الرئيسية / ترجمة / إيريك جيوفروي: التصوف حكمة مُسارية[1]

إيريك جيوفروي: التصوف حكمة مُسارية[1]

Le soufisme, un sagesse initiatique Propos recueillis par Octave Larmagnac-Matheron

حوار مع المختص في الإسلاميات: إيريك جيوفروي

ترجمة: عبد الرحمان الرماني – تونس

يُنهل كل من الفكر السني والشعي…التصوف هو حكمة ذات تأثير شامل في العالم الإسلامي. إنه روحانية تلح على البعد الباطني والمساري[2] للدين، عوض أن تلح على التقيد الصارم بلفظ القرآن. إنه أيضا منبع لإعادة التفكير في الإسلام المعاصر، حسب المختص في الإسلاميات إيريك جيوفروي.

أوكتاف لارمانياك ماتيرون: كيف تعرفون التصوف – حضرتكم- في بضع كلمات؟

إيريك: التصوف، وحتى نقولها ببساطة، يستكشف البعد الروحاني، والباطني والمقصور على الخاصة  من الإسلام. ماذا يقول القرآن حقا، لو نتجاوز مرحلة القراءة الحرفية؟ ما الإسلام؟ من يكون النبي  حقيقة؟ ما العالم؟ من نحن؟ ها هي ذي أسئلة يطرحها الصوفي على نفسه. في الواقع إن القرآن يشجع سيرروة الاستبطان[3] هذه، هذا المسار الذي يحوّل الإنسان. والعلاقة بين الشيخ والمريد ضرورية في هذا الارتحال الروحاني. وبهذا معنى، يكون التصوف ذا منحى مساري (طرقي) بشكل شديد العمق، وهو ليس أمرا متوفرا في جل روحانيات العالم.

أوكتاف: هذه  العلاقة الوثيقة مع الوحي استطاعت أن تثير ريبة تيارات أشد ظاهرية، أليس كذلك؟

إيريك: لابد أن ننسب هذه الفكرة. لقد كان كل العلماء الكبار مرتبطين بالتصوف من قريب أو من بعيد. وهو ما يعود بنا إلى القول: أنه لا يوجد دين خال من الروحانية. نعم لقد وجدت بعض حالات لصوفية مضطَهدين أو حتى مقتولين. لكن لم يوجد أبدا في الإسلام نظير لمحاكم التفتيش والمحارق[4]. عموما لقد كان الإسلام مستبغا بقوة كبيرة، بالثقافة والمصطلح الصوفي – لكن الإعلام يتحدث قليلا عن ذلك…فغالبية العلماء وكبار المشائخ متأثرون إلى حد أيامنا هذه بهذا التقليد. إن شيخ الأزهر، في القاهرة، صوفي.

أوكتاف: مع ذلك يوجود عند الصوفية نوع من الريبة تجاه السياسين وأصحاب النفوذ؟

إيريك: صحيح، إن مصطلح “التصوف” تطوّر إما في القرن الرابع أو الخامس. لكن بعد قرن أو قرن ونصف من وفاة النبي في 632 م، كان بعض الحكماء المسلمين قد أظهروا عدم ثقتهم في السلطة السياسية. إنه عصر توسع الإسلام وعصر السلالة الأموية، أوّل إمبراطورية مسلمة تراكم ثورة هائلة. حيال هذا التقوي للسلطة السياسية، اعتنق البعض ضربا من الزهد، ومن التخلي عن العالم والإنقطاع.

لقد تلقى الصوفية هذه الريبة ميراثا، وهي مع ذلك لا تمنعهم  من أن يتوسطوا بين الشعب  وبين أهل النفوذ والسلاطين والخلفاء، وعلينا أن نضيف، أن السلطان(السلطة) الحقيقي في التقليد الصوفي، ليس بيد القادة السياسيين، وإنما بيد “مجلس الأولياء”[5] كانوا أمواتا أو أحياء: فالعالم محكوم بطائفة من القديسين والقديسات، وكل ذلك يعتمل بالتأكيد في العالم الخفي ويبقى غير مرئي لعامة المؤمنين.

أوكتاف: كيف نفسّر ذم الفلسفة الذي يتجلى عند بعض الصوفية مثل الغزالي؟

كل ذلك يُلعب بشكل ما في القرون الأولى من الإسلام: إنا نشهد حينئذاك على تزايد مدارس الفكر. وفي الحقيقة، لا توجد سيادة عليا في الدين الإسلامي لا يوجد “بابا”، ومصادر السيادة متعددة. إن واحدا من المناقشات الأساسية يمكن تلخصيه هكذا: بين الوحي والعقل الإنساني، من يستوجب أن يكون له الأولوية؟ بالنسبة لسواد المسلمين، فإن ذلك من نصيب الوحي دون أدنى أشك، لكن بعض الفلاسفة يشيرون إلى أن القرآن جعل من العقل هبة إلهية، ويشددون على حاجتنا لهذه الأداة حتى نفهم الوحي.

بالطبع هذا لا يروق للتيارات التقليدية، التي منها يأتي ذم الفلسفة، على أي حال ضرب من الفلسفة هو بالأحرى أرسطوطايسي. فأفلاطون، الذي هو أقرب من البعد المسارّي للفلسفة الإغريقية الأصلية، تُلُقيَ  بشكل أفضل في الأوساط الصوفية. ابن عربي أشاد به على سبيل المثال.

الخلاف بين الغزالي (1058-1111) مؤلف كتاب تهافت الفلاسفة، وابن رشد (1126-1198) الذي كتب تهافت التهافت، تعكس هذه الخلافات. بعض المفكرين المعاصرين  يتأسفون على أن ابن رشد لم يكسب هذا السجال، ويدعمون القول؛ بأنه لو كان انتصر ابن رشد لما خسر المسلمون معركة العقل، ولم يخسروا بدوره حداثتنا. لكنّ النقاش حول دور العقل في الإسلام يجتاز كامل التاريخ.

في العربية، اللفظ الذي نترجم به كلمة (Raison) هو (عقل): القدرة على نسج روابط بين الأشياء. أما إتيمولوجيا، (العقل) هو رابط وقيد – شي يحدنا ويمسكنا. بالنسبة لنقّاد الفلسفة، العقل في أحسن حالاته إذً، أداة للحياة اليومية، وعند نقطة معينة، فيما يتعلق بالأشياء الإلهية، لا تعود هذه الأداة تعمل، بل بالعكس، تزجرنا. وقد تلقى الصوفية هذا التقليد النقدي ميراثا. فالرومي على سبيل المثال يتحدث عن العقل كـ’ساق خشبية’. العقل لا يؤدي إلى الحقيقي (الحق) – واحد من أهم أسماء الله في الإسلام. إنه من الضروري، أن نشدد على هذه السمة الابستيمولوجية من التصوف. الفزيائيون الكوانتيون يلمسون اليوم حدود العقل ! تأمل  مبرهنة عدم الاكتمال لغودل: من خلال الرياضيات، نثبت أن الرياضيات غير قادرة على إدراك الواقع في كليته. هذا لنبسّط ما يقوله الصوفية.

أوكتاف: مع ذلك وجد متصوفة فلاسفة !

إيريك: صحيح، في الواقع نجد معجما أفلاطونيا محدثا، في بعض المدارس الميتافيزيقية. كان المتكلم الكبير الغزالي، على سبيل المثال، قد تكوّن في الفلسفة، وفي العلوم الأخرى، في الجزء الأوّل من حياته، قبل أن يكتب “تهافته” وقبل أن يعرف أزمة روحية، بموجبها قد التفت إلى التصوف. فالعلوم التي درسها، لم تمكنه حسب تصريحاته من معرفة الله.  لماذا؟ لأن كل العلوم “العقلية” تنطلق من تجاربنا المضللة للمثنوية، وتشتغل وفقا للنموذج التعقّلي الازدواجي (الثنائي). نعم أو لا، صواب أو خطأ، رجل أو امرأة، صحة أو مرض، إلخ. أن تبلغ الحكمة، بالنسبة إلى صوفي،  يكمن في تجاوزه لهذه التقابلات الازدواجية، حتى يستشعر ويكتشف باطنيا مبدأ التوحيد. أن نتجاوز المثنوية يعني أيضا أن نحجم عن الحكم – على عكس المتكلمين والفقهاء المهمين في العالم الإسلامي، يكتفي المتصوف بالنصح.

أوكتاف: إذا لم يكن نيل الحقيقة متاحا للعقل، فكيف يُعرب  عنها؟

إيريك: يفعل الصوفية ذلك في غالب الأحيان بالتعبيرات الإشارية، والحِكمية[6]، وبجوامع الكلم[7]، والقصائد وأيضا بالسرديات مثل مثنوي الرومي (1207-1273)، وهو مجموعة من القصص المرموز.

أوكتاف: إحدى أهم تيمات الأدب الصوفي، هي الحب، من أين تأتي هذه التيمة؟

إيريك: أولا، من القرآن الذي يطْرق الحب الروحاني بين الله وبين الإنسان، لكن من الأحاديث القدسية أيضا، والتي لا تنتمي إلى القرآن. في القرآن يتكلم الله بثلاث ضمائر: “أنا” و”نحن” و”هو”، وفي الحديث القدسي يتكلم حصريا بضمير المفرد، وهو ما يخلق جوا من الحميمية. “كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق.” هذا الحب ليس إنسيا  وشهونيا، بطبيعة الحال: إنه طاقة مبدعة. إن الحب والمعرفة عند الصوفية متكاملان، فنحن لا نستطيع أن نحب أولائك الذين لا نعرفهم، كما لا نستطيع أن نحظى بالدافع إلى معرفة الله، إذا كنا لا نحبه. ومن أجل تغذية تيمة الحب هذه، استلهم الصوفية، معجم الشعر الغزلي العربي القديم، وحولوه.

“الذات” الإلهية هي كلمة مؤنثة في العربية – كما في الفرنسية- ويُنظر إليها باعتبارها ذاتا أنثوية[8]. فإذا أراد الصوفية ذكر حبهم لله، فإنهم يسندون له أسماء مؤنثة.

أوكتاف: مثلا؟

إيريك: الاسم الأكثر استعمالا هو بلا شك، ليلى، أي الليل. هذا الاسم يستحضر الله باعتباره كينونة مؤنثة، غامضة، تتكشف وتحتجب في ذات الوقت. هذا التجسيد في العلاقة بالله هو واحد من أسباب نجاح التصوف. على النقيض، طور المعتزلة، (خاصة في القرن 5) فكرة إله في غاية التجريد والتنزيه، فكرة لإله متعقل – مع أن الإسلام، الذي يمنع تمثيل الله والنبي قد انتهج بطبعه التنزيه كثيرا- إله لا صلة له بمخلوقاته بمعنى ما، وذلك واحد من أسباب فشل هذا التيار.

أوكتاف: كنت تقول أن واحدا من أسماء الله، كان ليلى، والذي يَصدر عن تيمة الليلة. بيد أن الصوفية يلحون بشدة على تيمة الإشراق…

 إيريك: نعم، إنها مفارقة أخرى، لكنها لا تتجاوز ظاهر القول. يشدد القرآن في غير موضع، على أن النهار يلج الليل والعكس بالعكس، وقد جعل ابن عربي من هذه الموالجة، رمزا جنسيا على المستوى الكوني. إن هذه الصورة القرآنية، بطبيعة الحال، ليست فيزيائية فقط، بل واضح أنها صورة روحانية قبل كل شيء. فلا بد من المرور بالليل، وبالبلاء والوحدة، من أجل بلوغ الإشراق. لابد من المرور بفقدان المقاييس والمرجعيات، الذي هو خاصة الليل.  يؤكد الصوفية  من جهة أخرى، أنّه بعد السفر إلى الله، يبلغ الإنسان السفر في الله. هناك لا يعو ثمة أي مقاييس أبدا، إذ نحن حينها في الواحد: ليس هناك بعد علو أو دنو أو يمنة ويسرة…الليل هو السر الضروري، وهو اللغز الذي يجب على العقل  أن يتوه فيه. قال أحد كتّاب صوفي القرن الثالث عشر، ما يفيد هذا المعنى: ” قد يكون ليل القبض، أنفع لك (روحيا)  من إشراق نهار البسط”[9]. وبانتقالها عبر متصوفة إسبانيا اليهود، ألهمت هذه الفكرة تيمة “الليل المظلم” لدى القديس جان دو لاكروا. وقد أثبتت ذلك دراسات تاريخية.

أوكتاف: الليل والنهار  متعلقان بالرؤية، أما السمع، والغناء والرقص، فهم يحظون كذلك بأهمية كبيرة في العالم الصوفي. أليس كذلك؟

إيريك: تتضارب الآراء حول هذه النقطة، يعد السماع بالنسبة لبعض الشيوخ  معصية، حتى لو كان “أكابيلا” من غير موسيقى. قد نختصر فنقول: إما القرآن أو الصمت. وعلى العكس من ذلك، تعلي “طوابع روحانية ” أخرى، من شأن السماع والموسيقى والرقص. الرومي، مثلا،  كان يدور حول نفسه عشوائيا مع الموسيقى، قرونا قبل أن يقعّد هذا الرقص الطقسي. فعندما يتحرك القلب، هذا العضو الروحي، يتبع الجسد أيضا ويتحرك. لماذا هذا الإلحاح على الموسيقى؟

حتى نفهم ذلك، علينا العودة إلى الآية القرآنية، التي تتعرض إلى الميثاق البدئي: قبل أن تَحُل، كانت الأرواح الإنسانية في الله، في حال من اللاتمايز. حينها قام الله بمطالبة هذه الأرواح أن تشهد على إيمانها – كان ذلك قبل وقت طويل من خلق آدم. في حال اللاتمايز هذه، كانت الأرواح تحظى بنوع من “سماع” الله.

صوت الله شبيه بموسيقى بدئية، هذا يفسر، لما إذا سميت الحواس في القرآن، جاء السمع في المقدمة. وهونفس التصور عند لوثر بالمناسبة ! بعض الموسيقى التي تعزف في هذا العالم تستجلب الحنين إلى حال اللاتمايز هذا، إنها انعكاس شاحب – الاستذكار قد يقول أفلاطون- لما كنا قد سمعناه في الله. لهذا السبب يحتل السماع مكانة مركزية في بعض التيارات الصوفية، فالأمر لا يتعلق بمصاحبة ثانوية، وإنما يتلعق بمنهج روحاني، داخل المسيرة المسارّية.

أوكتاف: بماذا يمكن للتصوف أن يسهم في العالم المعاصر؟

إيريك: كل تعليم يكون روحيا حقا، هو تعليم صمدي؛ يجتاز الزمان والمكان. تؤكد مقولة صوفية على هذا النحو: “لاشيء يسيطر عليك قدر الأوهام”. هذه الحكمة استطاعت أن تُفهم في كل عصر وأن تبقى راهنية، وهي لا تحمل علاوة على ذلك أي طابع إسلامي. قد تستطيع أن تكون مأثورا هندوسيا أو طاويا ! إن نمط الإدراك الصوفي جد لدن، ومرن وديناميكي؛ إذ ليس هو رهين التجذير والرسو التاريخي أو المعياري. في الواقع يتعين على الصوفي أن ينمي حريته الداخلية. رغم أنه صمدي وكان منهلا للإسلام دائما، فقد عرف الفكر الصوفي بعض     التراجع في القرن العشرين، إلى حد السنوات 1970-1980. كان كبار الزعماء الاستقلايين في الأمم المستعمرة، يعتبرون أن الطرق الصوفية تبقي الجمهور فعلا، في تدين ماضوي، وأن على الشعب المسلم أن يستيقظ أمام الغرب. لكن منذ سنوات 1980، وتبعا لفشل مختلف الايديولوجيات السياسية مثل الوحدة العربية والإسلاموية، فإن التصوف عرف ربيعا جديدا.

أوكتاف: ماهي علاقة التصوف، بالتيارات المعاصرة الأكثر ظاهرية مثل الوهابية؟

إيريك: لقد أقامت الوهابية ثم السلفية، غسيل دماغ حقيقي، مما جعل عدد من المسلمين المعاصرين، يجهلون  المساهمة الأساسية للتصوف في جوهر الإسلام وفي الثقافة الإسلامية. بالنسبة لكثيرين، التصوف هو عبارة عن فرقة طائفية[10]. أنا لا أتحدث حتى عن الفكر الجهادية الذي يندرج في جزء منه تحت طائلة الطب النفسي. رغم هذه العدائية، تظهر الإحصائيات أن هناك إرادة لدى الكثير من المسلمين، لإيجاد دعوات أخرى للإسلام، وكثير من غير المسلمين هم منجذبون إلى التصوف. منذ فترة، أظهرت واحدة من باحثات الدكتوراه عندي، أن هناك مواقع إنترنات صوفية، أكثر من المواقع السلفية، لكن واضح أنا نتحدث عن جهادي واحد أكثر مما نتحدث عن ألف صوفي  – مع أنهم يبذلون أنفسهم جيدا على المستوى الاجتماعي. في الحقيقة، أنا أعتقد أن الزيغ اللا إسلامي، الذي يمثله الإرهاب، لا يستطيع إلا أن يدفع بشكل عكسي نحو الروحانية. هذا العنف هو علامة على عالم إسلامي، في حال سيئة للغاية، وفي حاجة لاستئناف العلاقة بروحانيته.  إن بلدان الخليج التي يظهر أن حالهم أفضل من البقية، هم في الغالب جنات اصطناعية، وملاذات واهنة.

إنه لمن الضروري أن يعيد الاسلام، اكتشاف الطاقة الروحية التي فيه، وهو ما يتطلب اهتماما بالأوساط الصوفية: هذه الأوساط يجب أن تتحد، حتى تستطيع الحكمة الكونية التي يحملونها من مساعدة العالم على مجابهة كبريات القضايا المعاصرة، في تضافر بطبيعة الحال، مع الروحانيات الأخرى.

إن غالبية المشائخ الصوفيين منفتحون على الكونيِ؛ سواء لدى الرومي، أو لدى ابن عربي، فإن أرباب التصوف كانوا دائما منفتحين على المنظور البَيْندِيني (بين الأديان)، والذي هو في الحقيقة منظور قرآني. هناك ما يكفي من الكتابات اليوم حول هذه النقطة. لكن دون أن نسقط في المثالية، يمكن أن يكون بعض الشيوخ، متحفظين، وعدائيين ومنغلقين وفقا للسياقات.

في رحاب مؤسسة “وعي صوفي” التي أترأسها، نحن نحاول أن نشتغل على هذا التطور في التصوف، إن نظام الطرق يبقى مهما، إلا أن هذه المؤسسات التي تعود إلى القرن الثاني عشر، لها حدودها وأمراضها، أنا أعتقد أنه سوف يتوجب على التصوف أن يأخذ أشكالا أخرى، ولا ننسى أنه  كان هناك ستُّ قرون من التصوف قبل بروز الطرق.

لقد غذى المبدأ الذكري الغاوي، الذي يعتمل دخل الحداثة منذ القرن17، كلا من الهيمنة الأوروبية، والاستعمار، والحروب العالمية، والعلموية، والرأسمالية المتوحشة، وكذا تخريب المحيط.

يأتي الأنثوي اليوم، ليوازن هذا الاختلال، وإن في الواقع كان للأنثوي مكانة هامة في الإسلام كما في التصوف في العصور القديمة.  إن ذلك ضورري، ودونه سوف نصطدم مباشرة بالحائط، خاصة فيما يتعلق بالأزمة الإيكولوجية. ومن البديهي أن هذا المبدأ الأنثوي، لا ينحصر في المرأة البيولوجية: إنه مبدأ ميتافيزيقي.

أوكتاف: حتى نختم…ما قد يكون تعريفكم للحكمة؟

إيريك: يقول مأثور صوفي: “الصوفي هو ابن وقته”. ذلك يعني أن الحكمة تقتضي إدراك بداهة اللحظة: أن تصل إلى إدراك الآيات (العلامات) التي يرسلها الله في كل حين.

إذا لم نكن نحن حضورا لأنفسنا، فستمر هذه العلامات، وسنضيع فرصة لتحقيق أنفسنا. بل حتى في الأخبار السيئة التي تغرقنا بها وسائل الإعلام، يجب علينا أن ندرك الإيجابي، عوض أن نضيع الوقت في التشكي. مثلا كون الولايات المتحدة لها رئيس كدونالد ترامب، فإن ذلك يستوجب أن يستحثنا على الوعي بأن بِنى الحداثة الحالية في طريقهم للانهيار.  إن الروحانية، لا يجب أن تكون أثيرية أو صفوية، وإنما يجب أن تجسد، وأن توجه نحو العالم. صيغة بديلة من المأثور الذي كنت أذكره يعطي التالي: “الصوفي هو ابن عصره”.


[1]  بالإمكان ترجمة كلمة Initiatique  هنا إلى طرقية لأن ذلك هو المعنى من المسارة، كما يمكن أيضا ترجتمها إلى كلمات أخرى معتمدة، لكن تم اختيار لهذا اللفظ بدل الطريقة، لأن المسارة لفظ انتروبوجلي، يتجاوز خصوصية التجربة الطرقية ويتضمنها.

   Initiatique [2]

[3]  الترجمة للفظ intériorisation  وليس للفظ introspection

[4]  إشارة إلى الإعدام حرقا

[5]  كان يشار إليهم في مرحلة الزهد، بأهل الظلمة، ثم صار التعبير عنهم بألقابهم كالسلطان والخليفة والملك…(المترجم)

[6]  الكلمة الأصل هي Sapience .

[7]  أعتقد أن كلمة Aphorisme تتُرجم إلى جوامع الكلم، أو في صورة أخرى الكلم الجامع، وقد اعتمدت لأنها أكثر أصالة في السجل اللغوي العربي.

[8]  الحديث هنا عن نظرة المتصوفة.

[9]  هي حكمة من الحكم العطائية وعددها 150، ونصها الأصلي هو التالي:” ربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في إشراق نهار البسط”. (المترجم)

[10]  اعتمدنا هذه الترجمة لكلمة secte  مع أنا نميل لاعتبارها أقرب من حيث الدلالة اللغوية إلى كلمة شيعة أو ربما نحلة.

شاهد أيضاً

عندما يُحَوِّلُ الْاِسْتِبْدَادُ الْاِسْتِعْبَادَ الى طَبِيعَةَ ثَانِيَةٍ

قراءة في رواية مزرعة الحيوان عمرون علي “الثورة لا تنتمي أبدا لمن يفجر شرارتها وإنما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *