الرئيسية / العلوم الإنسانية / علم الإجتماع / ميشال فوكو و بيار بورديو أمام المدرسة العربية

ميشال فوكو و بيار بورديو أمام المدرسة العربية

أسامة البحري

بقلم : أسامة البحري

– طالب بشعبة علم الإجتماع – بني ملال

1  : الجسد المتلعم بين الردع و إعادة الإنتاج

“إن طرق التدريس هي أساليب نقل للمعرفة و الخبرة و مضامين المنهاج إلى المتعلمين ، باستخدام نظريات التعلم و غير ذلك من نظريات التربية و تقنيات ذات علاقة بطبيعة المعرفة و نظامها و منهجيتها ، و طرق إكتسابها أو تعلمها بطرق مختلفة مثل التلقين ، أو الإكتشاف ، أو المناقشة ، و الإستقراء و نماذج التعلم الجماعي ، حل المشكلات ، التعلم الذاتي ، و غير ذلك من أساليب في إطار التعلم الذاتي أو الجماعي ، و لكن طريقة التدريس الرئيسية الموجودة على نطاق واسع في معظم المدارس المغربية هي التلقين 1″ ، فعامل التلقين هذا الذي نعته باولو فريري  بالتعليم البنكي ، أو المونولوج المنفرد ، بتعبير محمد دويدار ، يحصر الذهن المتلقي بين عملتين : التكرار الآلي للأفكار المسلم بها في المحاضرات ،  ثم نسخها بدقة كما هي ، و بهذه العملية الأحادية ، يستبعد الوعي عن قدراته التحليلية و عن قدرته الإبداعية – الإبستيمية التي تخص ذكاءه ، و لهذا ف”كثيرا ما يرتبط التلقين في المدرسة العربية بغياب التعزيز و التشجيع ، و سيطرة العقاب البدني ، فمن علامات السلطوية في التعليم العربي بشكل عام ، قلة أهمية الإقناع و المكافأة ، و التركيز على العقاب الجسدي و التلقين ، و العامل المشترك بين التلقين و العقاب هو أن كليهما يركزان على السلطة ، و يقودان إلى الخضوع ، و يجعلان المتعلم أكثر إذعانا 2” و بهذا ف “لم يكن المطلوب من السلطة هو معالجة الجسم ككتلة ، بالجملة ، كما لو كان وحدة غير قابلة للانفصام ، بل بالشغل عليه في التفصيل ؛ و بإخضاعه لإلزام مضبوط دقيق ، و تأمين متماسك على مستوى الميكانيك بالذات : حركات – إيماءات- مواقف –ذكاء- سرعة 3” فمثلا ، نجد أن “التعليم العالي ، بصورته الحالية ، يركز على مجال واحد هو المعرفة النظرية الإسترجاعية ، الذي يقوم على تنمية الذاكرة الصماء ، و يهمل بالتالي زيادة قدرات الإنسان في التعامل مع ماحوله من ظواهر و أحداث 4” ، و بهذا فإن النظام التعليمي ، يتمم عمل البناء الإجتماعي للأجساد ، فإذا كانت غاية السلطة حسب ميشال فوكو هي خلق الإنسان الآلة ، فإن التوجيهات المراد منها “تدجين الجسد” ، يجب أن تكون في الأماكن التي يدافع عنها “الوعي الجمعي بتعبير دوركهايم ” كالمسجد – المدرسة – الإعلام الخ ، و بهذا يمكننا القول بأن المعتقد doxa توجد داخله السلطة ، و بما أن الضمير الجمعي يتمخض كوسمولوجيا(احتكاك مع الطبيعة ، تتمخض عنها تأويلات ووعي جمعي) ، فإن الأفراد عبر طبيعة تكوينهم العقلي يتلهفون إلى المعرفة أو التطبع الإجتماعي(التنشئة الإجتماعية) ، و عبر هذه العلاقة الطبيعية تنتقل الثقافة التي تتواجد فيها السلطة قبليا ، فيصبح للذهن : هابيتوسا أو رأسمالا ثقافيا يخلق في إستمرار توجيهات و إستعدادات ، تجعل الفرد معتبرا أفكاره المتطبع بها حقيقة مطلقة ، و بما أن هذه الإستعدادات حسب تعبير بورديو ، ناتجة عن بنية إجتماعية و ثقافية ، فإن السلطة حسب فوكو توجد داخلها ، و بذلك تؤدي كل الإستعدادات إلى ظهور إنضباطات مزمنة : تراقب الجسد عبر ذهنه المنمط و المتطبع ثقافيا ، أي عبر السلطة الداخلية (المتواجدة بذاكرة الفرد) و الخارجية التي تتداخل فيها كل المؤسسات التي تجسد السلطة و بذلك فإن عامل التلقين هو  جزء من مجموع السلطة المتواجدة داخل ذهن الفرد ، لأن عملية التطبيع الإجتماعي * تتداخل فيها العديد من القنوات التي تواكب تطور الذهن منذ طفولته إلى مماته، كالتلفاز الذي يروض الذهن منذ نعومة أظافره على”المشاهدة بدون مشاركة ” ، المسجد ، الخلية النووية (الأسرة) ، و بما أن المنهج الإبستيميه/المعرفي المعتمد في التنشئة الإجتماعية ، يتمحور أساسا على تقديس (الوعي الجمعي بتعبير دوركايهم ) أو (العقل الأسطوري بتعبير بورديو) ، فإن المنهج المكتسب عبر عمليه التطبع الإجتماعي ، سينعكس صداه بكل محتوى يهيأ من طرف السلطة  ، و بذلك ف”إن عددا من المناهج الدراسية العربية مقتبس من المناهج الغربية ، بما في ذلك بعض المناهج الجامعية ، و كل ما جرى في كثير من الأحيان هو ترجمتها و فرضها على الطلاب العرب 5″  ، و بما أن لكل ذهن حسب دوركهايم : كثافة ديناميكية1 : densité dynamique ** ، أو نسق من الصور السوسيو – ذهنية *** ، فإن الجسد يصبح له رأسمال ثقافي بتعبير بورديو ، يميل هذا الأخير الخاص بنا (الثقافة العربية )  إلى الإعلاء من الماضي المتمظهر – فينومينولوجيا ، و بهذا فإن العلاقة التي ستتمخض بنسق التعليم العربي ، الذي يضم منهجا حداثيا مترجما ، و منهجا مكتسبا عن النسق الأسطوري – العربي المقدس للماضي ، هي علاقة تضاد و انفصام ، ناتجة عن لا إستيعاب ” الطالبات و الطلبة /التلاميذ و التلميذات” نوعية النظام التعليمي المتمظر أمامهم ، و بهذا فما يقع بالمدرسة حسب السوسيولوجي بيار بورديو ، هو إعادة إنتاج للثقافة البورجوازية ، عبر إستعدادها المسبق بنظام تربيتها ، الذي يجعلها مهيأة على إستيعاب المناهج العلمية المترجمة ، على عكس الثقافة الكادحة التي تقصى بكونها تربى على مؤهلات خرافية و غير علمية ، لا تمكنها من إستيعاب النظريات أو الرموز اللغوية الأجنبية ، و طبعا هذا ما نعته محمد أركون : بالجهل المؤسس البنيوي ، فهو لا يعزى إلى جهة واحدة ، بل هو كما سنعرض مع ميشال فوكو : موجود في الذهن أولا ، عبر السلطة التي تحيط بالذهن من كل المواضع (التنشئة) و في كل المواضيع المؤسساتية التي تتفرع الى اجتماعية و سياسية ، و لهذا فما يتمخض عن عملية الحشو هذه “الاجتماعية / السياسية” ، هو كائن ثقافي “انثى /ذكر” يمتلك هابيتوسا حسب تعبير بورديو ، و الذي يعني لنا سوسيولوجيا : “أنساق من الإستعدادات المستدامة و القابلة للنقل ، إنها بنى مبنينة ، قابلة مسبقا ، للإشتغال بوصفها بنى و مبادئ مولدة ، و منظمة لممارسات و تمثلات يمكن لها موضوعيا ، أن تتأقلم مع هدفها ، من دون افتراض رؤية واعية للغايات و التحكم الصريح في العمليات الضرورية من أجل بلوغها 6″  ، و بذلك فإن “المعلمة أو المعلم الذي يتم تكوينهما بالتلقين ؛ يصبحان أسيران له 7” ف “قد أظهرت نتائج ثلاث دراسات ميدانية أجريت حول طرق التدريس المستخدمة في ثلاث جامعات عربية ، أن طريقة التدريس الأكثر استخداما فيها هي المحاضرة ، و عززت إحدى تلك الدراسات شيوع المحاضرات الى كثرة عدد الطلاب و قلة المحفزات للتجديد و التطوير ، و ضعف ضبط الصف ، ووجود مقررات تقليدية و ضعف رغبة الطلاب في المشاركة 8” و قد بينت دراسة أخرى حول النظام الإبستيميه الخاص بالكتب المدرسية العربية ، أن هذه الكتب لا تحاول تقديم تفسير الأحداث و لا وجهات نظر متعارضة ليلم الطالب بجميع الجوانب ، فما تفعله هو تعويد “الطالب التفسير الواحد و الرأي الواحد 9” ، فهنا يتبين لنا أن النظام الأكاديمي العربي ، يخالف جذريا نظام التدريس الذي كان في العصر الأموي و العصر العباسي ، فقد “كان العلماء يتمتعون بحرية فكرية واسعة في مجال اختيار المنهج و طرق التدريس و المراجع ، كما كان الطلبة أحرارا في اختيار المدرس الذي يتلقون العلم على يديه 10 ” و قد بين يزيد السورطي  في أطروحته هذه حول التدريس العربي، أنه لا يوجد “تعريف دستوري أو قانوني للحرية الأكاديمية ، فقد كان هذا المفهوم و لازال متغير المضمون 11” ، فهنا نفهم جيدا أن النظام التعليمي هو جزء من “ميكرو-فيزياء -السلطة *” حسب تعبير ميشال فوكو ، فهي جزء من التعاليم الرمزية التي تحرك الإجتماعي عبر الاستراتيجيات الموضوعة بكواليس المجتمع ، الموجهة للنظام الذهني- المعرفي كما عرضنا و للنظام الجسدي كما سنبين الآن ، ففي هذا الصدد يرى ميشال فوكو في عمله “المراقبة و العقاب – القسم الثالث : الإنظباط – الأجساد الطيعة ” أن بالقرن السابع عشر إنعكس نظام فضاء المدرسة و المصانع ، عن المؤسسات الإنضباطية المعروفة : السجن / المعسكرات / الشعائر الدينية (الصلاة) ، و بهذا فقد تسرب مفهوم الصف المتواجد بالمدرسة ، عن الصف المتواجد بالمعسكر و الصلاة و السجن ، و قد انتقلت فكرة المرتبة أيضا عن نظام المعسكرات ، “فهذا الفضاء إذن ، جعل الرقابة ممكنة على كل فرد ، فقد عمل على تشغيل الفضاء المدرسي كما لو كان آلة للتعليم ، و لكنه في الأصل آلة مراقبة 12” و من خلال النظام الجسدي – الإنضباطي الذي هاجر حسب تعبير ميشال فوكو ، استنادا بمشروعية السلطة من حقل الأجساد الطيعة (السجون / المعسكرات / أماكن الصلاة ) ، إلى فضاء المدرسة ، كان من البديهي حسب ميشال فوكو أن ينسخ نظام البناء أيضا ، من السجون الى فضاء التعليم ، و بذلك فإن الهندسة البنائية لفضاء التعليم “تحدد أماكن معينة و تدل على قيم : فهي تضمن طاعة الأفراد ، و أيضا تنظم الوقت و الحركات ، فإنها فضاءات مختلفة ؛ واقعية ، لأنها تتحكم في الأجساد عبر استخدام الأبنية و القاعات 13 ” ، فغايتها هي تطويق الإنسان عبر بناء هندسي-رمزي مخطط له ، مهيأ قبليا لزرع شعور المراقبة الرمزية  من أجل خلق العقاب اللاشعوري ، فعامل الإنضباط إذن حسب فوكو يستبعد الذهن و يدمج الجسد في انساق المؤثرات المخطط لها ، و يظهر ذلك في نظام تقسيم الوقت الذي ظهر فجأة حسب فوكو بفضاء التحصيل العلمي و في المصانع : الدخول في وقت محدد / الاستراحة في وقت محدد / الخروج في وقت محدد ، طريقة الدخول / مكان الدخول / طريقة المشي ، فهذا كله يدخل في عوالم خلق الإنسان الآلي (أنثى/ذكر) ، و بهذا فإن أنساق المعرفة المتموضعة (بقبضة السلطة ) ، تختلف جذريا حسب فوكو ، عن أبعاد المعرفة التي يحاول الأفراد التوصل الى اسسها ، ف”إن الفرع المعرفي الخاص بالسلطة ، مبدأ لمراقبة عملية إنتاج الخطاب ، فهو يعين لها حدودا بوساطة لعبة هوية ، تأخذ شكل عملية بعث دائم للقواعد 14″  ، بمعنى أن قواعد التحكم في الأذهان و الأجساد ، تتداخل فيها كل أبعاد الإجتماعي و السياسي ، فهي من مهدت الطريق لتسرب نظام المعسكرات الى المدرسة ، و هي من غيرت فضاء الإعدام إلى دور الحجز و مستشفيات الطب النفسي ، لا من أجل فرض السيطرة المادية الملموسة و المحسوسة المتمحورة على الجسد وحده ، بل من أجل الإلمام بالذهن و ما يستديربه من أفكار و ما ينسج داخل ذهنه من ألفاظ تحرك إرادة الجسد ،  تتحكم في كل عضو بسيط أو معقد منه ، فالجسد داخل المدرسة من المنظور الفلسفي المعاصر لفوكو هوعبارة عن ميكانيزمات تلتقي فيها السلطة بغاياتها، مخلفة عبر إستراتيجية الإلتقاء هذه ، تكنلوجيا للجسد تنتقل عبر الجسد الإجتماعي بأكمله ، و من زاوية أخرى نجد أن التفسير السوسيولوجي المعاصر للمدرسة مع بيار بورديو و كلود باسرون  ، قد سلم عبر دراسة ميدانية و تفقد للإحصائيات ، أن المتعلمين يأتون إلى المدرسة مختلفين في التراثبية الإجتماعية و الطبيعية ، فيجدون حسب بورديو و باسرون : نظاما مؤدلجا ، يميل إلى الدفاع عن ثقافة الطبقة العليا ، فالمدرسة حسب السوسيولوجيين بورديو و باسرون تدافع عن التراتبية الطبقية ، عبر دروسها التي تقسم المجتمع إلى طبقات ، و بذلك فإنها تساهم رمزيا في إعادة إنتاج الوضع ذاته ، فقبل ولوج الأطفال إلى المدرسة ، يكونون غير متساوين ثقافيا ، فكل و رأسماله الثقافي الذي يضم ثلة من الألفاظ التي تعبر عن درجة معينة من التفكير ، و في هذا الصدد يقول بورديو ” إن الرأس المال اللغوي لا يكف دوما عن مزاولة تأثيره ؛ إن الأسلوب دوما مأخوذ بالحسبان في كل مستويات المسيرة 13″  ، بكون الرأسمال اللغوي / الثقافي هو من يشكل إستعدادات تؤدي إلى تكوين المسار الذي يتداخل فيه المدرك الخارجي ، و لكن حينما نستشف رأسمال الثقافة الكادحة ، فإننا نجد ألفاظا ك”حشومة / عيب / الغول / الشيطان ” لن تمكن الذهن من فهم أحدث النظريات العلمية حول دماغ الإنسان أو حول أثر اللاشعور في الشعور ، على عكس الرأسمال الثقافي البورجوازي ، الذي يتكون مجمله من مفاهيم علمية حول تعدد الذكاء مثلا و اللاشعور الخ ، و بذلك فإن المدرسة حسب بورديو و باسرون يوجد فيها نظام قيمي مستنبط بعمق من الرأسمال الثقافي الخاص بالطبقةالعليا ، تؤدي الى إقصاء بنات و أبناء الطبقة الكادحة بسبب لا إستعدادهم لفهم الأفكار الأكاديمة المنظمة بإحكام ، و بذلك فالمدرسة حسب بورديو تعيد إنتاج الطبقات ذاتها : إبن فلاح سيبقى عالقا في الطبقة الدنيا ، و ابن أستاذة جامعية / إبنة أستاذ جامعي : سيعاد إنتاجهما في الطبقة العليا

المراجع :

1 : يزيد عيسى السورطي – السلطوية في التربية العربية – عالم المعرفة ، العدد : 362 – ص: 15

2  : المرجع ذاته – ص : 16

3 : ميشال فوكو – المراقبة و العقاب – ترجمة : علي مقلد – مركز الإنماء القومي – ص:158

4: يزيد عيسى السورطي – السلطوية في التربية العربية – ص : 17

  • : بيار بورديو – الهيمنة الذكورية – ترجمة : سلمان قعفراني – مركز دراسات الوحدة العربية – ص : 65

5 : يزيد عيسى السورطي – السلطوية في التربية العربية – ص : 24

6 : Émile Durkheim – Les régles de la méthod sociologique – Champs classique – page : 235

** : “يمكن تحديد الكثافة الديناميكية لمجتمعين متحدين في الحجم بعدد الأفراد الذين لا تربطهم علاقات تجارية فحسب ، بل تربطهم أيضا صلات روحية وثيقة – الصفحة ذاتها من قواعد المنهج

*** : الصور – ذهنية – اجتماعية : نسق من الافكار و العبارات و الايماءات و الاصوات الثقافية ، التي تتحكم في كل عضو من الجسد ، بعد اثارتها من انعكاس شبيه لها بالواقع الاجتماعي ، المشرع لوجوده من طرف السلطة

شاهد أيضاً

لوك فيري في جدوى الفلسفة المعاصرة: مواكبة تحليلية

عبد الرحيم امعضور عبد الرحيم امعضور في نص له تحث عنوان “ما جدوى الفلسفة المعاصرة؟”[1] …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *