الرئيسية / أدب وثقافة / متابعات / بعد ما بعد الحداثة: دلالة المعنى وغرابة المصطلح

بعد ما بعد الحداثة: دلالة المعنى وغرابة المصطلح


نصير فليح

نصير فليح

ــــــــــــ
اذا كانت “ما بعد الحداثة” تشير الى العقود الاخيرة التي تم فيها تخطي سمات “الحداثة” ثقافيا، فما الذي يمكن ان يشير اليه مصطلح من قبيل “بعد ما بعد الحداثة”؟ هل هي عودة الى “الحداثة” مرة اخرى، ام هي عودة لبعض السمات في الحداثة دون غيرها؟ وما هي سمات هذه المرحلة التي يمكن تسميتها “بعد ما بعد الحداثة”؟
في كتابه Post-posemodernism ( = بعد ما بعد الحداثة)، الصادر عام 2012، يقول جيفري نيالون Jeffery T. Nealon ان هذا المصطلح او التعبير، أي “بعد ما بعد الحداثة”، يبدو “قبيحا” لجهة صياغته اللغوية، بل انه “قبيح بصورة جلية، فهو غير ملائم، وصعب في القراءة والنطق، كما انه فضفاض بشكل لا معنى له. فماذا يمكن ان تعني البادئة المزدوجة (بعد ما بعد) (post-post)؟ اننا بالقدر الذي افترضنا فيه ان ما بعد الحداثة كانت تشير الى نهاية عبادة مرحلة الحداثة لكل ما هو جديد، فاننا اذا تكلمنا بصرامة، لاشيء يمكن ان يأتي بعد “ما بعد الحداثة”، لانها تشير أصلا الى النهاية التي لا نهاية لها في كل شيء (الرسم، الفلسفة، الرواية، الحب، السخرية، وكل شيء)”.
وهذه وجهة نظر موفقة، وفعلا مصطلح “بعد ما بعد الحداثة” “قبيح” لفظيا في العربية ايضا لا في الانكليزية فقط، بسبب البادئة (بعد ما بعد) التي توحي بالتكلف والرطانة.
لكنه يعود بعد ذلك ليبين مسوغات اختياره لهذا المصطلح، باعتباره الاكثر ملائمة من سواه. وهو اذ يبين ان سمات المرحلة الجديدة لا تمثل سوى تطويرا داخليا لرؤى وتصورات ما بعد الحداثة، فانه يؤكد انها لا تعني بالضرورة تخطيا او تجاوزا لمفاهيمها، وهو يشير الى ان هذه التطورات الداخلية اخذت تتشكل بشكل يجعلها تختلف عما تم التعارف عليه من المفاهيم المألوفة لما بعد الحداثة.
لكن اتجاهات “بعد مابعدالحداثة” ما تزال غير متبلورة الى حد بعيد، والمصطلح نفسه ما يزال تجريبيا، وواحدا من عدة مصطلحات تسعى لتسمية هذه المرحلة الجديدة التي اخذت بها تصورات ما بعد الحداثة بالتراجع التدريجي من المشهد الفكري والثقافي العام. ومصطلحات من قبيل “ميتا ما-بعد الحداثة” او “الحداثة الرقمية” أو “الحداثة الفائقة” متداخلة الى حد بعيد، وتسعى الى تأطير مرحلة بدأت منذ تسعينات القرن الماضي او بداية الألفية الثالثة من زوايا نظر مختلفة لكن متداخلة.
مع هذا يمكن القول بصورة عامة انها قابلة للتحديد بالتعارض مع المرحلة التي سبقتها، اي “ما بعد الحداثة”، مثلما ان الاخيرة ممكنة التحديد بوجه عام بالاستناد الى تعارضها مع “الحداثة”modernism التي سبقتها. فمرحلة “بعد ما بعد الحداثة” تتضمن تخطي منطق ما بعد الحداثة التهكمي والمتشكك في امكان تحديد المعنى، والنافر من السرديات الكبرى، ومن “روحها العدمية” (النهلستية nihilistic)، بعودتها مجددا الى قيم الثقة (وليس الوثوقية “الدغمائية” dogmatism) بامكان المعنى وإمكان الحقيقة والتصورات عن الانسان والعالم، وان كان هذا لا يعني بالطبع مجرد عودة بسيطة الى هذه المفاهيم بالشكل الذي كانت عليه، بل تأسيسها على أساس معاصر متخطي لمرحلة ومنطق ما بعد الحداثة.
لعل الكثيرين يعرفون ان مرحلة الحداثة، اصلا، والتي يرجع اكثر الباحثين بداياتها الى نهايات القرن التاسع عشر (او قبل ذلك أحيانا) تجلت بصورة ملموسة في بدايات القرن العشرين عبر جملة من السمات الفكرية والفنية من قبيل الجماليات الثورية، والتخلي عن صيغة التتابع الزمني المألوف في الاعمال الفنية والادبية، والنزعة التجريدية والاتجاهات التجريبية المعروفة في الفن والعمارة والادب. هذه السمات صارت موضع تساؤل ورفض وتهكم تدريجي من جانب الافكار والمفاهيم ما بعد الحداثية التي اخذت بالظهور بعد الحرب العالمية الثانية. وقد تجسدت بصورة اتجاهات تنزع الى تخطي التقسيمات والتصنيفات والتراتبيات الهرمية المألوفة، والسعي الى وضع الاساليب المختلفة جنبا الى جنب واستخدامها في آن واحد (نزعة “المجاورة” juxtaposition) لهذه الاساليب المتنوعة، ونزعة شكية skeptic تجسدت على المستوى الفلسفي.
وعلى المستوى الفلسفي والنظري تمثل التفكيكية ملمحا رئيسية من فكر ما بعد الحداثة. صحيح ان التفكيكية وفكر وفلسفة جاك دريدا اصبحت احد المراجع الرئيسية في الفكر النظري المعاصر (كما هو الحال مع اهمية مفكرين اخرين من امثل جاك لاكان، هايدغر، ميشيل فوكو، كارل ماركس، هيغل)، لكن من الجهة الاخرى فان الكثير من المنظرين والنظريات الفلسفية المعاصرة لا تتخذ من جاك دريدا وفلسفته عنصرا هاما في تكوينها.
ومع كل التغيرات الحاصلة في العالم، لاسيما في وسائل الاتصال والتواصل والتقنيات الرقمية ومظاهر العولمة المتعاظمة، فان متغيرات المرحلة الجديدة من الكثرة والتنوع بحيث انها قد تحتاج الى فسحة زمنية كافية لتتبلور بصيغة اكثر وضوحا.
بعض المنظرين اقترح اصلا تسمية اخرى لـ “ما بعد الحداثة” وهي “الحداثة الثانية”. ولو كانت التسمية الاخيرة هذه هي التي شاعت واستقرت في التداول والبحث النظري العالمي، ربما كان يمكن بسهولة تسميه المرحلة الجديدة قيد التشكل بـ “الحداثة الثالثة”.
مع كل هذا، يجدر التنويه هنا ان كل هذه الاتجاهات والافكار والمسميات ليست موضع اجماع مطلقا. بل ان هناك بعض المفكرين والمنظرين المعاصرين، من امثال برونو لاتور Bruno Latour يرى ان المجتمعات الغربية اصلا لم تكن حديثة يوما، كما في كتابه We Have Never Been Modern ( = لم نكن حداثويين أبدا). وهو يؤسس تحليله هذا على نفي السمات التي وضعت لتمييز الحداثة على اساس الاعمال الرائدة في هذا المجال، مثل اعمال فيبر ودوركهايم.
ـــــــــــ
17-5-2020

للكاتب أيضا:

كتاب الفلسفات في آسيا ترجمة نصير فليح

‏أسبوعين مضت صدر حديثا 0

نبذة عن الفلسفات في اسياــــــــــــــــــــرغم أن الفكر الفلسفي النَسقيّ (systematic) ظهر أولاً في الـ أوْبَنِشَدْ (Upanishads) والأنساق الفلسفية المبكرة في القرنين من السابع الى الخامس ق.م، فإن الفكر التبصّري العميق موجود أصلاً في رِغْ فيدا (Rig Veda)، التي تمّ تأليفها قبل ذلك بألف عام على الأقل. فمنذ تلك البدايات المبكرة، أنتج …أكمل القراءة »

سلافوي جيجيك: أو ما بعد دريدا

21 يناير 2019 صدر حديثاكتب 0

قريبا..عن دار ومكتبة عدنان..صدور اول عددين من سلسلة (ما بعد دريدا: فلاسفة وفلسفات معاصرة من القرن الحادي والعشرين) بحث واعداد وتقديم نصير فليح…العددان سيكونان عن الان باديو وسلافوي جيجك…ومن المؤمل توفرهما في معرض بغداد الدولي المقبل…أكمل القراءة »

ألان باديو: أو ما بعد دريدا

21 يناير 2019 صدر حديثاكتب 0

قريبا..عن دار ومكتبة عدنان..صدور اول عددين من سلسلة (ما بعد دريدا: فلاسفة وفلسفات معاصرة من القرن الحادي والعشرين) بحث واعداد وتقديم نصير فليح…العددان سيكونان عن الان باديو وسلافوي جيجك…ومن المؤمل توفرهما في معرض بغداد الدولي المقبل…أكمل القراءة »

ميشيل فوكو: كل مقالات وترجمات موقع كوة

‏5 أيام مضت دراسات وأبحاثفلاسفةمجلات 0

نقدم لكم في هذه الوصلة مجموع ما نشره موقع كوة لفوكو وعنه من مقالات وترجمات ودراسات وابحاث باللغة العربية من لغات مختلفة. ميشال فوكو: المراقبة و العقاب ‏يوم واحد مضت علم الإجتماع, فلاسفة, مقالات 0 أسامة البحري بقلم : أسامة البحري – طالب في مسلك علم الإجتماع – بني ملال “السجن أقل حداثة عندما …أكمل القراءة »

أغامبن..”المهدور الدم” ..واشكالية ترجمة المصطلح النظري

‏5 أيام مضت ترجمةمفاهيممقالات 0

نصير فليح نصير فليح مشكلة ترجمة المصطلح مشكلة رئيسية في ثقافتنا العربية، ذات الترجمة المتدهورة اصلا كما بينا في اكثر من منشور سابق. وهذا ما يتكرس بوجه خاص في المصطلحات ذات الاهمية المحورية في فكر او فلسفة معينة. فضلا عن توظيف المفاهيم والافكار لقراءة واقعنا العربي، التي نحن بعيدون جدا …أكمل القراءة »

جوديث بتلر..الجندر والفلسفة و”معاداة السامية”

‏أسبوع واحد مضت بصغة المؤنثترجمةمفاهيم 0

نصير فليح نصير فليح ـــــــــــــــــــــ ثمة اسماء عديدة نشطت في الدراسات النسوية (الفمنستية)، والفيلسوفة والمنظرة النسوية جوديث بتلر Judith Butler (1956) من ابرزها. وفي هذا المضمار تمثل بتلر شخصية فكرية مثيرة للسجال والجدال، بحكم اطروحاتها الجذرية التي تتقاطع مع الكثيرين بمن فيهم بعض الاسماء البارزة في حقل الدراسات الفمنستية. لكن …أكمل القراءة »

دريدا: عن ما يتبقى من عمله بعد موته

‏أسبوعين مضت فلاسفةكتبمتابعات 0

نصير فليح نصير فليح “…هذا السؤال أكثر اهمية اليوم مما كان سابقا. انه يشغلني باستمرار. لكن زمن ثقافتنا التقنية تغير جذريا في هذا المضمار. الناس من “جيلي”، ومن بابٍ أوْلى اولئك السابقون، تعودوا على ايقاع تاريخي معين: الشخص يعتقد انه يعرف ان عملا معينا قد يبقى أو لا ، بالاستناد …أكمل القراءة »

أسئلة الجمال في الفلسفة: بين امانويل كانت وروجر سكروتن

‏3 أسابيع مضت أخرىشاشةمقالات 0

نصير فليح في فلسفة الجمال مجالات متعددة، كالابداع الفني والادبي، واسئلة جمال الطبيعة، ومواضيع الجمال في الحياة اليومية أيضا كما نعيشها جميعا من اختيار الملابس الى اشكال الاقداح التي نشرب بها الى اثاث بيوتنا وما شابه، فضلا عن الجمال في الكائن الانساني وعلاقته بالرغبة الجنسية (الايروتيكي). أما مصطلح “الاستطيقا” aesthetics …أكمل القراءة »

جيجك..ومعضلة الايديولوجيا

‏4 أسابيع مضت فلاسفةكتبمقالات 0

نصير فليح موضوع الايديولوجيا من المواضيع التي تهم المثقف العراقي والعربي عموما، والمصطلح نفسه في تداول مستمر. كما ان الكثير من مثقفينا العراقيين والعرب اطلع على هذا الموضوع بدءا من خلال الارث الماركسي. لكن ثمة محطات مهمة تطورت فيها مقاربة الايديولوجيا، مرورا بانطونيو غرامشي، ولويس التوسير، وبيتر سلوتردك، ولعل اخر …أكمل القراءة »

تطبيقات “التفكيك” في الدراسات النسوية المعاصرة

‏4 أسابيع مضت أخرىبصغة المؤنثمفاهيم 0

نصير فليح التطبيقات المعاصرة التي توظف التفكيكية في المجالات البحثية المختلفة تؤكد الخصوبة والأهمية الكبيرة لها. فتأثيراتها وتوظيفاتها الفاعلة مستمرة في زمننا الحالي في مجالات متعددة، حتى بعد موت رائدها ومؤسسها جاك دريدا باكثر من خمسة عشر عاما، ورغم التعارضات الحادة في ما يخص النظرة الى التفكيكية

دريدا..في أيامه الأخيرة

15 أبريل 2020 فلاسفةمجلاتمقالات 0

نصير فليح نصير فليح قبل خمسين يوما من موته، الذي كان بسبب السرطان، اجرت صحيفة اللوموند حوارا صحفيا مع جاك دريدا، فاصبح بذلك الحوار الصحفي الاخير معه. فماذا يمكن ان يكون كلام فيلسوف مثل دريدا في حوار صحفي من هذا النوع والمرض في مراحل متطورة في جسده؟ الحوار الصحفي تعرض …أكمل القراءة »

ما سر اختلاف الان باديو عن مفكري وفلاسفة العالم المعاصر

6 أبريل 2020 دراسات وأبحاثفلاسفةكتب 0

نصير فليح كما ظهر ديكارت ذات يوم ليضع كل ما قبله على طاولة التساؤل والشك، وكما ظهر كانْت ليفعل شيئا مشابها ولكن من زاوية مختلفة، بأن يضع حدوداً للعقل وتمييزاً بين نطاقاته ليمسي ما هو خارج ذلك “ميتافيزيقيا”، أو كما ظهر هيغل، ليراجع كل ما قبله وأيضاً من زاوية مختلفة …أكمل القراءة »

سلافوي جيجك ونكتة الرجل المجنون

20 أبريل 2019 عامةفلاسفةمقالات 0

نصير فليح المرح والطرافة في الأدب والفن والفكر عموماً أمر معروف في تاريخ الثقافة البشرية وحاضرها، وله تجسدات كثيرة في كل هذه الجوانب. لكن أن يتم استخدام المرح والطرافة، بشكل النكات مثلا، لتوضيح افكار نظرية وفلسفية، فأمر ليس بالمعتاد كثيرا، وقد يظنه البعض يتعارض مع رصانة الفكر. ولكنه ليس كذلك 

شاهد أيضاً

دعوة إلى التاريخ….

الحسن وعبو إننا اليوم لا نحتاج إلى التاريخ، بقدر ما نحتاج إلى صناعة التاريخ، وهذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *