الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / علاقة الفلسفة بتقنيات الرجاء في فلسفة الدين عند كانط

علاقة الفلسفة بتقنيات الرجاء في فلسفة الدين عند كانط

حسن العلوي

  نعتمد في مقاربة فلسفة الدين عند كانط، على قراءة فتحي المسكيني لهذه الفلسفة الذي خصص لها مساحة كبيرة في كتابه: “الايمان الحر”، وكتابه: “الكوجيطو المجروح”. تقوم فلسفة الدين عند كانط في رأينا على أطروحة أساسية؛ تتمثل في إعادة الدين إلى الطبيعية البشرية؛ أو بعبارة كانط إعادة الدين إلى حدود مجرد العقل، حيث لا تعدو المقولات الكبرى التي يدعي الدين تفوقه في استيعابها، مثل فكرة الله، والنفس والخلود والعالم (…) أن تكون جزءا من الطبيعة البشرية؛ أي من طبيعة العقل الداخلية.

يرى كانط أن تلك المقولات، التي تطورت منها تقنيات الرجاء المختلفة التي ابتكرها الانسان في مسار حياته الطويل، هي تقنيات بشرية توصل إليها الانسان وفق ما اقتضته طبيعة العقل، وبعد ذلك جاء فاستولى عليها. ولهذا يتعين على الفلسفة العمل على استردادها واعادتها إلى منبعها. لكي يبقى الدين في حدود مجرد العقل، ولا يتجاوزه إلى دعوى تأتي من خارجه. وهذه الاستعادة ستنتج ايمانا يسميه كانط: “ايمان العقل” أو “الايمان العقلي”. فماهي المقولات والمفاهيم المؤسسة لهذه الأطروحة؟

يدافع كانط عن الله بوصفه خالقا، لأنه هو شرط القول بالحرية الإنسانية ولإمكانية الرجاء، يأتي إلى أنفسنا نتيجة للحرية المشرعة للمعاني الكونية؛ فهو كفكرة يوجد على مستوى عقولنا وليس على مستوى طبيعتنا المحسوسة.

 انطلق كانط من السؤال عن معنى الذات، ليستخلص أن “دين العقل وحده يحق له، أو يمكنه أن يطمح إلى الرجاء بوسائل بشرية”. ولهذا كل ثقافة لا تحترم العقل ولا تسمح بإنتاج مفكرين يرفضون مواصلة حماية ما أصبح ميتا في الموروث الفكري أو الديني لا يعول عليها كما يقول ابن عربي.

اهتمام الفلسفة بقضايا الانسان، وخاصة قضية المصير (الفناء، الخلود)، فرض عليها الخوض في الآفاق الروحية والأخلاقية للإنسان؛ أو لنقل الخوض في تقنيات الرجاء؛ أي البحث في “ما يتخطى ملكاتنا أو قدراتنا الذاتية أو الطبيعية”. والفلسفة في هذا السياق هي: “فن السؤال عن معنى كل أشكال التعالي على حدود عقولنا” وليس كما تفرضها أي سردية خارجية أيا كان نوعها. (الكوجيطو المجروح: 19)

جميع أنواع الما وراء التي عرفها الانسان، نابعة من الرغبة في السيطرة على الألم الكبير؛ ألم الشعور بالضآلة أمام الكون. ترى الثقافات الابراهيمية أن الما وراء الفطري للبشر هو الدين أو التأله، وبمقتضى هذا الجواب تم تحويل الانسان من رتبة البشر، إلى منصب الآدمي. تحويل أدى إلى تحويل السؤال عن أصل وجود الانسان في الكون، إلى السؤال عن الخالق وحَول أيضا: “الكون من حولنا إلى عالم؛ بمعنى مَعلَم أو آية أو علامة على ذلك الخالق”. من أفكار الآدمية والألوهية والعالمية، اخترع الانسان الما وراء والتعالي الأخلاقي على بقية الكائنات. (نفسه: 20)

هذا القرار أدى إلى اعتبار الوجود “دَينا وليس ذنبا، ومن تم أمانة أو اعارة علينا أن نؤديها بشكل لائق”. ولهذا في نظر كانط، ليست الفلسفة ضد الدين؛ بمعنى ضد “الطاعة المحضة بناء على دين أصلي في طبيعتنا”. ولهذا أيضا لا يمكن أن تتجاهل تقنيات الرجاء وفنون الأمل في حياة مستقبلية، التي طورها الانسان طوال تاريخه: “وكأنها مسائل زائفة أو بلا معنى، أو مما يمكن حله بشكل خارجي”.

  فلا مفر للفلسفة من الاشتغال على السؤال الذي يثيره اصطدام العقل بجميع أنواع الما وراء: الأزلي، والأبدي، والمطلق، واللامتناهي، والمفارق، والمتعالي، والغائب (…). وبناء عليه يرى كانط أن ما يهم الفلسفة، ليس نقد الدين، بل الخوض في حاجة البشر الملحة إلى تقنيات الرجاء. يقول المسكيني: “ليست الفلسفة موقفا سياسيا من الدين، كما أنها ليست موقفا ثقافيا من العلم، أو موقفا أخلاقيا من الفن؛ بل هي فن الفحص عما يتخطى أو يزعم أنه يتخطى عقولنا”. (21-22) والعمل على تحريره من هالته الغامضة.

الدين هو أشهر تقنية ابتكرها الانسان، بعد تجارب متعددة على فن الما وراء، ولم يتحول إلى ظاهرة للمثل النسكية بتعبير نتشه الا بعدما “استوعب كل أشكال الما وراء التي بناها العقل البشري (…) بوصفها آفاق معنى” قدمت له علاجا أو شفاء لمعاناة غياب المعنى لوجوده.

ولا يعني ذلك أن الدين قد أسدل الستار عن تقنيات الرجاء الممكنة في أفق حياة الانسان؛ بل يمكن تطوير المزيد من التقنيات في الحاضر والمستقبل. ولا يعني اهتمام الفلسفة بذلك، أن تتحول إلى انتاج تقيات رجاء. فالفلسفة لا تَعِد بأي أمل. وعدها الممكن هو: “الحرية: حرية عقولنا” من الما وراء الذي يهددها أو يدجنها أو يطمس طريقها إلى التذوت القادرة عليه من داخل طبيعتها.

توجد في العقل حاجة، وضعت الأديان اليد عليها يتعين على الفلسفة إعادة تملكها، هي تقنية الرجاء المناسبة لعقولنا، دون أي ضرب من الشعائر النسكية أو الآلة العقدية.

   ينبه كانط إلى أنه ينبغي التحرر من الخلط بين الحاجة إلى الأمل، والحاجة إلى الآخرة. فالدين كما يقول: “يمكن أن يكون أحد أنبل أشكال الانتماء إلى الحياة”، عندما يتحرر من التصور “الرعوي” لمعنى المصير (الاستبداد)؛ إذ لا يحق لأي كان ادعاء أنه “راع” على معنى مصير الانسان. وكل تأويل من هذا النوع، هو موقف كهنوتي، ينظر إلى الانسان بوصفه قاصرا عن ابتكار معنى لوجوده بنفسه.

في هذا السياق نبه كانط، عكس من يشتكون من ضعف طبيعة الانسان، وعدم صفائها إلى أن هذه الطبيعة هي التي بنت: فكرة الواجب المحض إزاء الإنسانية كافة”، فهي “جديرة بالاحترام”. (24) ومن هذا الاقتدار أيضا تأتى للإنسان الوصول إلى فكرة الله: “من الفكرة التي يرسمها العقل قبليا عن الكمال الخلقي، ويربطها بتصور إرادة حرة ربطا لا انفصام له”. دون ادعاء القدرة على التشريع لجميع الكائنات العاقلة الأخرى؛ بل فقط للتي هي مثله، فهو لا يستطيع أن يكون فكرة على وجه الدقة عما يريده من وجوده على الأرض.

  وهنا تتدخل الفلسفة لتحمي قوانين العقل عندما يتعب من التشريع الكوني لجميع الكائنات العاقلة، حيث لا يجد سوى انفعالاته وأوهامه. والمهمة الصعبة للفلسفة هنا، هي اثبات وجود شيء له قيمة مطلقة، تجعل الكائن العاقل غاية في ذاته، وليس وسيلة يستخدمها الغير. وهو ما يصدق على الانسان أيضا. لذا لا يمكن للإنسان أن يخضع إلا لتشريع نابع من ذاته، يتعامل فيه الناس بوصفهم غايات في ذاتها، ولا يمكن أن يتحول فيه أحد إلى مجرد وسائل. (27)

خلص كانط إلى أن الواجب ليس مجرد فكرة؛ بل هو تقنية رجاء يتوصل إليها العقل، عندما يميز بين عالم محسوس، وعالم معقول. وعليه فالرجاء نوع من الاستقلال عن المحسوس، والشعور بانتماء الانسان إلى عالم المعقولات. (29) تشير أفكار: وجود الله، وخلود النفس، وحدود العالم، إلى أشكال التعالي على عقل الانسان وحواسه، وهي: “أنماط قبلية من تخطي الكائن إلى الكينونة”؛ كينونة ثاوية في طبيعة عقل الانسان نفسه. تتجلى عمليا في: كل بحث عن الحقيقة، أو الكينونة، أو المعيارية؛ بل في كل مؤسسة رمزية، وكل قانون كلي، وكل تصور للعدالة (…)

يرى كانط أن الطبيعة المتعالية للعقل، هي التي تقود الانسان إلى الدين، وليس الدعوة التي تأتيه من الخارج؛ أي القدرة على التعالي على المحسوس، وإنتاج مستوى من الكينونة لا وجود له في الواقع؛ هو سلوك كامن في طبيعة عقل الانسان بغض النظر عن نوع ذلك التعالي. (33)

لكن كيف يتحرر العقل من الما وراء الذي يهدده؟ في الجواب فرق كانط بين العقل النظري، والعقل العملي، فهو يرى أن اقحام العقل النظري فيما يتجاوز التجربة يسقطه في الأوهام؛ أي في قضايا الميتافيزيقا التي دخلت إلى الفلسفة عندما فُرض عليها اثبات حسن السيرة “أمام محكمة الملة”. هنا يرى المسكيني أن قوة فلسفة الدين عند كانط تكمن في البحث عن ايمان لا يدين في شيء إلى جميع الأديان الوحيانية، يسميه “الايمان العقلي”. (34)

يدافع كانط عن الله بوصفه خالقا، لأنه هو شرط القول بالحرية الإنسانية ولإمكانية الرجاء، يأتي إلى أنفسنا نتيجة للحرية المشرعة للمعاني الكونية؛ فهو كفكرة يوجد على مستوى عقولنا وليس على مستوى طبيعتنا المحسوسة.

ميز كانط بين الظواهر، وبين الأشياء في ذاتها، فجعل الأخيرة موضوعا للعقل العملي، الذي يقع الايمان والرجاء في خطه، لأنهما عمليان وليسا موقفا معرفيا؛ إذ المعرفة تتعلق بالمحسوس، أما غير المحسوس فهو الخير الأسمى الموجود في أنفسنا ولا نحتاج أن يأتينا من الخارج. (46)

يعطي كانط الأولوية للعقل العملي على العقل النظري، وذلك أنه إذا كانت مصلحة العقل النظري في أن يتوافق مع نفسه (المطابقة)، فمصلحة العقل العملي في أن يوسع العقل النظري والمعرفة التأملية بواسطة الحرية. يقول المسكيني معلقا: “هذا التخريج غير يوناني (…) ولا (…) يجد جذوره إلا في التصور التوحيدي للعقل بوصفه ملكة عملية محضة”. (51)

في هذا الإطار تأتي فكرة الخلود، فهي في نظر كانط، تقنية رجاء متاحة للإنسان لكونه يتميز بالقدرة على الأمل، الذي هو افتراض ضروري لتحقيق أي تقدم أخلاقي للإنسانية، ومهمة الفلسفة هنا هي حماية هذه القدرة على الأمل في التقدم نحو الأفضل أخلاقيا. (53)

يقول المسكيني، مع كانط تم استرجاع: “فكرة الإله وتحريرها من الأدوار السردية التي فرضت عليها من طرف الديانات العالمية”. عاد الله مع كانط: “بوصفه حاجة أخلاقية عميقة؛ أي بوصفه حاجة دفينة في طبيعة البشر، ولا يتأتى استعماله أداة لفرط كماله، يملك ما يسعى البشر لامتلاكه دون القدرة على بلوغ النهاية في ذلك، فالألوهية منبعها رغبة الانسان في أن يوجد منفصلا عن وجوده الحسي الزائل؛ أو قل الرغبة في الخلود قاده إلى التفكير في وجود كيان أبدي يتمتع بما يمكن للإنسان أن يبلغه. (57)

كل رغبة في السعادة والخلود تنطوي على نزعة دينية غير واضحة أو غير واعية، لكن الدين المقصود لدى كانط لا يتعلق بالدين التاريخي الموروث، ابراهيميا كان أو غير ابراهيمي؛ الدين باعتباره تعبيرا متعاليا عن الرجاء الممكن في أفق البشرية. (68)

يقوم الرجاء عند كانط على القبول بما لا يمكن اثباته بوسائل العقل النظري، وإنما بالعقل العملي، لأنه يقع خارج نطاق العلم الوضعي؛ فهو لا يُعرف وإنما هو موضوع الفكر والتفكير. فالله والخلود والحرية (…) قضايا للتفكير، وليست موضوعات للمعرفة، فهي مستمدة من طبيعة العقل، وليس من المعرفة البرهانية. الانسان مجهز بما يقوده إلى طرح السؤال عن هذه القضايا، باعتبارها معاني لا باعتبارها معارف.

فالرجاء معنى وليس حقيقة، وقصدا وليس ظاهرة، وعملا وليس علما. والأخلاق هي الأفق الرحب الذي يفتح أفق الإنسان على الرجاء بجميع مصادراته حول الايمان، والخلود والحرية (…) ورغم أنها أفكار لا يمكن فهم كنهها، كما أنه “لن تستطيع أي سفسطة يوما من أن تقتلعها من صدور أكثر الناس بساطة” (76)، فإنها تعكس حق العقل في توسيع حدوده النظرية. والفلسفة هي القدرة على رسم خرائط جديدة للعقل، والفلاسفة هم جغرافيو العقل، وكل من لا يساهم في توسيع العقل ومجال استعماله، مشكوك في صلته بالفلسفة. وذلك عندما لا يتجاوز المحسوس، انسجاما مع إرادة الانسان التي تنزع إلى ما بعد المحسوس. (78)

توجد في العقل حاجة، وضعت الأديان اليد عليها يتعين على الفلسفة إعادة تملكها، هي تقنية الرجاء المناسبة لعقولنا، دون أي ضرب من الشعائر النسكية أو الآلة العقدية.

حسن العلوي

شاهد أيضاً

المعنى خلف الفلسفة

سمية منيف العتيبي حين يقول جون لوك في كتابة “مقالة في الفهم الإنساني” أن الوعي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *