الرئيسية / منتخبات / عامة / متى تتحول الوطنية من حجة إلى احتجاج على الوطن؟

متى تتحول الوطنية من حجة إلى احتجاج على الوطن؟

عبد الكريم لمياركي

عبد الكريم لمباركي

يقف الإنسان المقهور  اليوم مندهشا حيال ما يجري حوله  في العالم من تحولات طبيعية، أكتفي هنا بالتحول الطبيعي لأن الإنسان المقهور لا يهتم بالتحولات السياسية والإقتصادية، وحينما يغيب هذا الجانب يغيب الفعل الاجتماعي الراشد. وتصبح ممارسة السياسة عبثا ،  إذ يكتفي المواطن بالمشاهدة دون وعي ملتزم او تدخل ايجابي منظم، فغرضه الوحيد تجاوز هذه الانشغالات، وأصبح في مقابل ذلك منشغلا بالكيفية التي تسمح له بتوفير لقمة العيش. كيف له ان يهتم وهو مجرد لعبة تستخدمها القوى المتنفذة في اللحظة التي تشعر فيها بالضعف إما أمام عدو داهم او في لحظة  تمجيد هذه القوى و”أسطرتها”. في هاتين اللحظتين   يبدأ النظام الاجتماعي والسياسي بترويج مفاهيم مؤدلجة تحمل نوعا من الإزدواجية البغيضة؛ كمفهوم (الوطنية) مستغلا بذلك سذاجة  الفكر  الذي لطالما كان محكوما بالخرافة وعبوديتها والإنفعالات السلبية التي يخضع لها. إذ في اللحظة التي يسمع فيها كلمة (وطن) ينفعل بطريقة لا شعورية اتجاه الكلمة، وينتج عن ذلك مفعول التضحية وانكار الذات ، وهذا الأمر توارثه المجتمع، ولا يزال إلى هذه اللحظة كائنا منفعلا بكل كلمة تحمل في طياتها نفس الجماهيرية وسيكولوجية الحشود. إنه أمر جميل وايجابي أن يكون لنا أفرادا بهذه الغيرة على الوطن، لكن الأسوأ  أن تتحول الوطنية إلى احتجاح على الوطن في اللحظة التي تقهر هذه الكلمة كاهل الفرد وتسقمه… فمن المسؤول إذن عن إنتاج فرد منفعل بالازدواجية المرهقة داخل مجتمعنا ؟ هل هي مؤسسة الأسرة أم المجتمع ام الدولة ذاتها؟
تحصد الدولة المغربية اليوم  ما زرعته في ماضيها من جهل وتجهيل و تسويق للخرافة. لم تترك الدولة للفرد الفرصة ليفكر ويستعمل عقله، ظنا منها أن تحجيم العقول هو الآلية الوحيدة لإستمراريتها، وهي وللأسف الشديد لم تعي أن الفقر والجهل ينتجان الاحتقان والكراهية، التي تتحول الى فعل مضاد وعنيف حتى وإن كان بمظهر السلمية. إن الفرد المقهور لا يمكن أن يلزم بيته ويمتثل لالزامات الدولة، بسبب فقدانه الثقة في مؤسساتها باختلاف أنواعها ولأنها حاولت أن تظهر بروتوكوليا بمظهر الرعاية والاحسان في شكل مساعدات  لا تكفيه حتى في استخلاص فواتير الكهرباء والماء ولم يستفد منها جل المقهورين، إضافة إلى إحتجاجه على الفوارق الإجتماعية والطبقية التي أصبحت تنخر المجتمع، والنتيجة هي إستضعاف الفقراء وازدراؤهم واثراء الاغنياء بلا حدود.
لو نزلنا إلى الشارع وسألنا الإنسان المقهور السؤال التالي: لماذا لا تتمثل لأوامر الدولة وتلتزم بالحجر الصحي؟سيجيب : كورونا الحقيقية عندي وعند نظرائي هي الفقر، أما المرض فهو قدر من عند الله.
في إعتقادي أنه جواب منطقي وله شرعية إجتماعية عميقة، لماذا؟ لأن الدولة التي تدعي أنها حداثية للأسف الشديد قامت بمجهود جبار من بدايتها في ربط الوعي الجمعي بالاتكالية  وبالماوارائيات بشكل متعسف  ومقصية في مقابل ذلك أي تفكير علمي عقلي رصين ينبني على السببية والعلية، متبعة في ذلك التوجهات الثيوقراطية التي بموجبها يكون  الحاكم خليفة الله في الأرض وطاعته تماثل طاعة الإله، وبالتالي فإتباع أوامره تجعلك من الصالحين او تدخلك في زمرة “الوطنيين”. ومن هنا فالوعي الجمعي الشارد لم يعد يؤمن بالعقل التجريبي العلمي لأنه لم يكن من أوامر الحاكم، بل هو اتجاه المغضوب عليهم والنشاز المنحرفين كما أنه عقل غربي أسسه الكفار.
إذن فما يقوم به الفرد اليوم من تجمعات هو نتيجة لما حققته الدولة من تفكير مستقيل وعمق خرافي استندت عليه  منذ البداية لكي تستمر كجهاز مالك لزمام كل فعل مهما كانت سلبيته. وحتى ان كان مضادا لحركة التاريخ ففعل التمرد على التوجيه والمراقبة الحاصل اليوم هو ردة فعل من كائن  ضحية للتجهيل والخوف الذي مورس عليه في الماضي السياسي حيث تعيد الدولة انتاج اسباب التأخر وتعمقه.
لقد حاربت الدولة الفرد بكل أجهزتها القمعية والايديولوجية، وما أسوأ  اثر هذه الأخيرة، فهي منذ البداية في خدمة النظام السياسي  وتشرعن له أي فعل يقوم به حتى وإن كان يتنافى  وشروط الممارسة السياسية الرشيدة و الأخلاقية، إنه يبرؤها اليوم ويتهم الفرد بما وصلنا إليه من تأثير للجائحة، متغاضيا عن كل ما قامت به الدولة من أفعال لا تمت للإنسانية بصلة لا لشيء سوى لتوطيد اركان سلطتها، حيث يكون الفرد مجرد نتاج لدولة سلطوية قاهرة جعلته منصهرا في فكر يومي لا يتجاوز عتبات الكائن العضوي، كما أنها روجت قدوات لا تفيد المجتمع بشيء أكثر ما تزيد في تجهيله وجعله إنسانا فارغا من المعنى لا  يجرؤ على التفكير او الفعل، ونبذت في مقابل ذلك كل المفكرين والعلماء والفلاسفة والأساتذة  بل إعتبرت اغلبهم مجانين.
وعطفا على الدور السلبي للإعلام فإن الدولة المغربية دعمت بقوة المواسم و الأضرحة وتقديس الخرافة وتعميمها كمنتج درامي خرب العقول وافسد الذوق،  وهذا الأمر يؤدي إلى عدم إستحقاق عقل الكسب، بل يؤسس لعقل التبعية للاموات في الوقت الذي تنتهك فيه حقوق الاحياء والحياة. لهذا فلن تنجح في إعادة ثقة  المجتمع في العلم، لأن هذا الأخير مجرد ترف بالنسبة لهم ولها، أو بالأحرى هكذا ربتهم الدولة، هذه الأخيرة طبعا خاطبتهم بمنطهقم الخرافي لكي تتحكم في عقولهم بطريقة غريبة، لأنها كانت تعيش في الأصل فكرا خرافيا ولا تعرف غيره للمخاطبة، واليوم تحاول أن تمرر خطاب الدولة الأخلاقية الإنسانية عن طريق سياسة الرعاية والاحسان وجعل رجال السلطة ابطال المشهد.والشخصيات الرئيسية في السيناريو ، معتمدة في ذلك على تقنية التصوير وآليات الهجوم الرقمي لترسيخ الصورة وترميمها.
ختاما الدولة المغربية اليوم في حاجة للانصات لهموم وانشغالات الشعب المقهور والإحساس بمعاناته بدلا من ترقيع المرقع وستر العورات المكشوفة على الخارج والداخل. الوطنية ليست مجرد شعار لاخفاء العجز بل هي مشروع حضاري تشارك فيه الأمة وتجتمع عليه كل طاقات الوطن عطاءا وابتكارا وفاعلية، وإذا ما رسخت هذه الفكرة فستكون دولة حداثية، لكن إذا بقيت على نفس النهج فإنها ستظل مجرد دولة تقليدية تعتمد على العنف بكل وسائله، والفرد المعنف خطير على الدولة ذاتها عاجلا أم أجلا.
الكتب؛ عبدالكريم لمباركي.

شاهد أيضاً

صُورةُ المرأةِ بينَ ظِلَّينِ وَوَهَجٌ!

عبد الرحمن بسيسو للتأصيل النَّظري المفهوميِّ، مقروناً بالتَّنزيل الواقعي العمليِّ، لمفهوم الهُوية الإنسانية، تلك التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *