الرئيسية / منتخبات / عامة / الموت كطريقة لفهم وجودنا في العالم

الموت كطريقة لفهم وجودنا في العالم

عبدالكريم لمباركي.

عبد الكريم لمباركي.

لقد حاولت الفلسفة الوجودية أن تجعلنا نعي الموت كواقعة.. بإمكاننا ملاحظتها باعتبارها الإنقطاع العنيف عن الحياة، إلى الوعي الداخلي للكائن البشري بأن وجوده يقترب من الموت خطوة تلو الأخرى، ومن اليقين أن يستشعر بالموت، هذا الإحساس يتضح له بصورة حتمية في “وجدانية القلق”. فالقلق حيال الموت، هو القلق إزاء امكانيات الذات التي تجردت من كل علاقة ، واصبحت نجاتها مستحيلة وبهذا فإن القلق من الموت هو احساس وجداني وليس ضعف. إذن فما الخصوصيات التي تحكم العلاقة بين الإنسان والإله، وبين الإنسان والعالم؟
يعيش الإنسان اليوم حالة من الهلع جعلت منه متصالحا مع ذاته، وذلك عن طريق العودة إليها وجعلها المركز الذي تدور حياله جل الموضوعات بختلاف صفاتها، ولو لم يكن الشعور بالخطر لما عادت الأنا لذاتها وحاولت أن تنفرد بها ولو لبرهة من أجل فهم مجموعة من القضايا الأنطلوجية العميقة التي كانت شبه غائبة في حضور الآخر، فمشاركة الأغيار في الحياة اليومية يجعل من الذات فارغة من فعاليتها ومنهمكة في اليومي والإعتباطي، مما ينتج عنه غياب طرح الأسئلة التي تجعل فهمها للعالم أكثر وضوحا.لقد إزداد إرتباط الإنسان بالمواضيع الدونوية أكثر من السابق في زمن الوباء، لهذا ففعل التدين والتضرع للإله ما هو إلا وسيلة لرفع الخطر عن الحياة لكي يستمر فيها الكائن البشري في أمن وآمان.
إن العيش في خطر يجعل من الموت جحيم يفور باليأس، ويفعل مفعوله بالذات الإنسانية وقلل من فاعليتها الأمر الذي يجعل الحلم بالحياة شبه مستحيل، ويضحى الإنسان مرهون بفكرة الإنتهاء والخلاص في كل لحظة، ومنذ تلك الوهلة يبدأ الفرد في البحث عن الكيفيات التي ترضي الإله، لكن ما يقوم به من أفعال من أجل نيل رضى الآخرة، ما هو إلا وسيلة للإرتباط  بالحياة وبدرجة كبيرة، ومن هنا فقلق الموت يجعلنا أكثر إرتباطا بالحياة، ولعل لحظة إنفصال النفس عن الجسد أكبر دليل على ذلك، لأنها تأبى الفراق.
خلاصة؛ إن سؤال المصير هو احد الأسئلة الميتافيزيقيية الذي أصبح اليوم يتحكم في أفعالنا، كما أنه جعل علاقتنا بالإله علاقة برغماتية صرفة، فلما  نعي حقيقة الموت كحقيقة أنطلوجية، آنذاك تصبح علاقتنا مع الآخر علاقة حب وتقدير، ويحضر عندنا فعل التضامن على حين غره، لكن هذا التضامن الإجتماعي أصله تضامن ذاتي، لأن الإنسان يتضامن مع نفسه في تلك اللحظة التراجيدية، من أجل النيل بفرصة جديدة في الحياة، فالأصل فينا هو صراع من أجل البقاء، وفعل المساعدة هو تحايل على الإله، أكثر من حبنا للآخر، أنه صراع يتجاوز الملذات الحياتية للحظة قصيرة بغية الفوز بجلها حينما ينزع التهديد على الوجود إذا ففي حضور الخطر، تحضر في بال الإنسان فكرة نهاية الوجود وبداية العدم ، وهذا الأخير هو وجود جديد تحكمه شروط تتعلق بخصوصية كل فرد، الأمر الذي يجعل الوجود البشري – وجود – مستحيل الإدراك.
عبدالكريم لمباركي.

شاهد أيضاً

عندما يُحَوِّلُ الْاِسْتِبْدَادُ الْاِسْتِعْبَادَ الى طَبِيعَةَ ثَانِيَةٍ

قراءة في رواية مزرعة الحيوان عمرون علي “الثورة لا تنتمي أبدا لمن يفجر شرارتها وإنما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *