الرئيسية / منتخبات / عامة / حتمية الأيدولوجيا ونسبية التاريخ

حتمية الأيدولوجيا ونسبية التاريخ

إياد الأحمري

يروى أن طفلاً صغيراً كان يمشي في الحقل فوجد فيها ظرفاً يحمل في داخله رسالة تقول له “عش وفق النظام الذي يمليه إليه عقلك”. أخذ الطفل هذه الرسالة وانطلق مرتحلاً إلى البيت ،ولم يخبر أحداً عن محتوى تلك الرسالة. وصار الطفل ينظر لأمور الحياة بمعزل عن سياقاتها، فالكلب الذي ينبح جوعاً ،صوت مزعج نسكته بقتله. والأم التي تهتم فيه ،ليست إلا سلطة عليا تُريد أن تحكم وجوده الفردي ،وبذلك تحكم جميع مقتضيات حياته. فصارت الأم رمزاً للطغيان ،والاستبداد يجب النضال ضده. وهلّم جرا ،حتى جاء اليوم الذي أصبح لديه فيه منظومة فكرية نابعه من تصوراته للواقع.

ليخرج مثل كل صباح إلى مدرسته ،ويبدأ بالحديث أمام رفاقه ليصبحوا بذلك مقتنعين بأفكاره وتصوراته. ويبدأ بعد ذلك الحراك العملي لضمان استقلالية افكار الأطفال ،بعيداً عن المنظومات الحاكمة للأفكار ،وبمعزل عن السياقات الواقعية الموضوعية. ومن هنا تنطلق هذه العقيدة إلى جميع اطفال العالم.

فأطفال العالم المؤمنين بهذه العقيدة لم يعيشوا طريقة تبلور هذه العقيدة ،ولم يعرفوا عنها سوى بنيتها الفكرية التي جاء بها الطفل الحامل لهذه الفكرة. ليصنع بذلك نظاماً فكرياً يجب على الكل اتباعه ،ويجب فرضه على الناس فيما بعد.

ففي هذه القصة المختلقة أحاول أن أبين فكرة تكون الأيديولوجيا ، فالأيديولجيا -وكما أراها- نظام فكري شمولي ذا تطبيقات عملية واقعية، يرى في عقيدته ما يقتضيه العقل. او بشكل أبسط ،يرى أن نظامه الفكري هو ما يجب تطبيقه ؛لأنه هو الصائب بديهياً.

ولذلك تكون تطبيقات الأيديولوجيا الواقعية ذات طابع وثوقي غير قابل للشك والاعتراض عليه. وفي نفس الوقت ،يكون المكون القيمي للأيديولوجيا مكوناً خالصاً يمثل أعلى ما يمكن أن يصبو إليه الفكر الإنساني من وجهة نظر المؤمن بالأيدولوجيا ،ويكون هذا بمعزل عن تفاعلية الواقع.

فغالباً ما ينحى الأيدولوجي إلى تقديم تفسيرات وجودية للظواهر الطبيعية من تلقاء عقله وفكره دون النظر والتمحيص في ما هو واقع ومشاهد ،ومُغفلاً بذلك السياق الواقعي والعوامل الفاعلة لتكون الفعل.

ولتوضيح ذلك نعود للقصة ، فالطفل الذي يرى بأن عقله هو الحاكم على الأمور ،ومن ذلك انطلق إلى معالجة القضايا الواقعية. بدأ في تكوين الاساس المعرفي لأيدولوجية معينه تقتضي تطبيقات عملية للأفكار التنظيرية. وبدأت عملية التأدلج حتى وصلت لأطفال العالم كله.

فهذه النظرة الشمولية تقدم حقيقة مطلقة ،في مقابل نسبية الواقع ،وبالتالي يكون الحل المرحلي للمشاكل الوجودية الطارئة على الطفل ؛ والتيكانت سبباً في تبلور الأيدولوجية ،في معزل عن تفاعلات الواقع بعد تطبيقها ،وبالتالي غير قابلة للاستدامة.

وعلى جرّاء ذلك ،تحمل الأيديولوجية قيمة ذاتية للمؤمنين بها ،حالة تلامس الوجدان الشعوري للأطفال حول العالم تجعلهم يأخذون موقف اًبدع مها. وما ان تدخل حيز التطبيق تصبح الأيدولوجيا غير قابلة للتعايش مع الواقع ما لم تُغير لبوسها.

فهذا المثال يمكن إدراجه على جميع الأيدولوجيات والنُظم الفكرية الشمولية التي تُفسر العالم انطلاقاً مما تراه صائباً ،لا مما هو واقع ومشاهد. فنستطيع ان نقول أن الأيدولوجيا ذاتية ،في مقابل الواقع الموضوعي. لكن هل هو هذا الحال في حقيقة الأمر؟

يقول نيتشه “كل معرفه هي نسبية بالنظر إلى حاجات الحياة لدى الانسان العارف”. ونيتشه حينما قال هذه المقولة كان يشير إلى نسبية المعارف في مضمار المعرفة الإنسانية ،أي أن جميع الحقائق ذاتية ،اختيارية لا استنتاجية. ولذلك وصف ماركس الترابط الأيدولوجي” الرباط الصوفي الذي يربط بين الأفكار المتتالية”

ومن هذا يمكن أن نستنتج ان النُظم الأيدولوجية هي نظم ذاتية التصور عن الواقع ،وعن السبُل المثلى لتطبيق النظرية على أرض الواقع. لكن، وفي حقيقة الأمر ،هذه التصورات الأيدولوجية لا تعني بالضرورة أنها غير صحيحة ،أو أنها “وعياً زائفاً” كما يقول ماركس.

يروي دوركهايم تفسيره للأيدولوجيا وتكونها ،بأن جميع الحوادث الذهنية ليست سوى انعكاسات عن عن الحوادث الاجتماعية ؛أي أن التصور الأيدولوجي كان نتيجة لتكون الفكرة الاجتماعية في ذهن المنّظر الأيدولوجي. وليست بمعزل عن ذلك ،لكنّ النظرة الوثوقية للأيدولوجيا تجعلها بمعزل عن مصدرها.

وهو نفسه ما يرويه ماركس بصيغة أخرى حينما يقول عنها “وعياً زائفاً” ،فماركس يرى أنها بنى فوقية ،أي خارجة عن الواقع ،وهي نتيجة لصراع الطبقات في المجتمع. ويستخدمها أصحاب السلطة لتعتيم الواقع على متبّعيهم ،وبالقضاء على الطبقية تنتهي الأيدولوجيا.

لكن أليس ذلك يعني ،أن الماركسية كفكره نظرية لإلغاء الطبقية ،وتطبيقها وفرضها على أرض الواقع ،بهذه النكهة الوثوقية ،بحد ذاتهاأيدولوجيا ،أو “وعياً زائفاً” كما يقول ماركس؟

في حقيقة الأمر ،وعلى الرغم من الانكار الذي قدّمه ماركس للأيدولوجيا ،ومن وصفه لنظريته كعلم ،إلا أن جميع مقومات الأيدولوجيا (من تبلور النظرية ،وتطبيقاتها العملية) كانت متوفره في الماركسيه. فلذلك لم يكن ماركس بمعزل عن الوقوع في فخ الايدولوجيا!

وهنا يُطرح السؤال ،لماذا كل هذا الهروب من النعت بالتأدلج؟ لماذا اتّسمت الأيدولوجيا بهذا المعنى السلبي ،وكأنها شتيمة للشخص المؤمن بها،ويحاول الكل الابتعاد قدر الامكان من أن يوصف بالأدلجة؟

ولفهم ذلك نحتاج أن ننظر إلى السمات المشتركة بين الأيدولوجيات ،وتطبيقاتها العملية ،ونتائج التطبيق. وأول هذه السمات هو المركزيةالأيدولوجية ،والتمحور حول الذات المؤمنه بالنظرية.

ويكون نتيجة هذه المركزية هو أن لا صواباً إلا ما تراه النظرية او الفكرة. وأن جميع ما يخالف هذه النظرية ،هو بالضرورة خاطئ. ومن خلالالنظر إلى التاريخ ،نستطيع ان نستنتج أنه لا يوجد شيء كحقيقة ثابته ،بل كان التفاعل التاريخي مُنتجاً ومدمراً لحقائق تاريخية.

فعلى سبيل المثال ،النرجسية الرومانسية فقدت بريقها الوجودي عقب اكتشافات داروين التطورية ،وعدم مركزية الأرض في الكون بعدكوبرنيكوس ،ودور الغرائز الحيوانية في تشكل اللاوعي بعد فرويد. بعدما كانت النرجسية ذا وهج ثقافي واجتماعي في فترة من التاريخبانعزالية الانسان عن المكون الحيوي له. ولم تعد النرجسية الانسانية وسمو الإنسان على غيره ذا معنى حقيقي في واقعنا المعاصر. وهكذاكان دأب التاريخ في التعاطي مع الأيدولوجيات.

وأيضاً -وبسبب المركزية- يحل التمركز الفردي بالجماعة المؤمنه محل التمركز المجتمعي.

بمعنى أن يرى المؤمنون بهذه النظرية ضرورة تطبيقها على المجتمع بشكل عام ،وبحكم لا صوابية المخالف ،يصبح عرضة للخطر الوجودي منحيث الأفكار وكذلك الوجود. وبسبب ذلك تنشأ الحروب العنصرية او الدينية. وبذلك تكون الأيدولوجيا خطراً على التناغم المجتمعي.

أما السمة الثانية للأيدولوجيا تتمثل في كونها تجعل ما هو تاريخي اجتماعي ،الأمر الطبيعي الذي يجب أن يسود. فهي إذ تنظر الى واقعةمعينه قد أظهرت الفكره الأيدولوجية نجاحها فيها ،فهي تجعلها هي الأمر الطبيعي حدوثه مهملةً بذلك العوامل الاجتماعية والتاريخية.

ومثال ذلك ،أن يقول المؤمن بالنظرية أن اللاتينين أقل درجة فكرياً من غيرهم ،لأنه لم يكن لهم حضارة فاعلة في التاريخ. مهملاً بذلك السياقاتالتي جعلتهم ،إن كانوا فعلاً كذلك ،أقل درجة فكرياً. فعملية جعل ما هو نسبي طبيعي من أهم السمات الأيدولوجية.

وتتشارك هذه السمة مع السمة الثالثة فتتشكل في كون أن أفكار الأيدولوجيا -المؤمن فيها- مطلقة ،وهي فوق كل زمان. مما يجعل الأيدولوجييُدرج الماضي على الحاضر ،ويحاول أن يجعل ما كان يوماً سبباً في رقي هذه الأيدولوجيا ،وانتهى ضرورة استعماله ؛سبباً في عودتها منجديد.

وبالتالي لا يصبح هناك أي وسيلة أخرى للخروج عن النسق الطبيعي التي تؤمن به الأيدولوجيا إلا عن طريق تطبيق نظرياتها الشاملة للعالمكله. مهما كانت تلك الأفكار بدائية أو رجعية أو ساذجة ،أو حتى إن كانت صائبة وحقيقية.

والأسوأ من ذلك ،أن لا يكون هناك مرجعية تاريخية لهذه الأيدولوجيا ،فيضطر إلى إدراج المستقبل “المتوهم” على الحاضر ،ويحكم علىالحاضر بناءً عليه. كمن يعتب على الناس عدم الاتحاد على أفكاره ورؤاه التي ستؤتي ثمارها في المستقبل.

وأيضاً كجماعات الإسلام السياسي التي تُريد إعادة مفهوم الدولة اللاقطرية في العالم من جديد ،بعد أن انتهى مفهوم الدول الأممية وحلّمحلها الدول المدنية. فهذا الإطلاق هو ما يجعل الإسلاميين وأتباعهم في معضلة وجودية في التعاطي مع الواقع الاجتماعي.

وتتسم أيضاً الجماعات الأيدولوجية -وفي نفس السياق- بضرورة صُنع عدو وهمي كان -مثل الغرب والإسلام- ،أم حقيقي -مثل الشيوعيةوالرأسمالية- لضمان استمرارية انتماء الأفراد للمنظومة الأيدولوجية. دونما تحقيق أي من أفكارها على أرض الواقع. مما يفقد الأيدولوجيامصداقيتها أمام المنتمين لها مع مرور الوقت ،ويبدأ بعد ذلك الافراد بالتململ منها ،وتفقد بذلك أهم خصائصها ،توفير الحلول للمشاكل.

وهذا يُدخلنا في السمة الرابعة والأخيرة ،وهي ما قلته سابقاً ،توفير الحلول للمشاكل. وتكمن الإشكالية في النظم الشمولية المتسمة بإطلاقالحقيقة على جانبها النظري في التعاطي مع المشاكل المستحدثة ،وقبل ذلك حقيقة تحديد المشكلة المراد حلها.

فهذين العاملين هما من يجعلان الفكرة الأيدولوجية في غالب الأمر غير قادرة على الاستمرار ما لم تكن نسبية في التعاطي مع الوقائع. فالتاريخ بجدليته النسبية يمر دون أن يكترث بالأفكار والنظم الفكرية ،مخلّفاً ورائه رفات هذه النظم ما لم تتعايش مع الواقع. وهو ما لا يحدثفي معظم الأيدولوجيات.

فبعد الاستطراد في هذه السمات للأيدولوجية نستيطع ان نستنتج ان السبب في كون الأيدولوجيا مصطلح موصوم اجتماعياً ،ويحاول الكلالهروب منه. هو بسبب عدم مقدرتها على الاستمرارية وإثبات فشلها على التأقلم مع النسبية التاريخية. وبالتالي الشخص المتأدلج يُصبح”واعياً بشكل زائف” بإطلاق معتقده.

وهو ما يجعل الأيدولوجيا مصطلحاً سلبياً ،في مقابل الموروث الثقافي والتاريخي الهائل الذي أرهق كاهلها بعيداً عن معناها الاصطلاحي. فالأيدولوجيا لا تعني بالضرورة أنها غير صحيحة ،لكنّها تعني أنها غير قابله للاستمرارية ،وبالتالي تنقض مبدأها الشمولي الإطلاقي.

وفي الختام ،الأيدولوجيا كنظام فكري شمولي غير قابل للاستمرارية في ظل التغيرات الواقعية ،لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة عدم صواب النظرية أو الفكرة الأيدولوجية في الواقع. وكون المصطلح موصوماً لا يعني أن ما يقدمه المؤدلج لا يجب أخذه بعين الاعتبار ،وإلا لكنا بنفس مقدارالأدلجة التي نتهرب منها.


شاهد أيضاً

فلسطين، أل 48، تحتفي بالأديب المغربي المائز ياسين عدنان

تحت التّسمية، “ياسين عدنان في وُجوهِ سَفَرِه.. “..ثُم رحَلْنا إلى جنَّة النار|  كنتُ أحملُ|  سماءً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *