتالي عن انتهاء الأسطورة القائلة بأن الإنسان هو المحور المركزي للكون وذلك لعجزه أمام هذا الكائن اللامرئي.

وفي تقديرنا يبدو أن هذه الغرابة التي رافقت هذا الفيروس قد أسالت العديد من الأقلام التي ما انفكت تفكر في حلول عملية لأجل تجاوز أفق العيش الذي حتمه هذا الفيروس، و رغم أن جائحة كورونا قد استبعد البعض أن تكون موضوع اهتمام سلافوي جيجك،  وذلك لتأثره بالمحلل النفسي جاك لاكون  وبالثقافة الشعبية، إلا أنه قد ألف كتابا هاما عنونه  ب   ” وباء” في نسخة إلكترونية عالج ضمنه آثار الأزمة على عقولنا وعلى النظام الاقتصادي والاجتماعي والذي استشرف ضمنه ما سيؤول إليه النظام السياسي العالمي جراء الفيروس، حيث انطلق ضمنه من عبارة الإعلام الشهيرة “لا تهلعوا” معلنا بذلك عن الصورة  الجديدة للعالم كواقع الغلق والطوارئ الذي رأى بأنه سيفضي لا محالة إلى أفق استبدادي حتى ولو تعززت الروابط المجتمعية.

تبدو إذن دعوة جيجك إلى عدم الهلع إشارة إلى بعث الطمأنينة في الذات البشرية جراء ما شهدته من واقع مفزع فرضه عليها الفيروس ذاك الكائن الغريب اللامرئي الذي جعل منها تعاني العدوى السلبية كالعنصرية وحب الذات هذا فضلا عن نزعة الحيرة وفقدان المعنى من الحياة التي باتت بعيون الذات أفقا ضيقا مليئا بالمفارقات.

ففي دراسته لمفارقات الوباء تناول جيجيك مشكل الخوف الكوني المترتب عن الجائحة والذي مرده إلى العديد من المفارقات التي بات عليها الإنسان اليوم جراء انتشار الفيروس عبر العالم، مبينا في الأثناء مفارقات التقدم التكنولوجي الذي جعل من الذات البشرية مستقلة عن الطبيعة وفي تبعية تامة لتقلباتها في الآن ذاته، ما يعني أن التقدم العلمي أو البربرية كما يسميها هو السبب الرئيسي لتفشي هذا الوباء.

ومن أهم المفارقات التي تناولها بالدرس بأسلوبه الفلسفي المميز الذي يجمع بين الفلسفة الماركسية والتحليل النفسي مع الثقافة الشعبية، ضمن كتابه المذكور آنفا هو كيفية محاربة الفيروس في العالم والذي يتطلب التضامن العالمي الغير مشروط. حيث انطلق من تحليل الموجة الاستهلاكية التي تزامنت مع بداية انتشار الفيروس في العالم مبرزا في الآن ذاته أهم مفارقات اللحظة الراهنة ليقر في الأخير بأن الخيار الوحيد الذي يمنع البشرية من الوقوع في الهمجية عليها أن تسلك نهجا جديدا من الشيوعية معتبرا أن النظام الرأسمالي بشتى أدواته لم يعد بمستطاعه مجابهة الوضع الإنساني الراهن الذي رافق ظهور فيروس كورونا ما يعني أن هذا الفيروس قد يكون هو اللحظة الحاسمة التي ستغير المنظومة السياسية العالمية. ليكون بذلك النظام الشيوعي هو الحل بالنسبة إليه لأجل إيقاف هذا الوباء المترتب عن البربرية  العالمية بحسب رأيه.

من ذلك يذهب جيجك أبعد من الواقع بكثير حينما تناول واقع السوق المعولم  والذي تساءل ضمن  كتابه عن آليات اشتغاله وهل بمستطاعها أن تحمينا من الفوضى والجوع في حال تفشي الوباء عبر العالم وربما هذا ما نرصد مخلفاته منذ ظهور الوباء. ليقر في الأخير بأهمية العمل الجماعي، مقابل الموت البطيئ لعولمة السوق ، والتي تميل إلى خلق أفق مليء بالأزمات والأوبئة. ليقر في الأخير بأن هذا الوباء لم يكشف عن عجز السوق المعولم فحسب بل إنه قد رفع النقاب أيضا عن عجز الشعبوية القومية.

إن دعوة جيجك إلى إعتماد النظام الشيوعي بدل الرأسمالي لم تتأتى من فراغ وإنما مرده إلى الواقع البشري الراهن المترتب عن الفيروس وما أفرزه من مفارقات عديدة أوجبت التفكير من جديد في الشيوعية ليس بمعناها القديم وإنما بصيغة جديدة تتماشى وأوقات الأزمة التي خلفها الوباء شأن التفكير في إنشاء نظام عالمي للرعاية الصحة والعمل على إيجاد حلول بناءة للتحكم في الاقتصاد العالمي .

فما فرضته الجائحة اليوم على الإنسان من نمط حياتي جديد استلزم إعادة التأمل في الراهن الذي باتت عليه الذات البشرية التي لم يعد بمستطاعها السيطرة على العالم وعلى الطبيعة بل إنها صارت حبيست ذاتها ولم يعد بمستطاعها السيطرة حتى على ذاتها. لذلك وجدنا الإنسان اليوم  يراود مكانه من جديد حبيس واقعه الجديد الذي أوجبته عليه جائحة كورونا لتكون بذلك الذات البشرية اليوم ذاتا كئيبة حزينة تعيش في أفقها الذاتي الضيق بعيدا عن كل معنى وجودي.

خاتمة:

فما ترتب عن هذا الوباء من مفارقات متعددة جعلت من الإنسان عاجزا بين ما يكون وما يجب أن يكون وذلك لأنه يريد الحفاظ عن ذاته من لعنة الوباء أمام ضرورة المحافظة عن اقتصاده وسياسته المحلية والدولية لتنتهي بذلك فكرة العالم القرية المفتوح وتحل محلها فكرة العالم المغلق الذي أوجدته تالذات البشرية لنفسها اليوم من خلال اتباعها لإجراءات العزل الصحي إلا أن ذلك ليس بالحل الأقدر على مجابهة الجاحة بل لزم التضامن العالمي اللامشروط لشتى الذوات.

أما عن حالة الاستثناء التي باتت عليها الذات البشرية اليوم من ميل نحو التفرد والعزلة من أجل الحفاظ على الذات من كل مكروه نأمل أن تكون مرحلة عابرة  فرضها الوضع الوبائي عبر العالم، على أن لا تعود الذات البشرية مجددا إلى ردود الفعل الحزينة التي شهدها إنسان العصور الوسطى كالتصوف والتخريف الذي انتابه حينما انتشر الطاعون في الأرض.

للكاتبة أيضا:

الفرد من ثقافة الهيمنة إلى مطلب الاعتراف في الخطاب الفلسفي المعاصر

7 مارس 2019 بصغة المؤنثفلاسفة 0

لا نهدف في هذه المقالة إلى مناقشة مفهوم الثقافة على وجه العموم ولا المقابلة بين مختلف أشكالها، وإنما سنسعى إلى النظر فيها من منظور ماكس فيبر إنطلاقا من كتابه ” الإقتصاد والمجتمع، الإقتصاد والأنظمة الاجتماعية والقوى المخلفات، السيادة”[1]، هذا بالإضافة إلى محاولتنا ربط هذا المفهوم بمفهوم الاعتراف وذلك لما لهما من اتصال وثيق في المجال الفعلي للأفراد لذلك سنحاول الجمع بين سوسيولوجيا ماكس فيبر والفلسفة الاجتماعية لأكسل هونيت.أكمل القراءة »

عن الصراع من أجل الاعتراف لأكسيل هونيث

1 ديسمبر 2018 بصغة المؤنثفلاسفة 0

سارة دبوسي – تونس توطئة: احتل كتاب الصراع من أجل الاعتراف للفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني أكسل هونيث(1949) منزلة أساسية في سياق الفكر الفلسفي السياسي الإتيقي المعاصر والذي هو في الأصل رسالة أعدها صاحبها لنيل درجة التأهيل العلمي بجامعة فرانكفورت تحت إشراف هابرماس، فمنذ صدوره بلغة صاحبه الأصلية (الألمانية) سنة1992 والجدل …

شاهد أيضاً

عودة باتمان بطل الظلام (الكوفيد 19)

عبد الجليل ولد حموية  عبد الجليل ولد حموية  شهدت السنة الماضية، 2019، العديد من الكوارث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *