الرئيسية / منتخبات / تغطية / قراءة في سيناريو الفيلم المغربي البركة ف راسك لعادل الفاضلي

قراءة في سيناريو الفيلم المغربي البركة ف راسك لعادل الفاضلي


محمد تيسُكمين

محمد تيسوكمين

        “البركة فراسك “فيلم تلفزيوني  جديد للمخرج عادل الفاضلي، انتاج الشركة الوطنية للاداعة والتلفزة المغربية . فيلم أبدع فيه المخرج تقنيا ،وقدم منتوجا جديرا بالتقدير .

         ولكونه منتوجا جديا  ارتأيت أن أبدي حوله بعض الملاحظات على مستوى كتابة السيناريو منطلقا من مسلمة أن الفيلم لو كتب بشكل آخر لكان أفضل مما عليه الآن، دون أن أسمح لنفسي بأن أضع سيناريو آخر بدل سيناريو الفيلم  لأنه من الضروري احترام حدود نفس النص والاشتغال نقديا على ما صرح به  وألزم به نفسه وليس إلزامه بإلزامات خارج النص . مما يعني الاشتغال داخل مساحة الممكنات التي يتيحها بالاحتكام الى  المعايير الضابطة للعملية السردية كإطار مرجعي . فيلزم أن أشتغل  على بناء الشخصية، وأفحص الاختيارات الدرامية المتاحة وملاءمتها لتطور الأحداث .

 عندما تكون الشخصية مكتوبة بشكل جيد ، فإنها تتيح للممثلين أيضا امكانات جيدة للتشخيص ، حيت تصبح لها هوية محددة، بملامح وخصائص واضحة ثابتة ، وان تغيرت فبعد سيرورة سببية معقولة ومقنعة، يغنيها الممثل بمعاينة نماذج واقعية ، يصهر أجزاءها بلمسة إبداعية شخصية تروم الصدق والإقناع

          ومن أجل ذلك لابد من طرح السؤال عن موضوع الفيلم بدقة ، مادام  العنوان نفسه لا يكشف عن الموضوع، هل يتعلق الأمر بحياة أستاذ جامعي استغرق حياته في الجامعة بين التأليف والتدريس، وعندما تقاعد وجد نفسه غريبا عن الحياة ؟ أم عن حياة أب استقال من حياته الأسرية وتخلى عنها لصالح زوجته وعندما تقاعد استفاق على مشاكل لا قبل له بها؟

       1  فإذا كان الجواب هو الاختيار الأول ، فالفيلم لم تحضر فيه أجواء الجامعة  إلا بشكل تعسفي كشف عن حقيقة كون السيناريست غير متمثلة لموضوعها، وهذا الأمر فتح مجالا كبيرا لحضور الكليشي  خاصة في بناء الشخصية التي بقيت اطارا فارغا دون عمق،تتحول أفعالها وردود افعالها وحواراتها إلى ما يشبه لطخات فوطوشوبية  لهاو –غير محترف- على صورة أصلية محاولا عبثا تحويلها إلى أخرى. وهو الأمر الذي جعل أستاذا جامعا-سوسيولوجيا- مناصرا لقضايا المرأة يدافع بمنطق ذكوري فج عن صهره ضد بنته ” الراجل الى ما لقاش الراحة ف بيتو كيخرج يقلب عليها برا” وبنفس المنطق الذكوري يستهجن اقدام ابنه على الطبخ والغسيل رغم أن الأمر يتعلق بالتناوب على الاعمال المنزلية مع زوجته الموظفة أيضا.  ويعاني من خيبة أمل لأنه يؤجل التواجد اليومي مع زوجته والسفر معها إلى البحر إلى فترة التقاعد وكأن مهنة الاستاد الجامعي تفرض عليه أن  يخرج من المنزل ليلا ولا يعود اليه إلا ليلا كما قال في أحد الحوارات .

          لطخات الفوطوشوب شملت أيضا حوار عميدة الكلية عندما نصحته بعد التقاعد بقراءة كتاب أخرجته بعناية من درج مكتبها تقول” هذا الكتاب روعة، فيه حكم كثيرة ونصائح يقدمها جبران خليل جبران بأسلوب جميل ، أقدمه لك كي تتذكرني بين الحين والآخر ” !!  أيكون جبران خليل جبران قد أصدر مؤخرا كتابا جديدا وأرسل نسخة منه للقيدومة  وبأسلوب مختلف عن الأسلوب الذي كتب به مؤلفاته الكثيرة منذ قرن من الزمن؟ والتي قرأها تلاميذ المرحلة الاعدادية ناهيك عن الأساتذة الجامعيين و قيدومي الكليات ؟ طبعا هذا أمر وارد في مثل هذه الوضعيات خاصة أن أستاذنا الجامعي أعلن في المدرج أمام الطلبة أن ابن خلدون في كتابه :”مقدمة ابن خلدون” خصص مساحة كبيرة للمرأة . وخلص للتأكيد على أهمية المرأة إلى اعطاء مثال بزوجته التي ستكون له عونا وسندا أثناء تقاعده !!

     غير هذه الاشارات لم يظهر في الفيلم ما يشير إلى التكوين الأكاديمي للشخصية، ولا انشغاله بهموم الفكر والأدب ولا حتى كونه متعلما !! اللهم بشكل كاريكاتيري حينما تم تجريده من مقومات الذكاء الاجتماعي مثل القدرة على التسوق ليس فقط في الأسواق الشعبية بل حتى في المطاعم ، وجهله بالكامل حتى بالأكثر تداولا  من الوجبات الغذائية بشكل يقرب الشخصية من كائن أتى لتوه من الفيافي والأدغال  .

   2   أما إذا كان غرض الفيلم هو معالجة فكرة اغتراب الانسان  عن ذاته واستلاب الشغل له وفقدان انسانيته وانشغاله المطلق عن الحياة من حوله بما في ذلك حياته الزوجية والأسرية والانتباه الى تفاصيل صغيرة كمولدات سعادة ، ثم  يقظته  بعد التقاعد، وإدراكه متأخرا أن الأوان قد فاته على عيش حياته. إذا كان هذا هو الموضوع ، فشخصية الأستاذ الجامعي لا تفي بالغرب لكونها أقل المهن اغترابا، ويجب الاستعاضة عنها بشخصية أخرى . ولا تفاضل هنا بين شخصية و أخرى إلا بمقدار تعرف السيناريست على هذه الشخصية أو تلك ودرجة إلمامه بالمهنة أو الوظيفة التي سيختارها لشخصيته، فغالبية المهن يحضر فيها الاستلاب بدرجة أو أخرى ، تنقص فقط القدرة الابداعية على إبرازه،  وتتحقق هذه بفعالية أكبر كلما  تعرفنا  على المهنة المختارة عن قرب وتمثلناها أكثر. بمعنى أخر ما يجعلني أختار الحلاق أو الطبيب أو المياوم هو استكناهي لعوالم هذه المهنة مما يتيح لي بناء الشخصية في جميع أبعادها بشكل متسق وصادق.

    عندما تكون الشخصية مكتوبة بشكل جيد ، فإنها تتيح للممثلين أيضا امكانات جيدة للتشخيص ، حيت تصبح لها هوية محددة، بملامح وخصائص واضحة ثابتة ، وان تغيرت فبعد سيرورة سببية معقولة ومقنعة، يغنيها الممثل بمعاينة نماذج واقعية ، يصهر أجزاءها بلمسة إبداعية شخصية تروم الصدق والإقناع .

          وهكذا فقد حضر الموضوعان معا في فيلم” البركة فراسك” للمخرج عادل الفاضلي ، سيناريو  فاتن اليوسفي ، ويحضيان معا بأهمية  وراهنية  بالغتين ، يستحقان معا المعالجة اللازمة . غير أنهما كموضوعين منفصلين وليس كموضوع واحد، وإلا فوفق شروط سردية أقوى  ومجهود بحثي أعمق حتى نستطيع تقديم منتوج بمواصفات فنية وسردية محترمة .

إقرأ أيضا:

الفيلم القصير طالب اتران

4 يونيو 2017 Non classé 0

فيلم قصير اخراج حسن أمرير وسيناريو صديقي محمد تسكمين: فيلم حجاجي في موضوع: “الإنسان كخالق للدلالة وصانع للمعنى”، أي حول المسافة التي يتيحها التأويل بين فعل أر ارترا: يتقيأ، وفعل أر اترا: أي يكتب، وهذه المسافة بين التقيؤ والكتابة ينسبان معا للفقيه في التصور الشعبي وآفاق التأويل الممكنة. فيلم يحكي

رواية رواء مكة بين تنطع المقرئ وانضباط القارئ

17 مايو 2019 تغطيةصدر حديثاكتبنصوص 0

كوة: محمد تسكمين محمد تسكمين بحضور مجموعة من الدعاة والشيوخ، تفضل الداعية المغربي المقرئ أبوزيد الإدريسي بتقديم حماسي للسيرة الذاتية للدكتور حسن أوريد رواء مكة [1]باعتبارها أفضل ما قرأه طيلة عمره المديد من بين آلاف الكتب والمؤلفات،  ناصحا بها مستمعيه قصد اكتشاف هذه التحفة ، ودون  الانسياق مع التفاصيل فإن …

شاهد أيضاً

الاسلام والسياسة والقبيلة وكيمياء السلطة

محمد بصري محمد بصري باحث جزائري القنادسة بشار “لن نصبح متحضرين تماما إلا حين لن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *