الرئيسية / منتخبات / تغطية / محمد جسوس احتفاء بالإنسان والأثر

محمد جسوس احتفاء بالإنسان والأثر

رشيد المشهور

رشيد المشهور*

“في العلم لا مجال للخرافة لا مجال للاهوت لا مجال للأسطورة لا مجال للشعوذة، العلم معطيات والعلم ملاحظة.. والعصر الذهبي يوجد أمامنا ولا يوجد وراءنا”.

” كان محمد جسوس علامة ومعلمة فكرية وتربوية في تاريخ السوسيولوجيا بالمغرب”

ناصر السوسي

بدعوى من الأستاذ عبد الرحيم العطري، احتفى ماستر سوسيولوجيا المجالات القروية والتنمية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالسوسيولوجي محمد جسوس، يوم الأربعاء 6 ماي، ذلك في سياق سلسلة اللقاءات، والأنشطة الفكرية السوسيولوجية التي ينظمها ضمن ليالي رمضان، وبهذه المناسبة، وتكريسا لثقافة الاعتراف، وما تحمله من معاني ودلالات إنسانية، وما تتضمنه من إحياء للذكرى واحتفاء بالأثر وتقيم له وتثمين لمقوماته وإضافاته، قدم الدكتور ناصر السوسي عرضا قيما وغنيا افتراضيا حول أستاذه سي محمد جسوس تحت عنوان “أسس ومرجعيات الممارسة السوسيولوجية لمحمد جسوس”.

“مرحبا بقبيلة السوسيولوجيا” هكذا استهل الدكتور ناصر السوسي لقاءه المفتوح بالتحية التي كان يرددها الأستاذ محمد جسوس، وكان يفتتح بها محاضراته مع طلابه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. ثم تساءل عن الكيفية التي يفكر بها المحتفى به، وأسس ومرجعيات الممارسة السوسيولوجية التي يمثلها.

من هو محمد جسوس؟ وما أعماله؟

محمد جسوس: الرجل المتعدد

حاول الدكتور ناصر السوسي منذ البداية رصد ملامح تحديد ممكن للسوسيولوجيا المغربي محمد جسوس وأعماله وتكوينه المنهجي والمعرفي المتعدد الروافد، إذ بيّن أن محمد جسوس عالم اجتماع، وأستاذ مؤطر، قرّاء، موجه، ومناضل سياسي، ثم إنه خطيب بليغ مدهش، مفكر تنويري، صاحب مشروع سوسيولوجي، منظّر حاذق وفطن. ورمز من رموز الثقافة الوطنية المغربية والساحة السياسية. وأحد رواد المدرسة الإنسانية المغربية في الفلسفة والأدب والنقد والتاريخ والإنسانيات. كما أن تأمله للنظريات السوسيولوجية، دفعه للانهمام بمعضلة التخلف في المجتمع المغربي ومؤسساته ومنظومته القيمية ومسلكياته، وانفصام الفكر عن الواقع، التربية والتكوين، السلطة والدولة، الزبونية والقضايا الفكرية والأنساق الثقافية والإيديولوجية والسياسية، وتأمل النسق السياسي ككل وآليات اشتغاله المادية والرمزية، قضايا الوعي والمقاومة وجيش التحرير.

ثم عدّد الدكتور ناصر السوسي أعمال محمد جسوس الكثيرة، والتي تتوزع بين المحاضرات الجامعية، والعمومية، والحلقات التكوينية، والمقابلات الإعلامية، والدروس الافتتاحية، والمداخلات المتعددة والغنية أثناء مناقشة الأطاريح الجامعية وفي المعاهد العليا؛ وبيّن أن الرجل العالم متواضع إذ كتب عنه السوسيولوجي. مصطفى محسن بأنه دائما صورة بهية في لباس متواضع والحامل لمحفظته المليئة بما حبره ووثقته وحضر من دروس ومحاضرات وغيرها. بيّن الأستاذ ناصر السوسي، بهذا الصدد، أن محمد جسوس ينتمي أفق ومناخ فكري خاص إلى جانب الخطيبي وبول باسكون ونجيب بودربالة، إنها المدرسة الإنسانية المغربية، المتعددة المظاهر والأبعاد والمتميزة في أسسها ومرجعياتها ونقدها الجذري، وتشمل التاريخ “شيخ العلوم”، والفلسفة، والأدب، والمناهج، والسوسيولوجيا وغيرها.

حاول الأستاذ ناصر السوسي في عرضه أن يركّز على الأسس المعرفية والفلسفية والسوسيولوجية والأدبية والتراثية للأستاذ محمد جسوس، كونه نهل من مشارب متنوعة خلال تكوينه السوسيولوجي، وتفاعله مع أفكار غرامشي وألتوسير ورواد مدرسة فرانكفورت والمدرستين الفرنسية والألمانية في مجال السوسيولوجيا، الأمر الذي جعل منه سوسيولوجيا متمكنا من المناهج وتقنيات البحث وأدواته.

فماهي الأسس المنهجية للممارسة السوسيولوجية لدى محمد جسوس؟

يوضح الدكتور ناصر السوسي في هذا الإطار أن هدف محمد جسوس هو تشييد سوسيولوجيا مغربية وطنية نقدية متعددة المنطلقات والمناهج والتقنيات والأدوات، تقوم على خمسة أسس:

  • الحذر الإبيستيمولوجي واليقظة المعرفية؛
  • نقد منطق التقليد والاتباع لنمطين من المعرفة: المنبهرة بالغرب والمنحدرة لنا من التراث العربي الإسلامي؛ وهي المعرفة الجاثمة على الأنا الفردية والذات الجماعية باسم الوحدة والتطابق وميتافيزيقا الكلية عوض منطق التكرار والاختلاف يوضح المحاضر؛
  • نقد المنطق الاختزالي في الطرح والمناولة، في الفهم والتحليل، فالتفسير بالعامل الوحيد للظاهرة الاجتماعية لا يحيد عن كونه تفسير دغمائي ووثوقي ومسطح للفكر؛
  • التركيز على البحث الإمبريقي بغية مساءلة الفرضيات والحدوس والأسئلة والتخمينات والأفكار والواقع، فالتنظير وحده في علم الاجتماع لا يزيد عن كونه “قول على قول أو قول حول قول”. لذلك، لا مناص في البحث السوسيولوجي من تجديل النظرية والواقع الاجتماعي فهما معا بمثابة الرجل اليمنى والرجل اليسرى للشخص ذاته. كما التركيز على المقارنات، والامتداد الزمني والتاريخي. وهذا ما دفع السوسيولوجي إدريس بنسعيد، تبعا للمحاضر، للقول: “إن السوسيولوجيا عند محمد جسوس هي عملية تحليل مستمر متفاعل مع المجتمع موضوع التحليل يسعى فيها الباحث إلى تفكيك بنيات هذا المجتمع، على مستوى التحليل النظري بحثا عن عوامل الثبات وعوامل التغير، والمساهمة في إعادة ترتيب هذه البنيات ومساءلتها ميدانيا”؛
  • تعدد المنهج وتقنياته وأدواته، اعتماد المناهج الكيفية وتقنياتها وأدواتها؛
  • الطموح إلى الكونية ورفض الخصوصانية والهوية المنغلقة والنزعة التجزيئية في علم الاجتماع، لأن الخصوصانية خطر محذق بالعمل السوسيولوجي الجاد.

فماهي نظريات التنمية لدى جسوس؟

في هذه النقطة بيّن الدكتور ناصر السوسي أن محمد جسوس ميّز بين أربع نظريات للتنمية:

  • نظرية التحديث والتقاطب التي تعود أصولها إلى العقلانية الفيبرية، وتعتبر التنمية تحديث إلى كل قطاعات المجتمع، وبأن هناك طريقا واحدا هو طريق الغرب. وتحقيق التنمية رهين بتحقيق العقلنة والتنظيم والتخطيط؛
  • نظرية الإمبريالية أو التبعية؛
  • النظرية الثالثية؛
  • –                   النظرية القيامية أو الكارثية.

وختم الدكتور ناصر السوسي تدخله القيم بمجموعة من الملاحظات والشهادات في حق أستاذ الأجيال. إذ بيّن أن محمد جسوس لم يعرض هذه النظريات بشكل إلقائي ماجسترالي، بل كان يوضح مرجعياتها ومنطلقاتها وخلفياتها الإيديولوجية، ويبين محدوديتها في الفهم والتأويل ورسم السياسات، والاستفادة من مقترحاتها في فهم التخلف والتنمية. كما نقد شمولية المنظور لهذه النظريات وبيّن خيطه الناظم المرتكز على خمسة مبادئ: العقلانية والتقدم والتطور والإنسانية والمركزية.

وخلاصة الدرس السوسيولوجي لدى محمد جسوس يرتبط بمفهوم التفكك أو المدخل النظري لفهم المجتمع المغربي. حيث يشير الدكتور ناصر السوسي هنا إلى أن مفهوم التفكك استخدمه جسوس مفاهيم متعددة، ويفيد “التواجد المسترسل لعدة أنماط إنتاج، دون أن يتمكن أحدها من الغلبة والهيمنة على أنماط الإنتاج الأخرى “، وأن المجتمع المغربي، بهذا المعنى، يشهد خمسة مشاريع مجتمعية تحدد مصيره ومستقبله وهي: النسق القرابي، والمشروع الوطني، والنظام الزبوني، والمشروع الرأسمالي ثم المشروع المخزني.

وفي الأخير وضح الدكتور ناصر السوسي بأن الرجل ظل وطنيا كبيرا في السياسة كما في السوسيولوجيا، مدافعا عن الحركة الوطنية والأحزاب “التقدمية” التي تولدت عنها، وبيّن عن روح وطنية في تنازعه مع الأستاذ بول باسكون على السلط العلمية، وعُرف بصرامته في التأطير وتكوين جيل كامل من الطلبة وخرج من معطفه جل السوسيولوجيين المغاربة. إنه العالم الاجتماعي الملتزم والمناضل السياسي الوطني. والأستاذ الإنسان.


*  باحث اجتماعي

شاهد أيضاً

تهافت السوسيولوجيا في الحاجة الى “براديغم” تحليلي

بقلم: رضوان المصباحي* أستاذ فلسفة وباحث في السوسيولوجيا، الجديدة، المغرب “ما دام العالم سابق على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *