الرئيسية / منشورات / جرائد / محمد نورالدين أفاية: برهنت الجائحة أن العقل العلمي هو الملاذ وسبيل الخلاص بالنسبة للإنسانية

محمد نورالدين أفاية: برهنت الجائحة أن العقل العلمي هو الملاذ وسبيل الخلاص بالنسبة للإنسانية

حاوره: صلاح بوسريف


ما يعترينا من رغبة في الفهم والمعرفة، ونحن في قلب عاصفة كبيرة تجرف الأبدان وتسعى للعبث بها، هو ما يجعلنا نذهب إلى ذوي العلم والمعرفة والاختصاص، من أطباء وعلماء، ومفكرين، ممن لا يطلقون الكلام على عواهنه، أو يسقطون في الابتذال، والدجل، والسعي وراء الشهرة الزائفة من خلال الظهور، فقط، من لأجل الظهور. والمثقف، أو المفكر، هو، بطبيعته، يتساءل، يتقصَّى، ويقارن المعطيات والوقائع والأحداث، يفككها، ويحاول أن ينصت إلى ما تفصح عنه من مؤشرات، هي ما يعتمد عليه، بحذر، دائماً، لقول ما يقوله. ومحمد نور الدين أفاية، هو واحد من هؤلاء، يسعى في هذا الحوار أن يصيء بعض الجوانب المعتمة في ما نحن فيه من خوف ورعب وانتكاس، في النفوس، كما في الأرواح، وفي الاقتصادات البشرية التي تعرضت للانتهاك والإنهاك، ليس في ما يجري الآن، بل في ما هو آتٍ من أيام، وربما، من سنوات. فكما يرى أفاية، أشياء كثيرة ستتغير، أخطرها هو علاقة الإنسان بالآخرين، وهو يخرج من بيته، كيف يمكن أن يقترب منهم أن يقتربوا منه، جو من الريبة، قد يكون من العوامل النفسية التي ستمسنا جميعاً، لا محالة. هذه الجائحة، هي صدمة، أو ريح، عرَّت المكشوفات، خصوصاً في وضع التعليم عندنا، كما أبانت عن الحاجة إلى الدولة المواطنة، التي طالما نادى به المفكرون، وسعوا لتكون هي العقد الاجتماعي الذي يربط بين المواطن والدولة، حتى لا يضيع التوازن، ويسقط بندول البوصلة، لتصير دون اتجاه.

ــ أمام وضع، بدا أنه كارثي وفجائعي، لما تتركه الجائحة خلفها من موت، و من توترات واضطرابات نفسية، تتسم بالرعب، كيف استقبلت سي نور الدين هذا الحدث الكوني الطارئ، الذي مسَّ الغرب قبل أن يمسّ من نسميهم عادة بدول العالم الثالث؟

يستدعي سؤالك أكثر من فهم؛ لأنه يجمع بين الوصف، والتوصيف، وبين توقع مفعولات الجائحة على الأنفس، وبين السؤال. وقبل الاقتراب من بعض هذا الذي تطرحه علي، علينا أن نعترف بأنه، مهما كان شأننا الفكري والثقافي، يتعين علينا أن نعلن عن منسوب كبير من الحذر والتواضع؛ لأن فيروس كورونا بيَّن لنا، بشكل فجائعي، أننا كنا نعيش في عالم بدون بوصلة. فالفكر الجدي، كالفلسفة بالنسبة لهيغل، كطائر المنيرفا الذي لا ينطلق في طيرانه إلا عندما يأتي الليل، أي حين تسعف الأحوال، بفعل المسافة المطلوبة مع الحديث، في النظر إلى الوقائع بشيء من التمييز والفهم. لذلك يصعب اقتراح عناصر تفكير في معمعة جائحة تشكل، في ظني، حدثا مُزلزلا لم يشبهه أي حدث في عصرنا على كل مستويات وزوايا الإدراك والنظر. وأمام هذا الحدث اعتبر هابرماس في تعليقه على هذا الذي يجري ضد كل الإرادات والسياسات أنه علينا أن «نتصرف انطلاقا من المعرفة الواضحة بلا معرفتنا»؛ مع ضرورة إدخال قسط من النسبية على كلام هابرماس بالتذكير بأن هذا الفيروس كان معروفا، وأن علماء ونشطاء حذروا العالم وأصحاب القرار منه منذ سنوات. ولذلك لا يجب الاستسلام إلى هول ما يقوم به من إصابات وموت ونسيان لأن ما يحصل كان يتوقعه الخبراء منذ فيروسH1N1 ، وسراس سنة 2003، وهو من صنف كورونا فيروس وينتج اضطرابا تنفسيا حادا قد يؤدي إلى الموت، وإيبولا، وغيرها من الفيروسات. فالخطر كان واردا ومُنتظرا، لكن ما لم يكن منتظرا هو شراسة هذا الوباء وطرق انتشاره وتداعياته على العالم، وما نجم عنه من ارتباكات في السياسة، وإغلاق الأجواء والموانئ والعزل والحجر ومنع التجوال، وتوقيف الاقتصاد وحركة الإنتاج، والخوف من الموت.
يميز المتخصصون بين التاريخ الحدثي، العابر أو الممتد كثيرا أو قليلا في الزمن، وبين التاريخ البنيوي الذي تترتب عليه تغيرات كبرى في الوجود والسياسة والاقتصاد والعلاقات التذاوتية والأمن. ويخلخل الحدث البنيوي، كلا أو جزء، وضعا قائما ويفرز عناصر لا أحد كان يتوقعها، قد تكون لها انعكاسات في صالح الإنسان، كما قد تكون وبالا عليه؛ لقد وجدنا من يُشَبِّه ما يجري في العالم بسبب كورونا بسقوط الإمبراطورية الرومانية. والمؤكد أن هذا الفيروس يشكل حدثا ضخما غير مسبوق، بهوله ومخاطره وما خلقه من زعزعة كلية للاعتيادي واليومي، ومن تغيير في علاقتنا بذواتنا، وبالزمن، وبالمكان، وبالآخر، وبالأوطان.
وهو أيضا جائحة كوكبية لا تسمح بالتمييز بين الشعوب والطبقات والأجناس والأديان والثقافات والأفراد. حيرت الأقوياء، وزعزعت القناعات، وشككت في اليقينيات، سواء السياسية، والاقتصادية، والعسكرية وغيرها؛ بل وبهدلت من ما يزال يصر من تجار المُقدس على حشر الدين في تفسير كل الأحداث والظواهر، وعَرَّت شعوذتهم، حتى إن وجد من ما يزال قابلا للتسليم بتعاويذهم.
من جهة أخرى برهنت هذه الجائحة على أن العقل العلمي، مهما كانت نقائصه وتجاوزاته، يبقى هو الملاذ وسبيل الخلاص بالنسبة للإنسانية. الكل يشرئب إلى ما يمكن أن تجود به مختبرات البحث من أمصال ووسائل تلقيح لمحاصرة العدوى ومقاومتها وإبعادها. وبقدر ما يعتبر هذا الكائن المجهري تحديًا فعليا للعقل فإنه سيشكل حافزا على المزيد من الاكتشاف والابتكار العلمي، لا سيما وقد حصل نوع من استعادة الوعي العام بالقيمة العظيمة للطب والصحة. هذا إذا ما لم تعمل لوبيات الصناعة الصيدلية على تعطيل الاكتشاف أو تحريفه عن الوظيفة المنتظرة منه، المتمثلة في محاصرة الوباء والتلقيح ضد عدواه.
وفي هذا السياق، اسمح لي بأن ألاحظ أن كورونا، وقبل حدث كورونا بقليل، لم يعد يسمح بتكرار مفردات الأسئلة الكلاسيكية المتعلقة بالغرب والشرق والعالم الثالث. أولا إن صيغة «العالم الثالث» قد تعرضت للنسيان تماما منذ مدة ولم تعد تستعمل في التوزيع الجديد للقوى في العالم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، أما الغرب الجغرافي فلا شك باقيا كغرب، لكن بالمعنى الحضاري، وإن كان ما يزال يمتلك العديد من مقومات الحضارة التي طبعت التاريخ الإنساني منذ قرنين، فإن العديد من المؤشرات تفيد بأن مركز الحضارة تزحزح ودخلت أمم أخرى في معترك صناعة مقدمات حضارة مختلفة، قليلا أو كثيرا، لا يهم الآن الحكم عليها بقدر ما نكتفي بالإشارة إليها. هذا إذا سلمنا بأن الغرب كان دائما غربا واحدا وموحدا؛ والحال أن الأمر لم يكن كذلك، وزادت كورونا في كشف التناقضات الكبرى التي كانت تعْبُره، وفضحت تخبط قادته وسياساتهم إزاء شعوبهم، وإزاء باقي مجتمعات العالم.

ــ هل تعتقد أن هذا رد فعل من الطبيعة تجاه إفراط الإنسان في انتهاك توازناتها، أم أنه، كما نقرأ، بين الفينة والأخرى في بعض الأخبار، عمل بشري، حدث بالخطأ أو بالقصد في بعض مختبرات التجارب الجرثومية. كيف تقدر الوضع من خلال ما تقرأه وتسمعه وتراه؟

يصعب علي الدخول في متاهات الضجيج الكبير الذي تحدثه الجهات والمصادر المختلفة وتضخه الوسائط السمعية البصرية والرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي. فما نقرأه ونسمعه ونراه من الغزارة والتهافت والحشو والتلفيق والتشويه والتسابق ما لم يحصل مثله في الماضي حسب علمي. خصوصا أن الإحساس المضاعف بالخوف والذعر، كما سماه محمد سبيلا، والهلع، وأيضا الميل الإنساني العفوي إلى تلقف كل ما يمكن أن يشكل ترياقا لتجنب شراسة كورونا، يجعل الناس تجترون كل الفيديوهات والأخبار والمقالات والحوارات، الجدية والأقل جدية والمزيفة، طيلة اليوم بنهاره وليله. فالجميع يتبادل ويتقاسم، تقريبا، مع الجميع نفس المعلومات والصور والأخبار، بل حتى النكت والأغاني والإنتاجات الفنية والسينمائية. ويبدو لي أنه إذا ما استسلمنا لإغراء الفضول اليومي لمتابعة وسائط التواصل الاجتماعي فإننا، ومهما كانت قدراتنا على المقاومة والوعي بمخاطر الاستلاب، فإننا سنحتاج، ولاشك، إلى الخضوع لعمليات جماعية لفحص وتطهير وربما لعلاج بعد نهاية هذا الكابوس. والمعضلة أننا سنجد أنفسنا نستنجد بـ «متخصصين» أو خبراء هُم أنفسهم ضحايا هذه الوضعية، إن لم يكونوا هم أنفسهم في حاجة إلى من يعالج معاناتهم، نظرا لهول ما يتلقون من حالات غمة وكآبة وتوتر.
القول بأن هذا الفيروس أطلقته جهة ما لها أهداف محسوبة، وأن الأمر يدخل في فرضية المؤامرة قول رائج، خصوصا وأن العالم أجمع سمع اتهامات رسمية من دول كبرى ضد دول كبرى أخرى اتهمتها، مباشرة، بالوقوف وراء إطلاق هذا الوباء. هذا الكلام يقال وهذه المواقف مُسجلة. وفي هذا المستوى يبدو لي أن الحقيقة ستعرف في يوم من الأيام، وسينكشف الأمر بفضل صحافة استقصائية حقيقية، التي أصبحت هي التي تكتب التاريخ الراهن؛ أو أن يقوم جهاز من أجهزة الاستخبارات بتسريب معلومات حول هذا الموضوع. وفي كل الأحوال فإن الجميع يعرف أن الدول الكبرى تشتغل، منذ عقود، على تطوير الأسلحة الجرثومية، وبأن أنواعا من فيروس كورونا معروف لدى علماء الأوبئة والباحثين، وفي الأمر براءات اختراع وتسابق بين المختبرات. لكن هل تسريب الجرثومة كان مقصودا ومحسوبا؟ فذلك ما ستبين الأيام صدقيته في كل الأحوال.
يقال أيضا إن هذا الفيروس يعبر عن نوع من «غضب» الطبيعة على الاستغلال الفاحش لمقدراتها وخيراتها، وبأن التوازنات البيئية لم تعد تحتمل درجات الاحتباس الحراري الضاغطة. وقد سار فرانسوا الأول، بابا الفاتيكان، في هذا الاتجاه، وسار في نفس المنحى عدد كبير من نشطاء البيئة. وفي ظني أننا دخلنا، منذ عقود، في مرحلة تخريبية جديدة من «الأنثروبوصين» Anthropocène (وهي التسمية التي تفيد بدايات تأثير الأنشطة البشرية على النظام الأرضي وعلى مقوماته البيئية). وهذا التخريب الممنهج مؤكد ومُوثق، وهو ما نبهت إليه منظمات الأمم المتحدة منذ أكثر من ثلاثة عقود، ونظمت من أجل الحد من هذا الجموح الاستغلالي مؤتمرات دولية ضخمة أفشلها الكبار وأفرغوها من كل توصياتها وقراراتها، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي الذي اتخذ قرار الانسحاب من معاهدة باريس بمجرد تسلمه السلطة. وبالمناسبة لقد سبق لأكاديمية المملكة المغربية أن نظمت ندوة دولية كبرى حول موضوع «الأنثروبوصين» شارك فيها عدد كبير من علماء العالم ومنهم «نيكولا هيلو»، ضمن فعاليات «الكوب 22» التي نظمها المغرب بمراكش سنة 2016. لكن لمنطق الرأسمال اختيارات أخرى، سواء «الغربي» وعلى رأسه الأمريكي، أو الصيني وغيره. فنموذج التنمية الصيني، على هذا الصعيد، لا يعبر عن رفق استثنائي بمقدرات الطبيعة هو كذلك، أو يقترح بدائل مختلفة عن نمط الاستغلال الرأسمالي لحد الآن، بل إنه من أكبر المساهمين في إنتاج ما يعتدي على البيئة.
ولذلك يبدو لي أن المطلوب، اليوم، لا يتمثل في معرفة من هي الجهة التي كانت وراء إطلاق هذا الفيروس، أو أنه تعبير عن شكل من أشكال غضب الطبيعة، لأن ما هو مستعجل الآن هو محاصرة الفيروس والحد من وبائه والعمل على إيجاد لقاح لمقاومته، والتفكير في إعادة عجلة الحركة الاقتصادية التي من المؤكد أنها ستتعرض لضربات موجعة لا أحد يمكنه التنبؤ، بدقة، بحجمها وتأثيراتها المُدمرة لمهن ومناصب شغل ومصادر رزق.

ــ الغرب، اليوم، في عمومه، أمام امتحان كبير، كشف أولاً عن عجزه عن مواجهة هذا الوباء، وهو في وضع دفاع، فقط، وتبيَّن أن أسطورة العلم والتقدم العلمي، ليست بذلك الوهم الذي تصورناه. هل الغرب نفسه، مع هذه الجائحة، بدا أنه كله مجرد أسطورة، وأن المعادلة تحتاج اليوم أن نعيد قراءتها في ضوء ما يجري؟

يبدو لي أنه، ومن الموقع المتواضع الذي نحن فيه، علينا مرة أخرى أن نلتزم بدرجة كبيرة من الحذر في معاينة ما يحصل، وبالخصوص في إصدار أحكام عامة. لا شك أن دولا عظمى في الغرب كما في الشرق شهدت تخبطا كبيرا في التعامل مع الوباء، منهم من استهان بخطورته، ومنهم من تهكم على أنه «فيروس صيني» لن يصيب بلاده حتى صُدِم، مستسلما، بتمدده السريع في الأجساد وإفنائه للأرواح، ومنهم من فوجئ بهول انتشار الوباء مُكتشفا، بشكل فجائعي، ضعف بنياته العلاجية وخطأ سياساته الطبية، ومنهم من قرر ترك الفيروس ينتشر حتى تكتسب أجساد مواطنيه المناعة المناسبة وسط من لم يتمكن منه الفيروس القاتل وندم على ذلك فيما بعد، ومنهم من أعطى الأولوية لاستمرار عجلة الاقتصاد والتجارة والنمو على حساب الصحة العامة، ومنهم من اختار سلوك سياسة انتقائية بعزل الفئات الهشة في المجتمع وترك الفضاء العام مفتوحا للباقي؛ بل حتى الروس لم يهتدوا إلا متأخرين، باطمئنان ساذج، إلى خطورة الجائحة حتى اضطروا في أخير إلى إنزال الجيش لمحاصرة انتشار الجائحة. وغيرهم مما يصعب استعراضه من ردود وأشكال تخبط.
لم يعد الغرب هو نفسه الذي استهلكته الخطابات والكتابات طيلة قرن؛ بل إن فيروس كورونا أثبت أن الحديث الكلياني السابق عن الغرب ككيان موحد ووحيد كان حديثا زائفا، وسيبقى كذلك طالما يبقى متأخرا عن وقائع بلدانه ومجتمعاته، بدليل ما نشهده من تطاحنات وتسابقات، في هذا الذي ينعت بالغرب، على أبسط وسائل حفظ الحياة بين بلدانه، حيث اشتعلت «أنانيات وطنية» ضيقة، وسقطت كل الأقنعة أمام امتحان العثور على الأقنعة الواقية من تفشي الفيروس، وارتج ما كان يعتبره البعض «اتحادا»، أو عولمة «سعيدة».
إننا نشهد على مرحلة مفصلية في التاريخ، ونعاين كيف تنفضح الشعارات والسياسات أمام هذا الكائن السري، وكيف سقطت القيم أمام الحق في الحياة، وكيف يعبر الاحتقار عن أبشع مظاهره أمام الموت ( اختيار من سيموت من المرضى، وتنظيم مراسيم دفن جماعية سرية، وكيف أصبح الإنسان ينفق مثل الحيوان، ويدفن بدون توديع ولا صلاة…). قد يكون ما نعيشه إيذانا بعالم مغاير، وقد يغوص في التوحش أكثر كما قد تنهض صحوة جديدة للضمير، وإن كان يستحيل التعويل على صحوة ضمير شخص مثل دونالد ترامب الذي اتخذ قرارا قاتلا بوقف مساهمة أمريكا المالية في ميزانية منظمة الصحة العالمية، التي أنجزت وما تزال أعظم الخدمات الطبية في تاريخ الإنسانية طيلة الثمانين سنة الماضية، وقامت بأكبر عمليات تلقيح وعلاج أمراض مُعدية في كل بلدان العالم. لا أعرف هل هذه الصحوة قد تنبثق عن محنة كورونا في باقي البلدان، ولكن علينا أن لا نكون جازمين في أحكامنا على الآخرين، ومنهم ما ينعت بالغرب. لأن للتاريخ مكره الخاص في كل الأحوال، وأن ضربات موجعة ستصيب الجميع، خصوصا على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية.
ومن جهة أخرى، يصعب علينا التسليم بخطاب يشكك في جدارة العلم ويتحدث عن «أسطورة العلم والتقدم العلمي»، أو «أسطورة الغرب»؛ لأن هذا الذي ينعت ب«أسطورة العلم» هو الذي سيوفر إمكانيات الشفاء وسيتغلب في الأخير على هذا الوباء. وسيكون من الخطأ التقليل من قدرة العقل على الابتكار وإيجاد الحلول، وعلينا من جهتنا الابتعاد قليلا عن قاموس الأساطير، أولا لأنه غير مفيد البتة، ومشوش، ولأن جميع العقلاء أينما كانوا، على العكس من ذلك، يعولون على العلم والعقل لتجاوز هذه المحنة العظيمة.

ــ هذا الوباء، لا يرحم، وهو عادل في جبروته، لا يميز بين حاكم ومحكوم، وبين فقير وغني، يأتي على الجميع، كما أنه اتسم بطابع الرعب والذعر، حربه نفسية قبل أن تكون فزيولوجية، قد نشفى من أعطاب الجائحة، قريباً، لكن، كيف تقدر آثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الإنسان لاحقاً، الذي بدأ يستشعر أن وجوده على الأرض يتسم بالهشاشة والانفراط؟

جميع ما يسمى بالأوبئة لا ترحم، الفارق بينها هو في نسب الخسارة والفقدان، غير أن هذا الفيروس، بشهادة منظمة الصحة العالمية، يمثل جائحة عالمية غير مسبوقة. الأمر الذي أنتج ما نراه وما نعيشه من مظاهر رعب وخوف من الموت؛ فالوباء قد يصيب الجميع، كما أشرت، الأغنياء والفقراء ومن هو حاصل على جنسية أخرى كان يتهيأ للفوز بالسلامة في بلد آخر عند أول انهيار، ولا المال ولا الغرب ولا الشرق. قد يلاحظ بأنه مُتفَشّ بنسب عالية في المدن أكثر من البوادي، وفي المناطق الباردة أكثر منها في المناطق الحارة؛ قد يلاحظ ذلك، وفي الأخير على الباحثين أن يُنوِّرونا في هذا الشأن؛ لكنه حين يتكون في شكل بؤر فإن العدوى تكون قاسية ومرعبة، ليس لأن الفيروس قاتل بنسبة كبرى، وإنما بما يخلقه من معاناة وآلام عضوية ونفسية ومن عزل إلزامي لمدة معينة. فضلا عما أحدثه ويحدثه من تصدعات وشلل في الاقتصاد والتجارة وتهديد مصادر العيش. وفي كل المهن، باستثناء الفلاحة والتغذية وبعض التجارة ومواد التطبيب.
كل مجالات إنتاج الثروة والمداخيل تبدو هشة، إن لم تتعرض لصدمات موجعة فإن إعادة تنشيطها وإحيائها سيتطلب صبرا وتضحيات كبرى؛ والجميع يعرف أن اقتصاد المغرب مرتبط بحركات التبادل العالمية، إذا تأثرت، وستتأثر بالتأكيد، سينعكس عليه سلبا بالضرورة، ثم إن مداخل العُملة الرئيسية كالسياحة، وتحويلات مغاربة العالم، والاستثمارات الأجنبية، وتصدير السيارات والفوسفاط ستمس، حتما، بسبب توقف الرحلات، وكساد اقتصاديات البلدان الغنية، وتقلص الاستثمارات. لذلك يبدو أننا مقبلون على أيام صعبة ستحتاج إلى خيال سياسي مغاير وإلى عزيمة سياسية في اتخاد القرار غير مألوفة تماما عما اعتدنا عليه طيلة السنوات الأخيرة؛ والاشتغال على جبهات التفكير في اقتراح آليات مبتكرة لتقوية قيم التضامن، وتعبئة كل فضائل العطاء والتقاسم للخروج التدريجي من التدهور الكبير الذي ستتعرض له بنيات الاقتصاد والتجارة والخدمات والمهن. مع أمل عظيم في أن تنجح الإجراءات المتبعة في التقليل من انتشار العدوى في المدى المنظور.
لعل ما يجري من محن بفعل العزل البيتي والحجر الصحي ومنع التجول له تداعيات كبرى على النسيج الاجتماعي والنفسي للمغاربة، ومن كل الفئات، وفي طليعتهم من لا يملكون قوت يومهم، أو من فقد مصدر رزقه. وفي هذا المستوى لا يمكن لي أن أحل محل المتخصصين، في علمي الاجتماع والنفس، لتشخيص هذه الحالات وتنويرنا حول ما يمكن أن يحصل على التوازن النفسي والاجتماعي للعائلات المغربية. لقد سبق للمعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية أن نشر، قبل أربع سنوات، بحثا مهما للغاية حول الرابط الاجتماعي في المغرب؛ وتبين من الدراسة أن أهم رابط ما يزال له دور كبير ومحدد في النسيج المجتمعي والنفسي المغربي يتمثل في الرابط العائلي، على الرغم من كل أشكال الفردانية التي ظهرت، وما أنتجته العادات الاستهلاكية من سلوكات مَرَضية ومن أنانيات، ومن فساد في الذوق وفي العلاقات الإنسانية، فإن هذا الرابط بقي يشكل اللحمة والملجأ للشباب العاطل، وللمرأة المطلقة، وللآباء الشيوخ، ولأفراد العائلة المرضى…
ويبدو لي أن الاستراتيجية التواصلية والتعبوية العامة القوية التي انخرط فيها المغرب، منذ بدايات الجائحة، عليها أن تتعزز أكثر وتبتكر صيغا جديدة لخوض معارك كبرى في كل الجبهات، وذلك من خلال استقطابات مجتمعية ووجدانية متواصلة على أساس التضامن والتآزر والتعاضد والمساواة، وتشجيع ونشر سلوكات الإحساس بمعاناة الآخرين. وهم كثر في بلادنا. فعالم الاستهلاك والتهافت على الاغتناء أنسى العديد من الناس أن هناك فئات عريضة في المجتمع لها الحق في أن تكون لها حقوق في عيش كريم.

ــ المغرب، كان بين أكثر الدول استباقاً لمواجهة هذا الوباء، والدولة، هذه المرة كانت حازمة، هل لأن الدولة اهتمت بالإنسان، قبل الاقتصاد، أم أنها أدركت ضعف البنيات التحتية في مجال الصحة، أو ما يمكن أن نعتبره أمناً صحياً للمواطنين؟

لقد أكدت هذه الجائحة ما كان المفكرون المغاربة يلحون عليه منذ أربعة عقود؛ ومنها حاجة المجتمع المغربي إلى دولته، وإلى ضرورة الترجمة الفعلية لقيمة المواطنة من مستواها المعياري المجرد إلى إجراءات فعلية وإلى قرارات يستفيد منها كل الناس بدون تمييز، ومنها ما يتعلق بالعلاج والصحة. وقد أظهر التدخل الملكي المبكر وعيا عاليا بخطورة الجائحة باتخاذ القرارات الضرورية الحازمة لتعبئة كل مكونات الدولة. وهكذا اتخذت تدابير لإعادة تعبئة مقدرات الدولة من خلال ثالوث تمثل في معادلة متكاملة الأطراف: المعرفة والسلطة والنظام. وهو ثالوث تشكل بشكل لافت، أولا بحكم الانتباه لدرجة خطورة الفيروس، وثانيا بسبب الضرورة القصوى لمحاصرة تداعياته الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية.
هل «اهتمت الدولة بالإنسان قبل الاقتصاد، أم أنها أدركت ضعف البنيات التحتية في مجال الصحة»، كما جاء في السؤال، يبدو أن الانشغالين معا كانا حاضرين في أذهان أصحاب القرار. فالجميع يعرف معاناة المغاربة مع المرض ومع العجز البادي على مستشفيات البلاد، والاستخفاف الذي يتعرض له المرضى المعوزين، بل وحتى الميسورين، والذين ليست لديهم أي تغطية صحية، كما تشهد مراكز الاستشفاء قلة الإمكانيات والوسائل ومظاهر الزبونية والفساد المستشرية فيها، وضعف العناية بالعاملين بها. لا ننسى أن سنة 2019 شهدت أكبر احتجاجات الممرضين في المغرب، واستقالات أطباء بالجملة احتجاجا على أوضاع القطاع، وبأن نواب الأمة صوتوا ضد الزيادة في ميزانية وزارة الصحة في قانون المالية الأخير، باستثناء نائبين من فيدرالية اليسار. لكن من النزاهة القول إن التدخلات الملكية التي عبأت كل البنيات الاستشفائية الموجودة وتلك التي أحدثت بالمناسبة، سمحت للمغاربة بأن يشعروا باطمئنان كبير. فالمغرب يعيش، بسبب هذا الوباء الخطير، لحظة استثنائية في تاريخ التمريض والعناية بالمريض؛ إذ باستثناء تعثرات البدايات، بدأت المنظومة الصحية تشتغل بالشكل التي عليها دائما أن تشتغل به، وقد بدا للبعض وكأن الأمر يتعلق بأمر عظيم، وهو كذلك بحكم أن المستشفيات المستقبلة للمصابين اشتغلوا على أساس قاعدة استثنائية تجلت في: الإنصاف والمساواة والنجاعة. فكل من تأكدت إصابته خضع للعلاج، واكتشف المغاربة أن منظومتهم الصحية يمكنها أن تكون ناجعة ومهنية وملتزمة وإنسانية، وبأن لكل المصابين نفس حظوظ العلاج والشفاء كباقي المواطنين بدون تمييز ولا زبونية.
وإذا كان لي أن أستخلص درسا من هذا الذي نعيشه على مستوى التعامل المغربي مع المرض، اليوم، هو أن دولة المواطنة الحقة ممكنة جدا في بلادنا إذا ما اتخذت القرارات السياسية الضرورية على قاعدة المساواة وإعادة هيكلة القطاع وتعميم التغطية الصحية. ولا أخفيكم أن من بين المشاهد الرائعة التي أحرص على متابعتها في نشرة التاسعة في القناة الأولى المغربية، وفي بعض المواقع هي تلك التي يقدمها المراسلون لعملية مغادرة بعض المصابين للمستشفيات وقد تخلصوا من الوباء. قد يكون في الأمر عملية إخراج. ولم لا. لكن دلالاتها أكبر من ذلك في ظني.
إن الفرح الجماعي بشفاء المُصاب من طرف الأطقم الطبية أراه انتصارا على العجز، وعلى النقص، وعلى احتمالية الموت، بل وانتصارا للعلم وقدرة الطب على إنقاذ المُصاب، وانتصارا للإرادة الجماعية على تحدي الخوف، وتعبيرا عن القيم العظيمة التي ارتبطت بمهنة الطب والتمريض. وأتوقع أن كل من يشاهد هذه الصور يتطلع إلى أن تصير هذه الصور في الحياة المهنية والاجتماعية صورا يومية عادية لبنيات استشفائية تعالج المرضى وترفق بمعاناتهم وتقدم لهم الرعاية الضرورية في كل الظروف، في إطار من المساواة والإنصاف والضمير المهني. قد يبدو الأمر حُلما، وليكن؛ فلا شيء حصل في تاريخ المجتمعات بدون حلم، شرط أن تتوفر الجدية الضرورية. وها نحن نعاين كيف جعلت الجدية السياسية هذه المشاهد والنتائج ممكنة، وهذه الأخوة الإنسانية تعبر عن نبلها وقدرتها على العطاء والإنجاز.

ــ كمثقف، كيف تعاملت مع هذه الجائحة، وكيف تدير يومك في البيت، وما أنت فيه من عزل وحجر، وهل يبدو لك أننا، سنخرج من بيوتنا، بغير ما دخلناها به ؟

إنني أعيش ما أعيشه كمواطن، أولا، مهتم بما يجري حوله ومنشغل بالتعبئة الخاصة والعامة لحماية الأبدان من الإصابة والمعاناة؛ وتعاملي خاضع لما فرضته الإجراءات الاحترازية على الجميع، لأنني نادرا ما أخرج من البيت إلا عند الضرورة. والبقاء في البيت بالنسبة لي كما بالنسبة لمن يشتغل في الحقل الذي أنا فيه، مسألة عادية جدا. لأن القراءة والكتابة أمران يستدعيان العزلة الاجتماعية وشروط التركيز، إلا أن هذه المرة ينتابك شعور شبه تراجيدي بالحرمان من الحرية والحركة، ومن عدم قدرتك على رؤية ومعانقة من تحب وتشتاق إليه. وهو إحساس صعب لأنك لا تحجر على نفسك لأنك ممنوع من الحرية بالضرورة، وإنما لأن ممارستك لحريتك قد تعرضك كما تعرض آخرين لاحتمال الإصابة بالوباء؛ فالدولة في هذه الفترات تصبح هي «العقل» الذي يؤطر حركتك في زمن الطوارئ، وإن كُنتَ فوضويا غيورا على حريتك فهي تعيدك إلى الصواب بما تحوزه من قوة قانونية ومادية، ولا أقول هذا الكلام من منطلق التبرير لأنني لا أرى نفسي مضطرا لذلك على الإطلاق، سيما وأن نقاشا حاميا يجري في العديد من البلدان حول هذا الموضوع.
إنني أقضي وقتا كبيرا في القراءة وفي الكتابة أحيانا، ومتابعة الأخبار وتطورات الوباء، وأشاهد الكثير من الأفلام، حيث عدت إلى إعادة مشاهدة أفلام كلاسيكية أعتبرها تستحق المشاهدة مرة أخرى. كما سمحت لي عملية العزل الانتباه إلى إيقاع أجسادنا وحركاتها، وإلى قيمة حياتنا اليومية التي، بفرط العادة والنسيان واجتياح النزوعات الاستهلاكية، لم نعد نمنحها العناية الطبيعية المناسبة.
أما بخصوص كوننا سنخرج من بيوتنا بغير ما دخلناها به، فيبدو لي أن الجواب ليس سهلا على الإطلاق؛ إذ كيف يمكن بعد اليوم أن تنظر إلى الآخر وتتواصل معه؟ هذا سؤال ضخم. إن مناخات الهلع والخوف من العدوى حولت صور الآخر في أعيننا وفي أحاسيسنا. إنك أصبحت تحتاط من كل شيء، من الجار، والمصعد، وعلب البضائع، وقنينة الغاز، وفتح باب السيارة، وتخاف أن يقترب منك أحد وأنت بالخارج. فالآخر الذي كان قريبا أصبح، بفعل الخوف من الوباء، عدوا مفترضا قد ينقل لك أسباب هلاكك؛ فأنت تعرف ومقتنع أنه بريئ كبراءتك أنت تماما، لكن الذعار يجعل الجميع يحتاط من الجميع، وبحاجة إلى أقنعة لعلها تخفف من وقع الإحساس بالخوف.
والظاهر أن الآخر الذي يظهر من خلال الوجه، ويرى إمانويل ليفيناس أن القضية الكبرى التي شغلت الفكر الإنساني، والفلسفة بشكل أخص، تتمثل في إبراز ما هو إنساني في الإنسان، والانخراط الدائم في فهم معنى العلاقة مع الآخر باعتباره أصل كل علاقة بالوجود. السؤال هو كيف ستتغير ملامح وجوه الآخرين؟ ذلك أنه غذا أو بعد غذ حتى ولو حوصرت حدة الوباء سنضطر إلى وضع أقنعة على وجوهنا التي ستضاف إلى الأقنعة الاجتماعية التي نحملها معنا بشكل عادي. علما بأن تجربة الآخر تظهر مباشرة على الوجه وتتخذ شكلها المناسب بواسطة تعبيراته عن الفرح كما عن الشقاء والهشاشة والحرمان والعوز، وهو يحمل هذه المعاني بدون أن يتكلم بالضرورة. فكيف لنا أن نتواصل مع وجوه مُقَنَّعة، أو واضعة على بعض مناطقها «كمامات»؟ فلفظة كمامة في العربية لها عشرات المعاني، منها معنى «غطاء النور». وفي كل الأحوال فإن العزل المنزلي والتباعد الاجتماعي أدخلنا، ولا شك سيدخلنا في عوالم تجعلنا نعيش انتقالا أنثروبولوجيا لم نشهده من قبل في العلاقات بين الناس.

ــ التعليم، الصحة، الأمن والسلطة، والإعلام أيضاً، هل سنكون بعد الجائحة أمام نفس الوضع الذي كنا عليه من قبل، أم أن الوضع يقتضي إعادة تفكير هذه القطاعات، بكثير من الجدية والعقلانية، وجعلها تصب كلها في المجتمع، وفي مصالح المواطنين، خصوصاً في ضوء الإعداد لما سمي بمشروع التنمية الجديد؟

إذا كانت الدولة عبأت مقوماتها لمواجهة تداعيات الجائحة ومحاصرة انتشار الوباء على الصُّعُد الطبية والأمنية وبعض الخدمات، فإن كل المعطيات التي تتقدم أمامنا تبين كيف أن قطاعا حيويا ازداد تَخبُّطا واضطرابا في هذه المحنة، ألا وهو قطاع التعليم. وإذا كانت قد تمت تعبئة كل ممكنات الاستشفاء وإيواء المصابين، فإن هول الجائحة وإغلاق المؤسسات التعليمية خلفت ارتباكات لا حصر لها في تعليمنا. ومهما كانت المجهودات التي بذلت لأجل تقديم الدروس عن بعد وتجنيد القنوات التلفزية من أجل ذلك، فإن الأمر لم يعمل إلا على كشف اختلالات المنظومة وطرق التدريس بشكل عمومي. فما كان مستورا داخل الحُجرات والإدارات أصبح ظاهرا ومكشوفا أمام الملأ. قد تبدو هذه المعاينة قاسية، أو قد يقال بأنه ليس وقتها لأننا في زمن طوارئ؛ غير أنني أعتبر أن قطاع التعليم يعرف حالة طوارئ دائمة، وما دامت هناك انحرافات عما هو مطلوب من تغيير في بنيات المنظومة فلا مجال للاختباء وراء أي شكل من أشكال التبرير. عليك أن تكون أبا لتلميذ أو لطالب حتى تقف على الارتباكات الحاصلة في تبليغ وتنظيم الدروس والتواصل مع الأساتذة، وعليك أن تكون في البادية لترى الإحساس بالهوان الذي تشعر به العائلات والتلاميذ في هذا الوقت. فالفوارق والتفاوتات في هذا المجال ليست كبيرة فقط بل السكوت عنها يصبح تواطؤا وتبريرا لواقع لم يعد يحتمل التبرير.
نحن أمام امتحان حقيقي للسياسات العمومية، والجميع يمكنه تقييم ما يراه ويسمعه ويعاينه من بيته. إننا نعيش أكبر لحظات الشفافية حتي ولو في ظروف الحجر الصحي، وعلى الجميع استخلاص ما يمكن استخلاصه من معاينات ودروس. التعليم في بلادنا معضلة زادت كورونا في فضحها، لقد سبق لي أن قلت وأكرر أن المغرب أضاع فرصة إصلاحية بتنفيذ مخرجات «الرؤية الاستراتيجية» التي وضعها المجلس الأعلى للتربية والتكوين، حين تم تحريف مضامينها وإفراغها من مقومات الإصلاح الحقيقية. فعناوين الإصلاح معروفة، وللخروج من المأزق لا مناص من «تعاقد وطني كبير» بتدخل سياسي من مستوى عال للارتقاء بالمدرسة العمومية والحد من المغامرات غير المحسوبة لخوصصتها، أو السماح لمبادرات خاصة في هذا المجال شريطة أن لا تكون ربحية.
وإذا كان المغرب قادرا على إنجاز فتوحات عظمى مثل ما يقوم به على الصعيد الطبي والأمني، فإنني مقتنع أن بلدنا ليس فقط قادرا وإنما مضطرا لإنقاذ التعليم من مآزقه ومتاهاته. لأنه من دون إعادة بناء شاملة للمنظومة التعليمية سيبقى هذا القطاع عبئا على الجماعة الوطنية وهدرا للمال العام وبدون نتائج، بل وبنتائج عكسية تكرس الجهل والأمية والفكر الخرافي والغش والنجاح بدون استحقاق والكذب على الدولة والمجتمع بأرقام غير حقيقية.
وأنا متأكد أن لجنة النموذج التنموي منتبهة لما يقال وما يجري. وقد استمع أعضاؤها وقرأوا وجمعوا، وما يزال يجمعون ما يلزم من معطيات ومعاينات وحقائق ومقترحات للإحاطة بما هو مطلوب لوضع تصور مستقبلي لبلادنا مبني على مدونة حقوق الإنسان، بما تفرضه من الإعلاء من قيم الحرية والمساواة والعدالة والكرامة والأمن الإنساني. ولا يعدم المغرب أفكارا ومشاريع، من «المفهوم الجديد للسلطة»، مرورا بالمرجعية الحقوقية الكبرى لهيئة الإنصاف والمصالحة، إلى إعادة هيكلة الدولة بواسطة الجهوية الموسعة، إلى العناية الكبيرة التي شهدها المدن، إلى الحد من الفوارق والتوزيع المنصف للثروة، إلى الملكية المواطنة. عناوين كبرى أتى فيروس كورونا لتذكير الجميع باستئناف برمجتها وترجمتها في سياسات عمومية اجتماعية المضامين إنسانية الأبعاد، مبنية على ما أصبح يسميه بمناسبة ارتجاجات فيروس كورونا بعض المفكرين كجاك أتالي «اقتصاد الحياة» الذي أساسه العناية بالصحة والتعليم والثقافة والبحث والديمقراطية والأمن والطاقة النظيفة.
وأنا أعتبر أنه، بالرغم مما قد تحدثه هذه الجائحة من مصاعب وأزمات ومن خطابات التيئيس، فإن مغربا آخر ممكن، لكن ليس بتخيل مبادئ جديدة، فهي موجودة في الدستور وفي الخطب الملكية، وإنما بإعلان الوفاء للأصول أو المبادئ الأربعة للأخلاق ولأية سياسة ذات منزع إنساني، وهي:
– تلك التي تسير في اتجاه الحياة – وتلك التي تسير في اتجاه المجتمع ومصالحه – تلك التي تؤسس لقواعد التضامن والأخوة – وتلك التي تسير في اتجاه العقل أو ما هو كوني فيه – وأخيرًا تلك التي تسير في اتجاه المحبة.
ذلك أن التفاعل الحي بين هذه الاتجاهات هو ما يؤسس لممكنات مجتمع متوازن. قد يبدو على هذا الحديث وكأنه ينتهل من خطاب غارق في الأخلاقيات، وتحركه نزوعات رومانسية. غير أن الأمر ليس كذلك تمامًا. فالتداخل بين السياسة والثقافة والأخلاق مسألة بديهية كلما تعلق الأمر بمنعطف في التاريخ، أو بحركة تتغيا التجاوز، أو بالانخراط في عملية إعادة بناء إنسية جديدة، قوامها فكر ابتكاري وليس اجتراريا وسطحيا ودوغمائيا، وفكر علمي وليس سحريا وتبريريا، وفكر تواصلي واستشرافي وليس انطوائيا ومحدود الأفق، وفكر إيجابي وليس تيئيسيا وسوداويا.

حواري مع نور الدين أفاية، بحريدة “المساء”، عدد الاثنين 20 أبريل 2020
https://fliphtml5.com/bookcase/pycpw

شاهد أيضاً

جين رولاند مارتن: لماذا يجب أن تتغير المدرسة؟

ترجمة: نورة آل طالب أجرى محرر نيو فيلوسوفر زان بواغ مقابلة مع جين رولاند مارتن، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *