الرئيسية / ترجمة / أغامبن..”المهدور الدم” ..واشكالية ترجمة المصطلح النظري

أغامبن..”المهدور الدم” ..واشكالية ترجمة المصطلح النظري


نصير فليح

نصير فليح

مشكلة ترجمة المصطلح مشكلة رئيسية في ثقافتنا العربية، ذات الترجمة المتدهورة اصلا كما بينا في اكثر من منشور سابق. وهذا ما يتكرس بوجه خاص في المصطلحات ذات الاهمية المحورية في فكر او فلسفة معينة. فضلا عن توظيف المفاهيم والافكار لقراءة واقعنا العربي، التي نحن بعيدون جدا عنها بالتالي، الا اللهم من حالات متفرقة نادرة.

المفهوم والمصطلح الرئيسي في عمل جورجو أغامبن Giorgio Agamben الفكري النظري في مجال الفلسفة السياسية هو مصطلح “المهدور الدم” Homo Sacer، مثلما ان الفلسفة السياسية في عمله هي الجزء الأبرز في مسيرته ونتاجه الفكري. وقد تحول هذا المفهوم، الذي كان عنوان واحد من اول كتب اغامبن، الى سلسلة من الكتب اصدرها على امتداد الأعوام، تحمل عناوين فرعية امتدادا للعنوان الاصلي، متوسعة ومتشعبة في جوانب مختلفة متصلة. فقد ظهر هذا الكتاب بدءا من تسعينات القرن الماضي (الطبعة الاولى لمنشورات ستانفورد 1998) ونشر أغامبن بعد ذلك سلسلة كتب باعتبارها تفرعات من الكتاب الأول، وصولا الى ما نشره عام 2017.

ومن يتصفح بعض الترجمات لعمل اغامبن – وهي قليلة عموما في العربية – سيلاحظ ان هذا المصطلح تُرجم الى “المنبوذ” والى “الانسان المستباح” (وربما ترجمات اخرى). لكننا نعتقد ان هذه الترجمات، رغم قربها بشكل أو آخر من المعنى المطلوب، لا تؤدي المعنى الدقيق، لا سيما وان هذا المصطلح هو المصطلح الأبرز في مجمل فكر واصدارات أغامبن على مدى أعوام طويلة، وبالتالي له اهمية محورية استثنائية.

المهدور الدم:

مصطلح أساسي جدا بل محوري في فلسفة أغامبن السياسية، وهو من أصل لاتيني ويعني حرفياً “الإنسان المقدس”. وهو مصطلح فيه مفارقة، فالـ homo sacer هو ذلك الشخص الذي يكون خارج حماية القانون من جهة، ولا يمكن التضحية به شعائريا ايضاً، ولكن يمكن قتله دونما معاقبة للقاتل. وترجمة هذا المصطلح الى “المنبوذ” (كما يذهب لذلك عبد العزيز العيادي) أو الى “الانسان المستباح” (كما تذهب الى ذلك أماني ابو رحمة)، لا يؤدي المعنى الأصلي بدقة، ولا صفته الأقرب الى الجانب التشريعي- القانوني. فمع ان مفهوم “المهدور الدم” يتضمن النبذ والاستباحة، لكن النبذ يمكن ان يكون باشكال متعددة كثيرة، كما هو الحال مع النبذ الاجتماعي مثلا، ولا يشترط بالضرورة اعتبار الشخص خارج حماية القانون، ولا يشترط ان يكون الشخص المنبوذ “مهدورا للدم” عرضة للقتل دونما معاقبة. اما بالنسبة “للانسان المستباح”، فالاستباحة تتضمن طيفاً من الممارسات مثل استباحة الاملاك او استباحة الأعراض، وكل هذا ليس المعنى المراد على وجه التحديد، أي الاستباحة المقترنة بامكانية القتل دونما عقاب بالأساس

كما ان “المستباح” رغم انها أقرب من “المنبوذ” للمعنى المراد، فانها صياغة ذات طابع أدبي بعيد عن اللغة القانونية التي هي اساس المصطلح، بينما “المهدور الدم” اقرب الى اللغة القانونية والتشريعية، وهو ما ينسجم مع معنى المصطلح الأصلي. مع الانتباه هنا الى نقطة مهمة، وهي ان كون الانسان “مهدورا للدم” لا يعني بالضرورة انه سوف يقتل، او ان حدود استباحته تتوقف عند مسالة القتل من عدمها. بل انه انسان حُرم من وضعه القانوني والاجتماعي والانساني الطبيعي، بما في ذلك امكان قتله دون عقاب.

حالة الإستثناء والحياة العارية:

بالصلة مع مفهوم “المهدور الدم”، والمفهوم الآخر الوثيق الصلة به “الحياة العارية” bare life، يبين أغامبن كيف ان النظام السياسي والقانوني الحالي قائم على ما يسميه “حالة الإستثناء” state of exception، اي إمكان حالة استثنائية يتم فيها تعليق القوانين.

فهو يرى ان “حالة الاستثناء” ليست حالة ثانوية او عرضية، وانما هي مفتاح لكشف الجوهر العميق للسياسة والقانون، وتكشف حقيقة مفهوم “السيادة” sovereignty ايضا. فتعليق القانون هو القانون في صورته الأنقى المحضة، حيث يصبح مجرد “قوة القانون” التي تتخطى القانون، حسب أغامبن، والتي هي في حقيقتها ليست اكثر من “حرب اهلية مشرعنة”، اذ تشن الدولة حربا على كل من يُفترض انه معارض لها. أما bare life، والمعنى الحرفي له هو “الحياة العارية” (وبالإيطالية nuda vita) فهو مفهوم أغامبن عن الحياة المعرضة الى “حالة الإستثناء” هذه، حيث يصبح الانسان في حالة يعامل فيها كمحض كائن حي اكثر مما هو انسان ذو مواصفات حياة بشرية لها خصائصها التي تتخطى وجوده البايولوجي (مثلما جرى في معسكرات الاعتقال النازية، او في معسكر غوانتانامو، او حالة اللاجئين واسعة النطاق في الاعوام الاخيرة).

فاذا تصورنا القانون مجالا او نطاقا معينا، فان ما هو سيادي يقع على احدى حافتي القانون، داخلها وخارجها في نفس الوقت (لانه مشمول بها ولكن يستطيع تعليقها ايضا)، أما على الحافة الأخرى من القانون فيوجد “المهدور الدم” الذي هو حسب أغامبن “الشخص الموضوع ببساطة خارج السلطة القانونية دون ان يتم جلبه الى نطاق القانون الإلهي”، وهو نموذج معرض لسلب حقوقه القانونية وخصائص حياته الانسانية تحت حالة الاستثناء عندما يتحول الى مجرد “حياة عارية”.

البايوسياسة:

وكل ما تقدم يندرج ضمن مبحث البايوسياسة biopolitics، أي مقاربة السياسة من زاوية علاقتها بالبايولوجيا. و biopolitics مصطلح صاغه أول مرة ميشيل فوكو، في سياق بحثه عن تحولات وسائل السلطة وعلاقتها بالجسد البشري كحقل فعالية لهذه السلطة. لكن أغامبن يختلف عن فوكو في نقاط رئيسية، مع اقراره بالاهمية الكبيرة لعمل فوكو، وان عمله في هذا المبحث يمكن اعتباره تصحيحا او استكمالا لعمل فوكو.

كما ان “البايوسياسة” نفسها مصطلح يترجمه بعض المترجمين العرب الى “السياسة الحيوية”، لكننا نرى ان “بايوسياسة” افضل. فالبادئة “بايو” الموجودة في “بايولوجيا” (والتي تعني علم الحياة) معروفة لدى القارئ العربي بوجه عام وليست غريبة عنه. كما ان “الحيوية” قد تثير الالتباس لجهة فهم “السياسة الحيوية” بانها السياسة النشطة او الفعالة، بعيدا عن المعنى الذي يربط “الحيوية” بـ “علم الحياة” أي البايولوجيا biology.

كل هذا يبين جانبا من الاشكاليات العديدة والعويصة التي تكتنف ترجمة المصطلح، لا سيما تلك المصطلحات الرئيسية في نطاق معين، وخصوصا الجديدة منها، التي لم تتواتر ترجماتها لتستقر على ارضية قوية من الدقة والتحديد تترسخ بمرور الزمان والتداول. كما يبين ايضا كم نحن بعيدون عن توظيف المصطلحات والمفاهيم في بحوثنا، التي تعاني من مشكلة استيعاب المصطلح والمفهوم نفسه اصلا.

11-5-2020

ــــــــــــــــ

11-5-2020

شاهد أيضاً

أندريه كونت سبونفيل: الغيرة

ترجمة: بنتابت طارق – لابد أن نميز بداية الغيرة عن الحسد، وهو أمر ليس هينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *