الرئيسية / ترجمة / جان فرنسوا بيلار: في الألوهية المؤنثة أو الآلهات في تاريخ الأديان

جان فرنسوا بيلار: في الألوهية المؤنثة أو الآلهات في تاريخ الأديان

ترجمة: صالح محفوظي

باحث جامعي من تونس

Mahfaudhisalah2014@gmail.com

يتناول هذا المقال تاريخ الوجه الأنثوي للألوهية منذ ديانات ما قبل التاريخ إلى عصرنا، بين حضارات الشرق القديم والحضارة الفرعونية والحضارات الغربية القديمة.  والسؤال المطروح هو كيف عبّرت الأنوثة عن الألوهية أو ما إذا كانت الألوهية تجد التعبير عنها في الأنثوي؟

أنتجت حضارات الشرق القديم آلهات جسّدن الخصوبة الدائمة للأرض، وأسرار التزاوج والولادة”

مرسيا إلياد ( 1907 ـ 1986 )

قبل البحث في التاريخ الأنثوي للألوهية، لننظر في الانتقال الى السلطة الذكورية. كيف حدث؟

كتب مؤرخ الأديان أ. جيمس Edwin Olivier James ( 1888 ـ 1972 ) : ” حين انتقلت المجتمعات البشرية إلى حالات الاستقرار، وحين أصبح الصياد فلاحا، وحين أدرك الناس أسرار الحياة بمعرفة الزراعة وتربية الماشية وتهجينها، اكتشفت المجتمعات الدور الحيوي للذكور.” معنى ذلك إذن أن السلطة الذكورية حالة طارئة وأن الأصل أنثوي، بالفعل لقد ظهر الشريك الذكر مضافا إلى الإلهة الأم، ولقد ظهر في البداية مجرد تابع.

في الألفية الثالثة قبل الميلاد، مثلت الإلهة السومرية أنانا رمز القوة والسيطرة باعتبارها مصدرا للحياة ولخصوبة الأرض، أما الذكر المؤهل لوظيفة الإله – الملك فقد كان مجرد خاضع للعالم الأرضي ولتقلبات نظام الفصول، فهو لا يرتقي الى مرتبة الإله إلا بعد نهايته الجنائزية التي تتحكم فيها دورات الفصول.

وفي بلاد الإغريق يجب أن ننتظر الألفية الثانية قبل الميلاد لتستبدل الآلهات  تدريجيا بأزواجهن او آبائهن ولنا في ذلك مثال أثينا هذه التي تجسد الحكمة ، قبل حوالي ثمانمائة سنة عندما كان الاغريق يؤسسون أهم مدنهم أرادوا الاختيار بين بوسيدون إله البحر واثينا إلهة الحكمة: أثينا زرعت شجرة زيتون وبوسيدون فجّر نبع ماء ولكن لأن ماء النبع كان مالحا فقد اختار الإغريق شجرة الزيتون، فاختاروا أثينا اسما لمدينتهم ورمزا للحكمة. لكن الأثينيين سيدفعون بعد ذلك ثمن اختيارهم باهظا: ” تفاديا لغضب بوسيدون، لا يجب أن تشارك النساء في الإقتراع العام، ولا يجب أن ينسب المولود لأمه ولا أن يذكر اسمها في نسبه، ولن يكون من حق النساء بعد ذلك التاريخ ان يسمين بناتهن أثينا” القديس أوغسطين.

مع المسيحية، تنتهي الأنوثة الى النسيان فالاسم الأصلي للرب هو الأب، والمثلث نفسه ذكوري بتمامه، الأب والابن والروح القدس، كل ذلك رغم الدور الأساسي للام المقدسة.

موضوعنا هو إعادة ربط الصلة بالآلهات المنسيّات.

الآلهات القويات

القوة الجسدية ليست حكرا على الآلهة الذكور، يعيدنا التاريخ الى آلهات قويات، يتم تجسيدهن في تماثيل حاملات للأسلحة وللدروع والخوذات وكل أدوات الحرب. مثالنا أثينا مرة أخرى، كبرى الآلهة في الميتولوجيا الإغريقية، مكافئتها مينرفا عند الرومان ، أثينا الابنة المفضلة لزوس، تحمل نفس درع والدها، أثينا هي الوحيدة التي تتحكم في الرعود والصواعق، وهي الوحيدة التي تحمي صغار الآلهة (جاسون، اوليس، تيليماخوس، اورسيتس، برسيوس، هيراكليس وغيرهم)، إنها الإلهة التي استطاعت أن تجمع بين الحرب والحكمة.

أثينا ليست إلا وريثة عشتار، الإلهة الرئيسية في ديانات بلاد الرافدين، إنانا عند السومريين ، عشتروت عند الفينيقيين، ابنة القمر والشمس ، إنها المساوية لأقوى آلهة المعبد السومري إنليل وأنكي، مسموح لها بأن تكون ما تريده ، أن تكون حبيبة الإله الذي تشتهيه، وليس شرط الحب عندها الوفاء. تم تزويجها لديموزي، ملك الأسطورة السومرية، فقتلته وأرسلته الى الجحيم . .

الآلهات الأمهات

في الالفية الأولى قبل الميلاد، مثلت ايزيس الأم لجميع سكان حوض البحر الأبيض المتوسط، تم تجسيدها بتمثال تظهر فيه بصدد ارضاع ابنها حورس، وريث العرش الفرعوني، تحمل على راسها قرني البقرة هاتور، البقرة الشمسية في الديانة الفرعونية. ان الإلهة الأم اعتقاد ضارب في التاريخ، فتمثال فينوس ويلندورف ( النمسا ) يعود الى اكثر من 2400 سنة ، تمثال من الصلصال بطول 11 صنتيمترا، بتفاصيل المرأة الدقيقة. انها تفاصيل التزاوج والتكاثر والجنس والولادة، وهي في كل ذلك تفاصيل استمرار الجنس البشري.

مثلت تماثيل فينوس الأوروبية مصدر إلهام لعقائد متنوعة في المجال الهندو أوروبي، ولنا في ذلك مثال الإلهة فرايجا في الميتولوجيا الاسكندينافية، مثيلاتها عند السلتيين الآلهات القابلات / المولدات. آلهات تعودت الأسطورة تجميعها في ثلاثيات، وهي الثلاثية التي ستجد لها موقعا في المرحلة المسيحية، النساء المسميات باسم مريم اللاتي كن قرب الصليب ساعة صلب المسيح، مريم العذراء ومريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية. لن تستطيع المسيحية القضاء على الآلهات الأمهات بسهولة اذ ستستمر ماريا الباسكية الى حدود القرن السادس عشر، ولكنها ستجد مصير جاراتها بدمجها داخل التقليد المسيحي المسمى مريم العذراء.

الآلهات الكونيات

في مصر القديمة، وان كان خالق الكون إلها مذكرا ( رع، أتوم أو بتاح حسب زمن الأسطورة ) الا ان الإلهة الكونية ” نوت ” هي التي مثلت ربة السماء والكواكب، تم التعبير عنها في شكل امرأة عارية منحنية بكامل جسدها يرفعها شو اله الهواء بينما يستلقي جب اله الأرض اسفل منها، تستند الى الارض بأطراف أصابع يديها ورجليها، إلهة تبتلع الشمس كل مساء وتعيدها الى العالم صباحا، تبتلع النجوم عند الفجر لتعيد ولادتها عند نهاية النهار.

عند الاغريق نجد مثيلة للإلهة نوت المصرية، رهيا ( أم الآلهة ) وابنة غايا ( الأرض ) واورانوس (السماء) . للمصريين إلهة أخرى  تسمى معات، إلهة النظام الكوني، أرضية تعادي الفوضى ، تحمل على راسها ريشة النعامة العمودية، رمز الحكمة والتوازن، متعودة على ان تهمس في أذن الفرعون بالقرارات الحكيمة التي يجب اتخاذها. فالحكمة السياسية فضيلة أنثوية: يؤكد المؤرخون ان الفيلسوف الإغريقي افلاطون قد اعتمد في الكتاب الخامس من الجمهورية على الإلهة معات وعلى تقاريرها الحكيمة للفرعون، فاستنادا اليها أسس افلاطون فكرة الفيلسوف الملك ، المواطن الحكيم المتوازن الذي يجمع بين المطلق الالاهي والفضائل البشرية.

الآلهات المفزعات

من قال ان الآلهة الذكور وحدهم يثيرون الرعب في البشر؟

في التراث الديني الهندي، القوة الإلاهية الأكثر إثارة للرعب أنثوية: نقصد الإلهة كالي، إحدى تعبيرات الإله شيفا.

في الهندوسية اذن، المبدأ المحرك للألوهية مؤنث، رمز الزمن ( كالا باللغة السنسكريتية )، مدمّر كل شيء. ومنه صورة كالي، امرأة عارية، بنظرة مرعبة وعينان حمراوان ولسان ممدود، رأس مقطوع في يد وفي اليد الأخرى خنجر ملطخ بالدم، تحيط رقبتها بعقد من الجماجم وحول خصرها نطاق من الايادي المقطوعة. تقول الأسطورة أن كالي تحارب الشيطان راكتافيجا، هذا الذي ينبت من كل قطرة تسقط على الأرض من دمه شيطان جديد. اما كالي فتنتشي بانتصارها على الشيطان بان تشرب من دمه، مستمتعة بالرعب الذي تنشره في العالم. لتهدئتها يجشو الإله شفا تحت قدميها فتدوسه بكل وحشية.

غير بعيد، الإلهة دورغا، زوجة شيفا، بأيديها الستّة وفي كل يد سلاح أو أداة تعذيب، السهم والقوس والسيف والفأس والرمح والهراوة. انها الكيان الذي لا يقهر، وهي قاتلة أقوى الشياطين، ماهيشاسيرا الذي لم يقهره انسان ولا إله من الذكور.

المصريون القدامى يخشون غضب سخمت، إلهة برأس نمر وجسم امرأة، ابنة رع، الإله الخالق وهي المسماة “عين رع” لأنها كانت تراقب أعداء أبيها. في أزمنة مغرقة في القدم، انتفض الجنس البشري ضد الإله فنزلت الى الأرض لصد التمرد، بنفخة نار في وجوه الثائرين كادت تقضي على الجنس البشري لولا عفو والدها.

في بلاد الاغريق، مثلت نيميسوس ( ابنة الليل ) رمز الغضب العادل للآلهة. تجلس على عربتها التي يجرها المسوخ وفي يديها سيف وميزان، وظيفتها معاقبة المهمومين بالقوة والنفوذ. ولقد استمرت تلك الحركة الطقوسية الغريبة في أثينا القديمة كما في الإمبراطورية الرومانية: أمسك طرف أذنك اليمنى واطلب العفو من نوميسوس.

الآلهات الزوجات

بمرور الزمن تحولت أغلب الآلهات القويات الى مجرد زوجات خاضعات، واكتفين بالتعبير عن فضائل الحب والحياة المنزلية وقوى التناسل. هيرا مثلا، قبل الألفية الثالثة كانت مستقلة تمام الاستقلال عن الإله زوس، انها حاكمة السماء أو العذراء السماوية. لكن زمن الأسطورة أفقدها شيئا فشيئا خاصياتها الكونية لتكتفي بدور التابع او اللاحق الأخلاقي. في القرن الثامن قبل الميلاد أعاد لنا هوميروس هيرا في الإلياذة زوجة لزوس وأختا له في الوقت نفسه، وقصة العشق التي عاشها زوس معها معبرة: يتحول زوس الى عصفور مبلل فتأخذه هيرا وتضمه الى صدرها لتدفئه فيستعيد هيئته ويغتصبها. في المجتمع الأبوي الاغريقي حملت هيرا على عاتقها وظيفة المحافظة على العلاقة الزوجية والزواج الشرعي والوفاء للزوج. لا يتحدث عنها هوميروس الا باعتبارها هذه المدللة التي تنام بين أحضان زوس، واذا صادف وفارق النوم عينيها فإنها تكتفي بتفجير خزان الغيرة باحثة عن الحيل التي  تضمن بواسطتها المحافظة على زوجها. عند الرومان مثلت جونو مكافئة هيرا، حاملة لصولجان على راسه عصفور ورمانة، رمز الحب المتبادل.

نهاية حزينة لآلهات تمتعن بالاستقلالية والحرية الى حين.

Jean-François Paillard, Revue « Ca m’interesse, Histoire »,Hiver 2020

شاهد أيضاً

عودة باتمان بطل الظلام (الكوفيد 19)

عبد الجليل ولد حموية  عبد الجليل ولد حموية  شهدت السنة الماضية، 2019، العديد من الكوارث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *