الرئيسية / منتخبات / عامة / مفهوم العزلة في زمن كورونا

مفهوم العزلة في زمن كورونا

بقلم: ادريس شرود

“ينبغي أن يكتب أحدهم كتابا في مديح العزلة، واصفا بُعدا للتعايش

 الإنساني الذي يعترف بحاجة الناس إلى عدم التواصل”           

 بيتر سلوتردايك

“إلى عزلتك، يا صديقي، إلى الأعالي حيث تهب رصينات الرياح”

 فريديريك نيتشه

تقديم

    ربطت مجموعة من الكتابات بين كورونا وسيادة مشاعر الخوف والقلق، بحيث أدخل الفيروس البشرية في حالة “اللايقين” وأضحت فكرة الموت تطارد الأفراد والجماعات. كما أحدث “الحجر الصحي” تحولا فجائيا في حياة الناس، انقطعت بموجبه العلاقات والروابط الإجتماعية، وفرضت “العزلة” نفسها بعدما سارعت السلطات المختصة لتنظيم حركية الناس تجنبا لانتشار الوباء رافعة شعار “إلزم بيتك؟”. لكن العملية أثارت ردود فعل مختلفة بين مؤيد للحجر الصحي ورافض له.

ما يهمنا في هذه المقالة، هو البحث في مفهوم “العزلة” ونحن نحيا وسط الجائحة، وإثارة بعض الأسئلة حول إمكانية التعايش مع الوضع مؤقتا، والتفكير في الحياة والموت وضرورة ابتكار أسلوب حياة جديدة؟

1- كورونا وراهنية التفكير في الموت والحياة

    مع انتشار فيروس كورونا، اكتشف الفرد نفسه في مواجهة انفعالين؛ الخوف والقلق. بحيث أصبح مفصولا عن علاقاته الطبيعية اليومية بالأشياء المحيطة به،  مع إحساس مضاعف بالخوف من خطر مُريب، لامحدد ولامرئي ومُتغيّر يُهدد البشر دون تمييز. كما أن استمرار هجوم الوباء وزيادة عدد الموتى والمصابين يعمق الشعور بالقلق..، لكنه قلق يُعدّ سبيلنا الوحيد للكشف عن حقيقة وجودنا، وهو أنه وجود – من أجل- الموت”(1).

أكيد أن الشعور بالخوف والقلق، يُعرقل قوى الفرد ويشل حركات الجسد ويضعف الإيمان بالحياة، كما أن جرد عدد الموتى والمصابين الجدد على مختلف وسائل الإتصال، يجعل الموت نفسة منتصبا أمام باب كل سكن. هكذا اختلط الإحساس بالموت الوشيك مع الرغبة العادية في مواصلة الحياة والتمسك بالوجود في العالم. وما يثير في الحلول المفاجئ لفيروس كورونا وإصراره على الإستمرار في الإنتشار، هو إرغام الأفراد على التفكير في الموت. لقد سبق لفريدريك نيتشه أن لاحظ ضعف الإهتمام بالموت، بقوله :”إن ما يسعدني هو أن أرى الناس يرفضون أن يفكروا فكرة الموت بتاتا! وسأساهم عن طيب خاطر لأجعل فكرة الحياة أجدر مائة مرة بأن تكون فكرة بعدُ!”(2).

إن هجوم وباء كورونا قد يمنحنا القوة للتفكير في وجودنا مع العالم وإعادة النظر في “أسلوب حياتنا اليومي وحتما ما يتعلق بطبيعة المسكن” بتعبير نيتشه، وليس الإشمئزاز من الحياة وخلق الإضطراب في المأوى المشترك. فالإستمرار في الوجود في ظل وباء منفلت من كل تحديد، يفترض التفكير في طريقة لاستخدامه من أجل شيء ما، مثل أي شيء آخر، ليس الوباء عدوا، ليس شيئا يبعث الشعور بالموت، بل هو بالأحرى، شيء يشحد الشعور بالحياة، يمنح رؤية للحياة، الحياة بكل قوتها، بكل جمالها، كما يقول جيل دولوز بخصوص المرض(3). ومن الممكن أن تصير جائحة كورونا فرصة لاسترجاع الإيمان بالحياة، وتركيز الإنتباه على علاقتنا بذاتنا وبالآخرين؛ فالإنسان العادي يولي نفسه أهمية أكبر من التي يوليها للناس(4).

2- العزلة  وتثمين مفهوم الإنفصال

    فرض فيروس كورونا الإمتثال للحجر المنزلي، والبحث عن طريقة مُثلى للتعامل مع حالة استثنائية مطبوعة بالعزلة والإنفصال. لم تترك فجائية حلول الفيروس بيننا فرص للتفكير والتجهيز والإستعداد، بحيث عمّ الخوف والقلق وثمّ حبس الانفاس وشلّت الحركة، الشيء الذي ساهم في نشر تشاؤم مفرط بين الأفراد والجماعات من الحاضر والغد. تضاعف الإحساس بالخوف والقلق مع فرض الحجر والعزل، وتقليص علاقات الناس إلى الحد الأقصى، وتحولهم إلى أفراد منعزلين. لكن يجب التنبيه إلى أن العزلة لا تعني إلا الغياب المؤقت للآخر، إنها إمكانية حضور الآخر”(5)، بل بإمكاننا إقامة أي التقاء انطلاقا من أعماق هذه العزلة، كما يؤكد جيل دولوز؛ نلتقي بأناس (وأحيانا من دون أن نعرفهم، بل حتى دون رؤيتهم أبدا)، ولكن أيضا نلتقي بحركات وأفكار وأحداث وكيانات”(6).

أكيد أن العزلة قلّصت حركة الناس وغيّرت الكثير من عاداتهم اليومية، وخاصة تلك المتعلقة بظاهرة التبضّع والتسوّق، وبهذا ألزمت الناس ب”التّخلّي” عن ممارسات يومية وعادات استهلاكية مطلوبة بقوة وباستمرار من طرف النظام الرأسمالي وقوانينه. ولعل أنفع ما في التخلي الكبيرهو كونه يمنحنا كبرياء الفضيلة الذي بفضله نحصل، من أنفسنا، على كثير من التخليات الصغيرة”(7).

بالمقابل، يمكن استغلال لحظة الوباء للقيام أولا بأعمال؛ كاجتثاث أنواع “الأعشاب الضارة والنباتات الشيطانية” التي تعيق نمو الذات والوصول إلى النضج. والتمتع بالصمت الذي يُميّز حالة العزلة لممارسة التأمل في الذات، كما جاء في الأبيات الشعرية التالية لفريديريك نيتشه:

أتأمل أية متاهة فتانة،

أو قل، أتذكر عن بعد وبهدوء، مسكني-

لأسترجع حواسي وانسحر بنفسي”(8).

إن الأمر يتعلق بالإنهمام بالاشياء القريبة جدا منا كما يدعو نيتشه:” تثبيت النظرة على الذات الداخلية والإنشغال بها وبعلاقتها مع الآخرين؛ فالتعرف على النسب والقرابة اللذين يجمعان روحا مع روح أخرى ليس في طريقة اقترابها منها بل في طريقة ابتعادها”(9).

ومن المستعجل استغلال هذا الصمت الذي تتيحه العزلة لبذل مزيد من الجهد، كما يؤكد سورين كيركيجارد: ’’يعجبني هذا الصمت، إذ لأنني أجد فيه نفسي قادرا على بذل هذا الجهد (أي الصمت) وإنني أشعر أنني لأستطيع أن أحمل المرآة، مهما أظهرتني، أكان ذلك مثلي الكامل، أو مسخي المشوّه’’(10).

3- العزلة ونُشدان “الحياة البسيطة”

    ربطت العديد من الكتابات بين انعكاسات وباء كورونا وضرورة تغيير نمط حياتنا وأسلوب عيشنا. ودعت إلى ضرورة التفكير بطريقة مختلفة في علاقاتنا مع أنفسنا ومع الآخرين ومع “اقتصادنا”. فمن المستعجل -ونحن وسط الجائحة- التحوّل إلى ذواتنا وإعادة التفكير في  أنفسنا وترتيب علاقتنا المستقبلية مع الآخرين ومع الأرض وأشيائها. ولعل أول خطوة، هي إعادة النظر في مفهوم “الإقتصاد” الذي ركز خلال فترة طويلة على تلك “المادة الرمادية” قصد الحصول على ديبلوم، يجعل منا “موردا بشريا” مطلوبا في السوق، يقول ألان دونو. في حين كان من الواجب، الإنتباه إلى ثراء هذا المفهوم؛ الذي يقوم على التفكير في العلاقات الجديدة والسليمة بين العناصر وكذا الأفراد، ثم الأفراد وأفكارهم (11). إن لحظة العزلة، يمكن أن تدفعنا إلى ربط ذواتنا بما هو جوهري؛ ك”التفكير في زرع حديقة للخضراوات خلال هذا الصيف، الإطمئنان على أحوال الجيران والأقارب …، يمكن أن نكتشف داخل ذواتنا مواهب لم تكن نعلم بها سابقا(12).

تؤسس هذه الأفكار ل”حياة بسيطة”، لكنها تتطلب إرادة قوية وإعمالا للفكر وتجريبا لقدرات، يقول فريديريك نيتشه:

“لقد صار شكل الحياة البسيطة الآن شيئا صعبا: إنها تستوجب من التأمل والتفكر والإبداعية أكثر مما نجده لدى الأذكياء. وربما يقول الأكثر صدقا من بينهم ’’ليس لدي الوقت للتفكير فيها مليا. شكل الحياة البسيطة يشكل بالنسبة لي هدفا ساميا، وسأنتظر لأن يعثر عليها من هم أحكم مني’’ “(13).

ولعل الأمر المستعجل، هنا والآن، هو الشروع في تنظيم الحياة وترتيب الأشياء القريبة وفق المبدأين التاليين:

– المبدأ الأول: يجب تنظيم الحياة حسب ما نراه في الأفق أكيد، قابلا للبرهنة، وليس، كما كان الأمر حتى الآن، حسب ما نراه بعيدا وغامضا.

– المبدأ الثاني: يجب حصر تراتبية الأشياء القريبة نوعا ما، الأكيدة شيئا ما، قبل تنظيم الحياة وتوجيهها وجهة أخيرة(14).

لكن عيش الحياة البسيطة وتثمينها يتطلب قبول الوجود وهو “يحتفل بتغيّره”، وجعل الحياة مقدّسة كفاية، وقول “نعم” حتى في وجه المعاناة الشديدة. وما دمنا نعيش الآن “الحجر المنزلي”، فبإمكاننا تجريب وممارسة الصرامة على ذواتنا واستعادة امتلاكها، واستغلال لحظات العزلة للتخلص من “اليومي” وكل شروط الحياة المعتادة، وتحويل “الكارثة/كورونا” إلى “ابتهاج دينامي صريح”.

خاتمة

    من المرجّح أن ينشر وباء كورونا إحساسا تراجيديا بالعالم ، وشعورا مُرهفا بما يحدث. فرغم اجتياح الوباء لفيزيولوجيا أجسادنا ولفضائنا النفسي ولعلاقاتنا الإجتماعية، لابد من تفعيل قوانا لتدبير كيفية وجودنا وطريقة عيشنا. من المستعجل خلق لحظات للفرح ونسيان الخطر الجاثم فوق صدورنا،  وتحويل الشعور في اتجاه الممتع كما كان يفعل الإغريق القدامى؛ لقد كانوا يعرفون حقيقة المعاناة غاية المعرفة (بؤس الناس هو بالضبط الموضوع الذي كانت الآلهة تحب سماعه في التراتيل)، وكانوا يعرفون أن الفن هو الوسيلة الوحيدة القادرة على تحويل البؤس نفسه إلى متعة”(15). لكن جعل الحياة موضوعا للفن والتمتع بلحظات الفرح يتطلب تجاوز الإنفعالات الحزينة وردود الفعل السلبية تجاه الوباء (الإنكار، الغضب، اليأس…) والإقبال على الحياة وليس على الموت، وتفعيل الإرادة وليس الإنكفاء على الذات، وتجريب ما يستطيعه الجسد ويقدر عليه.

إن الأمر يتطلب أخيرا “الإيمان بهذا العالم”، والتحلّي بالشجاعة وقوة الإرادة، يقول نيتشه:

“سأجعلهم أكثر شجاعة، أكثر تحملا، أكثر بساطة، وأكثر فرحا! سأعلمهم ما يفهمه الآن قليل من الناس، ما يفهمه دعاة التضامن الشّفوق أقل: التضامن في الفرح!”(16).

الهوامش:

1- مطاع الصفدي: مارتن هايدغر والكينونة، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 3، تموز 1980، ص14.

يقول عبد القادر الشاوي:”أشعر بنوع من الخوف الشخصي، الذاتي والتلقائي، من الموت طبعا، من الموت في هذه الظروف لا في غيرها. خصوصا وأن الفيروس لا لقاح له لحد الآن، هذا فضلا عن الغموض المحيط به، الأمر الذي يفرض تلقائيا في شروط الحجر والحجز شعورا متواصلا لا يتوقف بالموت (العدوى كذلك) في كل وقت وحين. إننا نخاف من الموت، ولكننا نخاف أيضا من الحديث عنه بالعبارات الصريحة، علما بأنه حالة قدرية ملازمة لنا رغم كراهيتنا أو حبنا له”، يوميات الحجر الصحي، مع عبد القادر الشاوي، حاوره: سعيد أهمان، موقع لكم، 17 أبريل 2020.

2- فريديريك نيتشه: العلم المرح، شذرة 278 “فكرة الموت”، ص166.

3- جيل دولوز وكلير بارنت: الألف لام، ترجمة أحمد حسان، المحروسة، ص107،

 M مثلما في Maladie [المرض].

4- فريديريك نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة، الكتاب الأول، “عن المبادئ والغايات”، شذرة 33 “الخطأ بشأن الحياة ضروري للحياة”، ص36.

5- مطاع الصفدي: مارتن هايدغر والكينونة، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 3، تموز 1980، ص10.

6- جيل دولوز- كلير بارني: حوارات في الفلسفة والأدب والتحليل النفسي والسياسة، ترجمة عبد الحي أزرقان-أحمد العلمي، أفريقيا الشرق، المغرب-الدار البيضاء، 1999، ص15.

7- فريديريك نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة، الجزء الثاني، الكتاب الأول “آراء وحكم مختلطة”، شذرة 403 “فائدة التخلي الكبير”، ترجمة محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، 2001، ص111.

8- فريديريك نيتشه: العلم المرح، شذرة 33 “المنعزل”، ترجمة وتقديم حسان بورقية-محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 1993، ص33.

9- فريديريك نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة، الجزء الثاني، الكتاب الأول “آراء وحكم مختلطة”، شذرة251 “في الإنفصال”، ص83.

10- مطاع الصفدي: مارتن هايدغر والكينونة، مجلة الفكر العربي المعاصر، عدد 3، تموز 1980، ص6.

11- حوار مع ألان دونو: “هاجم الوباء، الصورة الأوليغارشية في عقر دارها”، ترجمة سعيد بوخليط، موقع ثقافات، 30 أبريل 2020.

12- حوار مع ألان دونو: “هاجم الوباء، الصورة الأوليغارشية في عقر دارها”.

13- فريديريك نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة، الجزء الثاني، الكتاب الثاني “المسافر وظله”، شذرة 196 “الحياة ببساطة”، ص178.

14- فريديريك نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة، الجزء الثاني، الكتاب الثاني “المسافر وظله”، شذرة 310 “مبدأ الحياة الجديدة”، ص211.

15- فريديريك نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، كتاب العقول الحرة، الكتاب الرابع “عن روح الفنانين والكتاب”، شذرة154 “اللعب مع الحياة”، الجزء الأول، أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، الدار البيضاء-المغرب، الطبعة الأولى، 1998، ص98.

16- فريديريك نيتشه: العلم المرح، شذرة338 “الشقاء وإرادة المعاناة”، ص197

شاهد أيضاً

أندريه كونت سبونفيل: الغيرة

ترجمة: بنتابت طارق – لابد أن نميز بداية الغيرة عن الحسد، وهو أمر ليس هينا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *