الرئيسية / منتخبات / عامة / نحو تاريخ جديد للإسلام

نحو تاريخ جديد للإسلام

يوسف اسحيردة

يوسف اسحيردة

وُلد الإسلام عندما تَلَقَّى شخص بدوي يدعى محمد الوحي في غار بشبه الجزيرة العربية، وذلك حوالي سنة 610 ميلادية. بعد ذلك، تم تدوين هذا الوحي قصد حفظه من النسيان، فظهر القرآن، الكتاب المقدس الأول عند المسلمين. الوحي المحمدي يقول، في مجمله، بأنه يُوجد إله (الله) واحد، وحده يستحق العبادة. بعدها انخرط محمد في دعوته للإسلام، أولا في مكة، مسقط رأسه، وثانيا في المدينة بعد طرده وأصحابه من مكة. بعد أن تقوت شوكة محمد في يترب، شن هجوما على مكة ودخلها فاتحا. بعد محمد، جاء الخلفاء الراشدون، وأكملوا عملية التأسيس والتوسيع، حتى أصبح الإسلام، بعد قرن فقط من ظهوره، يشمل مناطق شاسعة تمتد من اسبانيا حتى أفغانستان.

ضد هذه السردية المُؤسسة، ينهض عالم الاجتماع الفرنسي، جون فرونسوا دورتيه، من خلال مقال عنونه ب ” بداية الإسلام : نظرات جديدة”، ونشره في المجلة التي يشرف عليها شخصيا، “علوم اجتماعية”، العدد رقم 316. هو نفسه، في هذا المقال، لا يعرض سوى لوجهة النظر الجديدة التي يطرحها من يسميهم ب ” المؤرخين الجدد للإسلام”، والذين بدأ صيتهم يذيع بعد هجمات 11 شتنبر. ماذا يقول هؤلاء، و كيف يهزون الرواية الرسمية حول بداية الإسلام؟

في نظر هؤلاء، لم يكن محمد أول مسلم، بقدر ما كان مجرد معتنق لشكل من أشكال اليهودية-المسيحية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط عامة آنذاك، أي إبان ظهور محمد على ساحة التاريخ. الإسلام كما نعرفه اليوم، كديانة مستقلة بذاتها، بكل ما يرافقها من طقوس وتشريعات، لم يظهر حتى وقت متأخر، في سياق الفتوحات الإسلامية التي قادها الخلفاء الراشدون بعد وفاة الرسول، وتابعها الخلفاء الأمويون والعباسيون. كل هذا ضمن سياق متشنج سيطرت عليه الصراعات حول السلطة. يكفي أن نذكر بأن ثلاثة من الخلفاء الراشدين، قد قُتلوا.

في المقابل، ما الذي يجعل هذه الفرضية تستهوي هؤلاء المؤرخين الجدد؟ يكفي النظر في الحالة العقائدية لمنطقة الشرق الأوسط ومحيطها في نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع من التقويم الميلادي، حتى تتبين معقولية هذا الطرح الجديد : العديد من الممالك المسيحية-اليهودية كانت تحيط بشبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت، المملكة البيزنطية المسيحية من جهة الشمال الشرقي، مملكة الحبشة (أثيوبيا الحالية) المسيحية في أقصى الجنوب ومملكة الحمر (اليمن الحالية) التي كانت تدين بدين اليهودية. الكثير من الطرق التجارية، كانت تربط بين هذه الممالك. شكلت مكة إحدى ملتقيات الطرق العديدة حيث كان يلتقي التجار العرب من مختلف الديانات والملل: المسيحية، اليهودية والوثنية. نتج عن هذه الاجتماعات، إعجاب الكثير من العرب بفكرة الإله الواحد. طبعا، فقد أُعجب هؤلاء بثراء وقوة ممثلي هذه الديانات أيضا. هل كان محمد من بين هؤلاء المعتنقين الجدد؟ كاتب المقال المُعتمد لا يتسرع في الإجابة.

لم تكن المسيحية أو اليهودية الحاضرتين وقتها في الشرق الأوسط، تتميزان بذلك التناغم المثالي. لا الجماعات اليهودية، ولا حتى المسيحية، كانت تخضع لعقيدة منسجمة، تابعة لروما أو بيزنطة. فقد حافظت هذه الجماعات المسيحية التي تشكلت حول البحر الأبيض المتوسط (مصر، اليونان، سوريا، تركيا) – ما يعرف اليوم بمسيحيي الشرق – على استقلاليتها التنظيمية والروحية. فنحن نعلم أن العديد من النقاشات اللاهوتية حول طبيعة المسيح قد ميزت المنطقة، وظلت مستمرة حتى بعد مرور 600 عام على وفاة المسيح. في مصر، حافظت بعض الجماعات المسيحية على بنوة المسيح الإلهية، لكن مع رفض مبدأ التثليث؛ في تركيا، دافع النساطرة عن فرضية ازدواجية طبيعة المسيح : إلهية وبشرية؛ بالإضافة إلى العديد من الطوائف الأخرى كالصابئة والمقرونية..

غير أنه، ومن بين كل هذه الطوائف المسيحية، توجد طوائف تحتل مكانة متميزة في بداية الإسلام، يتعلق الأمر بجماعات “يهودية – مسيحية” ظلت يهودية ومسيحية في نفس الوقت. يهودية، لأنها بقيت متمسكة بالكثير من الطقوس اليهودية ( الختان، الامتناع عن أكل لحم الخنزير…)؛ مسيحية، لأنها تعترف بنبوة عيسى. لكنها، وبخلاف بقية المسيحيين، ترفض البنوة الإلهية للمسيح. في حين أن هذه العقيدة تشبه إلى حد بعيد تلك الموجدة في القرآن : في الكثير من المقاطع، يؤكد القرآن على الطبيعة البشرية للمسيح، واصفا إياه ب “عيسى ابن مريم”. هذا التقارب، جعل العديد من المؤرخين يعتقدون بأن محمدا كان على تواصل مع مسيحيين يهود: في نظر المؤرخ ادوارد ماري جاليس، يتعلق الأمر بالناصريين، وخاصة ورقة ابن نوفل، ممثلهم في مكة، والذي كان على تواصل دائم مع محمد؛ في حين يعتقد المؤرخ دومنيك برنار، وهو مختص آخر في شأن الجماعات المسيحية الأولى، بأن هؤلاء هم الأبيونيون ( جماعة يهودية – مسيحية أخرى كان محمد وأصحابه على تواصل معها).

صحيح أن وجهات النظر تختلف بين هؤلاء المؤرخين الجدد، لكنها تصب كلها في هدف واحد: تحريك المياه الراكدة، وتقديم قراءة جديدة حول بداية الإسلام. ما يعني تعويض الرواية التقليدية، برواية أخرى أكثر مواكبة لمعطيات التاريخ: كان محمد ابن عصره، اعتنق، كما فعل الكثيرون – طبعا فقد كان أكثرهم حماسة وحمية –، ديانة توحيدية كانت حاضرة في شبه الجزيرة العربية؛ بعدها انطلق نحو القبائل العربية المجاورة، مستفيدا من ظروف تاريخية جد مواتية. في ختام هذه القراءة الجريئة حول جذور الإسلام، يمكن القول بأن نسخة الإسلام الحالية، لم تظهر إلا لاحقا، بعد أن تقوت شوكة المسلمين وتعاظم نفوذهم. ضمن هذه الوضعية، أصبح لزاما على الإسلام أن ينفصل عن الديانة التوحيدية اليهودية- المسيحية، ويفرض نفسه كديانة مستقلة.

شاهد أيضاً

من الدولة الاستبدادية إلى الدولة الواهنة: ثقل التاريخ السياسي وأزمات الانتقال نحو الديمقراطية

محمد العربي العياري محمد العربي العياري / تونس بين المقاربة الأيديولوجية وبين التوصيف السياسي، يفرض …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *