Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / المواطنة أو الولادة المدنية للإنسان: بين ارسطو و جون جاك روسو

المواطنة أو الولادة المدنية للإنسان: بين ارسطو و جون جاك روسو

الشهيد العلوي مولاي المهدي-  الصويرة

chaimakov73@gmail.com

المستخلص :

     ان المواطنة موضوع وافد من الثقافة السياسية الغربية،بحمولة فكرية تاريخية،ترتبط بصيرورة تشكل الدولة الغربية الحديثة،عبر تاريخها الطويل،الممتد الى الحقبة اليونانية.إذ لايمكن تجاهل دور تأملات الفلاسفة الإغريق في تحديد المفاهيم الأولية للحداثة السياسية،كالحرية،القانون،الديمقراطية،العدالة،… اهتمت الفلسفة السياسية اليونانية،بتمييز المواطن و تحديد شروطه،خصوصا مع سياسة أرسطو، الذي تعتبر أعماله السياسية بداية  قوية لتشكل مفهوم المواطنة،كمنظومة حقوق و واجبات،تحدد وضعية المواطن،وتؤطر افعاله،داخل الدولة.

إن ارتباط المواطنة بفلسفة الحقوق و الواجبات،سيجعل منها عنوانا بارزا لكل مشروع سياسي و اجتماعي،يريد النهوض بوضعية المواطن وتجويد الحياة السياسية.ولعل مشروع جون جاك روسو،يعتبر واحدا  من ابرز هذه المشاريع،حيث جعل من المواطنة بعثا مدنيا جديدا للكائن السياسي،يتخلص بموجبه من مفاسد السياسة ويستطيع من خلاله تشييد الدولة الديمقراطية كدولة حرية و مساواة و عدالة.

الكلمات المفتاحية:

المواطنة – المواطن – التفاوت – الحرية – المساواة – المدنية

المقدمة

      المواطنة من المفاهيم الفلسفية السياسية التي نجدها حاضرة في انشغالات العديد من التخصصات المعرفية الأخرى. كعلم الاجتماع و علم النفس و العلوم السياسية…ويرجع ذلك بالأساس إلى الطابع السياسي  الحداثي للمفهوم،فهو  يعكس بشكل جلي تمركز الحياة الاجتماعية على  الفرد-الإنسان، الذي يضع القواعد و المبادئ التي ينتج من خلالها حياته،السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية.وتعتبر قضية المواطنة من القضايا التي لازالت تستحوذ على الفكر الإنساني المعاصر،بل إنها من ابرز إشكاليات العالم اليوم الذي يسعى إلى تكريس حقوق الإنسان و تطويرها،وتوثيق الروابط بين المجتمعات،والارتقاء بالمواطن، والحد من تزايد النزاعات و الصراعات السياسية و الاجتماعية.لقد باتت المواطنة المعيار الأساسي الذي يتم توظيفه في قياس جودة الأنظمة السياسية و التنظيمات الاجتماعية و الحكم على تحضر الدول و تقدم الأمم.

       غير أن التطورات التي عرفها مفهوم المواطنة عبر صيرورة تشكله، زادت من تعقيد تركيبته المفاهيمية.بحيث صارت المواطنة كتلة من المفاهيم المتداخلة ذات الأبعاد الأخلاقية و السياسية و التاريخية و الثقافية و الكونية.هذا التشابك ألمفاهيمي للمواطنة مع مفاهيم ذات حمولة فكرية كثيفة،كمفهوم الحرية،العقل،الدولة،القانون،المساواة،الديمقراطية،…… طرح جملة من الصعوبات في ما يتعلق بالإحاطة بدلالة المواطنة وبالتالي ترجمتها  إلى  واقع اجتماعي  يساهم في تغيير جذري للأوضاع الاجتماعية  و السياسية القائمة في العديد من الدول، ومن بينها دول عالمنا العربي.

    حرصت العديد من الدراسات و الأبحاث التي تناولت هذا الموضوع ،على توضيحه و تفكيكه رغبة منها في  تقريبه من وعينا العربي،.واستدماجه في تربتنا السياسية العربية.غير ان هذا المفهوم لازال يتطلب مجهودات كبيرة،من أجل تثبيته بشكلل سليم في منظومة القيم العربية. في هذا الإطار سنحاول في هذا العمل ،الكشف عن ألأبعاد الأخلاقية و السياسية و الاجتماعية،للمواطنة، التي تبرزها كقيمة مركبة من قيم أخلاقية و سياسية،لابد من فهمها لكي نجد لها تقاطعا يتلاءم مع خصوصية قيمنا العربية. لأجل ذلك ارتأينا  مقاربة الأسئلة التالية:

ماهي المواطنة؟ هل هي مجرد ارتباط  ثقافي معطى داخل  جماعة ،أم انها ارتباط مشروط  بتوافر قيم انسانية؟ هل هي مجرد صفة سياسية  جاهزة أم وضع انساني يتم بناؤه بمقومات اخلاقية واجتماعية وسياسية محددة؟ اذاكانت المواطنة وضعا  انسانيا مبنيا،ماهي شروط انتاجه؟

إن مقاربة هذه الأسئلة،ليس أمرا يسيرا،نظرا للشساعة الدلالية لمفهوم المواطنة،ونظرا لدينامكيته،و حركيته التي تتدخل فيها مقتضيات السياقات التاريخية و الثقافية و السياسية و الفكرية.لذلك سنحاول أن نقتصر على استهداف لحظتين أساسيتين في تاريخ المفهوم،لحظة البداية و لحظة التشكل.وأظن أن تحليل اللحظتين يسعفنا في التعرف على أهم ملامح هذا المفهوم و إدراك ابرز شروطه.وهذا ما سيتطلب منا تسليط الضوء  على نقطتين أساسيتين:

الأولى تتعلق بافتراض أن الإرهاصات الأولى للمواطنة ارتبطت بالتفكير السياسي اليوناني،خصوصا مع الفلسفة السياسية الأرسطية التي يمكن اعتبارها محاولة أولى لتقديم مفهوم المواطنة من خلال  الحرص على إبراز الصورة الحقيقية للمواطن في المدينة اليونانية. إضافة إلى كونها  تجميعا منظما للتجربة السياسية اليونانية و اعادة ترتيبها بشكل جد مكثف.(1)

  أما الثانية فتتعلق بافتراض أن تبلور المعنى السياسي و الاجتماعي و الإنساني للمواطنة،بشكل عميق- والذي لازالت له امتدادات قوية في السياسة المعاصرة- ارتبط بالتحليل الفلسفي للمجتمع في نظرية العقد الاجتماعي،خصوصا مع  جون جاك روسو،الذي تعتبر نظريته في العقد الاجتماعي أكثر تأثيرا في الفكر السياسي الغربي، حيث وجهته نحو مراجعة جذرية للعديد من المفاهيم السيااسية كمفهوم المواطن و مفهوم السلطة و القانون …وبالتالي توجيهه نحو تصور جديد للمواطنة، و الحرص على تنزيله  في الأرض السياسية،لدرجة أن كتابه “العقد الاجتماعي” اعتبر إنجيلا للثورة الفرنسية .(2)

 -1في البدء كان المواطن

        منذ أن أعلن أرسطو قولته الشهيرة “الإنسان حيوان سياسي”؛ والتي قصد بها أن الإنسان لا يكتمل وجوده إلا داخل المدينة؛ بدأ مفهوم المواطنة يشغل اهتمام  أرسطو. لذلك سنجد في سياسته  الإرهاصات الأولى لهذا  المفهوم، من خلال  محاولة تعريفه للمواطن في كتاب “السياسة”، و الذي اعتبر فيه أن المواطن لايتحدد بخاصية الإقامة فقط،،فهي وحدها غير كافية لتمييز المواطن،نظرا لكون بعض الفئات كالصناع و العبيد و النساء و… هم أجزاء من المجتمع، يقيمون في المدينة، لكنهم يفتقرون  لصفة المواطنة،فهم  ليسوا مواطنين.إن الذي  يميز المواطن هو المشاركة في الوظائف و المهام السياسية،أي ذاك الذي يقوم بادوار سياسية تتمثل في اتخاذ قرارات تهم تدبير شان الجماعة التي ينتمي إليها.سواء على مستوى وضع القوانين أو تنفيذها.يقول أرسطو:” ندعو مواطن دولة من له في تلك الدولة حق الاشتراك في السلطة الاستشارية والسلطة القضائية.(3)

 و معلوم أن إقصاء أرسطو لهذه الفئات من صفة المواطنة له مبرراته التي لها علاقة بخصوصية المجتمع الآثيني في ذلك الوقت.فقد كان مجتمعا عبوديا،كما أن وضعية المرأة فيه كانت متدنية،حيث لم يكن التشريع الإغريقي يعترف بأهمية المرأة و بقيمتها الإنسانية، التي اعتبرها أقل بكثير من الرجل.

أما  موقف أرسطو من العبيد، و الذي يساير فيه موقف أستاذه أفلاطون،فقد اعتبر فيه العبد عبدا بالطبيعة و السيد سيدا بالطبيعة.كما أن المرأة بالنسبة إليه هي ادني بالطبيعة من الرجل، ودورها لايتعدى القيام بأشغال البيت و تزويده بالأطفال  كما يزود العبد الأسرة بمتطلباتها.( 4)

      يتحدد المواطن في المنظور السياسي الأرسطي إذن،بمحددات عرقية،فهو يوناني الأصل،وأخرى جنسية،فهو رجل وليس امرأة،وأخرى اجتماعية،فهو ليس من طبقة العبيد أو الصناع أو…إضافة إلى محدد سياسي،وهو المشاركة في تدبير الشؤون العامة.كما يتمتع المواطن بمجموعة من الحقوق الأخرى ،إلى جانب الحق السياسي ،كالحقوق الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية، و القانونية التي على الدولة  إن أرادت أن تكون فاضلة،أن تصونها. وقد بين هذه الحقوق في مختلف أعماله السياسية،ك”دستور الأثينيين”و “كتاب السياسة” و ” الأخلاق الى نيقوماخوس”. كما شدد فيها على ضرورة إقرار مبدأ المساواة بين المواطنين و الحرص على التنشئة الاجتماعية السليمة التي تخول إعداد المواطن الصالح.داخل المدينة الفاضلة.

وعليه فإن المواطنة،لدى أرسطو،صفة تتحدد بشروط  عرقية و جنسية و اجتماعية،وسياسية،هذه الصفة التي تعبر عن علاقة قانونية بين الفرد-المواطن و المدينة،بموجبها يشارك في السلطة،ويتمتع بمختلف الحقوق.لهذا،أمكننا القول أن أرسطو في محاولته تحديد المواطن في علاقته بالسلطة،يكون أول من وضع بذور مفهوم المواطنة بمعناه السياسي الضيق.

      الظاهر أن مواطنة أرسطو،مواطنة غير مكتملة،فهي  مواطنة تفتقد للمواطنة،نظرا لغياب احد أهم مقومات المواطنة الكاملة وهو المقوم الاجتماعي  الإنساني، الذي يقتضي توفر المساواة و الإنصاف و الحرية، لتقوية الإحساس بالانتماء إلى الجماعة السياسية.فمواطنة أرسطو تقصي العبيد و الأجانب ممن ليسوا يونانيين و النساء وغيرهم من الفئات الأخرى، كالصناع و الحرفيين و المزارعين،…. هذه الفئات التي استبعدها أرسطو عن  الحق السياسي في المشاركة في اتخاذ القرار،ونزع عنها صفة المواطن.انها مواطنة انتقائية،اصطفائية،و اقصائية، تقوم على شروط عرقية و جنسية وطبقية،.ظلت محكومة بنظرة ثنائية،تقابل بين المواطن و غيره ممن ليسوا مواطنين.فهي بهذا المعنى  تواجد سياسي-سياسي،اكثر منه تواجد انساني-سياسي.

      ان محاولة أرسطو تحديد ماهية المواطن،من حيث شروطه و صفاته و واجباته وحقوقه، تبرز بشكل جلي أن الفلسفة السياسية الأرسطية،رغم ميولاتها العقلانية طغى عليها المعطى العرقي و الطبقي في تصورها للمواطنة.حيث ظلت مسكونة بهاجس  تحليل السياسة من زاوية مفهوم المواطن- اليوناني .لكن على الرغم من ذلك ستمهد للتفكير في علاقة الفرد-الانسان بالدولة، كعلاقة مشاركة في السلطة،وبالتالي بداية تشكل المعالم الكبرى للمواطنة التي ستتحدد كولادة مدنية جديدة للإنسان،خصوصا في نظرية العقد الاجتماعي.هذه النظرية التي ستعيد تاثيث الفكر السياسي الغربي بمفاهيم جديدة،سعت من خلالها إلى تجاوز المنظور السياسي التقليدي،المحكوم بنزعة تصنيفية ثنائية،مهد إليها الفكر السياسي اليوناني منذ أفلاطون و عمقها التحليل الفلسفي السياسي الأرسطي،لما ميز بين المواطن و غير المواطن من العبيد و الحرفيين و …هذه الثنائية التي سنجد لها امتدادا قويا في الفكر السياسي الغربي القروسطي،الذي حكمته ثنائية الكافر و المؤمن في تحديد موقع الفرد من المواطنة داخل الدولة الدينية.

إذن،ماهو التطور الذي عرفه مفهوم المواطنة،في نظرية العقد الاجتماعي،والذي شكل  ولادة مدنية جديدة للإنسان السياسي ؟ما المقصود بالولادة المدنية للإنسان؟وماهي شروط تحققها؟

كلها أسئلة سنحاول مقاربتها من خلال تعقب صيرورة الولادة الثانية للكائن السياسي،في نظرية العقد الاجتماعي لدى جون جاك روسو، احد رواد هذه النظرية و أكثرهم تأثيرا في الفكر السياسي الغربي ألأنواري.

2– الولادة المدنية للإنسان

      مع جون جاك روسو،ستتخذ المواطنة بعدا إنسانيا عميقا،لكونها ستعبر بقوة عن الإنسان –المواطن،الذي سيخرج من رحم الدولة الحديثة،باعتبارها تنظيما اجتماعيا معقلنا،يقوم على دعامتي الحرية و المساواة. فالوضعية السياسية للفرد،ستتوحد بوضعيته الإنسانية،لكونها سترتبط بشكل وثيق بمبادئ الحرية و العقل و الواجب … بعيدا عن المحددات  العرقية و الدينية و الطبقية ….سيؤسس روسو لمواطنة جديدة انطلاقا من تعرية نقدية للمجتمع الحديث،كشف من خلالها عن مفاسده السياسية من جهة، لينتقل إلى تقديم المواطنة كانبثاق جديد لمدنية جديدة ،من جهة أخرى، وذلك وفق شروط محددة.

21-المواطنة،الحلم الضائع في المجتمع الحديث

      يشكل كتاب “أصل التفاوت” لحظة فكرية جد مهمة في الوعي السياسي لجون جاك روسو،ستكون وراء بلورة تصور جديد للمواطنة،كولادة مدنية جديدة للإنسان. في هذه اللحظة  سيوجه روسو  سهام نقده إلى المجتمع السياسي الذي عاصره والذي توارت فيه المعالم الإنسانية للمواطنة. يقول روسو:”لا يتوهم القراء أني  أجرؤ على المباهاة باني اهتديت إلي ما هو صعب الاهتداء إليه،لقد بدأت بسوق بعض البراهين،وحاولت الاعتماد على بعض الافتراضات لا أملا بحل المسألة،بل قصد إيضاحها و حصرها في نطاق حالها الراهنة”. (5)  وقد اعتمد روسو في ذلك على  منهج نقدي مقارن،قابل فيه بين إنسان ما قبل السياسة، الإنسان الطبيعي وإنسان السياسة،معلنا إعجابه بالإنسان الطبيعي،وبحياته الطبيعية- وان كان إنسان حالة الطبيعة مجرد افتراض- فهو كائن يحظى بقيم فطرية نبيلة،مرتبطة بغرائز التعاطف و الشفقة، إضافة إلى غريزة  البقاء التي يحققها بتحصيل الطعام و تجنب الألم. (6) وهذه الشروط هي التي جعلت منه كائنا سعيدا لايعرف للتفاوت ولا للاستبداد ولا للعبودية معنى .

      إن الاستبداد و العبودية،و الاستغلال إفرازات للمجتمع السياسي الحديث، كمجتمع اصطناعي متحضر، مجتمع العلم و الصناعة.الذي فتح  أبواب التفاوت على مصراعيها –  معلوم أن روسو ميز بين نوعين من التفاوت،تفاوت طبيعي،تفرضه الطبيعة:كالتفاوت على مستوى الجسم و العقل و القدرات…وتفاوت أدبي أو سياسي،ناتج عن احتكار امتيازات من طرف جماعة على حساب الأكثرية  – من خلال احتكار السلطة و الثروة و الامتيازات؛ مما ساهم في توليد التمايزات وتفاقم  مظاهر الاستغلال و التسلط. وتهييج مشاعر المنافسة الشرسة، المتمركزة على الذات،والتي تؤجج لهيب الأنانية المتوحشة،وتزيد من هيمنة النزعة الفردانية،التي تعطي الأولوية للمنفعة الشخصية على حساب المنفعة العامة،وتبرر التنصل من المسؤولية،وتفادي التضحية في سبيل مصلحة الجماعة. وكلها انحرافات اجتماعية ناتجة عن انزلا قات سياسية،ساهمت في انتهاك الحقوق،والمس بالكرامة، وتبرير العبودية و الاستبداد؛ لتجعل من المواطنة في بعدها الإنساني حلما مفقودا،لدرجة أن المساواة صارت طموحا بعيد المنال، و الحرية باتت أنشودة يرددها الناس كي تساعدهم على تحمل مختلف أشكال التسلط و القهر و الإقصاء.

         لقد افسد المجتمع السياسي الحديث على الإنسان،صفاء عيشه وهناء حياته التي كانت لديه في حالته الأصلية الطبيعية،لما ضاعت الحرية و المساواة في شذوذ السلطة و انحرافات القانون. ان نقد روسو للمجتمع الحديث،يبرز أن للاجتماع الإنساني مفاسد جمة،إذا لم يتم الانتباه إليها من خلال الكشف عن مسبباتها ،ستضيع مقومات المواطنة بمعناها السياسي و الإنساني.

من الواضح أن مجتمعاتنا العربية اليوم،تجتمع فيها كل  المفاسد الاجتماعية التي  أبرزها روسو في نقده للمجتمع الغربي الحديث في القرن الثامن عشر،لذلك فإن هذه المجتمعات في أمس الحاجة إلى التصالح مع ذاتها،من خلال  مراجعة نفسها،والوقوف بكل جرأة و شجاعة على فشلها الذريع في تشييد صرح المواطنة،ومعه بناء الإنسان –المواطن.وذلك بالكشف الموضوعي عن الأسباب الحقيقية التي توجد وراء انزلاقاتها و انحرافاتها. ولعل من ابززها تعميق التفاوت بين الأفراد،عن طريق توزيع الامتيازات الريعية بحسب الانتماءات العرقية و السياسية و الطائفية و الطبقية،قصد شراء الذمم و الولاءات، حفاظا على استمرارية الإستبداد.

       إن تعميق التفاوت هو العلة السياسية الحقيقية و الموضوعية وراء تردي أوضاع المواطنة في معظم بلداننا العربية،التي تعيش وهم الحداثة السياسية.فالمواطنة فيها تبقى   مجرد فكرة،أو نظرية تعبر عن حلم من أحلام اليقظة،بعيدا كل البعد على آن يتحول إلى نمط اجتماعي للعيش. أو مجرد كلمة يضعها السياسي المسؤول،في حقيبته مع قنينة عطر ونظارات ….لينمق بها خطابه كما ينمق مظهره بنظاراته وعطره.ستظل هذه العلة قائمة،ما لم يتم؛كشرط أول؛ الاعتراف بخطورتها في تمزيق الرابطة الاجتماعية و تهديد التماسك الاجتماعي. ثم العمل؛كشرط ثان؛ على وضع حد لتفاقمها،وذلك  من خلال تجديد التعاقدات، و الحرص على تنمية وعي الالتزام و المشاركة.

2-2-المواطنة،أو الولادة الثانية للإنسان

إن الوقفة الروسوية النقدية،عل المجتمع الحديث،مهدت لإعلانه عن ولادة  إنسان سياسي جديد، ومجتمع جديد، من خلال تجديد جذري لمفهوم المواطنة، وذلك في  تحفته السياسية “العقد الاجتماعي”. فماهي الدلالة الجديدة للمواطنة،والتي أعلنت عن ولادة مدنية أو ولادة سياسية ثانية للإنسان؟

2-2-1-في مضمون الولادة المدنية للإنسان

      إن فكرة المواطنة ،كما تبلورت في ثنايا كتاب “العقد الاجتماعي”،تقوم على مبدأ محوري،هو الالتزام بما تعاقدت عليه الجماعة،كشرط لتقوية الإنتماء إليها.وهذا ما يضفي على المواطنة،من منظور روسو،صبغة أخلاقية و سياسية و وجدانية،تجعل منها القوة التي تزيد الجماعة تماسكا،وتلاحما؛ ا فهي  الجدار الممانع لتطرف  النزعة الفردانية الهائجة،التي تعتبر العامل الرئيسي في إفساد الحياة الاجتماعية و تلويث الممارسة السياسية،التي يتحول فيها مفهوم المواطن إلى معنى أجوف، فارغ  من دلالته الأخلاقية و السياسية، ليصبح مجرد اسم على غير مسمى.

      إن الإنسان المدني الجديد، أو بالأحرى المواطن الجديد،هو إنسان الالتزام بالقواعد و القوانين التي اتخذتها المدينة كموجهات أساسية لحياتها العامة.وهذا ما يتيح له اكتساب مميزات أخلاقية وفكرية ووجدانية خاصة.انه إنسان الواجب،الذي يستطيع أن يطوّع شهوته و يهذبها،ليضع حدا لهمجية الأنانية و ارتجالية المنفعة الشخصية،التي تجلب المفاسد الاجتماعية و الرذائل السياسية. هذا المولود السياسي هو  “الشخص المدني” الذي يحترم ما تقتضيه الحياة العامة من قوانين و ما تستوجبه من قواعد،تمكنه من الإندماج سياسيا و أخلاقيا في الجسم الاجتماعي.الرجل المتأدب اجتماعيا،الذي يستطيع التمييز بين فردانيته ذات النزوعات الأنانية،التي تحكمها المنفعة الشخصية، و بين النزعة الجماعية التي تحكمها المصلحة العامة. فإنسان المدينة،  يعرف جيدا أين تتقاطع المصلحة الشخصية و المصلحة العامة،أين تبدأ الحياة العامة،وأين تنتهي الحياة الشخصية.

      هذا الالتزام الذي يميز الكائن السياسي الجديد،يخول توفير مناخ جماعي سياسي،هو بمثابة فضاء يتيح للمواطن تطوير قدراته العقلية و المعرفية و الفكرية و المهارية. وبتعبير أدق،الإنسان المدني الجديد،كائن متطور ومبدع  داخل صيرورة اجتماعية سياسية متوازنة،يطبعها الحس الجماعي،بدل الحس الفرداني الأناني. إنه إنسان حقيقي، بمظهر قانوني،وجدانيي،واخلاقي، وفكري يبرز سمو روح هذا الكائن المدني  الجديد. وهذا ما صرح به روسو في قوله:”هذا الانتقال من حال الطبيعة إلى حال المدنية أوجد في الإنسان تبدلا ملحوظا،إذ أحل في سلوكه العدل محل الوهم الفطري،وأكسب أفعاله أدبا كان يعوزه من قبل،عند ذاك فقط إذ حل صوت الواجب محل الباعث المحرك- الجسماني،و الحق محل الشهوة”. (7.)

        ان هذه الصفات التي تميز المواطن الجديد،و التي تستمد منها المواطنة دلالتها الأخلاقية و السياسية،لا تقدمها السماء هبة،ولا ينتظر تحققها معجزة،ولا يمكن أن تحل في  المجتمع صدفة،بل هي مكاسب مدنية تحتاج إلى تحقق جملة من الشروط الأساسية،سيفيض فيها جون جاك روسو. فماهي هذه  الشروط التي تحقق الولادة المدنية الجديدة للإنسان؟

2-2-2-في شروط الولادة المدنية للإنسان

      العقد الاجتماعي كما تصوره روسو،هو في جوهره تأسيس لوعي سياسي جديد،يتغيّى تجديد العلاقات الاجتماعية و السياسية من خلال تنقية الرابطة الاجتماعية من شوائبها العرقية و الاقتصادية و الدينية، بإقامتها على التعاقد القانوني، وكذا تخليص علاقات السلطة من الاستبداد بإقامة السيادة على الحرية.على اعتبار أن الحرية هي الحالة الأصلية،أو حالة ما قبل المجتمع،وهي الشرط الجوهري لتكوين المجتمع المدني،لأنه لو لم يكن الإنسان حيوانا حرا و فاعلا،لما أسس مجتمعا مدنيا.

      هذا  الوعي العقلاني بالحياة المدنية،كحياة اجتماعية مشتركة، يمتلكها الجميع، وليست ملكا لأحد و الجميع فيها شركاء، وأحرار، ؛من شانه إن ينتج  المواطنة كواقع اجتماعي ،سياسي و إنساني، وفق جملة من الشروط.

      تعتبر المواطنة حياة اجتماعية تعاقدية مشتركة،يلتحم فيها الأفراد مشكلين جسما اجتماعيا واحدا. وشرط هذه الوحدة هو تعميم السيادة،الذي يضع حدا للتحكم و السيطرة والاستعباد،بحيث لايكون أحد سيدا على أحد.ويتأتى ذلك من خلال تمكين الجميع من  حقه السياسي المتمثل في المشاركة في اتخاذ القرار، أو بالأحرى وضع القواعد و القوانين التي يتم من خلالها تدبير الحياة العامة.بهذا المعنى تتحقق الحرية و المساواة،كشرطين أخلاقيين،من شروط  المواطنة الجديدة.

       إن الحرية،هي اتخاذ  القرار والخضوع له في نفس الوقت،هي  المشاركة في وضع القانون و الإمتثال له؛وهذا ما يحقق  الاستقلال التام للفرد عن إرادة فرد آخر. فعندما يشارك الجميع في وضع القرار،يخضع الفرد للجميع و لا يخضع لأحد، أي أنه يخضع لإرادته التي أصبحت إرادة عامة.هكذا  تأخذ  الحرية،في المواطنة الجديدة شكلين متكاملين،فهي من جهة أولى مشاركة سياسية،في صنع القرار، كما أنها من جهة ثانية، سلوك مدني ، هو بمثابة ترجمة عملية للإرادة العامة. إنها حرية أخلاقية من جهة خضوع الفرد لإرادته،كما انها حرية مدنية من جهة امتثاله للقانون. اما المساواة فهي خضوع الجميع للقانون دون تمييز او مفاضلة،مادام القانون منتوجا للجماعة ،يعبر عن إرادتها.

      إن تحقق قيمتي الحرية و المساواة كدعامتين أساسيتين للمواطنة مشروط بتوفر شرط جوهري في القانون،وهو الإرادة العامة،أي القانون الذي تضعه الجماعة و تتوافق عليه،بحيث يخدم مصلحة الجميع و لايتقيد بمصلحة شخصية.ومن أهم أدوار الدولة التي شدد عليها روسو، هي حماية القانون و رعايته لأنها بذلك ترعى المصلحة العامة و تحمي الجماعة،فهي المنفذ للإرادة العامة،الذي يحرص على ضمان الحقوق و صيانتها. أما إذا كان القانون معبرا عن إرادة شخص او  اقليه ،فهذا يعني انتفاء الحرية و المساواة، وإحلال الاستعباد و الاستبداد و التفاضل السياسي و بالتالي ضياع المدنية و تشوه الكائن السياسي. فالقانون الذي لايمثل الأمة ولايمثل الإرادة العامة،تتكسر على جدرانه،كل قيم المواطنة. مثل هذه القوانين،تنتهك الحقوق،وتنسف الوجود الأخلاقي للجماعة،وتعمق التفاوت،وتشرع للامساواة،وتخنق أنفاس الحرية،لأنها تماسس للعبودية.

      ولكي يتحقق شرط الإرادة العامة في القانون،لابد من أن يكون مصدر تشريعه هو الجماعة نفسها.هذه الأخيرة التي تمثلها الأغلبية،التي اعتبرها روسو القوة الوطنية العامة.هكذا يبرز الشرط الأخر من شروط المواطنة،وهو الديمقراطية التي تكفل للجماعة وضع قوانينها الخاصة،التي لها صلة قوية بحاجياتها المباشرة.و تمكنها  من أن تحكم نفسها بنفسها من اجل نفسها.فالتشريع الديمقراطي وحده  الكفيل بوضع حد لانفرادية القرار،و استبداد الحاكم،وضمان سيادة الآمة.وفق هذا التنظيم الاجتماعي يصبح الأفراد أحرارا و  متساوون بالحق الوضعي،فتعتلي العدالة عرش المدينة.

       غير أن الوجود المدني للإنسان،لم يتحقق بالشكل الذي كان يرغب فيه،بفعل تجاوزات الإرادة الفردية و خروقاتها، التي عاقت ترجمة تلك الشروط إلى واقع اجتماعي سياسي حقيقي. ولعل الانحرافات السياسية التي تعيشها بعض الدول الرائدة في الديمقراطية،بفعل الاختراق السافر للمصالح الراسمالية لجسم الديمقراطية،تشهد على ذلك.ومن ثم اختلفت نتائج العقد الاجتماعي،عن الأهداف المنشودة منه.هكذا يتحمل الإنسان مسؤولية إفساد المدنية و إعاقة المفعولات الإنسانية للعقد الاجتماعي و إجهاض ولادته المدنية الجديدة.

خاتمة

       يتضح ان المواطنة وضع إنساني سياسي، جديد،تجاوز حدود العرق و المعتقد و المقدس و الدم و الطبقة و الجنس، التي تقيد بها في بداية نشأته،ليعبر عن تعايش الإرادات داخل صيرورة تحولات أخلاقية و معرفية و وجدانية، ترتقي بوجود المواطن في مستواه الفردي و في مستواه الاجتماعي. نحو الحرية و المساواة.ولن يتحقق هذا الوضع المنشود،او بالأحرى الولادة الجديدة كوجود مدني جديد ينشده التعاقد الاجتماعي، إلا داخل  سياق اجتماعي تعاقدي، يفصل بين السيادة و الإرادة الفردية،ويحول دون انحرافها.هذا الانحراف الذي يجر  مختلف مفاسد الاجتماع السياسي،وخصوصا التفاوتات اللامشروعة و المفتعلة،التي تضع حدا للمساواة و تقلص من حجم الحرية. و بالتنالي تجهض ظهور المواطن كفاعل حر و أساسي في الحياة الاجتماعية و السياسية.

       ينبغي إذن،أن يتم اعتماد المواطنة،ليس فقط كمشروع سياسي،بل أيضا كمشروع اجتماعي ، إنساني،يستوعب مختلف بنيات المجتمع،السياسية و الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية.بحيث تكون المواطنة أسلوب عيش و نمط حياة،أي مدنية كاملة  ومتكاملة،تجدد نفسها بشكل مستمر في تناغم مع مختلف مكوناتها السياسية و الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية

     1-فاردوارد موريس،موسوعة مشاهير العالم،الجزء 5،دار الصداقة العربية للطباعة والنشروالتوزيع،لبنان، ط1 ،2002،ص 17

2-ف.فولغن،فلسفة الانوار،ترجمةهنرييت عبودي،دار الطليعة، لبنان، ط1،ص،232

3-أرسطو: السياسة،ترجمة،اوغسطين ببارة البوليسي،اللجنة العربية لترجمة الروائع،طبعة ،1969،صفحة 295

4-إمام عبد الفتاح إمام:أرسطو و المرأة،مكتبة مدبولي،القاهرة،ط 1996،صفحة 5

5-جون جاك روسو، كتاب “في اصل التفاوت”، ترجمة بولس غانم،النخبة اللبنانية،بيروت،ص30

6- روسو جان جاك، في العقد الاجتماع ، ت: ذوقان قرقوط، دار القلم، بيروت ص 31

7-نفس المصدر،صفحة 25

شاهد أيضاً

هيغل بين الوطن والوطنية

عبد الفتاح الحفوف  بقلم: ذ عبد الفتاح الحفوف يبدو من السهل على القارئ المحترف والمبتدأ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *