الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / تفكير في “المسألة النسوية” مع ابن رشد(1)

تفكير في “المسألة النسوية” مع ابن رشد(1)

لطيفة المصدق

لطيفة المصدق

هل يمكن أن نبحث عن جذور تفكير عربي إسلامي، ما قبل عصر النهضة فيمايسمى ب”قضية المراة” داخل المتن الرشدي؟
وهل يسعفنا التراث الرشدي في التفكير معنا في القضية النسوية،وفي الإجابة عن أسئلتنا الحاضرة؟
وهل قضية المرأة واحدة ومتماثلة،بحيث يكون في مقدور المتن الرشدي أن يمدنا بالخيط الهادي الذي يصل الحاضر بالماضي؟

باستحضار مجموعة من النصوص الواردة في كتاب”الضروري في السياسة” أو “مختصر كتاب السياسة لأفلاطون” والمتعلقة بموضوع وقضية المرأة كجزء لا يتجزأ من التفكير في المدينة الفاضلة،ومن تدبير المجتمع والمدينة الواقعية؛هذه النصوص التي يتداخل فيها صوت ابن رشد مع صوت افلاطون،واحيانا اخرى يتميز صوت ابن رشد،لينفرد بموقفه ورأيه(يبدو ذلك جليا حينما يحيل الى الواقع العربي)؛ اقول انه باستحضار نصوص معينة من الكتاب(سأتعرض اليها لاحقا) يبدو ضروريا اعتماد المتن الرشدي كأساس وأصل للتفكير في الموضوع ومساءلته.

النص الأول
“وهاهنا موضع الفحص فيما اذا كان يوجد في النساء طباع مماثلة لطباع صنف صنف من أهل المدينة،وخاصة الحفظة منهم،أم أن طباع النساء تختلف عن طباع الرجال.
فإن كان الأمر الأول فقد يصح أن تقوم النساء في المدينة بأعمال هي من جنس الأعمال التي يقوم بها الرجال،أو بعينها،فيكون من بينهن محاربات وفيلسوفات وحاكمات وغير هذا.وإن كان الأمر عكس هذا فإن النساء إنما يكن في المدينة مهيآت من أجل أفعال لايتهيأ لها الرجال في الغالب،كالإنجاب وتربية الأطفال وما شابه ذلك.” (ص 124 من الكتاب)


يرد هذا النص في إطار حديث إبن رشد/حديث أفلاطون عن الفضائل التي يتعين أن تنتشر في المدينة الفاضلة،وما يتصل بها من أمور الزواج والتناسل،فيحاول أن يتحقق مما إذا كانت طبائع النساء شبيهة بطبائع الرجال، عما إذاكانت النساء يشتركن والرجال في ذات الخصائص الجوهرية،أم أن هناك اختلاف وتباين بينهما؟
ثمة احتمالان اثنان للإجابة على هذا السؤال الإشكالي:اذا كان هناك اشتراك في الطبع،فيترتب عنه بالضرورة أن تقوم النساء بمثل ما يقوم به الرجال في المدينة من أعمال دونما تفاضل،بما في ذلك الأعمال والمهام التي يعتقد أنها خاصة بالرجال،كأن يكن محاربات وفيلسوفات وحاكمات.الاحتمال الثاني للإجابة على السؤال،هو أن النساء يختلفن عن الرجال في الطباع ،ومن تم فهن مهيآت وحدهن من أجل أفعال لا يتهيأ لها الرجال،كالإنجاب وتربية الأطفال.
ما يلاحظ على الاحتمال الأول أنه يستند على أساس نظري كلي(في نصوص لاحقة سيتضح الاستدال البرهاني على المسألة جليا) فالاشتراك في الطبع يؤدي الى نتيجة ضرورية وهي الاشتراك في الأفعال،مما يبطل معه القول بأعمال خاصة بالرجال وأعمال خاصة بالنساء؛ في حين أن الاحتمال الثاني نابع من واقع حال المرأة في المجتمع(هناك احالات الى المجتمع العربي الاسلامي والى الأندلس ص 125)ومستقرأ من التجربة،وهو أن النساء مختصات بأفعال مثل الإنجاب وتربية الأطفال(امثلة اخرى واردة في ص125و126)
لنتأمل في الأمثلة والتي يبدو أنها منتقاة بدقة:فمثال”الحفظة”( وهاهنا موضع الفحص فيما اذا كان يوجد في النساء طباع مماثلة لطباع…وخاصة الحفظة منهم) وهم مدبرو شأن المدينة والساهرون على حمايتها والعناية بها من حكام ورؤساء وجنود.ثم مثال”المحاربات والفيلسوفات والحاكمات”(فإن كان الأمر الأول فقد يصح أن تقوم النساء في المدينة بأعمال هي من جنس الأعمال التي يقوم بها الرجال،أو بعينها،فيكون من بينهن محاربات وفيلسوفات وحاكمات…)
لنتأمل في هذه الأمثلة ولنتساءل مع ابن رشد/مع أفلاطون:لماذا انتقاء أمثلة من المجال السياسي والفلسفي؟
إن الأمثلة المعتمدة تقصد نحو الكشف عن واقع اجتماعي تغيب فيه المرأة من تدبير شؤون المدينة، ومن ممارسة فعل التفكير،وتحصر داخل أدوار محدودة ومسورة بأسوار البيت وحجرة النوم.
وإذن، فالسؤال الأصلي الذي يطرحه إبن رشد وقبله أفلاطون، يرتبط بسؤال الطبيعة(الطبع) والجوهر:هل غياب النساء من هذه المجالات(السياسة والفلسفة) له علاقة بالطبيعة والنوع،حيث تكون للنساء طبيعة تختلف عن طبيعة الرجال،و هو ما يهيؤهن للانحاب وتربية الاطفال والاعتناء بازواجهن(كما يرد في نص آخر) في حين تكون طبيعة الرجال قد هيأتهم لجلائل الأعمال السياسة والفلسفة؟

تم الاشتغال على كتاب ابن “رشد الضروري في السياسة،مختصر كتاب السياسة لافلاطون” مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة التراث الفلسفي العربي،نقله عن العبرية الدكتور أحمد شحلان، تحت اشراف محمد عابد الجابري.

شاهد أيضاً

فيروس كورونا: الوباء في ضوء فلسفة أوجست كونت

مرسلي لعرج مرسلي لعرج قسم علوم الاعلام والاتصال، جامعة وهران 1 أحمد بن بلة، الجزائر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *